الشيخ علي محمود إذ يجمع في أوتار صوته كل آلات الطرب

2250
عدد القراءات

2019-06-05

ارتبطت الموسيقى والغناء بعالم المشايخ، نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وكان أغلب من عملوا في مجال الفنّ في ذلك الزمن يحملون لقب "الشيخ فلان"، نتيجة دراستهم العلوم الدينية في الأزهر، غير أنّ ذلك لم يمنعهم من ممارسة الموسيقى والغناء، وليس عجباً أن نكتشف أنّ السيدة أم كلثوم، كمثال، قد تعلّمت على يد سيّد قرّاء القرآن الكريم، الشيخ علي محمود، أو أنّ الشيخ زكريا أحمد أو محمد عبد الوهاب كانا من تلامذته، وقد تبدّلت تلك الحالة في الزمن الحالي، وأضحت هناك عداوة بين شيوخ الدين والموسيقى، باعتبارها من المحرمات.
"هو الأستاذ المباشر لأفضل قرّاء عصره، الشيخ محمد رفعت

سيّد المنشدين
"سيّد المنشدين" أطلق على الشيخ علي محمود، وهو الأستاذ المباشر لأفضل قرّاء عصره، الشيخ محمد رفعت. وقال الباحث نبيل حنفي عن محمود، في دراسة منشورة بعنوان "الشيخ علي محمود سيّد القرّاء وإمام المنشدين": "لا يختلف أحد من النقاد، أو المستمعين، حول مكانة الشيخ علي محمود في دولة التلاوة خلال عصرها الذهبي الأخير، وهي مكانة يعبّر عنها تفرّد تلاواته التي أظهرت محاسن صوته من روعة الجهارة والتفخيم، جنباً إلى جنب مع عذوبة النعومة واللين والمخافتة، ومما يدلّ أيضاً على مكانة الشيخ علي محمود في دولة التلاوة؛ ما لأذان الصلاة المسجل بصوته من تأثير في نفوس سامعيه حتى أيامنا هذه، ويتبقى من أسباب ما تحقق للشيخ من مكانة في دولة التلاوة، أهمها إتقانه للتلحين، وتبحّره في دراسة النغمات والمقامات، كلّ ذلك، وغيره كثير، أتاح للشيخ الظهور في عصر زها بنوابغ القارئين، حتى عدّه الناس إماماً للقرّاء من المنشدين في عصره وكلّ العصور".

اتفق الجميع في أنّ الشيخ قد وُلد مبصراً وعندما فقد بصره في مرحلة الطفولة اتجه إلى حفظ القرآن

ولد الشيخ علي محمود، بدرب الحجازي في كفر الزغاري من قسم الجمالية المجاور لمسجد الإمام الحسين، والقريب من جامع الأزهر الشريف، جاء ميلاد الشيخ، عام 1880، كما ذكر بعض من تحدّثوا.
واتفق الجميع، كما يقول حنفي، على أنّ "الشيخ قد ولد مبصراً، وعندما فقد بصره في مرحلة الطفولة، اتجه إلى حفظ القرآن الكريم في مكتب الشيخ أبو هاشم الشبراوي، ثم أخذ علوم القرآن وأحكام التجويد عن الشيخ مبروك حسنين في الأزهر الشريف، وتلقى مبادئ الفقه على يد الشيخ عبد القادر المازني، لتكتمل للفتى علي محمود، الذي دخل في طور الشباب، عناصر التكوين اللازمة للمشتغلين بالعلوم أو الفنون الدينية".
تفتّح وعي الفتى علي محمود في مرحلة تحصيله لعلوم القرآن والفقه وخلال بداياته مع تلاوة القرآن، على ما انطوى عليه الإنشاد الديني من ألوان موسيقية ساحرة، فتعلّق بها قلبه، ومضى ينهل من معينه الذي يتدفق إلى جوار مسجد الحسين في ليالي رمضان وغيرها من المناسبات الدينية، حتى تشبعت نفسه بأسرار الإنشاد الديني وفنونه، فانطلق صوته في مناسبات الإنشاد ليبهر الشيوخ قبل الجمهور.

اقرأ أيضاً: المقرئ الشيخ مصطفى إسماعيل: روعة الصوت التي لا تُحتمل
اختلف الكتّاب والمهتمون بالتلاوة كثيراً حول الشيخ علي محمود، حيث يوضح نبيل حنفي محمود تلك المسألة قائلاً: "فقد عدته مجموعة كبيرة، ومنهم قرّاء، منشداً أو وشاحاً، ولم يحسبوه في عداد البارزين من القرّاء، فانبرى آخرون من الكتّاب للتصدّي لتلك المقولة بالتفنيد والدحض، ويعدّ الدكتور محمد صلاح الدين بك أول من تصدّوا لتلك المقولة؛ حيث كتب معقّباً على ذلك، فقال: "ونحن من القائلين إنّ آية الشيخ علي محمود كانت في فنّ القراءة قبل أن تكون في ألحان المولد وموشحاته، ونحن نعلم أنّ البعض يروّجون لغير هذا الرأي، ولكنّنا نحسبهم من خصومه الذين عجزوا عن مشاركته في ألحان المولد، فهم ينزلون له عنها، ويلهجون بذكره فيها، حتى لا يزحمهم في الميدان المشترك، والذي لا نشكّ فيه؛ أنّه السابق المجلي في فنّ القراءة قبل كلّ شيء".
الشيخ محمد رفعت

من بطانته تخرج أعلام ونجوم
قال عنه الكاتب الصحفي والباحث هيثم أبو زيد، في تصريح لـ "حفريات": "هو أستاذ الأساتذة، فمن بطانته تخرج أعلام ونجوم، على رأسهم: خليفته المقتدر، الشيخ طه الفشني، وشيخ الملحنين الأكابر، زكريا أحمد، وعملاق الإنشاد والطرب، محمد الفيومي، والمنشد الأصيل، عبد السميع بيومي، وبنصائحه وتوجيهاته استرشد الكبار: محمد رفعت، وأم كلثوم، ومحمد عبد الوهاب، وأسمهان، وكامل يوسف البهتيمي، وتغنّى بألحانه كلّ مشايخ عصره، وكلّ من جاء بعده من أرباب الإنشاد الديني".

محفوظ: أجمل ما تسمع الأذن "سي عبده" إذا غنى يا ليل، وعلي محمود إذا أذّن الفجر، وأم كلثوم في "إمتى الهوى"

يضيف أبو زيد: "كان الشيخ علي محمود أعجوبة في أدائه، بارعاً متفنناً، يصفه الأديب محمد فهمي عبد اللطيف بأنّه: "سيّد المنشدين على الذكر، والمغنين للموالد والمدائح النبوية، كأنه كان يجمع في أوتار صوته كل آلات الطرب، فإذا شاء جرى به في نغمة العود أو الكمان، أو شدا به شدو الكروان، وقد حباه الله ليناً في الصوت، وامتداداً في النَّفَس، ولهذا كان يمسك بزمام النغم على هواه، وما يزال به صعوداً وهبوطاً وارتفاعاً وانخفاضاً، حتى يستوفي كلّ ما رسم أصحاب الفنّ من مقامات ونهايات، وكان صاحب ذوق فنّي مرهف؛ فرغم أنّه عاش ينشد ويغني على الطريقة القديمة المعروفة بطريقة (أولاد الليالي)، فإنه استحدث كثيراً من النغمات والأصوات الرائعة، وترك منها ثروة ممتعة يمكن أن تكون معيناً لأصحاب الجديد من أهل الفن، وكثيراً ما أخذ عنه الموسيقار محمد عبد الوهاب، واقتبس منه في بعض أغانيه".
في روايته "خان الخليلي"، كتب نجيب محفوظ: "اسمعوا القول الفصل: "أجمل ما تسمع الأذن "سي عبده" إذا غنى يا ليل، وعلي محمود إذا أذّن الفجر، وأم كلثوم في "إمتى الهوى"، وما عدا هؤلاء فحشيش مغشوش بتراب".

رائد فنّ الإنشاد
ويعد الشيخ علي محمود، كما أبلغ "حفريات" الكاتب الصحفي والناقد الفني محمد دياب "رائد فنّ الإنشاد، وزعيم مدرسته، التي تخرّج فيها كلّ من جاؤوا بعده ليس في مصر وحدها؛ بل وفي العالم الإسلامي، قال عنه الشيخ عبد العزيز البشري: "صوت الشيخ علي محمود من أسباب تعطل حركة المرور في السماء؛ لأنّ الطير السابح في جوّ السماء لا يستطيع أن يطير حينما يسمع صوت الشيخ، فيقف ويستمع إليه".

اقرأ أيضاً: رحيل أحد أهمّ المقرئين في مصر..
يضيف دياب: "ليس هناك من لم يتعلم ويتتلمذ في مدرسة علي محمود، سواء كان منشداً دينياً أم مغنياً دنيوياً؛ فقد نهلت من نبعه أم كلثوم، ومحمد عبد الوهاب، والشيخ محمد رفعت، والشيخ طه الفشني، والشيخ زكريا أحمد، الذي عمل في بطانته، ثم كان له الشرف بتلحين نحو ستة من التواشيح له، منها: "يا نسيم الصبا تحمل سلامي"، الذي كانت تغنيه أيضاً أسمهان، ولم تسجله".

اقرأ المزيد...

الوسوم:



الشيخ علي محمود إذ يجمع في أوتار صوته كل آلات الطرب

عدد القراءات

2019-06-05

ارتبطت الموسيقى والغناء بعالم المشايخ، نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وكان أغلب من عملوا في مجال الفنّ في ذلك الزمن يحملون لقب "الشيخ فلان"، نتيجة دراستهم العلوم الدينية في الأزهر، غير أنّ ذلك لم يمنعهم من ممارسة الموسيقى والغناء، وليس عجباً أن نكتشف أنّ السيدة أم كلثوم، كمثال، قد تعلّمت على يد سيّد قرّاء القرآن الكريم، الشيخ علي محمود، أو أنّ الشيخ زكريا أحمد أو محمد عبد الوهاب كانا من تلامذته، وقد تبدّلت تلك الحالة في الزمن الحالي، وأضحت هناك عداوة بين شيوخ الدين والموسيقى، باعتبارها من المحرمات.
"هو الأستاذ المباشر لأفضل قرّاء عصره، الشيخ محمد رفعت

سيّد المنشدين
"سيّد المنشدين" أطلق على الشيخ علي محمود، وهو الأستاذ المباشر لأفضل قرّاء عصره، الشيخ محمد رفعت. وقال الباحث نبيل حنفي عن محمود، في دراسة منشورة بعنوان "الشيخ علي محمود سيّد القرّاء وإمام المنشدين": "لا يختلف أحد من النقاد، أو المستمعين، حول مكانة الشيخ علي محمود في دولة التلاوة خلال عصرها الذهبي الأخير، وهي مكانة يعبّر عنها تفرّد تلاواته التي أظهرت محاسن صوته من روعة الجهارة والتفخيم، جنباً إلى جنب مع عذوبة النعومة واللين والمخافتة، ومما يدلّ أيضاً على مكانة الشيخ علي محمود في دولة التلاوة؛ ما لأذان الصلاة المسجل بصوته من تأثير في نفوس سامعيه حتى أيامنا هذه، ويتبقى من أسباب ما تحقق للشيخ من مكانة في دولة التلاوة، أهمها إتقانه للتلحين، وتبحّره في دراسة النغمات والمقامات، كلّ ذلك، وغيره كثير، أتاح للشيخ الظهور في عصر زها بنوابغ القارئين، حتى عدّه الناس إماماً للقرّاء من المنشدين في عصره وكلّ العصور".

اتفق الجميع في أنّ الشيخ قد وُلد مبصراً وعندما فقد بصره في مرحلة الطفولة اتجه إلى حفظ القرآن

ولد الشيخ علي محمود، بدرب الحجازي في كفر الزغاري من قسم الجمالية المجاور لمسجد الإمام الحسين، والقريب من جامع الأزهر الشريف، جاء ميلاد الشيخ، عام 1880، كما ذكر بعض من تحدّثوا.
واتفق الجميع، كما يقول حنفي، على أنّ "الشيخ قد ولد مبصراً، وعندما فقد بصره في مرحلة الطفولة، اتجه إلى حفظ القرآن الكريم في مكتب الشيخ أبو هاشم الشبراوي، ثم أخذ علوم القرآن وأحكام التجويد عن الشيخ مبروك حسنين في الأزهر الشريف، وتلقى مبادئ الفقه على يد الشيخ عبد القادر المازني، لتكتمل للفتى علي محمود، الذي دخل في طور الشباب، عناصر التكوين اللازمة للمشتغلين بالعلوم أو الفنون الدينية".
تفتّح وعي الفتى علي محمود في مرحلة تحصيله لعلوم القرآن والفقه وخلال بداياته مع تلاوة القرآن، على ما انطوى عليه الإنشاد الديني من ألوان موسيقية ساحرة، فتعلّق بها قلبه، ومضى ينهل من معينه الذي يتدفق إلى جوار مسجد الحسين في ليالي رمضان وغيرها من المناسبات الدينية، حتى تشبعت نفسه بأسرار الإنشاد الديني وفنونه، فانطلق صوته في مناسبات الإنشاد ليبهر الشيوخ قبل الجمهور.

اقرأ أيضاً: المقرئ الشيخ مصطفى إسماعيل: روعة الصوت التي لا تُحتمل
اختلف الكتّاب والمهتمون بالتلاوة كثيراً حول الشيخ علي محمود، حيث يوضح نبيل حنفي محمود تلك المسألة قائلاً: "فقد عدته مجموعة كبيرة، ومنهم قرّاء، منشداً أو وشاحاً، ولم يحسبوه في عداد البارزين من القرّاء، فانبرى آخرون من الكتّاب للتصدّي لتلك المقولة بالتفنيد والدحض، ويعدّ الدكتور محمد صلاح الدين بك أول من تصدّوا لتلك المقولة؛ حيث كتب معقّباً على ذلك، فقال: "ونحن من القائلين إنّ آية الشيخ علي محمود كانت في فنّ القراءة قبل أن تكون في ألحان المولد وموشحاته، ونحن نعلم أنّ البعض يروّجون لغير هذا الرأي، ولكنّنا نحسبهم من خصومه الذين عجزوا عن مشاركته في ألحان المولد، فهم ينزلون له عنها، ويلهجون بذكره فيها، حتى لا يزحمهم في الميدان المشترك، والذي لا نشكّ فيه؛ أنّه السابق المجلي في فنّ القراءة قبل كلّ شيء".
الشيخ محمد رفعت

من بطانته تخرج أعلام ونجوم
قال عنه الكاتب الصحفي والباحث هيثم أبو زيد، في تصريح لـ "حفريات": "هو أستاذ الأساتذة، فمن بطانته تخرج أعلام ونجوم، على رأسهم: خليفته المقتدر، الشيخ طه الفشني، وشيخ الملحنين الأكابر، زكريا أحمد، وعملاق الإنشاد والطرب، محمد الفيومي، والمنشد الأصيل، عبد السميع بيومي، وبنصائحه وتوجيهاته استرشد الكبار: محمد رفعت، وأم كلثوم، ومحمد عبد الوهاب، وأسمهان، وكامل يوسف البهتيمي، وتغنّى بألحانه كلّ مشايخ عصره، وكلّ من جاء بعده من أرباب الإنشاد الديني".

محفوظ: أجمل ما تسمع الأذن "سي عبده" إذا غنى يا ليل، وعلي محمود إذا أذّن الفجر، وأم كلثوم في "إمتى الهوى"

يضيف أبو زيد: "كان الشيخ علي محمود أعجوبة في أدائه، بارعاً متفنناً، يصفه الأديب محمد فهمي عبد اللطيف بأنّه: "سيّد المنشدين على الذكر، والمغنين للموالد والمدائح النبوية، كأنه كان يجمع في أوتار صوته كل آلات الطرب، فإذا شاء جرى به في نغمة العود أو الكمان، أو شدا به شدو الكروان، وقد حباه الله ليناً في الصوت، وامتداداً في النَّفَس، ولهذا كان يمسك بزمام النغم على هواه، وما يزال به صعوداً وهبوطاً وارتفاعاً وانخفاضاً، حتى يستوفي كلّ ما رسم أصحاب الفنّ من مقامات ونهايات، وكان صاحب ذوق فنّي مرهف؛ فرغم أنّه عاش ينشد ويغني على الطريقة القديمة المعروفة بطريقة (أولاد الليالي)، فإنه استحدث كثيراً من النغمات والأصوات الرائعة، وترك منها ثروة ممتعة يمكن أن تكون معيناً لأصحاب الجديد من أهل الفن، وكثيراً ما أخذ عنه الموسيقار محمد عبد الوهاب، واقتبس منه في بعض أغانيه".
في روايته "خان الخليلي"، كتب نجيب محفوظ: "اسمعوا القول الفصل: "أجمل ما تسمع الأذن "سي عبده" إذا غنى يا ليل، وعلي محمود إذا أذّن الفجر، وأم كلثوم في "إمتى الهوى"، وما عدا هؤلاء فحشيش مغشوش بتراب".

رائد فنّ الإنشاد
ويعد الشيخ علي محمود، كما أبلغ "حفريات" الكاتب الصحفي والناقد الفني محمد دياب "رائد فنّ الإنشاد، وزعيم مدرسته، التي تخرّج فيها كلّ من جاؤوا بعده ليس في مصر وحدها؛ بل وفي العالم الإسلامي، قال عنه الشيخ عبد العزيز البشري: "صوت الشيخ علي محمود من أسباب تعطل حركة المرور في السماء؛ لأنّ الطير السابح في جوّ السماء لا يستطيع أن يطير حينما يسمع صوت الشيخ، فيقف ويستمع إليه".

اقرأ أيضاً: رحيل أحد أهمّ المقرئين في مصر..
يضيف دياب: "ليس هناك من لم يتعلم ويتتلمذ في مدرسة علي محمود، سواء كان منشداً دينياً أم مغنياً دنيوياً؛ فقد نهلت من نبعه أم كلثوم، ومحمد عبد الوهاب، والشيخ محمد رفعت، والشيخ طه الفشني، والشيخ زكريا أحمد، الذي عمل في بطانته، ثم كان له الشرف بتلحين نحو ستة من التواشيح له، منها: "يا نسيم الصبا تحمل سلامي"، الذي كانت تغنيه أيضاً أسمهان، ولم تسجله".