الصراعات الدينية تتأجج في إفريقيا

2576
عدد القراءات

2017-11-14

يرى الباحث والأكاديمي الألماني البروفيسور ماتياس باسادو أنّ الصراعات الدينية في إفريقيا "جنوب الصحراء الكبرى" آخذة بالصعود، ويعلل رأيه هذا بالوضع الضعيف لدول إفريقيا بشكلٍ عام، مشيراً، في الحوار الذي نشرته "دويتشة فيلة"، إلى أنّ أسباب زيادة وتيرة الصراع الديني، ليست دينية دوماً؛ فهناك ما هو سياسي واقتصادي وعرقي.

يذكر أن البروفيسور ماتياس باسادو يُجري أبحاثا حول السلام والأمن في المعهد الألماني للدراسات العالمية والمناطقية في هامبورغ. ونشر مؤخرًا دراسة عن ارتفاع وتيرة الصراعات الدينية المسلحة في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.

هنا نص الحوار المترجم:

-دويتشه فيله: في دراستك حول موضوع الصراعات الدينية في أفريقيا، تدَّعي أن ثمانيةً من أصل كلِ عشرةِ صراعات مُسلَّحة نشطة لها بعد ديني. لماذا تكون الدول في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى عرضةً لهذا النوع من الصراع؟

*ماتياس باسادو: إنَّ الصراعات التي لها بعد ديني أصبحت أكثر شيوعًا عالَميًا وليست أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى استثناءً من ذلك. تِلْكَ المنطقة معرَّضة للصراعات لأنَّ العديد من الدول في غالبًا ما تكون ضعيفة، كما أنَّ الأمر مرتبط بحقيقة أن الصراعات الدينية تتفشى من شمال أفريقيا والشرق الأوسط؛  إمَّا مباشرة من ليبيا أو الجزائر أو بشكل غير مباشر من خلال نَشْر صِيَغ أكثر راديكالية من الإسلام. ومع ذلك، فإنَّ الدين هو مظهر واحد فقط من مظاهرِ هذه الصراعات - فهي يمكن أن تكون صراعات إثنية، أو صراعات حول السلطة أو الموارد. ليس هناك صراع قائم على الدين فقط.

-ذكرتَ أيضًا في دراستك أن البلدان ذات المجموعات السكانية والطوائف الدينية اللامتجانسة تكون عرضةً بشكل خاصٍ للصراعات الدينية. والصومال من أكثر البلدان الغير مستقرة في أفريقيا؛ لكنها أيضًا واحدة من أكثر البلدان المتجانسة دينيًا في القارَّة. وفي نيجيريا، كثيرًا ما يهاجم إسلاميو بوكو حرام المسلمين أيضًا، كيف تفسِّر هذه الظاهرة؟

*في الأساس، يجب التمييز بين نوعين من الصراعات الدينية. ففي الصراعات بين الأديان، تختلف الأطراف المتصارعة في انتماءاتها الدينية. على سبيل المثال؛ مسيحيون ومسلمون. ويمكن لهذا أن يتداخل مع هويات إثنية، ومن الواضح أن المجتمعات اللامتجانسة أكثر عرضة لإثارة هذا النوع من الصراع الطائفب، وهذا يختلف عن الصراعات اللاهوتية، التي تكون في الغالب حول أفكار دينية "ضمن دين واحد". ويمكن أن تنشأ في المجتمعات ذات الأكثرية الإسلامية، مثل مالي أو الصومال أو شمال نيجيريا. لكننا على عِلم أيضًا بأمثلة على جماعات متمرِّدة مسيحية في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى ترفع مطالب لاهوتية. وقد تختلف الأطراف المعنية حول مسألة الدور الذي ينبغي أن يلعبه الدين في الدولة. كأن تطالب الجماعات الإسلامية الراديكالية بِمُباشَرَة الشريعة الإسلامية. وفي المقام الأول، يسمح الوضع الضعيف للدولة لهذه المجموعات بأن تكون نشطة - وتصبح أيديولوجيتهم الراديكالية أكثر جاذبية للجمهور إذا كانت الدولة لا توفِّر الخدمات العامَّة الكافية وإذا كان سياسيوها فاسدين. لكن بالطبع، ليس كل المسلمين في هذه الدول إسلاميون راديكاليون.

يمكن مكافحة الراديكالية بما يعزِّز التفسيرات السلمية للإيمان من وجهة نظر غير دينية

-ما هي المصلحة التي تعود على الجماعات الراديكالية في شمال أفريقيا والشرق الأوسط من إثارة هذه الصراعات؟

*تؤثِّر الجماعات الراديكالية النشطة تأثيرًا مباشرًا في شمال أفريقيا، مثل تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، أو فروع ما يسمى بـ "الدولة الإسلامية"، ولدى هذه الجماعات مصلحة في تأسيس فروع لها في بلدان أخرى. وقد دعمت المتمرِّدين في مالي وهناك دلائل تُشير إلى أنها تقوم بذلك أيضًا في نيجيريا والصومال، وهناك دول شرق أوسطية أخرى على الأرجح تؤثِّر في الوضع بشكل غير مباشر. ويتعلَّق الأمر هنا بنشر صِيغَة راديكالية من الإسلام. فمثلاً، كانت أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى تشكل بصورةٍ تقليديةٍ موطنًا لشكل ما معتدل من الإسلام، هو التصوف، الذي اصطدم بأشكالٍ متشددة أو سلفية من الإسلام، والتي يمكن أن تخلق بشكل غير مباشر أيديولوجية راديكالية تؤدي إلى العنف. لكن ليس من الواضح تمامًا كيف ينتشر هذا التأثير أو مدى قوته.

 

-ما هو الدور الذي لعبته العولمة ووسائل التواصل الاجتماعي في زيادة الصراعات الدينية؟

*إنَّ العولمة "التدفُّق المُيَسّر للمعلومات والسِلَع والتّمويل"  تعزِّز هذه الأنواع من القضايا، ليس فقط في أفريقيا، بل أيضًا في أماكن أخرى. ومن ناحية أخرى، بفضل العولمة، يمكن للحكومات أيضًا تحسين شبكاتها لتنفيذ تدابير مكافِحة الراديكالية.

-وما هي التدابير المضادَّة التي يمكن أن تُتَخذ لوقف تقدُّم الصراعات الدينية في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى؟

*يجب أن تستندَ التدابير المضادَّة إلى تحليل دقيق للأسباب، لا نعرفُ كل شيءٍ بعد، ولكن من المرجَّح أن تُتَخذ بعض التدابير. أولًا،: يجب أن نُدرك أن هناك أسبابًا دينية وغير دينية يجب التعامل معها في الآن نفسه، فعلى الجانب الديني يمكن مكافحة الراديكالية بما يعزِّز التفسيرات السلمية للإيمان من وجهة نظر غير دينية، وهذا يتعلّق أساسًا بتنمية طويلة المدى. بكلمات أخرى، يجب على الحكومات والدول أن تقدِّم لمواطنيها آفاقًا أفضل. فالأمر متعلّق بالحكم الرشيد والأمن، وستكون هناك حاجة إلى عدَّة تدابير ولكن الخبر السار هو أن بعض هذه التدابير موجود بالفعل، ويجب على الحكومات الأفريقية أن تقوم بمعظم العمل مع دعم من بلدان أخرى. ففي بوروندي ونيجيريا على سبيل المثال، تدعم ألمانيا مشاريع تجريبية من خلال الوزارة الاتحادية الألمانية للتعاون الاقتصادي والتنمية، ومن خلال الوكالة الألمانية للتعاون الدولي، لكن لا ينبغي لنا أن نتوقع أن هذا وحده سيحدِث فارقًا سريعًا ومستدامًا.

 

غويندولين هيلز - مقابلة لدويتشه فيله نشرت بتاريخ 23 أيلول (سبتمبر) 2017

اقرأ المزيد...

الوسوم:

الصراعات الدينية تتأجج في إفريقيا

2576
عدد القراءات

2017-11-14

يرى الباحث والأكاديمي الألماني البروفيسور ماتياس باسادو أنّ الصراعات الدينية في إفريقيا "جنوب الصحراء الكبرى" آخذة بالصعود، ويعلل رأيه هذا بالوضع الضعيف لدول إفريقيا بشكلٍ عام، مشيراً، في الحوار الذي نشرته "دويتشة فيلة"، إلى أنّ أسباب زيادة وتيرة الصراع الديني، ليست دينية دوماً؛ فهناك ما هو سياسي واقتصادي وعرقي.

يذكر أن البروفيسور ماتياس باسادو يُجري أبحاثا حول السلام والأمن في المعهد الألماني للدراسات العالمية والمناطقية في هامبورغ. ونشر مؤخرًا دراسة عن ارتفاع وتيرة الصراعات الدينية المسلحة في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.

هنا نص الحوار المترجم:

-دويتشه فيله: في دراستك حول موضوع الصراعات الدينية في أفريقيا، تدَّعي أن ثمانيةً من أصل كلِ عشرةِ صراعات مُسلَّحة نشطة لها بعد ديني. لماذا تكون الدول في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى عرضةً لهذا النوع من الصراع؟

*ماتياس باسادو: إنَّ الصراعات التي لها بعد ديني أصبحت أكثر شيوعًا عالَميًا وليست أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى استثناءً من ذلك. تِلْكَ المنطقة معرَّضة للصراعات لأنَّ العديد من الدول في غالبًا ما تكون ضعيفة، كما أنَّ الأمر مرتبط بحقيقة أن الصراعات الدينية تتفشى من شمال أفريقيا والشرق الأوسط؛  إمَّا مباشرة من ليبيا أو الجزائر أو بشكل غير مباشر من خلال نَشْر صِيَغ أكثر راديكالية من الإسلام. ومع ذلك، فإنَّ الدين هو مظهر واحد فقط من مظاهرِ هذه الصراعات - فهي يمكن أن تكون صراعات إثنية، أو صراعات حول السلطة أو الموارد. ليس هناك صراع قائم على الدين فقط.

-ذكرتَ أيضًا في دراستك أن البلدان ذات المجموعات السكانية والطوائف الدينية اللامتجانسة تكون عرضةً بشكل خاصٍ للصراعات الدينية. والصومال من أكثر البلدان الغير مستقرة في أفريقيا؛ لكنها أيضًا واحدة من أكثر البلدان المتجانسة دينيًا في القارَّة. وفي نيجيريا، كثيرًا ما يهاجم إسلاميو بوكو حرام المسلمين أيضًا، كيف تفسِّر هذه الظاهرة؟

*في الأساس، يجب التمييز بين نوعين من الصراعات الدينية. ففي الصراعات بين الأديان، تختلف الأطراف المتصارعة في انتماءاتها الدينية. على سبيل المثال؛ مسيحيون ومسلمون. ويمكن لهذا أن يتداخل مع هويات إثنية، ومن الواضح أن المجتمعات اللامتجانسة أكثر عرضة لإثارة هذا النوع من الصراع الطائفب، وهذا يختلف عن الصراعات اللاهوتية، التي تكون في الغالب حول أفكار دينية "ضمن دين واحد". ويمكن أن تنشأ في المجتمعات ذات الأكثرية الإسلامية، مثل مالي أو الصومال أو شمال نيجيريا. لكننا على عِلم أيضًا بأمثلة على جماعات متمرِّدة مسيحية في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى ترفع مطالب لاهوتية. وقد تختلف الأطراف المعنية حول مسألة الدور الذي ينبغي أن يلعبه الدين في الدولة. كأن تطالب الجماعات الإسلامية الراديكالية بِمُباشَرَة الشريعة الإسلامية. وفي المقام الأول، يسمح الوضع الضعيف للدولة لهذه المجموعات بأن تكون نشطة - وتصبح أيديولوجيتهم الراديكالية أكثر جاذبية للجمهور إذا كانت الدولة لا توفِّر الخدمات العامَّة الكافية وإذا كان سياسيوها فاسدين. لكن بالطبع، ليس كل المسلمين في هذه الدول إسلاميون راديكاليون.

يمكن مكافحة الراديكالية بما يعزِّز التفسيرات السلمية للإيمان من وجهة نظر غير دينية

-ما هي المصلحة التي تعود على الجماعات الراديكالية في شمال أفريقيا والشرق الأوسط من إثارة هذه الصراعات؟

*تؤثِّر الجماعات الراديكالية النشطة تأثيرًا مباشرًا في شمال أفريقيا، مثل تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، أو فروع ما يسمى بـ "الدولة الإسلامية"، ولدى هذه الجماعات مصلحة في تأسيس فروع لها في بلدان أخرى. وقد دعمت المتمرِّدين في مالي وهناك دلائل تُشير إلى أنها تقوم بذلك أيضًا في نيجيريا والصومال، وهناك دول شرق أوسطية أخرى على الأرجح تؤثِّر في الوضع بشكل غير مباشر. ويتعلَّق الأمر هنا بنشر صِيغَة راديكالية من الإسلام. فمثلاً، كانت أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى تشكل بصورةٍ تقليديةٍ موطنًا لشكل ما معتدل من الإسلام، هو التصوف، الذي اصطدم بأشكالٍ متشددة أو سلفية من الإسلام، والتي يمكن أن تخلق بشكل غير مباشر أيديولوجية راديكالية تؤدي إلى العنف. لكن ليس من الواضح تمامًا كيف ينتشر هذا التأثير أو مدى قوته.

 

-ما هو الدور الذي لعبته العولمة ووسائل التواصل الاجتماعي في زيادة الصراعات الدينية؟

*إنَّ العولمة "التدفُّق المُيَسّر للمعلومات والسِلَع والتّمويل"  تعزِّز هذه الأنواع من القضايا، ليس فقط في أفريقيا، بل أيضًا في أماكن أخرى. ومن ناحية أخرى، بفضل العولمة، يمكن للحكومات أيضًا تحسين شبكاتها لتنفيذ تدابير مكافِحة الراديكالية.

-وما هي التدابير المضادَّة التي يمكن أن تُتَخذ لوقف تقدُّم الصراعات الدينية في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى؟

*يجب أن تستندَ التدابير المضادَّة إلى تحليل دقيق للأسباب، لا نعرفُ كل شيءٍ بعد، ولكن من المرجَّح أن تُتَخذ بعض التدابير. أولًا،: يجب أن نُدرك أن هناك أسبابًا دينية وغير دينية يجب التعامل معها في الآن نفسه، فعلى الجانب الديني يمكن مكافحة الراديكالية بما يعزِّز التفسيرات السلمية للإيمان من وجهة نظر غير دينية، وهذا يتعلّق أساسًا بتنمية طويلة المدى. بكلمات أخرى، يجب على الحكومات والدول أن تقدِّم لمواطنيها آفاقًا أفضل. فالأمر متعلّق بالحكم الرشيد والأمن، وستكون هناك حاجة إلى عدَّة تدابير ولكن الخبر السار هو أن بعض هذه التدابير موجود بالفعل، ويجب على الحكومات الأفريقية أن تقوم بمعظم العمل مع دعم من بلدان أخرى. ففي بوروندي ونيجيريا على سبيل المثال، تدعم ألمانيا مشاريع تجريبية من خلال الوزارة الاتحادية الألمانية للتعاون الاقتصادي والتنمية، ومن خلال الوكالة الألمانية للتعاون الدولي، لكن لا ينبغي لنا أن نتوقع أن هذا وحده سيحدِث فارقًا سريعًا ومستدامًا.

 

غويندولين هيلز - مقابلة لدويتشه فيله نشرت بتاريخ 23 أيلول (سبتمبر) 2017

اقرأ المزيد...

الوسوم: