العراق: موازنة بنكهة سياسية خالصة.. والمحاضرون المجانيون يحتجون

العراق: موازنة بنكهة سياسية خالصة.. والمحاضرون المجانيون يحتجون

مشاهدة

10/04/2021

ما إن أقرّ البرلمان العراقي، الأسبوع الماضي، موازنة البلاد العامة للعام الجاري، حتى تصاعدت احتجاجات فئة المحاضرين المجّانيين (معلمون دون أجور من الحكومة) في ثلاث مدن جنوبية، أدّت إلى غلق دوائر وزارة التربية في تلك المدن، نتيجة عدم تضمين الموازنة لحقوق هذه الفئة التعليمية من قبل الكتل البرلمانية، بعد وعود طالت عدة سنين.

اقرأ أيضاً: نتائج جولة الحوار الأمريكية العراقية... ماذا قال الكاظمي حولها؟
الموازنة المالية التي بقيت قيد المداولات السياسية لثلاثة أشهر في مجلس النواب، خضعت لمزايدات الكتل  لضمان حقوق جمهورها من الكادر الوظيفي في الدولة العراقية؛ حيث ضمن الحزبان الديمقراطي والاتحاد الوطني الكردستانيين حقوق الإقليم من الموارد المركزية، بينما مُنحتْ كتلة "تحالف الفتح" المقربة من إيران، 30 ألف درجة وظيفية لجمهورها في هيئة الحشد الشعبي، وهي بمثابة استثمار "انتخابي" للكتلة الحشدية في الانتخابات المقبلة، بحسب مراقبين عراقيين. 

مجلس النواب العراقي يقر الموازنة المالية للبلاد
وعالج رئيس الحكومة، مصطفى الكاظمي، المحاصر من قبل الكتل الولائية لإيران، احتجاجات شريحة "المحاضرين المجّانيين" الذين يصل عددهم لـ 260 ألف شخص، بتخصيص مبالغ مالية "بسيطة" لهم، متهماً البرلمان بالتلاعب في الموازنة المرسلة من الحكومة. 

محاضرون يحمّلون وزارة التربية المسؤولية
وحمّلَ محاضرون يعملون بصفةٍ مجانية ضمن عقد حكومي تبرمهُ معهم وزارة التربية، من أجل تعيينهم في حال وجود شواغر وظيفية، الوزارة مسؤولية التعاقد مع المحاضرين من خريجي الكليات، دون ضمان لحقوقهم المالية ومستقبلهم الوظيفي، فضلاً عن تسرّب الأمل بالتعيين، في ظلّ إقرار موازنة تجاوزت حقوقهم، بحسبِ ما قالوا لـ "حفريات". 

اقرأ أيضاً: ماذا دار في مباحثات الكاظمي في الإمارات؟

أحمد وديع، محاضر في مدرسة ثانوية بمحافظة الديوانية، قال: "إن تعمل تأخذ أجراً، لكن أن تعمل ولا تقبض شيئاً، فهل هناك مسخرة في بلد مطمور بالثروات الطبيعية أشد مرارة من هذه!"، متسائلاً: "هل كان القرار، قرار وزارة التربية بالتعاقد مع محاضرين بهذا العدد الكبير، قراراً مدروساً؟! هذا بالطبع حين نفترض وجود لجان مختصة على قدر من المسؤولية والفهم الواعي للقرار".

عالج رئيس الحكومة، مصطفى الكاظمي الاحتجاجات شريحة "المحاضرين المجّانيين" الذين يصل عددهم لـ 260 ألف شخص، بتخصيص مبالغ مالية "بسيطة" لهم
 

أما المحاضر وليد خالد، من محافظة البصرة، فقال إنّ شريحته تقوم "بسدّ العديد من الثغرات أو النواقص التعليمية التي فشلت المدارس ومديرياتها في سدّها سابقاً، أتحدثُ بالطبع عن المحاضر المكتمل، الذي تؤهله عدّته الشخصية والمعرفية والتربوية للوقوف أمام طلاب وقيادة المنهج الموضوع إلى برّ الأمان"، مبيناً أنّ "حقّ المحاضر لا يقبل التردد بوجوب توفير درجات وظيفية بحسب احتياجات المديريات العامة للاختصاصات، مع تبويب العمل بإنضاج قانون للمتقاعدين يُسرّع بخروجهم من الوظيفة وعدم المماطلة للبقاء أطول مدة ممكنة". 

مجلس الوزراء العراقي يعقد جلسته برئاسة مصطفى الكاظمي ويعالج أزمة المحاضرين المجانيين بتخصيصات مالية بسيطة

وأشار إلى أنّ "هذا من شأنه إيجاد اتزان وظيفي بين كادر خبير صار أغلبهُ يملّ ثقل التدريس، وجيل واعد يريد فرصةً حقيقة في هذا الوطن".

الكاظمي يتّهم الكتل بـ "المزايدات الإعلامية"
مع صعود الاحتجاجات التي اجتاحت محافظات الديوانية والمثنى والبصرة في جنوب العراق، الأسبوع الجاري، طالبت كتل في البرلمان بإعادة الموازنة ثانيةً لضمان حقّ شريحة "المحاضرين المجّانيين"، في وقت تتعالى فيه أصوات المطالبة بحقوق هذه الشريحة قبيل كلّ سنة مالية للموازنة العامة التي ترسلها الحكومة كقانون مقترح، كي يصوّت عليها البرلمان، بعد خوض عدة تعديلات ومداولات تخضع لـ "المزاج السياسي". 

اقرأ أيضاً: زيارة الكاظمي الأولى للسعودية تجدد معادلات الأمن القومي العربي

وبشأن مطالبات كتل النيابية الأخيرة، علّقَ رئيس الوزراء، مصطفى الكاظمي، قائلاً: "استمعنا خلال الأيام الماضية إلى مزايدات إعلامية بشأن قضية المحاضرين، ورغم أنّ هذا الملف نتاج مراحل سابقة وعدم تخطيط، فقد وضعنا في الموازنة آلية لمعالجة هذه القضية كونها تهم شريحة أساسية".

وتابع: "للأسف، تمّ تغيير الأرقام والنصوص في الموازنة"، وبعيد هذا الاتهام، ترأس الكاظمي، أول أمس الثلاثاء، جلسةً لمجلس الوزراء العراقي، وخصص مبالغ مالية لهذه الفئة المحتجة  بمقدار 250 ألف دينار عراقي (ما يعادل 200 دولار أمريكي) لكلّ محاضر شهرياً، مع قرار يلزم وزارة التربية بعدم التعاقد مجدداً مع المحاضرين دون غطاء مالي. 

باحث سياسي: الكاظمي يجيد المناورة ضدّ الكتل 
إلى ذلك، عُدَّت خطوة رئيس الوزراء، مصطفى الكاظمي، بتضمين مخصصات مالية لشريحة "المحاضرين المجّانيين" استثماراً لنقمة الشارع المحلي على البرلمان الذي تجاوز ضمان حقوق هذه الشريحة في الموازنة الاتحادية. 

محاضرون مجانيون في محافظة الديوانية يغلقون مقر الوزارة بالمحافظة لاحتجاجهم على عدم شمولهم بالدرجات الوظيفية بالموازنة
وعن ذلك، يقول الدكتور محمد الحميداوي، باحث سياسي؛ إنّ "الكاظمي، وأكثر من مرة، أثبت أنّه قادر على المناورة وباستطاعته الالتفاف على الكتل السياسية وإثارة الرأي العام ضدّها والتقليل من شعبيتها"، لافتاً إلى أنّ  "الالتفاف هذه المرة جاء عن طريق عدم اهتمام الكتل البرلمانية بتضمين مخصصات المحاضرين المجّانيين بعد أن وعدتهم في مناسبات كثيرة بتبني قضيتهم". 

وأكّد لـ "حفريات"؛ أنّ "إقرار الموازنة العامة، أظهرَ أن هذه الكتل غير مهتمة بإدراج حقوق المحاضرين المجّانيين فيها، مما دعا الكاظمي وعن طريق مجلس الوزراء بتبويب تخصيصات مالية ضمن العقود المقرة في الموازنة لصالح المحاضرين المجّانيين"، وأضاف: "صحيح أنّ المحاضرين المجّانيين لن يحصلوا على تخصيص كبير، بمعنى أنّ هذا القرار جزئي وترقيعي، لكنّ هذا القرار سيجرّ ما بعده، وباستطاعة هذه الشريحة ممارسة الدور الاحتجاجي والمطالباتي نفسه في السنوات المقبلة لانتزاع حقوقهم من البرلمان أو الحكومة".

رئيس اللجنة المالية في البرلمان ىالعراقي هيثم الجبوري لـ"حفريات": العجز كان 80 تريليون دينار عراقي وتمكّنا من خفضه إلى 29 تريليوناً خلال 3 أشهر

من جهته، دافع مجلس النواب العراقي عن موقفه فيما يتعلق بفقرات الموازنة العامة والتصويت عليها مؤخراً، مرجعاً حلّ موضوع المتعاقدين "المجّانيين" للحكومة. 
رئيس اللجنة المالية في البرلمان، هيثم الجبوري، قال إنّ "الموازنة تعرضت للكثير من الضغوط؛ كونها قريبة من الانتخابات والأزمة المالية التي ضربت البلاد"، مؤكّداً أنّ "الموازنة، مثل أيّ قانون، لا يمكن أن يتفق عليه الجميع".
وأوضح أنّ "عملية توزيع الأموال في ظلّ العجز المالي صعبة"، مبيناً أنّ "ضغط النفقات وتقليل العجز كان هدف اللجنة المالية في الموازنة".
وبيّن الجبوري، وهو نائب عن تحالف الفتح؛ أنّ "العجز الحقيقي كان 80 تريليون دينار واللجنة المالية تمكّنت من خفضه إلى 29 تريليوناً خلال 3 أشهر"، مؤكّداً أنّ "95% من طلبات الكتل هي من مصلحة الشعب العراقي".

جانب من احتجاج المحاضرات المجانيات على عدم التخصيص المالي لشريحتهن في الموازنة العامة
وأشار إلى أنّه "تمّ وضع 900 مليار دينار بالموازنة للمحاضرين والأجراء والعقود، ووضع نصّ إلزام وزارة التربية بإصدار أوامر مباشرة المحاضرين"، مؤكّداً أنّ "حلّ موضوع المحاضرين بيد وزارة التربية ومجلس الوزراء"، لافتاً إلى أنّ " تثبيت العقود لمن تجاوزت خدمتهم الـ 5 سنوات في جميع الوزارات شرط تخصيصات الوزارات تكفي لتثبيتهم".

قوى سياسية تبارك لجمهورها إقرار الموازنة
يعدّ إقرار الموازنة العامة، كقانون سنوي مقترح يرسل من الحكومة الاتحادية في شهر أيلول (سبتمبر) من كلّ عام إلى البرلمان، من المهام الوظيفية للسلطتين التنفيذية والتشريعية، لكن طيلة سنين التناحر السياسي في العراق، يتمّ تأخير الموازنة لشهور عدة لغاية الاتفاق السياسي بين الكتل لضمانة "حقوق معينة" يراها الشارع المحلي لا تصبّ في الصالح العام. 

اقرأ أيضاً: العراق: الكاظمي يستعرض إنجازات حكومته وسط غضب شعبي
ولدى إقرار الموازنة الأخيرة باركت عدة قوى سياسية هذا القانون؛ حيث بشرَ النائب عن تحالف الفتح، حامد الموسوي، جمهورهُ الحشدي قائلاً إنّه  "تمّ تثبيت فقرة إضافة 30 ألف درجة وظيفية، لإعادة المفسوخة عقودهم من أبناء الحشد الشعبي"، وأكّد أنّ تحالفه عمل "على إنصاف هذه الشريحة المضحية" في إشارة إلى مقاتلي الحشد المفسوخة عقودهم نتيجة فساد إداري في هيئة الحشد، واستثمار تلك العقود الوظيفية لشباب موالٍ سياسياً للتحالف.
أما الحزب الديمقراطي الكردستاني، بزعامة مسعود بارزاني، فقد وجه شكراً خاصاً للوفد الكردي المفاوض مع البرلمان الاتحادي لتثبيت حصة الإقليم في الموازنة. 
وقال بيان للحزب: "لا يسعنا إلا أن نتوجه بخالص الشكر للفريق المفاوض في حكومة إقليم كردستان على المثابرة في عمله الشاق منذ أشهر عديدة، كذلك نشكر الكتل الكردية في البرلمان الاتحادي على ما بذلته من جهود مضنية". 

الصفحة الرئيسية