السوسيولوجيا الفلسطينية الجديدة.. "ظلال العائلة" نموذجاً

2396
عدد القراءات

2019-02-11

مثّلت الرواية بحكم الظرف التاريخي الذي انبثقت منه، مختبراً نموذجياً لعلمي الاجتماع السياسي والنفسي، بدءاً من ماركس مروراً بفرويد وليس انتهاء بلوكاتش. مع ضرورة التذكير بأن هذا التعالق لم يعن أبداً الاستخفاف بالشروط الفنية اللازمة لاستواء الرواية مضموناً وشكلاً.
ولعلّ المشروع الروائي الملحمي الذي تصدّى الكاتب الفلسطيني محمود شقير لإنجازه منذ سنوات، يؤكّد حقيقة أنّ ما يصعب الإلمام به عبر العديد من الدراسات والندوات والمؤتمرات، قد يمكن القبض عليه عبر الآداب والفنون بوجه عام، ومن خلال السرد الروائي بوجه خاص.

قصة الحب التي اجتازت حواجز الاحتلال وحواجز التفاوت الطبقي لم تنجُ من مخالب التطرّف الديني

لقد حاول محمود شقير من موقعه ككاتب متعدّد الانشغالات، ومن موقعه كمناضل ماركسي مخضرم، أن يقدّم معاينة للتحوّلات العاصفة التي ألمّت بالمجتمع الفلسطيني، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، على امتداد قرن من الزمان، وانطلاقاً من زاوية لم يسبق للكتاب الفلسطينيين أن تنبهوا لرصدها ومتابعتها، وأعني بها الانطلاق لتأريخ وتحليل التحوّلات التي ألمّت بالمجتمع الفلسطيني من خلال العودة لجذور إحدى القبائل البدوية الفلسطينية، ومتابعة انتقالها من عمق الصحراء إلى ضواحي مدينة القدس، فكان أن أصدر الجزء الأول من ملحمته هذه بعنوان (فرس العائلة) في عام 2012 ثم أتبعه بالجزء الثاني بعنوان (مديح لنساء العائلة) في عام 2015، وها هو يستكملها بالجزء الثالث الذي صدر مؤخّرًا بعنوان (ظلال العائلة).

اقرأ أيضاً: الحب ينتصر على لون البشرة في "حارة السمران" بغزة
وخلافًا للجزء الأول الذي بدا مهجوساً بتغريبة بني هلال ومقدمة ابن خلدون، والجزء الثاني الذي بدا مهجوساً بألف ليلة وليلة وشهرزاد، فإنّ الجزء الثالث يبدو منقوعاً في تشخيص واقع الحال الذي آل إليه المجتمع الفلسطيني خلال العقود الثلاثة الماضية. ووفقاً لهذا التشخيص فإنّ الأفق الفلسطيني الممتد، قد راح يتشكل ويتحدّد الآن، عبر ثلاثة فضاءات مكانية راسخة، بكل ما تحيل إليه هذه الفضاءات من دلالات سياسية وأيديولوجية ونفسية، وهي: فضاء القدس الذي لا ينفتح إلا باتجاه الصحراء المحيطة به فضلاً عن يافا وحيفا. وفضاء (رام الله السلطة الوطنية) الذي يغيب تماماً، وفضاء (غزة حماس) الذي يغيب أيضاً تماماً. وإذا كان الطريق إلى غزة محفوفاً بكل ما هو معلوم من الموانع والعقبات، فإنّ ما يسترعي النظر فعلاً، أن يبدو الطريق إلى رام الله مسدوداً أيضاً. ما يجعل القدس وحيدة ومعزولة تماماً، رغم أنّ هناك 22 مرجعية تدّعي العمل من أجل تحرّر القدس وتقدمها.

اقرأ أيضاً: لماذا لا تجد مخرجات البحوث الفلسطينية طريقها إلى صانع القرار؟
في هذا الحيز المكاني الذي يعج بجنود الكيان الصهيوني، تتراكب الإكراهات واحداً فوق الآخر حتى تصل حدود الانفجار الدموي؛ فالاحتلال الإسرائيلي يرزح فوق صدور الجميع ولا يكاد يسمح بالتنفس من جهة، والتفاوت الطبقي الصارخ بين الفلسطينيين الأغنياء والفلسطينيين الفقراء صار أكثر توحشاً بعد أن أعادت البرجوازية الفلسطينية النظر في مواقفها الوطنية واليسارية السابقة وغدت قريبة جداً من السلفية، والتطرف الديني الذي يلقي بظلاله على ما تبقى من ليبرالية المجتمع المقدسي المتسامح يكاد يدفع بهذا المجتمع إلى دهاليز النكوص والخوف والتردّد.
وكما هو متوقع، فإنّ الحب هو المرشح الأقوى، لاختراق جدران كل هذه الإكراهات، نظراً لما يتمتع به أتباعه من شغف واندفاع أرعن، عبر كل العصور. فينبري قيس (أحد أحفاد الشيخ عنان الذي قاد قبيلته البدوية إلى تخوم القدس) لنسج قصة حب عاصفة مع ليلى (ابنة أحد البرجوازيين الفلسطينيين الذين استبدلوا حاضرهم السلفي الواعد بماضيهم النضالي الآفل)؛ في سيارة الأجرة التي يعمل قيس سائقاً لها ويتطوّع لإيصال حبيبته يومياً إلى منزلها المترف في إحدى ضواحي القدس، وفي مقهى إميل الذي يمثل شاهداً على ما تبقى من ليبرالية المجتمع الفلسطيني الآفلة، وفي البرّية التي شهدت الزمن الذهبي للقبيلة التي تفكّكت وذابت.

اقرأ أيضاً: سلفيت.. مدينة الزيتون الفلسطينية يبتلعها الاستيطان الإسرائيلي
مرّة أخرى، يعمد الكاتب لاختراق الجدار الطبقي المنيع الذي حال دون زواج الحبيبين لسنوات، بفائض الحب؛ فتعمد ليلى إلى الإضراب عن الطعام ويسوء وضعها الصحي، فتضطر عائلتها إلى الموافقة على زواجها من قيس. لكن قصة الحب التي اجتازت حواجز الاحتلال وحواجز التفاوت الطبقي، لم تنج من مخالب التطرّف الديني، فتقع ليلى ضحية اعتداء أحد المتطرفين الدينيين عليها بآلة حادة، ويتشوّه وجهها وتفقد إحدى عينيها!

طوّر شقير جماليات عمله لتتطابق مع مضمون السوسيولوجيا الفلسطينية الجديدة فاستعاض عن السرد بتركيزه على تقنية اللقطات السينمائية الخاطفة

ولأن الشكل لا بد له من أن يتطوّر حتى يصبح مضموناً، كما أكّد هربرت ماركيوز، فقد عمد محمود شقير إلى تطوير وتكييف جماليات الجزء الثالث كي تتطابق مع مضمون السوسيولوجيا الفلسطينية الجديدة؛ فاستعاض عن السرد الأنيق بالتركيز على تقنية اللقطات السينمائية الخاطفة والمتوالية. كما استعاض عن الحوار العمودي بالتركيز على تداخل الضمائر إلى درجة الإرباك أحياناً. وبدلاً من فن الرسائل الذي أترع به الجزء الثاني من ملحمته فقد أسند لوسائل التواصل الاجتماعي (الفيس بوك، الواتس آب، الانستغرام) الدور الأكبر على صعيد الاتصال بين الحبيبين، فضلاً عن تفعيل سيكولوجية الأحلام الكابوسية. ولم يدّخر وسعاً لتخليص لغة السرد من الشعرية مع الحرص على تطعيمها أحياناً بمفردات الشارع المكشوفة، فبدت واقعية وعارية حدّ التوحش. وإمعاناً منه في تأكيد دلالة اهتزاز اليقين، يطوح بعيداً بإمكانية اضطلاع (محمد الأصغر) - الذي خيِّل لنا أنه السارد في الجزء الثاني من الملحمة- بدور السارد الحقيقي، فيما يسمح للسارد الخفي (ع) بمخاطبة القارئ مباشرة والتعليق على بعض التفاصيل، وكأننا في مسرحية دون جدار رابع بقيادة بريخت. وأما ضربة الفرشاة الأخيرة في هذه اللوحة، فقد تمثّلت في الإصرار على تذييل الرواية بمسرد المصادر والمراجع ذات الصلة بها، وكأن لسان حال المؤلف يقول: انتبهوا؛ لقد أردت هذه الملحمة وثيقة وشاهداً بقدر ما أردتها رواية!

اقرأ أيضاً: هكذا تحارب المناظرات الشبابية في فلسطين التعصب وتعزز الحوار
فما الذي بقي من فلسطين والفلسطينيين بعد هذا كله؟ لقد بقيت ليلى بوصفها المعادل الموضوعي للوطن بجدارة رغم كل ما لحق من تشويه بوجهها وإحدى عينيها. وبقي قيس بوصفه المثقف الجامعي المكسور الذي فاز بليلى مع أنه يعمل سائق سيارة أجرة ورغم أنه عقيم لن ينجب! وبقي قريبه (رهوان) بوصفه نموذج الفلسطيني البراغماتي الذي يعرف من أين يُؤكل كل جزء من أجزاء الجسم. وأما الاستعارة القديمة البعيدة (قصة حب قيس وليلى)، فضلاً عن الاستعارة الجديدة القريبة (قصة حب جبرا إبراهيم جبرا ولميعة، كما تظاهرت في "البئر الأولى" و"شارع الأميرات") فهما أبعد ما تكونان عن واقع القدس الجديد، حيث تقضي (لمياء) نحبها برصاص جنود الاحتلال، على مرأى ومسمع من شقيقها قيس الذي لا يملك إلا أن يبكيها، وعلى نحو ما يعاتبها، لأنها ما زالت تعتقد بأنها قادرة على التصدّي لجيش الاحتلال بسكين!

اقرأ المزيد...

الوسوم: