الطبيب محمد مشالي يكتب وصفته الأخيرة .. مَن سيُداوي آلام "الغلابة"؟‎

الطبيب محمد مشالي يكتب وصفته الأخيرة .. مَن سيُداوي آلام "الغلابة"؟‎

مشاهدة

28/07/2020

وسط حالة من الحزن عمّت من عرفه أو سمع به في مصر وخارجها، غيّب الموت فجر الثلاثاء، محمد مشالي، الذي اشتهر بلقب "طبيب الغلابة" بعد أن كرّس حياته المهنية الطويلة لخدمة الفقراء، مانحاً إياها  قيمتها الإنسانية في أعلى صورها وفاء للوعد الذي قطعه لوالده.

لم تكن الشهرة ضمن حسابات الطبيب المصري الذي حافظ على سعر كشف 10 جنيهات فقط

سيفتقد "الغلابة"، ذلك الطبيب الذي ظلت أبواب عيادته المتواضعة في ضاحية شعبية ملجأ للكثيرين على مدار أعوام طويلة، لا يحمل بفضلها الفقراء همّ المرض، وما يتطلبه من مصاريف غير محسوبة في الميزانية المحدودة للأسرة تبدأ بالكشف وتنتهي بقائمة طويلة للعلاج، لكنهم رغم ذلك، كسبوا قيمة، تجاوزت الحالة الخاصة التي يمثلها مشالي، إلى مواجهة معايير السوق التي تضع ثمناً لكل شيء.

مشالي، الذي انحنى ظهره بعد حياة امتدت 76 عاماً، توحي هيئته البسيطة المتواضعة، التراثية، كما لو كان خارجاً من حكاية شعبية مثالية، رفض أن يخضع للتسعير، أو أن يتماهى مع قيم السوق، ظل متمسكا بإنسانيته، وقيمه، فربما عيادته ليست مهيأة تماماً، وربما علمه قد تأثر بفعل التقدم في العمر والإصرار على مواصلة العمل، لكنه ظل متمسكا بما هو أكبر من الماديات.

بتلك الحالة الخاصة الفريدة، غزا مشالي القيم الاستهلاكية التي تربط الطبيب الأفضل بسعر الكشف الأعلى، والتي تجعل الخدمة المقدمة إلى المريض مصنفة ضمن طبقته الاجتماعية، فيما هو يداوي مرضاه برغبة صادقة في المساعدة، دون منٍّ أو مزايدة.

 

نقابة الأطباء تنعي الدكتور محمد مشالي تنعي النقابة العامة للأطباء بمزيد من الحزن والأسي الدكتور محمد مشالي المُلقب...

Posted by ‎نقابة أطباء مصر - الصفحة الرسمية‎ on Tuesday, July 28, 2020

ولم تكن الشهرة ضمن حسابات الطبيب المصري الذي حافظ على سعر كشف 10 جنيهات فقط (أقل من دولار) فيما يقفز سعر الكشف في أي مستوصف خيري 5 أضعاف ذلك الرقم.

ذاع اسم مشالي في نطاق محافظته "الغربية" (دلتا النيل)، وامتد إلى بقية البلاد، رغم أنّ الشهرة لم تكن يوماً في باله، فقد قدم واحداً من أشهر دروسه، بمصادفة وعفوية، حين رفض المساعدة  المالية من "غيث"، من برنامج "قلبي اطمئن" الخيري.

 خضع مشالي لاختبار على الهواء، قبل رحيله بأشهر قليلة، حين أخبره المذيع أنه لا يملك سوى نصف قيمة الكشف، فهل يوافق الطبيب أن يفحصه؟ الإجابة لا تحتاج إلى توقعات، وقيمة الـ10 جنيهات في ذاتها، تؤكد أنّ الهدف ليس مادياً، لكن مشالي فاجأ الممتحن بأمر آخر، وجاوز درجة النجاح بكثير، حين رفض المساعدة من البرنامج.

اقرأ أيضاً: طبيب يتطوع لعلاج ضحايا الإرهاب في سيناء مجاناً

قال مشالي وقتها، أنا سعيد بعيادتي هنا، لن انتقل منها إلى أن يتوفاني الله، وحين سأل المذيع عن طريقة لمساعدة الفقراء دلّه على جمعيات خيرية يمكن أن تقبل التبرعات، أما هو فليس "جمعية خيرية".

أثار موقف مشالي تعجب الكثيرين، بل وانتقاد البعض، ممن أخذوا عليه هيئته وهيئة عيادته، معتبرين أنّ رفضه المنحة غير مفهوم، فلم يستسيغوا تصرفاً غير نمطي، ممن يثور، دون ضجيج أو هتافات، ودون ترتيب حتى، على كل تلك النمطية التي اعتادها  معظم الناس.

مشالي بظهره المحني توحي هيئته البسيطة المتواضعة كما لو كان خارجاً من حكاية مثالية

حارسة العقار الذي يقطن فيه، عزة أبو سريع، بكته قائلة "كان ملاكاً لم يكن بشراً"، وتابعت ناقلة مقتطفات من يومه الأخير، بحسب ما أورده موقع اليوم السابع: رأيته صباح أمس، ألقى عليّ التحية، منحني عنباً، ثم عاد لمنزله.

أثارت العودة السريعة دون الذهاب إلى العيادة التي تبعد خطوات عن المنزل، تعجب عزة، قالت: ما حدث كان على غير عادته، بعدها وجدنا مجموعة أطباء يزورون منزله.

ساعات قليلة وصعدت روح الطبيب، ليعم الحزن الجميع، ويشن الناشطون عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حملة لتوديعه، تتضافر فيها تجسيده على نحو ملائكي بجناحين، وتداول صوره، وكتابة العبارات فيه، واستخلاص القيمة منه.

بتلك الحالة الخاصة الفريدة غزا مشالي القيم الاستهلاكية التي تربط الطبيب الأفضل بسعر الكشف الأعلى

نعت نقابة الأطباء المصرية الطبيب مشالي "بعد سنوات طويلة قضاها في خدمة غير القادرين من المرضى"، في وقت لفتت نقابة الأطباء الفرعية في محافظته أنها سبق ومنحت الطبيب الراحل  لقب "الطبيب المثالي" وهو أعلى تكريم تمنحه النقابة، قبل 3 سنوات تقديراً لجهوده، وفق صحيفة الأهرام المصرية.

تخرج مشالي من كلية الطب في العام1967، وتم تعيينه بالقطاع الريفي في محافظة الغربية، تنقل، بحسب موقع اليوم السابع، بين الوحدات الريفية، وتم ترقيته لمنصب مدير مستشفى الأمراض المتوطنة، ثم مديراً لمركز طبي سعيد حتى بلغ السن القانونية للمعاش في العام 2004.

وضمن المواقف الدراماتيكية في الحياة البسيطة لمشالي تأثره بوفاة طفل بين يديه لعدم قدرة والدته على شراء الدواء له. الواقعة كما رواها الطبيب في إحدى البرامج الفضائية، أن الطفل (10 سنوات) المصاب بمرض السكري طلب من والدته إحضار حقنة الأنسولين له بعد معاناته إثر قطع العلاج يومين لعدم قدرتهم على إحضار الحقنة.

نعت نقابة الأطباء المصرية مشالي "بعد سنوات طويلة قضاها في خدمة غير القادرين من المرضى"

ردت والدة الطفل، بأن ليس معها سوى بضعة جنيهات، وإحضار الحقنة سيكون على حساب لقمة اشقائه الذين لن يجدوا عشاء، فصعد فوق منزله وأضرم النيران في نفسه.

يقول مشالي:  الطفل قال وهو يشعل النيران، سأقتل نفسي لكي أوفر لك حق الأنسولين تربي أشقائي به، جرى الطبيب على الطفل احتضنه ببطانية ليخمد الحريق، لكن روح الفتى كانت قد فارقت جسده، ولم تفارق مرارة الموقف ذاكرة الطبيب.

في غضون ذلك، رثا ناشطون الطبيب، فكتب الناشط محمد سمان: مصر والإنسانية والكون كله يفقدون أعظم طبيب على وجه الأرض.

وكتب الإعلامي المصري محمود سعد: بكل الحزن، بكل الحب، ننعي الدكتور محمد مشالي إلى كل محبيه، إنسان نادر شرفنا باستضافته في "باب الخلق"، نسألكم الدعاء له كما أحسن لكل الناس.

 

بكل الحزن.. وبكل الحب.. ننعي د. محمد مشالي طبيب الغلابة إلى كل محبيه.. إنسان نادر شرفنا به في باب الخلق.. نسألكم الدعاء ونسأل الله له الرحمة والمغفرة كما أحسن لكل الناس وإنا لله وإنا له راجعون

Posted by ‎محمود سعد‎ on Monday, July 27, 2020

 

الصفحة الرئيسية