العلاقات التركيّة الإيرانيّة بين المد والجزر.. ماذا يدور خلف الكواليس؟

العلاقات التركيّة الإيرانيّة بين المد والجزر.. ماذا يدور خلف الكواليس؟

مشاهدة

26/01/2022

تبدو العلاقات السياسيّة بين تركيا وإيران على مفترق طرق في عدد من الملفات الساخنة؛ مرة داخل الشرق الأوسط، لا سيما في سوريا واليمن، ومرة أخرى، في أذربيجان، فضلاً عن مسار العلاقة مع الولايات المتحدة وروسيا، وما بينهما من تقاطعات وتجاذبات، بيد أنّ ذلك لم يقطع حبل المصالح الاقتصادية بين أنقرة وطهران، أو المباحثات بين البلدين حول الملفات المشتركة.

في إطار ذلك، بحث الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، مع نظيره الإيراني، إبراهيم رئيسي، العلاقات بين تركيا وإيران والقضايا الإقليمية المشتركة، وقد جاء ذلك خلال اتصال هاتفي أجراه الأول مع رئيسي، مؤخراً، بحسب بيان للرئاسة التركيّة، والذي قال إنّ "أردوغان أكد مواصلة الجهود؛ لتحقيق السلام والاستقرار في القوقاز". وأضاف البيان أنّ أردوغان أشار إلى "رغبة تركيا باستضافة الاجتماع القادم لمنصة 3 + 3، التي تم تطويرها مع رئيس أذربيجان إلهام عليف".

من جانبها، نشرت الرئاسة الإيرانية بياناً، قالت فيه إنّ أردوغان أكد أنّ "تركيا أعدت قائمة بمختلف أشكال التعاون الاقتصادي؛ لتعزيز العلاقات مع إيران"، كما قال البيان الإيراني إنّ الرئيس التركي، أشار إلى أنّ "تركيا تعتبر إيران مورداً موثوقاً للطاقة، وتسعى إلى زيادة مستوى تعاونها مع طهران".

اقرأ أيضاً: تركيا وإيران وأحلامهما الامبراطورية...هل تكسرت الأجنحة؟

وأفادت الرئاسة الإيرانية في بيانها، أنّ الرئيس الإيراني، أكد أنّ بلاده "لديها رؤية طويلة الأمد وشاملة للعلاقات والتعاون مع أنقرة".

تخفيف أثر العقوبات الأمريكيّة والغربيّة

ثمة توجه لافت لدى حكومة الرئيس الإيراني، مع حزمة التوجهات الاقتصادية الإيرانية، وهو السعي إلى تقليل منسوب أثر العقوبات الاقتصادية الأمريكية والغربية على الاقتصاد الإيراني، الأمر الذي نستطيع تدبره عبر الاتفاقيات المبرمة فيما بين طهران من جهة، ودول أخرى، من جهة أخرى، خاصّة ما تمّ من اتفاقيات طويلة الأمد مع بكين وموسكو.

 

بركات قار: الملفات المتشابكة في الشرق الأوسط، مثل ما يقع في  سوريا واليمن، وكذا سياسات آسيا الوسطى، لا يمكن النظر إليها من خلال توافق المصالح فيما بين طهران وأنقرة

 

واللافت أنّ تحرك السياسة الإيرانية، نحو جملة من التعديلات في مسار السياسة الخارجية، يهدف إلى تطوير العلاقات الاقتصادية والسياسيّة مع الدول المحيطة بإيران، وكذا الدول الواقعة في منطقة آسيا والشرق الأوسط، ثم غض الطرف عميقاً عن التشابكات والتناقضات الموجودة، بين هذه القوى والأطراف الإقليمية حول ملفات عديدة.

وفي حديثه لـ"حفريات"، قال الكاتب والمحلل السياسي التركي، بركات قار، عضو حزب الشعوب الديمقراطي المعارض في تركيا، إنّه لا يشك في أنّ تركيا ستحاول بشتى السبل، الحفاظ على  نمط من العلاقات مع إيران؛ لمصالحها الاقتصادية أولاً، بيد أنّه يرى صعوبة الحديث عن  تشكل حلف يعادي الولايات المتحدة الأمريكية والغرب بشكل عام؛ لأنّ الملفات المتشابكة في الشرق الأوسط، مثل ما يقع في سوريا واليمن، وكذا سياسات آسيا الوسطى، لا يمكن النظر إليها من خلال توافق المصالح فيما بين طهران وأنقرة.

 

مثنى العبيدي: روسيا وإن كانت تسعى لتحقيق نفوذ أكبر في ملفات العراق وسوريا والملف الإيراني، إلا أنّها أمام قضية أهم، تتمثل في الأزمة الأوكرانيّة

 

ويرجح قار أن يدور سيناريو العمل حول مسار العلاقات الثنائية؛ من خلال مفهوم الأدوار الوظيفيّة التي تعمل على خصم الرصيد الأمريكي في المنطقة، من خلال ما يخدم  مصالح تركيا.

بين الاتفاق والخلاف تنتصر المصالح

أمّا فيما يخص العلاقة بين تركيا وايران، ومسار التعاطي بينهما، يرى الدكتور مثنى العبيدي، الأكاديمي والخبير العراقي، المختص بالعلاقات الدولية، أنّها تسير في اتجاهين؛ الأول سياسي؛ وفيه تباين واختلاف حول المشاريع التوسعيّة في المنطقة، حتى يبدو أنّ الدولتين في خضم صراع مستمر، أمّا الثاني فهو اقتصادي أمني، ويتجلى في التعاون الوثيق بين الدولتين في هذين المجالين، وكأنّ لا خلاف سياسي بينهما.

في ظل احتدام الخلاف بين واشنطن وطهران؛ حول البرنامج النووي الإيراني، والدور الإيراني المنخرط في شؤون دول المنطقة، تتداخل سياسات الدول الكبرى، ولا سيما روسيا؛ للاستفادة مما تملكه من أوراق ضغط في هذه القضية، وذلك في محاولة منها لاستمالة تركيا إلى جانبها وإيران، بحسب العبيدي، الذي أضاف في تصريحاته لـ"حفريات" أنّ "تركيا تتعامل بطريقة براغماتية، ووضعها الاقتصادي والأمني الراهن، قد لا يمنحها المجال المناسب للاصطفاف إلى جانب روسيا وإيران، فهي تعي مدى التأثير الأمريكي على الاقتصاد التركي، وبالتحديد ما يتعلق بتذبذب قيمة الليرة التركية أمام الدولار الأمريكي، كما أنّها تحاول الاستفادة من الحاجة الاقتصادية لإيران، في ظل العقوبات الأمريكية على الأخيرة".

اقرأ أيضاً: تركيا وإيران في آسيا الوسطى... ما تحت الرماد أسخن من الشعلة

ويردف العبيدي: "روسيا وإن كانت تسعى لتحقيق نفوذ أكبر في ملفات العراق وسوريا والملف الإيراني، إلا أنّها أمام قضية أهم، تتمثل في الأزمة الأوكرانيّة، ما يشير الى أنّ روسيا قد تضغط، أو تتخلى بشكل مساوم في ملفات الشرق الأوسط؛ لتحقيق مكاسب أكبر في الملف الأوكراني، كما أنّ روسيا ليست بالقدرة التي تمكنها من حسم كل هذه القضايا أمام التوجه الأمريكي، خاصّة، والغربي عامة".

وبسؤال الكاتب السياسي الإيراني المعارض، مسعود محمد، عن السياق الوظيفي الذي يجمع ما بين أنقرة وطهران، أجاب: "تتجلى المصالح التركية والإيرانية في مجالات الطاقة والتجارة، ويعود ذلك لاعتماد أنقرة على النفط والغاز الإيراني. بالمقابل، تعتمد إيران على جملة من الواردات من البضائع التركية".

ويؤكد الخبير في العلاقات الدولية والشؤون الإيرانية لـ"حفريات"، أنّ "حجم التبادل التجاري المعلن بين البلدين، خلال العام الإيراني الماضي (انتهى في 20 مارس/آذار 2021) بلغ مع تركيا 6 مليارات و856 مليون دولار، وفي نيسان (إبريل) الماضي وُقّعت 6 مذكرات تفاهم بين البلدين؛ بهدف زيادة حجم التجارة بينهما إلى 30 مليار دولار".

ويضاف هذا إلى قضايا إقليميّة وجيوسياسية تجمع البلدين، كمعارضتهما للطموحات الانفصالية الكردية، التي تهدد وحدة أراضيهما، وسبق أن تعاونت طهران وأنقرة سياسيّاً وميدانيّاً؛ للحيلولة دون انفصال كردستان عن العراق، بعد أن أجرت حكومة الإقليم استفتاء يؤيد ذلك.

مسعود محمد: تركيا تسعى إلى مساعدة إيران؛ للإلتفاف على العقوبات الأمريكية المشدّدة، التي بدأت واشنطن في فرضها على النظام الإيراني، مقابل تقاسم الأدوار مع الإيرانيين في العراق

أما عن الخلافات بين واشنطن وطهران، وإلى أي حد من الممكن أن تجمع روسيا بين تركيا وإيران، عبر عدد من الملفات، يرى الخبير في الشؤون الإيرانية أنّ الفضل في تطوير العلاقات التركية-الروسية؛ يعود إلى كل من أردوغان وبوتين، فمنذ صعودهما إلى السلطة، وشراكة الجانبين في تطور مستمر، إلا في بعض الفترات الخلافيّة الاستثنائيّة. وأكبر دليل على ذلك هو أنّ "التبادل التجاري بين البلدين انتقل من 4.5 مليار دولار عام 2000، إلى حوالي 40 مليار دولار لاحقاً، وهناك عدة خطط لزيادته إلى 100 مليار دولار، فضلاً عن المشاريع المشتركة؛ كخط أنابيب نقل الغاز "ترك ستريم"، الذي وُقع في العام 2016.

اقرأ أيضاً: التناوب الراديكالي: كيف غزت تركيا وإيران عقول شباب أمريكا؟

كما نجح الرئيسان الروسي والتركي، في القفز على العديد من الأزمات، من بينها الانخراط الروسي في جورجيا، ثم ضم جزيرة القرم، وإسقاط تركيا لمقاتلة حربية روسية، وبينما رجح مراقبون أنّ مقتل السفير الروسي في أنقرة سيفاقم الخلافات بينهما، إلا أنّ العلاقات تطورت بينهما بشكل لافت بعد الواقعة الأخيرة، كما أنّ الأزمة السورية التي شكلت بؤرة تنافس، ساهمت في تقاربهما والعمل المشترك بينهما.

تقاسم الأدوار في بؤر التوتر

هناك خلاف تركي إيراني في الملف السوري، وهناك صراع إيراني روسي خفي، وهذا الملف قد يهدد تلك العلاقة، في ظل الحديث عن خطط تثبيت كيان كردي في جنوب شرق سوريا، بحسب مسعود محمد، وبالتالي، هناك إمكانية لفرط تلك العلاقة. ولقد تم في عهد الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، تحويل هدف الولايات المتحدة في سوريا، من هدف أمني على نطاق ضيق؛ يرمي لإلحاق الهزيمة بتنظيم الدولة الإسلاميّة، إلى عملية احتواء للنفوذ الإيراني، والضغط على النظام السوري؛ لإجباره على انتهاج انتقال سياسي. ولقد وفّرت الولايات المتحدة الأمريكية منذ العام 2014، الأسلحة والتدريب لوحدات حماية الشعب الكردي، التي أعيد تسميتها بالقوات السورية الديمقراطية، في حربها ضد تنظيم الدولة الإسلاميّة.

ويختتم المعارض السياسي الإيراني حديثه لـ"حفريات" بقوله إنّ تركيا تسعى إلى مساعدة إيران؛ للالتفاف على العقوبات الأمريكية المشدّدة، التي بدأت واشنطن في فرضها على النظام الإيراني، مقابل تقاسم الأدوار مع الإيرانيين في العراق؛ فالأطماع التركية الإيرانية للسيطرة على العراق واضحة، ففي الوقت الذي تعمل فيه أنقرة من أجل السيطرة على الموصل، وكركوك، والمناطق العربية السنّية، تسعى طهران لترسيخ نفوذها السياسي والعسكري والاقتصادي في العراق، خصوصاً في بغداد، ومدن الجنوب، والمدن الكردية المحاذية لكردستان إيران، في إقليم كردستان العراق؛ كمدينتي السليمانية، وحلبجة، الأمر الذي يجعل الدولتين في تسابق مستمر؛ لتنفيذ مخططاتهما في العراق.

الصفحة الرئيسية