الشيخة أم السعد أشهر امرأة في عالم قراءات القرآن الكريم

2453
عدد القراءات

2018-06-11

تميزت مصر في النصف الأول من القرن العشرين بوجود قارئات للقرآن نافست شهرتهن المشايخ الكبار، وكن يصدحن بتلاوتهن عبر أثير الإذاعة المصرية منذ تأسيسها مطلع الثلاثينيات من القرن الماضي، غير أنّ فتوى أطلقها رجال الدين قبل الحرب العالمية الثانية أجهضت شهرتهن، مثل، كريمة العدلية، ومنيرة عبده، وسكينة حسن، وأنهت أيضاً حلم أخريات لم يجدن طريقهن للإذاعة المصرية، واكتفين بتلاوة القرآن في المناسبات والاحتفالات الدينية، من هؤلاء كانت الشيخة أم السعد، لكنها توقفت أيضاً عن قراءة القرآن في المناسبات الدينية؛ للتفرع لتحفيظه، بمقر سكنها الكائن بحي الشمرلي، في محافظة الإسكندرية.

وبعد وفاتها عام 2006 رثاها مؤسس الدعوة السلفية بالاسكندرية، الشيخ محمد إسماعيل المقدم، وقال عنها في محاضرة صوتية بعنوان، "وداعاً أم السعد"، "فقدت الأمة الإسلامية أشهر امرأة في العالم في عالم قراءات القرآن الكريم؛ لأنها الوحيدة التي تعرف على مستوى العالم كله من النساء بتخصصها وإتقانها القراءات العشر، وظلت طوال نصف قرن، تمنح إجازتها فى القراءات العشر للنساء والرجال، كباراً وصغاراً، وقد تجاوزت الثمانين عاماً".

صورة أرشيفية لتكريم أم السعد خلال رحلاتها العربية لتحفيظ القران

نشأة أم السعد

ويحسب للباحث في الحركات الإسلامية المعاصرة، الراحل حسام تمام، التعريف بالشيخة أم السعد، فمقاله عنها بموقع "إسلام أون لاين" المنشور عام 2002 هو المرجع الوحيد للتعريف بقصتها، ونشره وهي في السابعة والسبعين من عمرها، قبل وفاتها بأربعة أعوام، عام 2006.

كتب عنها تمام: "نشأت أم السعد ابنة لأسرة فقيرة انحدرت من قرية البندارية إحدى قرى مدينة المنوفية (شمال القاهرة)، داهم المرض عينيها ولم تتجاوز عامها الأول، ولم يكن لدى أهلها القدرة -وربما الوعي- لعلاجها لدى الأطباء فلجأوا إلى الكحل والزيوت وغيرها من وصفات العلاج الشعبي التي أودت –في النهاية– ببصرها مثلما حدث مع آلاف الأطفال آنذاك. وكعادة أهل الريف مع العميان نذرها أهلها لخدمة القرآن الكريم حتى حفظت القرآن الكريم في مدرسة (حسن صبح) بالإسكندرية في الخامسة عشرة".

ظلت أم سعد طوال نصف قرن تمنح إجازتها فى القراءات العشر للنساء والرجال وقد تجاوزت الثمانين عاماً

و"بعد أن أتمت أم السعد حفظ القرآن الكريم في الخامسة عشرة من عمرها، ذهبت إلى الشيخة نفيسة بنت أبو العلا "شيخة أهل زمانها" كما توصف، لتطلب منها تعلم القراءات العشر، فاشترطت عليها شرطاً عجيباً وهو: ألا تتزوج أبداً، فقد كانت ترفض بشدة تعليم البنات؛ لأنهن يتزوجن وينشغلن فيهملن القرآن الكريم. والأعجب من الشرط أنّ أم السعد قبلت شرط شيختها التي كانت معروفة بصرامتها وقسوتها على السيدات ككل اللواتي لا يصلحن –في رأيها– لهذه المهمة الشريفة! ومما شجعها على ذلك أن نفيسة نفسها لم تتزوج رغم كثرة من طلبوها للزواج من الأكابر، وماتت وهي بكر في الثمانين، انقطاعاً للقرآن الكريم".

أعلى المشايخ إسناداً في العالم

اعتبرها المقدم في رثائه لها، واحدة من أعلى المشايخ إسناداً في العالم، إلى جوار الشيخ محمد عبد الحميد والشيخ عبد الباسط هاشم، فالشيخة حفظت القرآن بالتواتر نقلاً عن شيختها، ليصبح بينها وبين النبي محمد بروايه حفص عن عاصم 27 راوياً، في سلسلة تبدأ بمعلمتها نفيسه، وصولاً للروح الأمين جبريل، الذي تلقى الرسول الكريم القرآن عنه.

اقرأ أيضاً: رحلة المنع والحصار لقارئات القرآن الكريم في مصر

في البداية تخوف رجال الإسكندرية من قراءة القرآن عليها؛ باعتبارها امرأة. وعن تلك الواقعة، نقل حسام تمام قولها: "بعض الرجال تردد في البداية في القراءة عليَّ باعتباري (امرأة) وبعضهم امتنع، لكن الشيخ محمد إسماعيل (أشهر دعاة الدعوة السلفية بالاسكندرية) أفتى لهم بجواز ذلك عندما علم بسنيّ، بل أرسل إليّ بأهل بيته للقراءة عليّ".

قصدت الشيخة المملكة العربية السعودية ومكثت هناك مدة عامين تقرئ النساء والرجال على حد سواء

واللافت للانتباه في تلك المسألة أنّ من أفتى بجواز ذلك هو المقدم، أحد مؤسسي مجموعات الجهاد الأولى فى مصر، قبل أن ينفصل عنهم عام 1979، مؤسساً تيار الدعوة السلفية العلمية في الاسكندرية، مع المشايخ، سعيد عبد العظيم، وياسر برهامي، وأحمد فريد.

وارتكز فكر الدعوة السلفية في الإسكندرية، على أن تحقيق حلم الدولة الإسلامية لن يكون إلا بنشر العلم الشرعي، على العكس من رفقاء رحلته، في مجموعات الجهاد، الذين وحدوا صفوفهم مؤسسين تنظيم الجهاد عام 1980، الذي اغتال الرئيس الراحل محمد أنور السادات، في حادث المنصة الشهير.

اقرأ أيضاً: وعي المرأة المصرية بين النص الديني والأمثال الشعبية

لم تحافظ الشيخة أم السعد على وعد قطعته لشيختها نفيسة بعدم الزواج، والتفرغ لتحفيظ القرآن، بعد أن تزوجت من الشيخ محمد فريد نعمان، أشهر القراء في إذاعة الاسكندرية، وهو صاحب أول إجازة تمنحها (أم السعد)، وتقول عن قصة زواجها، كما نقلها تمام: "لم أستطع الوفاء بالوعد الذي قطعته لشيختي (نفيسة) بعدم الزواج، كان يقرأ علي القرآن بالقراءات، ارتحت له، كان مثلي ضريراً، وحفظ القرآن الكريم في سنّ مبكرة.. درَّست له خمس سنوات كاملة وحين أكمل القراءات العشر وأخذ إجازاتها طلب يدي للزواج فقبلت".

في البداية تخوف رجال الإسكندرية من قراءة القرآن عليها؛ باعتبارها امرأة

رحلتها إلى الخليج

سامي إدريس، كان أحد طلاب الشيخة أم السعد، وقد رثاها، في مقال نشرته "القبس" الكويتية، أشار خلاله إلى رحلاتها عبر العالم لإعطاء الإجازات في حفظ القرآن: "قصدت الشيخة أم السعد المملكة العربية السعودية، حيث مكثت هناك مدة عامين تقرئ النساء والرجال على حد سواء، فاستفاد من علمها الغزير أناس كثر كانوا يأتون مجلسها ويرتادون أماكن تدريسها من كل فج عميق.

اقرأ أيضاً: لماذا تثير إمامة المرأة في الصلاة الجدل؟

وفي شهر فبراير من عام 2004 وفدت الكويت الشيخة أم السعد، بدعوة كريمة من وزارة الأوقاف، أقامت خلالها دورة في القراءات استغرقت سنتين ونصف السنة، حيث تخرج على يديها عدد من الطالبات اللاتي أتقن القراءات العشر. ثم سافرت بعدها إلى البحرين بقصد نشر العلم الشرعي ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً، ولكنها لم تمكث هناك سوى شهرين عادت بعدها إلى الاسكندرية إثر آلام اشتدت بها".

وفي رحلتها إلى السعودية قرأ عليها العديد من المشايخ، أحدهم كان الشيخ عادل الكلباني قارئ الحرم المكي، الذي أشار خلال لقاء على فضائية العفاسي، مع القارئ الشيخ مشاري راشد العفاسي، أنه تخوف في البداية من القراءة على سيدة، لكنه لم يتردد بعد أن شاهد كثيرين غيره يقرأون عليها، لافتاً إلى أنه قرأ عليها سورة البقرة فقط ولم يمهله الوقت، بعد أن عادت الشيخة أم السعد إلى القاهرة. ومن تلامذتها أيضاً القارئ الشيخ أحمد نعينع، أحد أشهر قراء دولة التلاوة المصرية.

توفيت الشيخة أم السعد في السادس عشر من شهر رمضان لسنة 1427هـ الموافق 8 أكتوبر (تشرين الأول) 2006،  عن عمر يناهز الثمانين عاماً، وفي نفس العام قرر طلابها تأسيس مسابقة في تحفيظ القرآن باسمها، ثم بعد عام 2011 تبنت الدعوة السلفية في الإسكندرية المسابقة بشكل رسمي، وتشرف عليها لجنة شؤون القرآن في الدعوة السلفية، والمسؤول عنها الشيخ أسامة الأباصيري، وهو أيضاً أحد طلابها، الحاصل على إجازته في حفظ القرآن منها.

اقرأ المزيد...

الوسوم: