الشاي.. أفيون الفلاحين المُحرّم

25150
عدد القراءات

2018-08-28

فيما كانت الذائقة القاهرية والحضرية بشكل عام تميل تاريخياً ناحية القهوة، كان إقبال الفلاحين على شرب الشاي بنهم هو الحقيقة الأكثر سطوعاً منذ أدخله الإنجليز إلى مصر أواخر القرن التاسع عشر. وإذ حرصوا على إظهار الامتثال لتعاليم السلطة بصدد منعهم من شربه، كان الشاي الجزء الأساسي في زادهم اليومي أثناء العمل في الحقول.

بدءاً من العامل الزراعي الذي جردته السلطة من أرضه عبر مسيرة معقدة سياسية وإدارية، رصدها تيموثي ميتشل في كتابه "حكم الخبراء" (2002)، وحتى المالك الكبير المقيم في الريف، مروراً بصاحب القراريط المعدودة، كان الشاي مُفتَتَح الصباح ورمز القيلولة وفاكهة "العصرية" والمكوّن الرئيس في جلسات السمر والمواويل ليلاً، لينضم منذ حلوله ضيفاً على بلاد النيل إلى عُدّة المؤانسة ومصفوفة الأُنس وسلّة الإمتاع ومفتاح باب السعادة المُشتهاة والرفاهية المأمولة.

العلاقة بين السلطة والفلاحين ظلت في حالة من التوتر الدائم

الماضي المستمر للقهر

البريطانيون الذين كانوا أكثر الشعوب استهلاكاً للشاي على وجه الأرض، والذي جلبوا الشاي إلى مصر ليكون المشروب المفضل للارستقراطية عادوا ليحرمّوا على الفلاحين شربه منذ العشرينيات، واعتبروا أنّ شرب الفلاح المصري للشاي الأسود جريمة تستحق العقاب والتنكيل، وكانت تلك الممارسة فصلاً صغيراً وهامشياً من المسيرة الطويلة لقهر السلطة لسكان الريف منذ عصر محمد علي وحتى الآن.

أسنان الفلاحين المصريين الصفراء بشرائحهم العمرية كافة شاهدة عيان على المسيرة الطويلة والملحمية للشغف الجنوني بالشاي

"شيء واحد يخشاه المصري أكثر من المرض، إنه السلطة: رعب الفلاح؛ فهي التي تجعله يطلق ساقيه للريح حين يرى طربوشاً"، يقول قاسم أمين، التنويري المصري. وتكشف هذه المقولة عن المدى الذي وصلته مؤسسات السلطة، سواء تحت حكم أجنبي أو محلي، في قهر الفلاحين وتعسُّف سلطة الإدارة بحقهم، الذي وصل إلى درجة التعذيب والقتل أحياناً.

ومن أجل أن تُصنع المكانة الدولية والإقليمية لمصر في النصف الأول من القرن التاسع عشر، كان لا بد من طحن عظام الفلاحين وممارسة أقصى درجات العنف على أجسادهم؛ فمحمد علي باشا جعل العلاقة بين السلطة والفلاح قائمة على السخرة حصراً، وجعل من الهجّانة همزة الوصل بينها وبينه، ومن الكرباج اللغة الوحيدة للتواصل الإنساني بين الطرفين، وحين وضع اللورد كرومر أسس السياسة البريطانية في مصر، ألغى السخرة والكرباج ليعيد إنتاج "المراقبة والمعاقبة" في أشكال أكثر تحضراً وتنظيماً.

العلاقة بين السلطة والفلاحين ظلت في حالة من التوتر الدائم بسبب رغبة السلطة في التحكم بحياة الفلاح وفق مفاهيمها الحداثية واختلاف مفاهيم الفلاح عن النمط الصحيح للحياة وعن العدالة عما تراه السلطة. ويحكي المؤرخ المصري، رؤوف عباس، قصة ذات دلالة لافتة في هذا السياق: كان أحد الفلاحين يقود "عربة كارو" ورفض الشرطي أن تمر تلك العربة من فوق كوبري ما في المنوفية، لأنّ التعليمات الإدارية تنص على ذلك، فما كان من الفلاح إلا أن أخذ حماره بمفرده ومر به فوق الكوبري ثم عاد ثانية إلى البر الآخر ليجر العربة بنفسه وحين وصل إلى مدخل الكوبري التفت إلى الشرطي وقال "هو القانون مش زعلان دلوقتي يا حضرة الأفندي؟!"

اقرأ أيضاً: السلوك التديني عند الفلاحين في الريف المصري

وكذلك كان تعامل السلطة مع الفلاحين ككائنات طيعة يمكن قيادتها بسهولة كثيراً ما يسفر عن إهانات بالغة بحق السلطة التي لم تدرك أن خلف تظاهر الفلاح بالطاعة والامتثال تكمن قدرة عالية من المكر والذكاء والتمرد، وفي قصة طريفة يرويها سيد العشماوي في كتابه "الفلاحون والسلطة" (1999) يتكشف مدى الإهانة الذكية التي وجهها فلاحو قرية "أخطاب" في الدقهلية على استخفاف الشرطة بهم وحشدها لهم لتحية فريق من وزراء العهد الملكي وطلبها منهم التهليل للفريق الوزاري الزائر عبر رفع لافتات تحمل عبارة (تعيش وزارة جلالة الملك) وبالفعل خرج الفلاحون إلى الطريق الزراعي بلافتاتهم وحميرهم ووقفوا ينتظرون موكب الوزراء وقبل دقائق من مروره علّق الأهالي اللافتات على حميرهم ثم بدأوا يتسربون بخفة إلى الحقول المحيطة بالطريق، وعبر الموكب الوزاري وذُهل أعضاؤه حين لم يجدوا بشراً في استقبالهم، بل وجدوا صفاً من الحمير يحمل كل واحد منها لافتة تُحيي حكومة جلالة الملك.

المصلحون الاجتماعيون نظروا إلى الشاي على أنه مادة مخدرة

متلبسون بشرب الشاي

شكّل المخيال الاستشراقي صورة جوهرانية للإنسان الشرقي الخَمُول وصاحب العقلية الطفولية والمنحرفة، وهي الأوصاف التي جرى تأكيد اختصاص الفلاح بها مع ظهور الاستعمار الاقتصادي للريف، حيث تم تمييز "الفلاحين" كـكيان إثنوغرافي مُميّز عرقيّاً ومُتفرِّد ثقافيّاً بعد استبعاد الأفندية الذي جرى اختبارهم ككائنات عاقلة وقابلة للتحديث والأوربة.

التوصيف الإثنوغرافي للفلاحين ككسالى وكذّابين وشكاكين ومراوغين ووقحين ولصوص محتملين ومتحدين للسلطة ويتسمون بضعف القدرة على التفكير والانحطاط الأخلاقي وعدم الاستعداد لقبول التوجيه النافع والجهل والتأثر بالخرافات والسحر والجن واستخدام التمائم، وبما أنهم مسلمون فهم قدريون بالضرورة وسلبيون، جعل هناك ضرورة مُلِّحة للسيطرة عليهم عبر فرض نظام مراقبة صارم على حيواتهم وممارسة العنف الرسمي المستدام بحقهم.

المصلحون الاجتماعيون الذين اعتبروا إصلاح حياة الفلاحين قضيتهم الأولى نظروا إلى الشاي على أنه مادة مخدرة

النخبة الإقطاعية القاهرية التي شاركت الاحتلال قبل ثورة 23 يوليو تشربت تلك المفاهيم وساهمت في تطبيق مقتضياتها الاستعلائية والسلطوية على الفلاحين، فالسيد بدراوي باشا القيادي الكبير بحزب الوفد، على سبيل المثال، كان مشهوراً بتحريم الجلوس على المقهى على الفلاحين العاملين بأرضه الواسعة، بل إنه حين علم أنّ أحد الفلاحين اشترى راديو بعث إليه خفراؤه واقتحموا داره وأخذوا الراديو وحطمّوه.

وبما أنّ عادات وتقاليد الفلاحين في ذلك المنظور كانت تميل نحو الإجرام، فقد جرى منعهم من الجلوس على المقهى باعتباره أصل الشرور كلها، ولأنّ الفلاح عاجز عن التحكم في نفسه وفي أفعاله فإنه يميل إلى الإدمان دائماً سواء للحشيشة أو الأفيون أو المقامرة أو السهر حتى وقت متأخر أو شرب الشاي.

يستهلكه الكبار والصغار على السواء

بالطبع كان الإدمان الأكثر انتشاراً هو شرب الشاي؛ حيث يستهلكه الكبار والصغار والنساء على السواء، وهو ما أقلق وزارة الصحة المصرية فكلفت بعمل دراسة علمية عن الشاي كما يشتريه الفلاحون ويعدونه ويستهلكونه، وانتهت الدراسة، كما تقول أمنيّة الشاكري في كتابها "المعمل الاجتماعي الكبير: موضوعات المعرفة في مصر المستعمرة وما بعد الكولونياليّة" (2007) إلى أنّه على الرغم من أنّ كمية الكافيين والتايين متناسبة مع كمية الشاي التي يستخدمها الفلاحون، فإن كمية الكافيين المطلقة التي يستخدمها الفلاح بشكل يومي من خلال الشاي المغلي كافية لأن تصبح ضارة لصحته في ظل الأوضاع التي يعيش فيها الفلاح من حيث وجود الأمراض الوبائية وعدم كفاية التغذية والعمل الزائد عن الحد.

اقرأ أيضاً: أغنية العمل بين التدين الشعبي والاختراق الأصولي

المصلحون الاجتماعيون، الذين اعتبروا إصلاح حياة الفلاحين قضيتهم الأولى، نظروا إلى الشاي على أنه مادة مخدرة، لأنّ آثاره تحاكي آثار أية مادة مخدرة أخرى وبالتحديد مثل آثار الكوكايين، من ناحية التنبيه العصبي والجسماني الذي يؤدي في حالات المبالغة فيه إلى ارتعاش اليدين والأرق والفشل القلبي، الإرهاق النفسي والبدني، ومن ثّم نقص الإنتاجية والميل إلى النشاط الإجرامي.

تقديرات وزارة الصحة وقتها، حسب الشاكري، أشارت إلى أنّ كفاءة العامل الزراعي انخفضت بنسبة 25 بالمئة بسبب الوقت الضائع الذي يقضيه الفلاح في مجالس شرب الشاي أثناء وقت العمل، كما نوهت بأنّ شارب الشاي ليس قادراً على العمل مثل غيره من الذين لا يتعاطون الشاي.

يرافقهم، بلا انقطاع، من الطفولة للمشيب

فعلى عكس الطريقة القاهرية في إعداد الشاي المعروفة بـ"صبّة الكشري" والقائمة على صب المياه الساخنة على حبيبات الشاي والسكر في كوب يُشرب لمرة واحدة في الجلسة، يفضّل الفلاحون الشاي المغلي على نار الأخشاب أو الحطب والذي يتم توزيعه على الحاضرين من 3 إلى 10 مرات في الجلسة الواحدة، وتتطلب هذه الطريقة انتفاء الارتجال ورسوخ الإتقان؛ حيث توكل مهمة إعداده إلى الأكثر دُربة ومهارة وألفة بمجالس الشاي.

والسلطة التي نظرت إلى استهلاك الشاي على أنه ظاهرة خاصة بالطبقات الدنيا وتعجبت من تلك النسبة من الدخل التي تنفقها أسرة الفلاح المتوسطة على الشاي، هذا الدخل الذي يمكن إنفاقه على التغذية، لم تكن تدرك أنّ الشاي كان محور الفلاحين وغوايتهم الأولى، وكما يقول المثل الفلاحي: "الغاوي ينقط بطقيته".

اقرأ أيضاً: التديّن الشعبي للمرأة المصرية..عادات أم عبادات؟

رحل الإنجليز، وسقطت الملكية وجاءت الثورة، وتحطم الوفد والإقطاع، وانقلبت الثورة على نفسها، وتجمد الوضع السياسي، واندلع فجأة مع الربيع الذي هلت بشائره من تونس وصعد الإخوان الذين يفضّلون شرب "الينسون" البعيد عن ذائقة المصريين، وسقطوا، لتتم السيطرة على الوضع ثانيةً، وأسنان الفلاحين الصفراء بشرائحهم العمرية كافة شاهدة عيان على المسيرة الطويلة والملحمية للشغف الجنوني بالشاي الذي يتوارثونه جيلاً بعد جيل، ويرافقهم، بلا انقطاع، من الطفولة للمشيب.

اقرأ المزيد...

الوسوم:



الشاي.. أفيون الفلاحين المُحرّم

عدد القراءات

2018-08-28

فيما كانت الذائقة القاهرية والحضرية بشكل عام تميل تاريخياً ناحية القهوة، كان إقبال الفلاحين على شرب الشاي بنهم هو الحقيقة الأكثر سطوعاً منذ أدخله الإنجليز إلى مصر أواخر القرن التاسع عشر. وإذ حرصوا على إظهار الامتثال لتعاليم السلطة بصدد منعهم من شربه، كان الشاي الجزء الأساسي في زادهم اليومي أثناء العمل في الحقول.

بدءاً من العامل الزراعي الذي جردته السلطة من أرضه عبر مسيرة معقدة سياسية وإدارية، رصدها تيموثي ميتشل في كتابه "حكم الخبراء" (2002)، وحتى المالك الكبير المقيم في الريف، مروراً بصاحب القراريط المعدودة، كان الشاي مُفتَتَح الصباح ورمز القيلولة وفاكهة "العصرية" والمكوّن الرئيس في جلسات السمر والمواويل ليلاً، لينضم منذ حلوله ضيفاً على بلاد النيل إلى عُدّة المؤانسة ومصفوفة الأُنس وسلّة الإمتاع ومفتاح باب السعادة المُشتهاة والرفاهية المأمولة.

العلاقة بين السلطة والفلاحين ظلت في حالة من التوتر الدائم

الماضي المستمر للقهر

البريطانيون الذين كانوا أكثر الشعوب استهلاكاً للشاي على وجه الأرض، والذي جلبوا الشاي إلى مصر ليكون المشروب المفضل للارستقراطية عادوا ليحرمّوا على الفلاحين شربه منذ العشرينيات، واعتبروا أنّ شرب الفلاح المصري للشاي الأسود جريمة تستحق العقاب والتنكيل، وكانت تلك الممارسة فصلاً صغيراً وهامشياً من المسيرة الطويلة لقهر السلطة لسكان الريف منذ عصر محمد علي وحتى الآن.

أسنان الفلاحين المصريين الصفراء بشرائحهم العمرية كافة شاهدة عيان على المسيرة الطويلة والملحمية للشغف الجنوني بالشاي

"شيء واحد يخشاه المصري أكثر من المرض، إنه السلطة: رعب الفلاح؛ فهي التي تجعله يطلق ساقيه للريح حين يرى طربوشاً"، يقول قاسم أمين، التنويري المصري. وتكشف هذه المقولة عن المدى الذي وصلته مؤسسات السلطة، سواء تحت حكم أجنبي أو محلي، في قهر الفلاحين وتعسُّف سلطة الإدارة بحقهم، الذي وصل إلى درجة التعذيب والقتل أحياناً.

ومن أجل أن تُصنع المكانة الدولية والإقليمية لمصر في النصف الأول من القرن التاسع عشر، كان لا بد من طحن عظام الفلاحين وممارسة أقصى درجات العنف على أجسادهم؛ فمحمد علي باشا جعل العلاقة بين السلطة والفلاح قائمة على السخرة حصراً، وجعل من الهجّانة همزة الوصل بينها وبينه، ومن الكرباج اللغة الوحيدة للتواصل الإنساني بين الطرفين، وحين وضع اللورد كرومر أسس السياسة البريطانية في مصر، ألغى السخرة والكرباج ليعيد إنتاج "المراقبة والمعاقبة" في أشكال أكثر تحضراً وتنظيماً.

العلاقة بين السلطة والفلاحين ظلت في حالة من التوتر الدائم بسبب رغبة السلطة في التحكم بحياة الفلاح وفق مفاهيمها الحداثية واختلاف مفاهيم الفلاح عن النمط الصحيح للحياة وعن العدالة عما تراه السلطة. ويحكي المؤرخ المصري، رؤوف عباس، قصة ذات دلالة لافتة في هذا السياق: كان أحد الفلاحين يقود "عربة كارو" ورفض الشرطي أن تمر تلك العربة من فوق كوبري ما في المنوفية، لأنّ التعليمات الإدارية تنص على ذلك، فما كان من الفلاح إلا أن أخذ حماره بمفرده ومر به فوق الكوبري ثم عاد ثانية إلى البر الآخر ليجر العربة بنفسه وحين وصل إلى مدخل الكوبري التفت إلى الشرطي وقال "هو القانون مش زعلان دلوقتي يا حضرة الأفندي؟!"

اقرأ أيضاً: السلوك التديني عند الفلاحين في الريف المصري

وكذلك كان تعامل السلطة مع الفلاحين ككائنات طيعة يمكن قيادتها بسهولة كثيراً ما يسفر عن إهانات بالغة بحق السلطة التي لم تدرك أن خلف تظاهر الفلاح بالطاعة والامتثال تكمن قدرة عالية من المكر والذكاء والتمرد، وفي قصة طريفة يرويها سيد العشماوي في كتابه "الفلاحون والسلطة" (1999) يتكشف مدى الإهانة الذكية التي وجهها فلاحو قرية "أخطاب" في الدقهلية على استخفاف الشرطة بهم وحشدها لهم لتحية فريق من وزراء العهد الملكي وطلبها منهم التهليل للفريق الوزاري الزائر عبر رفع لافتات تحمل عبارة (تعيش وزارة جلالة الملك) وبالفعل خرج الفلاحون إلى الطريق الزراعي بلافتاتهم وحميرهم ووقفوا ينتظرون موكب الوزراء وقبل دقائق من مروره علّق الأهالي اللافتات على حميرهم ثم بدأوا يتسربون بخفة إلى الحقول المحيطة بالطريق، وعبر الموكب الوزاري وذُهل أعضاؤه حين لم يجدوا بشراً في استقبالهم، بل وجدوا صفاً من الحمير يحمل كل واحد منها لافتة تُحيي حكومة جلالة الملك.

المصلحون الاجتماعيون نظروا إلى الشاي على أنه مادة مخدرة

متلبسون بشرب الشاي

شكّل المخيال الاستشراقي صورة جوهرانية للإنسان الشرقي الخَمُول وصاحب العقلية الطفولية والمنحرفة، وهي الأوصاف التي جرى تأكيد اختصاص الفلاح بها مع ظهور الاستعمار الاقتصادي للريف، حيث تم تمييز "الفلاحين" كـكيان إثنوغرافي مُميّز عرقيّاً ومُتفرِّد ثقافيّاً بعد استبعاد الأفندية الذي جرى اختبارهم ككائنات عاقلة وقابلة للتحديث والأوربة.

التوصيف الإثنوغرافي للفلاحين ككسالى وكذّابين وشكاكين ومراوغين ووقحين ولصوص محتملين ومتحدين للسلطة ويتسمون بضعف القدرة على التفكير والانحطاط الأخلاقي وعدم الاستعداد لقبول التوجيه النافع والجهل والتأثر بالخرافات والسحر والجن واستخدام التمائم، وبما أنهم مسلمون فهم قدريون بالضرورة وسلبيون، جعل هناك ضرورة مُلِّحة للسيطرة عليهم عبر فرض نظام مراقبة صارم على حيواتهم وممارسة العنف الرسمي المستدام بحقهم.

المصلحون الاجتماعيون الذين اعتبروا إصلاح حياة الفلاحين قضيتهم الأولى نظروا إلى الشاي على أنه مادة مخدرة

النخبة الإقطاعية القاهرية التي شاركت الاحتلال قبل ثورة 23 يوليو تشربت تلك المفاهيم وساهمت في تطبيق مقتضياتها الاستعلائية والسلطوية على الفلاحين، فالسيد بدراوي باشا القيادي الكبير بحزب الوفد، على سبيل المثال، كان مشهوراً بتحريم الجلوس على المقهى على الفلاحين العاملين بأرضه الواسعة، بل إنه حين علم أنّ أحد الفلاحين اشترى راديو بعث إليه خفراؤه واقتحموا داره وأخذوا الراديو وحطمّوه.

وبما أنّ عادات وتقاليد الفلاحين في ذلك المنظور كانت تميل نحو الإجرام، فقد جرى منعهم من الجلوس على المقهى باعتباره أصل الشرور كلها، ولأنّ الفلاح عاجز عن التحكم في نفسه وفي أفعاله فإنه يميل إلى الإدمان دائماً سواء للحشيشة أو الأفيون أو المقامرة أو السهر حتى وقت متأخر أو شرب الشاي.

يستهلكه الكبار والصغار على السواء

بالطبع كان الإدمان الأكثر انتشاراً هو شرب الشاي؛ حيث يستهلكه الكبار والصغار والنساء على السواء، وهو ما أقلق وزارة الصحة المصرية فكلفت بعمل دراسة علمية عن الشاي كما يشتريه الفلاحون ويعدونه ويستهلكونه، وانتهت الدراسة، كما تقول أمنيّة الشاكري في كتابها "المعمل الاجتماعي الكبير: موضوعات المعرفة في مصر المستعمرة وما بعد الكولونياليّة" (2007) إلى أنّه على الرغم من أنّ كمية الكافيين والتايين متناسبة مع كمية الشاي التي يستخدمها الفلاحون، فإن كمية الكافيين المطلقة التي يستخدمها الفلاح بشكل يومي من خلال الشاي المغلي كافية لأن تصبح ضارة لصحته في ظل الأوضاع التي يعيش فيها الفلاح من حيث وجود الأمراض الوبائية وعدم كفاية التغذية والعمل الزائد عن الحد.

اقرأ أيضاً: أغنية العمل بين التدين الشعبي والاختراق الأصولي

المصلحون الاجتماعيون، الذين اعتبروا إصلاح حياة الفلاحين قضيتهم الأولى، نظروا إلى الشاي على أنه مادة مخدرة، لأنّ آثاره تحاكي آثار أية مادة مخدرة أخرى وبالتحديد مثل آثار الكوكايين، من ناحية التنبيه العصبي والجسماني الذي يؤدي في حالات المبالغة فيه إلى ارتعاش اليدين والأرق والفشل القلبي، الإرهاق النفسي والبدني، ومن ثّم نقص الإنتاجية والميل إلى النشاط الإجرامي.

تقديرات وزارة الصحة وقتها، حسب الشاكري، أشارت إلى أنّ كفاءة العامل الزراعي انخفضت بنسبة 25 بالمئة بسبب الوقت الضائع الذي يقضيه الفلاح في مجالس شرب الشاي أثناء وقت العمل، كما نوهت بأنّ شارب الشاي ليس قادراً على العمل مثل غيره من الذين لا يتعاطون الشاي.

يرافقهم، بلا انقطاع، من الطفولة للمشيب

فعلى عكس الطريقة القاهرية في إعداد الشاي المعروفة بـ"صبّة الكشري" والقائمة على صب المياه الساخنة على حبيبات الشاي والسكر في كوب يُشرب لمرة واحدة في الجلسة، يفضّل الفلاحون الشاي المغلي على نار الأخشاب أو الحطب والذي يتم توزيعه على الحاضرين من 3 إلى 10 مرات في الجلسة الواحدة، وتتطلب هذه الطريقة انتفاء الارتجال ورسوخ الإتقان؛ حيث توكل مهمة إعداده إلى الأكثر دُربة ومهارة وألفة بمجالس الشاي.

والسلطة التي نظرت إلى استهلاك الشاي على أنه ظاهرة خاصة بالطبقات الدنيا وتعجبت من تلك النسبة من الدخل التي تنفقها أسرة الفلاح المتوسطة على الشاي، هذا الدخل الذي يمكن إنفاقه على التغذية، لم تكن تدرك أنّ الشاي كان محور الفلاحين وغوايتهم الأولى، وكما يقول المثل الفلاحي: "الغاوي ينقط بطقيته".

اقرأ أيضاً: التديّن الشعبي للمرأة المصرية..عادات أم عبادات؟

رحل الإنجليز، وسقطت الملكية وجاءت الثورة، وتحطم الوفد والإقطاع، وانقلبت الثورة على نفسها، وتجمد الوضع السياسي، واندلع فجأة مع الربيع الذي هلت بشائره من تونس وصعد الإخوان الذين يفضّلون شرب "الينسون" البعيد عن ذائقة المصريين، وسقطوا، لتتم السيطرة على الوضع ثانيةً، وأسنان الفلاحين الصفراء بشرائحهم العمرية كافة شاهدة عيان على المسيرة الطويلة والملحمية للشغف الجنوني بالشاي الذي يتوارثونه جيلاً بعد جيل، ويرافقهم، بلا انقطاع، من الطفولة للمشيب.