الصين ومستقبل العلاقة مع حركة طالبان... مواجهة أم تعاون وتقارب؟

الصين ومستقبل العلاقة مع حركة طالبان... مواجهة أم تعاون وتقارب؟

مشاهدة

28/09/2021

بالتزامن مع سيطرة حركة طالبان على الحكم في أفغانستان توالت التصريحات الصادرة من قبل الحركة والتي تعتبر الصين شريكاً أساسياً في المرحلة القادمة، وفي مقابل ذلك جاءت التصريحات الرسمية المشيدة والمطمئنة من قبل الجانب الصيني بخصوص التحوّل في أفغانستان.

وكانت العلاقة بين الجانبين قد ظهرت إلى العلن مع ترؤس الملا عبد الغني برادر رئيس المكتب السياسي لطالبان، في تموز (يوليو) 2021، وفداً من الحركة في زيارة إلى الصين، التقى وزير الخارجية الصيني وانغ يي، ممّا فتح باب التساؤلات حول الأسس والدوافع التي تنطلق منها الصين في مقاربتها وتوجهها نحو عودة الحركة إلى السلطة وسُدة الحكم في أفغانستان.

عين على الموارد والثروات المعدنية

من المنظور الصيني فإنّ أفغانستان تُقدم فرصاً اقتصادية مهمّة، وخاصّة بالنظر إلى امتلاكها مخزوناً هائلاً من المعادن، مثل الحديد، والنحاس، واليورانيوم، والليثيوم، والبوكسيت، والفحم، والليثيوم، والكروم، والرصاص، والزنك، والكبريت، وبحسب موقع "أويل برايس" الأمريكي فإنّ قيمة الموارد المعدنية غير المستغلة في أفغانستان تقدر بنحو تريليون دولار أمريكي، وذلك وفقاً لإحصاءات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية.

مكاتب شركة "إم سي سي" الصينية في موقع منجم آيناك حيث التحضيرات الأخيرة للعودة إلى العمل فيه

وَتطمح الصين إلى الدخول عبر شركاتها للاستثمار في مجال التعدين واستخراج هذه الثروات، وكانت الصين قد وقّعت من قبل عقوداً لحقوق التعدين في أفغانستان، فمنذ العام 2000 كان هناك عدد من الشركات الصينية التي باشرت العمل بمشاريع الطاقة والموارد، ومن ذلك عقد لتطوير واستغلال مناجم نحاس في موقع "مس عينك" (على بعد40 كم جنوب شرقي كابول). وفي عام 2007 فازت شركة مجموعة الصين للمعادن "إم سي سي" بصفقة استغلال رواسب خام النحاس في منجم "آيناك" (في ولاية "لوغر") لمدة 30 عاماً، وهو ثاني أكبر منجم للنحاس في العالم واستخرجت منه نحو (11.5) مليون طن من النحاس، قبل أن يتوقف عمل الشركة فيه عام 2013، وفي عام 2011 فازت شركة الصين الوطنية للطاقة بمناقصة عقد تطوير واستغلال حقل نفط في "أمو داريا" شمال أفغانستان، إلّا أنّ مثل هذه المشاريع بقيت متعثرة بسبب عدم استتباب الوضع الأمني وعدم الاستقرار في البلاد، فضلاً عن عدم التعاون من قبل الحكومة الأفغانية قبل الانسحاب الأمريكي مع الصين في سبيل تعزيز وزيادة استثماراتها، وذلك بسبب علاقاتها مع منافسين للصين وفي مقدمتهم الولايات المتحدة والهند.

تطمح الصين إلى الدخول عبر شركاتها للاستثمار في مجال التعدين واستخراج الثروات المعدنية في أفغانستان

والآن، مع انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية، تحرص الصين على المساهمة في تحقيق الاستقرار في أفغانستان، وفتح وإدامة قنوات التواصل مع حركة طالبان، الحاكم الحديد، وذلك بهدف تأمين وضمان نيل الاستثمارات لصالح الشركات الصينية.

ممر جديد محتمل ضمن شبكة "طريق الحرير"

تسعى الصين للاستفادة من الموقع الجيواستراتيجي لأفغانستان لصالح مشروع "الحزام والطريق" (طريق الحرير الجديد)، إذ تقع أفغانستان عند مفترق طرق حاسم بالنسبة إلى المشروع، فهي تتوسط الطرق الممتدة انطلاقاً من الصين عبر باكستان باتجاه المحيط الهندي، والطرق الممتدة عبر آسيا الوسطى باتجاه أوروبا، وبالتالي فإنها يمكن أن تشكّل ربطاً بين الطريقين.

ينطلق "الممر الاقتصادي الصيني - الباكستاني" من مدينة كاشغر الصينية حتى ميناء جوادر الباكستاني

ويتجه التخطيط الصيني تحديداً إلى ربط ومدّ الطرق باتجاه أفغانستان من الممر الاقتصادي بين الصين وباكستان، وهو ما يوجد تمهيد له منذ توقيع اتفاقية التجارة بين أفغانستان وباكستان في العام 2010، وبالتالي فإنّ الاستقرار في أفغانستان بات فرصةً وعاملاً يدفع لتوسيع خطوط مشروع "طريق الحرير الجديد"، حيث يؤدي دمج أفغانستان في المشروع إلى زيادة الاتصال بين جنوب ووسط آسيا، كما يعمل على تعزيز النفوذ الاقتصادي للصين في أفغانستان ويُسهم في زيادة التبادل التجاري والاستثمارات. وبالفعل، ومنذ مطلع العام 2020 كانت باكستان قد فعّلت ميناء جوادر ليخدم حركة التجارة الأفغانية، وذلك كممر بديل ومنافس للممر الهندي - الإيراني الذي كانت الهند تسعى للسيطرة على تجارة أفغانستان من خلاله.

اقرأ أيضاً: هل تتسبب السياسات الأمريكية في إفساح المجال للنفوذين الصيني والروسي بالشرق الأوسط؟

في حال اتصلت أفغانستان بشبكة "الحزام والطريق"، فإنها بذلك ستفتح خطاً وطريقاً جديداً ضمنه بحيث تصل ما بين آسيا الوسطى والمياه الدافئة في المحيط الهندي، ومن جهتها، فإنّ باكستان أيضاً مهتمة بدعم هذا الربط، لأنه سيتيح لها إمكانية الوصول الأسرع إلى دول آسيا الوسطى وأسواقها ومواردها.

تسعى الصين للاستفادة من الموقع الجيواستراتيجي لأفغانستان لصالح مشروع الحزام والطريق

فضلاً عن ذلك، تتطلع الصين على المدى الأبعد إلى انضمام أفغانستان إلى "منظمة شنغهاي للتعاون" التي تقودها الصين، وكانت أفغانستان قد أصبحت عضواً بصفة مراقب في المنظمة خلال قمة المنظمة في بكين عام 2012، وفي هذه المرحلة الجديدة، وفي حال تحقيق الاستقرار، سيكون مقترحاً ومتوقعاً حصول أفغانستان على العضوية الكاملة في المنظمة.

انحسار النفوذ الهندي في المنطقة

خلال مرحلة ما بعد الغزو الأمريكي لأفغانستان تطلعت القوى الإقليمية المحيطة بمنطقة آسيا الوسطى لزيادة نفوذها وحضورها في أفغانستان، وجاءت في مقدمة ذلك المساعي الهندية، التي رأت في أفغانستان عمقاً حيوياً وساحة لا يمكن لها خسارتها لصالح غرمائها، وخاصة الصين وباكستان، وبالتالي اتجهت نحو تقديم المساعدات للحكومة الأفغانية وشرعت بضخّ الاستثمارات في البلاد.

اقرأ أيضاً: هل تتجاهل إسرائيل تحذيرات واشنطن وتتقارب أكثر مع الصين؟

إلا أنّ التقارب الصيني مع حركة طالبان وحكومتها الجديدة، والدور الباكستاني في دعم هذا التوجه الصيني، يمثل مقدمة لتحولات بدأت تتشكل على مستوى خريطة النفوذ في المنطقة، وقد أدّت باكستان بحكم علاقاتها مع حركة طالبان دوراً مهماً في تسهيل تطوّر العلاقات بين حركة طالبان والصين.

رئيس الوزراء الهندي "مودي" باستقبال الرئيس الأفغاني السابق أشرف غني في نيودلهي عام 2017

وبالنظر إلى ما يجمع باكستان والصين من روابط اقتصادية وعسكرية متزايدة، إضافة إلى توتر علاقات البلدين مع الهند، حيث العداوة التاريخية مع باكستان، والنزاعات الحدودية مع الصين فضلاً عن التنافس بينهما باعتبارهما قوتين كبيرتين على مستوى قارة آسيا وفي ساحة التنافس الدولي، فإنّ كُلاً من الصين وباكستان تضعان مسعى إقصاء الهند من أفغانستان في مقدمة أولوياتهما خلال المرحلة القادمة.

أدّت باكستان بحكم علاقاتها مع حركة طالبان دوراً مهماً في تسهيل تطوّر العلاقات بين حركة طالبان والصين

إنّ التحول الراهن يدفع باتجاه التقليص والحدّ بدرجة كبيرة من النفوذ الذي كانت تتمتع به الهند في أفغانستان خلال المرحلة السابقة، وذلك بعد قيامها بضخّ مبالغ كبيرة من المال في أفغانستان، بما في ذلك المساعدات التنموية التي دعمت الهند بها الحكومة الأفغانية على مدى العقدين الماضيين، إضافة إلى استثمارات الشركات الهندية الخاصة والحكومية، والتي فاقت قيمتها الـ3 مليارات دولار، وتركّزت في قطاعات التعدين، والصلب والحديد، والطاقة، إضافة إلى البُنى التحتية.

اقرأ أيضاً: هل وصلت ظاهرة الإرهاب الجهادي إلى الصين؟

وبعد الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، وسيطرة طالبان على الحكم في البلاد، فإنّ النفوذ الهندي بات متجهاً نحو الانحسار، إن لم تقم الهند بتطوير علاقات مع حكومة طالبان بما يسمح لها بالتحرّك في أفغانستان واستعادة مشاريعها هناك، وهو ما يبدو متعذراً بسبب وقوف الهند مع الغزو الأمريكي ومع الحكومة التي أقامتها الولايات المتحدة في أفغانستان، وبالنظر إلى سياسات الهند وتصريحات قادتها المستمرة ضد حركة طالبان.

الإيغور... والحسابات الأمنية

ومن أبرز محرّكات ودوافع الصين في سعيها لتعزيز العلاقات ودعم الحكومة الجديدة هي المخاوف والقلق من إمكانية تحول أفغانستان، في حال غرقت بالفوضى ولم تشهد الاستقرار، إلى ملاذ آمن وقاعدة للمتطرفين في المنطقة، ولا سيّما من قبل العناصر التي تصفها  بالمتشددة والانفصالية من أقلية الإيغور، وخاصة من قبل حركة "الحزب الإسلامي التركستاني".

نقطة التقاء الحدود الصينية الباكستانية ويبلغ طولها حوالي (76) كيلومتراً

وكانت الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية قد استجابتا لطلب الصين وصنفتا في عام 2002 الحركة رسمياً جماعة إرهابية نتيجة لصلات مفترضة مع تنظيم القاعدة وحركة طالبان، إلّا أنّ الولايات المتحدة الأمريكية قامت مؤخراً، في العام 2020، برفع الحركة عن قائمتها للإرهاب، وهو ما انتقدته ونددت به الصين بشدّة.

تخشى الصين من تحول أفغانستان إلى ملاذ آمن لمقاتلي الحزب الإسلامي التركستاني

ويبقى جانب من حرص الصين ينبع من الإدراك بأنّ لحركة طالبان علاقة سابقة مع المسلحين الإيغور؛ إذ إنّ أفغانستان قد استضافت في الماضي مقاتلين إيغور تابعين للحزب الإسلامي التركستاني، وبالتالي هي حريصة على نيل التطمينات والضمانات من قبل حركة طالبان على عدم تكرار مثل هذه الصلات.

من المنظور الاستراتيجي الصيني، فإنّ التقارب مع حركة طالبان يأتي في إطار التنافس الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الأمريكية، وفي مسعى لتقليص مجالات نفوذها وملء الفراغ الناشئ في وسط آسيا، ومن جهتها، فإنّ حركة طالبان تنتظر من الدعم الصيني اكتساب المزيد من الشرعية والقبول الدولي إضافة إلى دعم الاقتصاد وإنقاذ أفغانستان من أزمة اقتصاديّة محققة قد تهدد استقرار حكمهم للبلاد.



الصفحة الرئيسية