"السلطة في الإسلام": عبدالجواد ياسين يفك اشتباك النص والتاريخ

1950
عدد القراءات

2018-12-30

لقد فقد العقل المسلم بفعل القهر معظم "حاسته النقدية" بينما تضخمت "حساسيته النقدية" أي حساسيته تجاه النقد) فإلى متى سيظل العقل السلفي حبيس أوهامه وفي عداوة مع نفسه ومع العصر؟

يضع ياسن التاريخ الإسلاميّ في محكمة العقل ويندفع بمغامرة جسورة لفتح باب الاجتهاد الذي أغُلق منذ قرون

وإلى متى ستبقى المنظومة الفقهية السلفية تحتكر الدين والتاريخ وتحل قتل النفس التي حرم الله بغير حق، وتغلق باب الاجتهاد والرأي وتضّيق على الحرية؟
هل ثمة غاية من احتكار الحقيقة والاستبداد بالرأي غير احتكار السلطة والاستبداد بها؟.
متى سيحكم حاضر المسلمين على ماضيهم بدل أن يحكم "ماضيهم" على حاضرهم ويتحكم فيه، وتنتهي محنة العقل؟
هل تشكّلت السلطة في الإسلام من خلال النص أم تشكلت من خلال التاريخ؟
غلاف الكتاب

نقد العقل المسلم
مثل هذه الأسئلة وغيرها يشتبك معها عبد الجواد ياسين في كتابه "السلطة في الإسلام- العقل الفقهي السلفي بين النص والتاريخ"، ويعالجها بمنهجية عقلية جدلية ما زالت تثير التوجس في الفكر السلفي حتى اليوم، وباستبصار القاضي في تقصي الدليل، يضع التاريخ الإسلاميّ في محكمة العقل، ويندفع في مغامرة جسورة لفتح باب الاجتهاد الذي أغُلق منذ قرون.

لا يقف عند نقد الحركات الأصولية ذات النزوع السلفيّ بشكل مباشر بل يتعداها إلى نقد العقل المسلم

ولا تأتي أهمية عمل عبد الجواد ياسين في كتابه المذكور من أهمية موضوعه، ومن غنى مادته فحسب، بل ومن كونه نقلة نوعية في فكر الرجل من نقد الآخر وفق منهجيّة إخوانيّة سلفيّة باعتباره في "جاهلية معاصرة" على خطى سيد قطب وأفكار حركة الأخوان المسلمين في مصر التي اجتذبت المؤلف ردحاً من الزمن في سن الشباب، إلى نقد الذات ومراجعتها وفق منهجية عقلية برهانية على خطى محمد عابد الجابري ومحمد أركون أو في "موازاة مشروعهما" كما يقول محتفظاً لمشروعه بفرادة تميزه وهذا حق له.

محمد عابد الجابري

  فالكاتب إذ ينطلق مهموماً بفكرة الحرية وكيفية معالجة السلطة في الإسلام لقضية الحريات، لا يقف عند نقد الحركات الأصولية ذات النزوع السلفيّ بشكل مباشر، بل يتعداها إلى نقد العقل المسلم الذي يرى أنه قد فشل في النفاذ إلى جوهر الدين، بل استورد نظرية من التاريخ وتوقف عندها. فيقول في إحدى مقابلاته: "فالحركات والمنظمات والجماعات وحتى الدول الإسلامية كلها تداعيات فرعية وتفصيلية لهذا للعقل المسلم. حتى التيارات الأكثر تنوراً والأكثر خروجاً عن الإطار التقليدي لتعريف السلفية، هي عقول سلفية بالكامل" بحكم ارتباطها ودورانها الفكري في حقبة التأسيس أو حقبة التدوين اللاحقة عليها، علماً أن حقبة التدوين تلك المرتبطة بتاريخ السلطة وتمثل أحد تجلياتها، لا تطرح إلا مفهومها الخاص للدين وتصورها لشكل التديّن الذي يتم توارثه بعد ذلك على أنّه الدين.

اقرأ أيضاً: عبد الجواد ياسين: مايسترو الارتحال
والأزمة الحقيقية التي وقعت فيها العقول الإسلاميّة الثلاثة الأشهر في التاريخ الإسلاميّ المتمثلة في العقل السنيّ والعقل الشيعيّ وبدرجة أقل الإباضيّ - أحد فرق الخوارج- أنّها اعتبرت السياسة متعلقة بالدين أو جزءاً من الدين وهو دليل خلل في هذه العقول. فيما غيّب التاريخ الرسميّ الذي تسيدت عليه هذه التيارات، اللمحات العقلية المضيئة المتمثلة في تيار المعتزلة وتيار ابن حزم وابن حنيفة بدرجة ما، بالرغم من أنّها لم تسلم تماماً من عدوى السلفيّة ولم تنجُ تماماً من الوقوع في فلك السلطة هي الأخرى في مرحلة من تاريخها.

اقرأ أيضاً: لماذا يصرّ السلفيون على هدم أبو الهول والأهرامات؟
ومع ذلك فقد ظلت خارج دائرة الاعتراف بشرعيتها في التاريخ الإسلاميّ الرسميّ أو بقيت على هامشه منذ سيطرت المنظومة الفقهيّة السلفيّة عليه، وهي مدرسة أهل الحديث التي تعتبر نفسها المتحدث الرسميّ والممثل الوحيد للإسلام. الأمر الذي دفع الكاتب لفتح جرح السؤال: عن أي إسلام نتحدث وفي أي إسلام نبحث؟ إذ يعتقد ياسين أنّ الباحث يقع على إسلامين اثنين أولهما: إسلام النّص الثّابت بالوحي كتاباً وسنّة صحيحة أو "مصحّحة" وفق تعبيره وثانيهما: إسلام الواقع التّاريخي المتمثّل في أنظمة الحكم المتعاقبة، التي قامت على أرض الإسلام أو انتسبت إليه عادة لا بسبب من التّمثل الموضوعي لقيّمه ومبادئه، وإنّما بسبب الرّاية الاسمية التي ظلّت مرفوعة به ردحاً من الزمن، والتي عملت منظومتها الفقهيّة على "تنصيص" الفقه، وهو منطقة متغيّرة بحال الزمان والمكان، حتى غدا مصدراً نصيّاً ثابتاً ملزماً لا يقل شرعية وقداسة عن قداسة نص الوحي ذاته.

لا يقف عند نقد السلفيّ ويتعداه لنقد المسلم الذي يرى أنه فشل في النفاذ إلى جوهر الدين

ولأن هذا الواقع  الأخير هو الذي يقدم من خلاله الإسلام للعالم اليوم "فمن واجبنا الاعتراف بشيء من الأعذار والتقدير حيال المخاوف التي تبديها قوى مختلفة حول قضية الإسلام ونظام الحكم في الدولة، لأن من شأن هذا النظام في الحقيقة أن يثير جملة من التداعيات المستهجنة، التي تستحضر معاني القهر والاستبداد ونفي العقل والحرية"، من هذا الواقع الأخير ينطلق القاضي عبد الجواد ياسين في فرضية بحثه التي ترى "أنّ السلطة لم تتشكل من خلال النص، وإنما تشكلت من خلال التاريخ، ليس ذلك فحسب، بل إنّ تاريخ السلطة قد أدّى دوراً في تشكيل النص"، وهذه الفرضية هي ما يسعى الباحث لإثباتها عبر الاشتباك مع جملة من الأسئلة والمفاهيم على محورين أساسيين يشكلان متن الكتاب ويفضي كل منهما إلى الآخر، إذ يقرأ في المحور الأول النص على ضوء التاريخ، ويفرد المحور الثاني لقراءة التاريخ على ضوء النص.
جدلية النص والتاريخ
  بإسهاب كبير واستقصاء متعدد الإحالات والشواهد المرجعية، يخلص عبد الجواد ياسين بعد تقليب طويل لصفحات التاريخ الإسلامي واستقصاء إسهام التيارات والفرق الإسلاميّة المتجاورة أو المتعاقبة زمنيّاً في تشكيل ما صار يُعرف بالمرجعيّة الفقهيّة السلفيّة في موضوع السلطة، وبعد قراءتها على ضوء النص الخالص أو نص الوحي "إنّ النص القرآني في لحظته النّصية الأولى يؤكّد خلوّه من الوصية بالسلطة لفرد أو أسرة"، بل إنّ مساحة الحرية في النص أوسع من مساحة الإلزام، إذ الأصل في الأشياء هو الإباحة قبل التقنين والتقييد، وهي ما يقع في دائرة المسكوت عنه، وهي "دائرة كائنة بالأساس على سبيل الأصالة والابتداء، وتعني وقف الإلزامية في الإيجاب والتحريم. ولا معنى من السكوت إلا أن يكون مقصوداً من الشارع العليم"، ومتروكاً لعقل الإنسان الذي استخلفه الله في الأرض وحريته في تدبير شؤون دنياه وفق مقتضى الزمان والمكان ومنفعة الفرد والمجتمع.

يخلص ياسين أنّ النص القرآني يؤكّد خلوّه من الوصية بالسلطة لفرد أو أسرة ومساحة الحرية أوسع من الإلزام

ولما كان العقل الفقهي وأدواته المعروفة في الإجماع والقياس وآراء أهل المدينة لا يعمل إلا في هذه الدائرة  بالذات، فقد عمل العقل الفقهي الجبري على تضييقها وتحجيمها بسحر البيان اللغوي ووفق قياس الشاهد على الغائب، وهو ما تكرّس في منظومة الحديث السلفية ابتداءً من الشافعي حتى الشاطبي، واكتملت دائرته باكتمال عصر التدوين. ولما كانت الفتن السياسية جزءاً من تاريخ المسلمين وملازمة لهذا التاريخ منذ ما يُعرف بالفتنة الكبرى فقد ساهمت هذه الفتن في "صناعة" جزء لا يستهان به من النّصوص المنسوبة إلى السنّة؛ ومن هنا "فإنّ طغيان الدّور الذي أدّاه التّاريخ السّياسي في تكوين العقل المسلم لا يتمثل في مزاحمته للنّص الشّرعي الخالص فحسب، بل يتمثل أيضاً في تصنيعه لجزء من بنية هذا النّص".
وقد واكب ذلك وساعد عليه، وفق ياسين، تنامي عملية الطّلب على الحديث النّبوي، التي كانت المنظومة السنّية قد شرعت فيها بكثير من المبالغة والنّهم كرد فعل على الشيعة ، مما أدّى إلى توافر كميات هائلة من النّصوص المنسوبة إلى السنّة، لكن على الرغم من ذلك ظلّ دليل الإجماع، أي فعل الصحابة، هو الدّليل الرّئيسي في عملية تأسيس الخلافة.

اقرأ أيضاً: كيف خرجت السلفية من رحم الإصلاح الديني؟
وهو ما عبّر عنه المؤلف بعملية "التنصيص السياسي" التي أدّت إلى تديين الحوادث التاريخية، وأكسبتها منذ اكتمال التدوين مشروعيّة النص الثابت ذاته وقداسته، وما يزال العقل المسلم حبيس هذه المرجعيّة حتى العصر الراهن ومبنيّاً عليها، وقضاياها المطروحة في زمنها الأول ما تزال حاضرة في الطرح الراهن للإسلام السياسي وتنظيماته الحركية على اختلافها، وهو ما يولّد فجوة بين العقل المسلم والعصر وبينه وبين العقل الإنساني بوجه عام.
وإن الاستمرار في عرض الإسلام للعالم كما تقدمه المنظومة السلفية اللانصيّة المكدّسة بجبال من الفقه (الذي هو تاريخيّ وإقليميّ بالضرورة) والمشبعة بروح الخصومة مع العقل والتوجس من الحرية، لن ينتج إلا مزيداً من تكريس الفصام بين الإسلام وبين العالم؛ "لذلك لا بد من أن إعادة الاعتبار لدائرة المباح، التي تعادل في عبارة موجزة دائرة (الحرية الإنسانية) في مجال التشريع، تلك التي كانت مجالاً مستباحاً "لسلطة الفقه" التي منحت نفسها- من خلال القياس ودعوى الإجماع- صلاحيّة النص الشرعيّ إنّ بوعي أو بغير وعي، وأسهمت في تنويم العقل المسلم وحرمانه من فرصة التدرب على ممارسة الحرية"، الأمر الذي يفرض على هذا العقل أن يخلص نفسه من نفسه، أي من وصاية تاريخه الإقليميّ الطويل، وأن يبدأ بالتخلص من بعض "العقد" التاريخيّة التي لازمته طويلاً وظلت تحول بينه وبين مراجعة الذات.

اقرأ المزيد...

الوسوم:



"السلطة في الإسلام": عبدالجواد ياسين يفك اشتباك النص والتاريخ

عدد القراءات

2018-12-30

لقد فقد العقل المسلم بفعل القهر معظم "حاسته النقدية" بينما تضخمت "حساسيته النقدية" أي حساسيته تجاه النقد) فإلى متى سيظل العقل السلفي حبيس أوهامه وفي عداوة مع نفسه ومع العصر؟

يضع ياسن التاريخ الإسلاميّ في محكمة العقل ويندفع بمغامرة جسورة لفتح باب الاجتهاد الذي أغُلق منذ قرون

وإلى متى ستبقى المنظومة الفقهية السلفية تحتكر الدين والتاريخ وتحل قتل النفس التي حرم الله بغير حق، وتغلق باب الاجتهاد والرأي وتضّيق على الحرية؟
هل ثمة غاية من احتكار الحقيقة والاستبداد بالرأي غير احتكار السلطة والاستبداد بها؟.
متى سيحكم حاضر المسلمين على ماضيهم بدل أن يحكم "ماضيهم" على حاضرهم ويتحكم فيه، وتنتهي محنة العقل؟
هل تشكّلت السلطة في الإسلام من خلال النص أم تشكلت من خلال التاريخ؟
غلاف الكتاب

نقد العقل المسلم
مثل هذه الأسئلة وغيرها يشتبك معها عبد الجواد ياسين في كتابه "السلطة في الإسلام- العقل الفقهي السلفي بين النص والتاريخ"، ويعالجها بمنهجية عقلية جدلية ما زالت تثير التوجس في الفكر السلفي حتى اليوم، وباستبصار القاضي في تقصي الدليل، يضع التاريخ الإسلاميّ في محكمة العقل، ويندفع في مغامرة جسورة لفتح باب الاجتهاد الذي أغُلق منذ قرون.

لا يقف عند نقد الحركات الأصولية ذات النزوع السلفيّ بشكل مباشر بل يتعداها إلى نقد العقل المسلم

ولا تأتي أهمية عمل عبد الجواد ياسين في كتابه المذكور من أهمية موضوعه، ومن غنى مادته فحسب، بل ومن كونه نقلة نوعية في فكر الرجل من نقد الآخر وفق منهجيّة إخوانيّة سلفيّة باعتباره في "جاهلية معاصرة" على خطى سيد قطب وأفكار حركة الأخوان المسلمين في مصر التي اجتذبت المؤلف ردحاً من الزمن في سن الشباب، إلى نقد الذات ومراجعتها وفق منهجية عقلية برهانية على خطى محمد عابد الجابري ومحمد أركون أو في "موازاة مشروعهما" كما يقول محتفظاً لمشروعه بفرادة تميزه وهذا حق له.

محمد عابد الجابري

  فالكاتب إذ ينطلق مهموماً بفكرة الحرية وكيفية معالجة السلطة في الإسلام لقضية الحريات، لا يقف عند نقد الحركات الأصولية ذات النزوع السلفيّ بشكل مباشر، بل يتعداها إلى نقد العقل المسلم الذي يرى أنه قد فشل في النفاذ إلى جوهر الدين، بل استورد نظرية من التاريخ وتوقف عندها. فيقول في إحدى مقابلاته: "فالحركات والمنظمات والجماعات وحتى الدول الإسلامية كلها تداعيات فرعية وتفصيلية لهذا للعقل المسلم. حتى التيارات الأكثر تنوراً والأكثر خروجاً عن الإطار التقليدي لتعريف السلفية، هي عقول سلفية بالكامل" بحكم ارتباطها ودورانها الفكري في حقبة التأسيس أو حقبة التدوين اللاحقة عليها، علماً أن حقبة التدوين تلك المرتبطة بتاريخ السلطة وتمثل أحد تجلياتها، لا تطرح إلا مفهومها الخاص للدين وتصورها لشكل التديّن الذي يتم توارثه بعد ذلك على أنّه الدين.

اقرأ أيضاً: عبد الجواد ياسين: مايسترو الارتحال
والأزمة الحقيقية التي وقعت فيها العقول الإسلاميّة الثلاثة الأشهر في التاريخ الإسلاميّ المتمثلة في العقل السنيّ والعقل الشيعيّ وبدرجة أقل الإباضيّ - أحد فرق الخوارج- أنّها اعتبرت السياسة متعلقة بالدين أو جزءاً من الدين وهو دليل خلل في هذه العقول. فيما غيّب التاريخ الرسميّ الذي تسيدت عليه هذه التيارات، اللمحات العقلية المضيئة المتمثلة في تيار المعتزلة وتيار ابن حزم وابن حنيفة بدرجة ما، بالرغم من أنّها لم تسلم تماماً من عدوى السلفيّة ولم تنجُ تماماً من الوقوع في فلك السلطة هي الأخرى في مرحلة من تاريخها.

اقرأ أيضاً: لماذا يصرّ السلفيون على هدم أبو الهول والأهرامات؟
ومع ذلك فقد ظلت خارج دائرة الاعتراف بشرعيتها في التاريخ الإسلاميّ الرسميّ أو بقيت على هامشه منذ سيطرت المنظومة الفقهيّة السلفيّة عليه، وهي مدرسة أهل الحديث التي تعتبر نفسها المتحدث الرسميّ والممثل الوحيد للإسلام. الأمر الذي دفع الكاتب لفتح جرح السؤال: عن أي إسلام نتحدث وفي أي إسلام نبحث؟ إذ يعتقد ياسين أنّ الباحث يقع على إسلامين اثنين أولهما: إسلام النّص الثّابت بالوحي كتاباً وسنّة صحيحة أو "مصحّحة" وفق تعبيره وثانيهما: إسلام الواقع التّاريخي المتمثّل في أنظمة الحكم المتعاقبة، التي قامت على أرض الإسلام أو انتسبت إليه عادة لا بسبب من التّمثل الموضوعي لقيّمه ومبادئه، وإنّما بسبب الرّاية الاسمية التي ظلّت مرفوعة به ردحاً من الزمن، والتي عملت منظومتها الفقهيّة على "تنصيص" الفقه، وهو منطقة متغيّرة بحال الزمان والمكان، حتى غدا مصدراً نصيّاً ثابتاً ملزماً لا يقل شرعية وقداسة عن قداسة نص الوحي ذاته.

لا يقف عند نقد السلفيّ ويتعداه لنقد المسلم الذي يرى أنه فشل في النفاذ إلى جوهر الدين

ولأن هذا الواقع  الأخير هو الذي يقدم من خلاله الإسلام للعالم اليوم "فمن واجبنا الاعتراف بشيء من الأعذار والتقدير حيال المخاوف التي تبديها قوى مختلفة حول قضية الإسلام ونظام الحكم في الدولة، لأن من شأن هذا النظام في الحقيقة أن يثير جملة من التداعيات المستهجنة، التي تستحضر معاني القهر والاستبداد ونفي العقل والحرية"، من هذا الواقع الأخير ينطلق القاضي عبد الجواد ياسين في فرضية بحثه التي ترى "أنّ السلطة لم تتشكل من خلال النص، وإنما تشكلت من خلال التاريخ، ليس ذلك فحسب، بل إنّ تاريخ السلطة قد أدّى دوراً في تشكيل النص"، وهذه الفرضية هي ما يسعى الباحث لإثباتها عبر الاشتباك مع جملة من الأسئلة والمفاهيم على محورين أساسيين يشكلان متن الكتاب ويفضي كل منهما إلى الآخر، إذ يقرأ في المحور الأول النص على ضوء التاريخ، ويفرد المحور الثاني لقراءة التاريخ على ضوء النص.
جدلية النص والتاريخ
  بإسهاب كبير واستقصاء متعدد الإحالات والشواهد المرجعية، يخلص عبد الجواد ياسين بعد تقليب طويل لصفحات التاريخ الإسلامي واستقصاء إسهام التيارات والفرق الإسلاميّة المتجاورة أو المتعاقبة زمنيّاً في تشكيل ما صار يُعرف بالمرجعيّة الفقهيّة السلفيّة في موضوع السلطة، وبعد قراءتها على ضوء النص الخالص أو نص الوحي "إنّ النص القرآني في لحظته النّصية الأولى يؤكّد خلوّه من الوصية بالسلطة لفرد أو أسرة"، بل إنّ مساحة الحرية في النص أوسع من مساحة الإلزام، إذ الأصل في الأشياء هو الإباحة قبل التقنين والتقييد، وهي ما يقع في دائرة المسكوت عنه، وهي "دائرة كائنة بالأساس على سبيل الأصالة والابتداء، وتعني وقف الإلزامية في الإيجاب والتحريم. ولا معنى من السكوت إلا أن يكون مقصوداً من الشارع العليم"، ومتروكاً لعقل الإنسان الذي استخلفه الله في الأرض وحريته في تدبير شؤون دنياه وفق مقتضى الزمان والمكان ومنفعة الفرد والمجتمع.

يخلص ياسين أنّ النص القرآني يؤكّد خلوّه من الوصية بالسلطة لفرد أو أسرة ومساحة الحرية أوسع من الإلزام

ولما كان العقل الفقهي وأدواته المعروفة في الإجماع والقياس وآراء أهل المدينة لا يعمل إلا في هذه الدائرة  بالذات، فقد عمل العقل الفقهي الجبري على تضييقها وتحجيمها بسحر البيان اللغوي ووفق قياس الشاهد على الغائب، وهو ما تكرّس في منظومة الحديث السلفية ابتداءً من الشافعي حتى الشاطبي، واكتملت دائرته باكتمال عصر التدوين. ولما كانت الفتن السياسية جزءاً من تاريخ المسلمين وملازمة لهذا التاريخ منذ ما يُعرف بالفتنة الكبرى فقد ساهمت هذه الفتن في "صناعة" جزء لا يستهان به من النّصوص المنسوبة إلى السنّة؛ ومن هنا "فإنّ طغيان الدّور الذي أدّاه التّاريخ السّياسي في تكوين العقل المسلم لا يتمثل في مزاحمته للنّص الشّرعي الخالص فحسب، بل يتمثل أيضاً في تصنيعه لجزء من بنية هذا النّص".
وقد واكب ذلك وساعد عليه، وفق ياسين، تنامي عملية الطّلب على الحديث النّبوي، التي كانت المنظومة السنّية قد شرعت فيها بكثير من المبالغة والنّهم كرد فعل على الشيعة ، مما أدّى إلى توافر كميات هائلة من النّصوص المنسوبة إلى السنّة، لكن على الرغم من ذلك ظلّ دليل الإجماع، أي فعل الصحابة، هو الدّليل الرّئيسي في عملية تأسيس الخلافة.

اقرأ أيضاً: كيف خرجت السلفية من رحم الإصلاح الديني؟
وهو ما عبّر عنه المؤلف بعملية "التنصيص السياسي" التي أدّت إلى تديين الحوادث التاريخية، وأكسبتها منذ اكتمال التدوين مشروعيّة النص الثابت ذاته وقداسته، وما يزال العقل المسلم حبيس هذه المرجعيّة حتى العصر الراهن ومبنيّاً عليها، وقضاياها المطروحة في زمنها الأول ما تزال حاضرة في الطرح الراهن للإسلام السياسي وتنظيماته الحركية على اختلافها، وهو ما يولّد فجوة بين العقل المسلم والعصر وبينه وبين العقل الإنساني بوجه عام.
وإن الاستمرار في عرض الإسلام للعالم كما تقدمه المنظومة السلفية اللانصيّة المكدّسة بجبال من الفقه (الذي هو تاريخيّ وإقليميّ بالضرورة) والمشبعة بروح الخصومة مع العقل والتوجس من الحرية، لن ينتج إلا مزيداً من تكريس الفصام بين الإسلام وبين العالم؛ "لذلك لا بد من أن إعادة الاعتبار لدائرة المباح، التي تعادل في عبارة موجزة دائرة (الحرية الإنسانية) في مجال التشريع، تلك التي كانت مجالاً مستباحاً "لسلطة الفقه" التي منحت نفسها- من خلال القياس ودعوى الإجماع- صلاحيّة النص الشرعيّ إنّ بوعي أو بغير وعي، وأسهمت في تنويم العقل المسلم وحرمانه من فرصة التدرب على ممارسة الحرية"، الأمر الذي يفرض على هذا العقل أن يخلص نفسه من نفسه، أي من وصاية تاريخه الإقليميّ الطويل، وأن يبدأ بالتخلص من بعض "العقد" التاريخيّة التي لازمته طويلاً وظلت تحول بينه وبين مراجعة الذات.