"العدالة والتنمية" التركي يسعى لسلب العمال مكافأة نهاية الخدمة

"العدالة والتنمية" التركي يسعى لسلب العمال مكافأة نهاية الخدمة

مشاهدة

22/04/2019

أكرم أوناران

أثارت التصريحات التي أدلى بها وزير الخزينة والمالية التركي بيرات البيرق، حول مكافأة نهاية الخدمة، قلقًا كبيرًا بين العمال. بحسب تلك التصريحات، فإنه سيتم إنشاءُ صندوق تحت اسم "صندوق مكافأة نهاية الخدمة" لنقل حقوق العمال إلى هذا الصندوق.
في الواقع، لا تعتزم حكومة حزب العدالة والتنمية بقيادة رجب طيب أردوغان تشكيل صندوق مستقل، بل تقترح دفع نسبة معينة من العلاوة باسم العمال إلى نظام التقاعد الفردي بدلا من مكافأة نهاية الخدمة، ومن ثم سيتمكّن العامل من الحصول على حصته من نظام التقاعد الفردي عند تقاعده أو بلوغه من العمر 56 سنة.
يهدف النظام المقترح في أساسه إلى "إذابة" حقوق العمال في التعويض عن إنهاء الخدمة في نظام التقاعد الفردي. قبل كل شيء ستتوجه السلطات لخفض معدلات مكافأة نهاية الخدمة للعمال. إذ يبلغ مقدار مكافأة نهاية الخدمة عن كل سنة في النظام الحالي 30 يومًا، أما في حال الانتقال إلى النظام الجديد فإن المدة ستنخفض إلى 8 أو 10 أيام فقط.
كما أن مكافأة نهاية الخدمة عن السنوات السابقة للعامل تحتسب حاليًا على أساس الأجر النهائي. وبالتالي، يجري دفع حقوق نهاية الخدمة للعامل الذي حصل على ترقيات أو زيادات خلال السنوات الماضية طبقًا للأجر النهائي.  أما في حال تشريع صندوق مكافأة نهاية الخدمة، فإن العمال لن يحصلوا على تحديثات للأجور كما كانوا يحصلون عليها في النظام القديم. وذلك لأن النظام الجديد يقترح دفع أقساط شهرية ثابتة للصندوق، وسترتفع معه إمكانية الحصول على حقوق الأقدمية في الوظيفة على أساس الأجر الأخير.
وعند احتساب مكافأة نهاية الخدمة في النظام المطبق حاليًّا، يُؤخذ في الاعتبار كلٌّ من مكافآت العمال ومدفوعات الرعاية الاجتماعية، من قَبيل أجرة الطريق والوجبات وبدل الطفل وما إلى ذلك. أما في النظام الجديد فلا يوجد شيء من هذا القبيل.
من جانب آخر، يعتبر تعويض نهاية الخدمة جزءًا لا يتجزأ من الحياة العملية في تركيا منذ عام 1971، كما يلعب دورًا مهمًّا في ضمان استمرار العمل. ذلك لأن صاحب العمل الذي يواجه صعوبة في دفع ذلك التعويض يتجنّب طرد العامل. وهذا يعني أن الشركات، لا سيما المؤسسات الصغيرة، ستشهد مزيدًا من عمليات التسريح مع إنهاء الالتزام بدفع تعويض نهاية الخدمة.
من ناحية أخرى، يحق للعامل ترك العمل، مع الحصول على أجر إنهاء الخدمة، في حالات معينة، مثل التعرض للإهانة أو المضايقة أو عدم دفع المعاش من قبل صاحب العمل، وفق قانون العمل رقم 4857.
أما في حال الانتقال إلى نظام الصندوق الجديد، فلن يتمكن العامل من طلب التعويض عن إنهاء الخدمة إذا أراد إنهاء العقد للأسباب المذكورة. فضلاً عن ذلك، يحصل العمال على تعويض نهاية الخدمة عند الزواج أو الذهاب إلى أداء الخدمة العسكرية. لكن هذه الحقوق ستزول عند تقرير نظام الصندوق الجديد، كما سيصعب على العامل الحصول على مكافأة نهاية الخدمة من جانب، وستنخفض الأموال التي يتلقاها بشكل كبير من جانب آخر.
من أهمّ الأسئلة التي تنتظر الجواب في النظام المقترح هو: ماذا سيحدث إذا لم يدفع صاحب العمل لشركة نظام التقاعد الفردي؟ إذ لا يوجد جواب لهذا السؤال في مشروع القانون الذي يقترح البيراق، وزير المالية، صهر أردوغان، تأسيس صندوق مكافأة نهاية الخدمة. وهذا لأن هروب أصحاب العمل من مسؤولياته تجاه العمال حالة شائعة في تركيا.
على سبيل المثال، لا يدفع عدد كبير من أصحاب العمل أقساط مؤسسة الضمان الاجتماعي، لكن لا يؤثر ذلك على العامل في ظل النظام الحالي؛ لأنه يحق للموظف أو العامل الحصول على حقوقه الاجتماعية ،كالتقاعد والصحة وغيرهما، حتى ولو كان صاحب العمل مَدينًا لمؤسسة الضمان الاجتماعي. إلا أن النظام الجديد لا يقترح آلية من شأنها أن تعوّض خسارة العامل إذا هرب صاحب العمل من دفع أقساط الضمان الاجتماعي، وهو الأمر الذي يعني ضياع مكافأة نهاية الخدمة للعامل في حال عدم التزام صاحب العمل بمسؤولياته. وبعبارة أخرى فإن نقل التزامات أصحاب العمل تجاه العمال إلى نظام التقاعد الفردي هو بداية النهاية لتعويض نهاية الخدمة.
أضف أن المقترح لا يقدم رؤية واضحة حول الطريقة التي سيتبعها الصندوق في حماية عوائد العمال إزاء التضخم وانخفاض قيمة الليرة أمام العملات الأجنبية والذهب، خصوصًا في ظل الأزمات الاقتصادية.
تكتسي تعويضات نهاية الخدمة أهمية حيوية للعاطلين عن العمل أيضًا، فهي تشكّل الضمان الوحيد للذين فقدوا عملهم، في ظل الشروط الثقيلة للحصول على إعانة البطالة، فضلاً عن أنها مبلغ رمزيّ للغاية. لذا فإن العمال الذين فقدوا أعمالهم بسبب هذا أو ذاك، يواصلون حياتهم على مكافأة نهاية الخدمة حتى يجدوا عملاًجديدًا.
وإذا أخذنا في الحسبان أن أرقام البطالة قد وصلت إلى مستويات رهيبة، فإنه إلغاء ضمان مكافأة نهاية الخدمة يمكن أن يؤدي إلى جروح اجتماعية عميقة.
من جانب آخر، يقترح النظام الجديد خصم 3 بالمائة من راتب العامل كل شهر لإيداعه في نظام التقاعد الفردي من جانب، ومن جانب آخر يطالب صاحب العمل بدفع أقساط إلى النظام على أنها مكافأة نهاية الخدمة للعامل ذاته. أي سيقتطع النظام الجديد من رواتب العمال من الطرفين، ويستهدف بذلك تراكم حوالي 100 مليار ليرة سنويًّا وفق البيانات في هذا الصدد.
وإذا علمنا أن الخزينة تبحث عن موارد جديدة في ظل الأزمة الاقتصادية المتفاقمة، وأن سجلّ تركيا في استخدام الصناديق والأموال سيئة للغاية، فإنه يمكن القول بأن هدف أردوغان من وراء هذا النظام هو حرمان العمال البالغ عددهم 15 ملايين من مكافأة نهاية الخدمة التي يحصلون عليها منذ نصف قرن، سعيًا للحصول على مورد مهم في مواجهة الأزمة الاقتصادية الراهنة. وليست الكلمات المزخرفة في هذا الصدد إلا محاولة لإقناع العمال بالموافقة على تلك التغييرات.
لذا يقع على عاتق جميع اتحادات العمال القيام بواجبها التاريخي لمنع تشريع هذا النظام بصورته الحالية والحفاظ على حقوق العمال.

عن "أحوال" التركية

الصفحة الرئيسية