العراق لنا.. وهؤلاء ليسوا منّا!

1126
عدد القراءات

2017-11-21

كان العراقيون يريدون أن يطمئنّوا على أنّ الإرهاب، بهويته الدينية المتزمتة والقاتلة، والذي أفاقوا عليه بعد 2003 هو رسائل دم ظلت تتدفق على مدنهم إنما من خارج العراق، وكانت فعلاً وافدة. كان الواحد منهم يؤكّد للآخر: هؤلاء ليسوا منا.
كان يجري الاستدلال على ذلك بالأعمال الانتحارية؛ العراقي لا يقوم بعمل انتحاري، هذه ليست من طبائعنا، وهؤلاء ليسوا منا.
العراقيون، بهذا، كانوا يعبّرون عن ثقتهم بأنماط التمذهب المختلفة في العراق، وهي بمجملها مذهبيات تميل إلى الاعتدال والقبول بالآخر وبحسن التعايش بين المختلفين. وكانوا بهذا يمنّون النفس أيضاً بأن ما يحصل من قتل يومي هو أمر عابر وطارئ على حياة لم تشهد من قبل له مثيلاً.
ما لم يفكر به العراقيون حينها، هو أن دواعي التطرف والتشدد والمغالاة لا تأتي بالضرورة من داخل الحاضنة الدينية، بفكرها وتقاليدها. مبالغات بعض رجال الدين، بتطرفهم وتزمتهم، هي الممر لنزعات التكفير والقتل.

ما لم يفكر به العراقيون هو أن دواعي التطرف والتشدد والمغالاة لا تأتي بالضرورة من داخل الحاضنة الدينية

تاريخ بغداد، وهي مدينة تسامح وتنوير في معظم أطوارها، لا يخلو من إشارت تؤكد أنّ التشدد والتطرف يظلان كامنين تحت ضغط تقاليد التعايش والتسامح، لكن وإذا ما أتيحت لحظة مناسبة لظهور تينك التشدد والمغالاة فإنهما يسرفان في التعبير عن نفسيهما، ويمعنان في الافصاح عن كراهية مضمرة. إنها لحظات لا يقوى فيها الاعتدال على لجم نزعات الدم؛ وليس ثمة ما يثير شهوات التطرف أشدّ من الدم.
فالتاريخ الوطني العراقي حفظ لنا، في الأقل، واقعةً شهيرة تعود إلى مطالع القرن العشرين، استعان فيها بعض هذا التدين بشقاوات "بلطجية" من كرخ بغداد لينفذوا ما لم يرد معمَّمون بغداديون القيام به.
فبعد نشر المقال المشهور للشاعر الراحل جميل صدقي الزهاوي في "المؤيد" المصرية عام 1910، ثم في صحيفة بغدادية، والذي يدعو فيه إلى حرية المرأة وحقّها في التعلم والسير في الشارع والأسواق، اهتاج رجال دين، وأصدر أحدهم رسالته التي كانت أكثر من موحية بعنوانها: "السيف البارق في عنف المارق"، وجرى إخراج العشرات من بسطاء الناس وعوامهم غاضبين ومحتجين وداعين الوالي العثماني للانتقام من الشاعر.
حصل كل هذا، وطُرد الزهاوي من عمله، فاعتكف في منزله خشيةً من البطش والطيش، لكن منزله لم يعصمه، إذ جيء إليه بجماعةٍ من أتعس "شقاوات" المدينة ليلاً واقتحموا عليه معتكفه، بسكاكينهم ومديِّهم، طالبين من زوجته وبناته الخروج معهم إلى المقهى والتسامر فيها عملاً بما دعا إليه ربّ البيت.
كان المراد، هو إذلال الرجل والطعن بكرامته وشرفه العائلي. ولم يكن أمامه سوى أن يتنكر لمقاله في "المؤيد" مدّعياً أنّ كارهاً لفّقه ووضع اسمه عليه ونشره هناك، في مصر.

كان دور رجل الدين تكفير الشاعر الزهاوي، وكان للشقاوة أن ينفّذ، إنها فرصته لاكتساب هوية أخلاقية

كان دور رجل الدين تكفير الشاعر، وكان للشقاوة أن ينفّذ، إنها فرصته لاكتساب هوية أخلاقية معترف بها لما يقوم به من خروج على القانون، وهي فرصة لتأكيد سلطة هذا الخروج وفرضها على المجتمع.
هكذا لم يكتفِ الزهاوي بالبراءةِ من مقالٍ بات يقول به الآن، بعد هذه السنوات، حتى أشدّ المغالين في تدينِهم؛ فحين مات صاحب "السيف البارق..." كان من بين مَن حضروا حفل تأبينه هذا الشاعر "المارق"، وكان له أن يقرأ قصيدةً في رثاء ذلك الشيخ الراحل.
لقد كان العراقيون طيّبين محقّين بقناعتهم، أنْ ليس من الممكن لعراقيٍّ أن يكون إرهابياً انتحارياً، فقد كان كلٌّ منهم ينظر إلى طبيعته هو وإلى ما تربّى وعاش عليه. لكن بعد سنوات كان على رأس التنظيم الأشدّ دمويةً في التاريخ الحديث، داعش، رجلٌ لم يكن وافداً إنما خرج، أو أُخرج بعمامته من جامعٍ في واحد من اهدأ أحياء بغداد، وكان الرجلُ يريد أن يكنّى: أبو بكر البغدادي.

اقرأ المزيد...

الوسوم: