العنصرية والشعوب.. حين نسخر منها سنتجاوزها

4480
عدد القراءات

2018-07-10

في نهاية السبعينيات، كنّا أطفالاً في مدينة بورتسودان، وككل أطفال المدن السودانية الكبيرة مثل: الخرطوم، واد مدني، كسلا، الأبيض، تكلمنا العربية الدارجة والفصحى كأطفال سودانيين نعرف تماماً أنّ هذه لغتنا؛ إلى درجة أنّ خيالاتنا الطفولية للصحابة الكرام من أمثال عمر بن الخطاب، وعلي ابن أبي طالب، رضي الله عنهما، كانت تتصورهم كشخصيات سوداء، مادامت لغتنا لغتهم وأسماؤنا تشبه أسماءهم!

ستظل المجتمعات أسيرة للتخلّف ما دام تعريفها للخير والسوء قائماً على لون البشرة

ورويداً رويداً عندما كبرنا وشاهدنا المسلسلات الدينية المصرية؛ نشأ لدينا لبس مسّ قناعاتنا السابقة فشككنا في أنّ يكون الصحابة أناساً يشبهوننا في ألوانهم!؟

وحتى ذلك الوقت، كنّا نتعجب أشد العجب، حين نسمع تلاوة القراء المصريين من أمثال الشيخ عبدالباسط عبدالصمد، عندما يقرأون القرآن بطريقة "غريبة" لا تشبه قراءتنا العربية السودانية للقرآن والتي كنا نسمعها على لسان كبير مشايخ القراء في السودان الشيخ صديق أحمد حمدون يومياً عبر أثير الإذاعة السودانية، فبدت لنا قراءة القراء المصريين أقرب في أصواتها إلى أصوات المقامات الغنائية الشرقية (التي عرفناها فيما بعد) منها إلى التلاوة السودانية التي تعوّدت آذاننا عليها.

كانت تقاليد الاسترقاق تتصل بعلاقة القوة والسلطة وكان شرط الاستعباد يقع على الأبيض والأسود

هذه المقدمة ربما كانت ضرورية لوصف "الاغتراب" الذي يستشعره السوداني حين يهاجر خارج بلده ويغترب في البلاد العربية ـ لاسيما بلاد الخليج ـ لأن ما يحدث له، بعد ذلك، من إعادة تعريف جديد لـ"العرب" و"العروبة"، سيكون وقعه عليه كالزلزال حيال ما تمثّله من خزين الطفولة عن "عربيته" و"رموزها" و"شخصياتها" لتتزحزح قناعته يوماً بعد يوم، ويعيش حالة من انعدام الوزن في تعريف "هويته العربية"، وبخاصة لجهة الفارق الأساس؛ أي بين لونه الأسود -كناطق بالعربية- وألوان شعوب الدول العربية الأخرى التي تتجانس ألوانها في ميلها إلى البياض -مع بعض الأقليات السوداء في هذا البلد العربي أو ذاك- (لذلك بالضرورة سينصرف ذهن المشاهد العربي إلى السوداني، حين يشاهد "عثمان البوّاب" في الأفلام المصرية القديمة - مع أنّ عثمان هذا مصريّ نوبيّ من أسوان وليس من السودان)، ولكن هيهات أن يسلَّم ذلك المشاهد العربي بتلك الحقيقة التي سترسخ في لاوعيه حيال السودانيين، وهو يرى أبطال الفيلم المصريين واختلاف ألوانهم عن لون البوّاب النوبيّ!؟

اقرأ أيضاً: هل سواد البشرة مرادف للقبح وبياضها معادل للجمال؟!

وهكذا، حين نختبر هذه القضية اليوم، نجد أنّ مسألة اختلاف اللون هي التي تمثل العلامة الوهمية الفارقة في عملية إعادة التعريف تلك، للعرب والعروبة التي يكتشفها السوداني حين يعيش في الكثير من الدول العربية، وهي كذلك (أي قضية اختلاف اللون) التي ستنتصب كعلامة فارقة ودلالة واضحة لا لبس فيها على تخلّف المجتمعات العربية طالما ظل تعريفها للعرب والعروبة قائماً على اللون الأبيض، ونابذاً -في لاوعيها الجمعي- في الوقت ذاته، لعروبة سود آخرين فقط لمجرد اختلاف اللون!

يؤكد القرآن أنّ اختلاف ألوان البشر تماماً كاختلاف الألسنة يقتضي المغايرة لا المفاضلة

ومع غلبة المحتوى الإعلامي العربي في الفضائيات، عبر الدراما والتمثيل، إلى جانب الثورة الرقمية في المعلوماتية والاتصال وصلت تلك القناعة المضلِّلة حتى للسودانيين في داخل حدودهم؛ الأمر الذي أوقع الكثيرين منهم، تأثّراً بذلك المحتوى العربي في الفضائيات وغياب التمثيل السودانيّ فيه من ناحية، وطبيعة التخلّف في انطباع المجتمعات العربية التي تتمثل اقتراناً شرطياً وحسياً بين العربيّ وبياض اللون من ناحية ثانية؛ في ذلك "الاغتراب" الذي ذكرناه آنفاً، رغم امتلاكهم -كسودانيين- لعامّيتهم السودانية العربية التي لا يعرفون غيرها كلغة تجمعهم جميعاً بمختلف أعراقهم.

اقرأ أيضاً: اللغة العربية "السوداء"!

في تقديرنا، أنّ شرط التخلف العربي، تحديداً، والذاكرة الشعبوية التاريخية للمجتمعات العربية، التي لا تستطيع الفصل في انطباعاتها -إلا من رحم الله وهم قليل- بين اللون الأسود والعبودية (بالرغم من أنّه لا تلازم شرطياً بين الاثنين في الواقع التاريخي إذ كانت تقاليد الاسترقاق تتصل بعلاقة القوة والسلطة، وكان شرط الاستعباد يقع على الأبيض والأسود) هو الذي يجعل من رصيد الحسّ المسكوت عنه حيال اللون الأسود ما يشبه عازلاً في تعريفهم المتخلّف لهوية الإنسان العربي اليوم باللون الأبيض.

اقرأ أيضاً: "المسيح الأسمر" في مواجهة عنصرية الرجل الأبيض

ويمكن القول إنّ تسوية قضية اللون ومفاعيلها في المجتمع العربي والسوداني هي جزء من صيرورة هذه المجتمعات في سباق المسافات الطويلة نحو دروب الوعي والتحضّر الإنسانيّ والأخلاقيّ.

والعلامة الاجتماعية/ الثقافية المعبّرة عن ذلك التقدم للقضاء على العنصرية اللونية بمستوياتها المختلفة وغيرها: هي؛ السخرية منها دون حساسية؛ فحين يسخر المجتمع بكل فئاته من تفاهة العنصرية ويستهجنها، دون أن يستدعي ذلك من الجانبين (سوداً أكانوا أم بيضاً)عراكاً وثاراتٍ وشتائم؛ ستكون تلك السخرية السويّة نتيجة لثلاث علامات فارقة الأولى: وجود ضمير أخلاقي إنساني حضاري عام؛ يضطر معه إحساس الفرد السوي لشعور ضاغط بالخزي والتفاهة الذاتية؛ إذا ما صدر عنه تعبير عنصريّ مشين ضد شخص أسود في لحظة جهل وحماقة.

تسوية قضية اللون بالمجتمعات العربية جزء من صيرورتها نحو دروب الوعي والتحضّر الإنسانيّ والأخلاقيّ

الثانية: عدم الاستحياء لدى جميع فئات المجتمع من الكلام عن واقع الظلم والاستعباد والعنصرية وكلّ أصناف الاعتداء العنصري الرمزي والفعلي -وبخاصة من جانب السود- لكشفه وفضحه أخلاقياً وإنسانياً.

والثالثة: تشريعات قانونية وجزائية نافذة ضد الممارسة العنصرية في الحياة العامة.

اقرأ أيضاً: الحب ينتصر على لون البشرة في "حارة السمران" بغزة

أما من حيث الحديث عن الألوان كعلامات للبشر في القرآن؛ فقد تم التعبير عنه ضمن الاختلاف الذي هو من جنس اختلاف اللغات (ومن آياته اختلاف ألسنتكم وألوانكم) وبحسب الآية القرآنية فإنّ اختلاف الألوان بين البشر تماماً كاختلاف ألسنتهم يقتضي المغايرة، ولا يقتضي المفاضلة ولا يعني تفوّقاً بالضرورة، ولهذا كان الخطاب هنا في هذه الآية موجّهاً للبشر (اختلاف ألسنتكم وألوانكم)، لكن إدراك قيمة هذا الاختلاف اللوني بمعناه الإنساني البسيط ـكما هو في الآية القرآنيةـ يصبح أكثر تعقيداً في تاريخ المجتمعات البشرية، و يحتاج إلى إيمان عميق بحكمة الخالق.

اقرأ أيضاً: لماذا قاطع نجوم عالميون شركة ""H & M السويدية؟

كما أنّ تأويل دلالة اللون الأسود كعلامة على الشرّ والسوء والظلم لا يعني أنّها منطبقة بالضرورة على مسألة اللون الأسود في البشر؛ بمعنى أنّه لا بد من ملاحظة الفرق في: أنّ استعارة السواد للدلالة على الشر والسوء والظلم كانت ناشئة من تأويل ظاهرة الظلام في المخيال الجمعي للبشرية الأولى وفي مجازاتها الدينية منذ عصور ما قبل الطوفان (فقد ثبت وجود تعبيرات عن اللون الأسود بنفس الدلالة في مجتمعات لم ترَ السود أبداً في حياتها، وفي لغات سوداء في شعوب أفريقيا السوداء ذاتها!

ظهور التعبير بالسواد على الظلام والشرّ أسبق من وجود السواد في الجسد البشري

وإذا أمعنّا تأمّلاً في حياة البشرية الأولى ما قبل الطوفان، وأدركنا، بحسب الأديان التوحيدية، أنّ ظهور كوش بن حام (وهو أول إنسان أسود في التاريخ البشري) كان ما بعد الطوفان، ألا يعني هذا أنّ ظهور التعبير بالسواد كدلالة على الظلام والشرّ في الوجود، هو أسبق من وجود السواد في الجسد البشري.

ثم ألا يمكننا من خلال ذلك الاستدلال على اعتبار تلك الاستعارة للسواد كدلالة على الشرّ في اللغة والمجاز الديني، إنما هي أقدم بكثير من ظهور اللون الأسود في الجسد البشري (زمن كوش بن حام) ما يعني أنّ استعارة السواد أخذت وجودها من ظاهرة الظلام للدلالة على الشر والسوء؟

اقرأ أيضاً: عنصرية جديدة في ذكرى لوثر كينج

في الأزمنة الحديثة طوّر السود وعياً مضاداً من خلال كتابات "فرانز فانون" و"والتر رودني" وغيرهما، ولكن لإدراكهم طبيعة التفاهة الذاتية للعنصرية ضد اللون الأسود؛ أي في كونها غير مبرّرة لا أخلاقياً ولا إنسانياً؛ أي كراهية الآخر واضطهاده لمجرد اختلاف اللون في الأصل؛ كان وعيهم المضاد يدرك تماماً أنّ الحل لا يكمن في تمثل عنصرية مضادة ضد البيض لمجرد اختلاف لونهم؛ وإنما تمثّلت حركة الوعي الأسود لديهم عبر تعريف السواد كدالة للاضطهاد المنظم الذي يقع ضد أي جماعة بشرية سواءً أكانت لونية أو جندرية أو عرقية.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



الطفولة المقيّدة أمام عدسة المثاليات

صورة أدونيس غزالة
كاتبة سورية مهتمة بشؤون الطفل
2019-10-23

تحظى المثالية برصيدٍ كبيرٍ من الاحترام والاهتمام في جميع الثقافات على الإطلاق، وهي تشير دائماً إلى محتوى إيجابي، فيكفي أن نصف أحداً أو شيئاً بالمثالي كي ينفي الذّهن أيّةُ نقيصة عنه، وهذا ما يجعل من الكمال شرطاً لازماً لما هو مثالي، كما عبّر عنه أفلاطون حين ذهب إلى أنّ عالم المثل الذي لا تشوبه شائبةٌ هو العالم الوحيد الكامل، فما قصده أفلاطون؛ أنّ الواقع الذي نعيش مجرّد نسخة مشوّهة عنه، وعبر التاريخ تولّت التربية المسؤولية في محاكاة عالم المثل؛ حيث جعلت من المثل البوصلة التي تُرشدها وتهتدي بها، في واقع يدفع الحياة بالاتجاه المضاد.

اقرأ أيضاً: هذا ما تنبئنا به فيديوهات ضرب الأطفال!
تُحيل المثالية إلى إحالات مختلفة؛ تتفق فيما بينها على أنّ الأفكار تسبق الواقع، وأنّ الواقع ينتج عنها، ولكن ما أرمي إليه هنا ليس الفهم الأكاديمي للمثالية؛ إنما ما يترتب على وجودها في حياتنا، خاصةً أنّ المثالية كيفما كانت، فإنّها تشكّل حجر الأساس في بناء سلوك وعقائد الأفراد، بالتالي فإنّ التربية التي تضع المثال نصب عينها، من المفترض أنّها تطمح لخلق عالمٍ أفضل، ولكن ماذا لو أنّها أسهمت في عكس ذلك، وشكّلت عبر تاريخها عائقاً تربوياً في بناء الفرد السليم؟ ألا يعني هذا أن نرمي كلّ ما تعلمناه خلف ظهورنا؟!

إصرارنا التاريخي على المثالية أكبر عملية تعمية مارسناها على أنفسنا، فمع المثالية أصبح ما سيكون أهم ممّا هو كائن

تقول والدة إحدى الإرهابيين، بعدما تفاجأت بورود اسم ابنها على لوائح المطلوبين: "أشعر بصدمة كبيرة لما اقترفت يدا ابني؛ فقد كان منذ صغره ودوداً مطيعاً متفوقاً في مدرسته، محباً للجميع، حتى إنّه لم يقدم على إيذاء نملة، كان حقاً ابناً مثالياً"، ربما هذه الأم لم تكن مخطئة في وصف ابنها بالمثالي، ولكن هذه المثالية التي تراها الأم نقطة إيجابية لصالح ابنها، هي بالتحديد ما جعلته يصل إلى ما وصل إليه، فأطفالنا الذين نعتقد أنّهم مثاليون، لا يبلغون هذه المثالية إلا بعد تعرضهم لكثير من عمليات القمع والبرمجة، من خلال تربية ترغم الطفل على ما نريده ونتوقعه منه؛ إنّها الإطار الذي يحدّد ما يجب أن يكونه الطفل، عملية قولبة تخلق صراعاً مستمراً داخله، وهذا الصراع الداخلي الذي لن يبقى حبيساً، فحين تُتاح له الفرصة سيتجسد على أرض الواقع بأكثر الأفعال تطرفاً.

اقرأ أيضاً: لا داعي للتفلسف!
فمن نعتقد أنّه طفلٌ مثالي هو ببساطة من يحاكي طموحاتنا نحن الكبار، فالطفل المثالي هو المطيع الذي يتصرف وفق ما نمليه عليه، لا يسبب إحراجاً لنا، مجتهدٌ يحفظ دروسه عن ظهر قلب، إنّه كلّ ما يجعلنا فخورين أمام الآخرين، ويقوده إلى التكيف مع تناقضاتنا، بالتالي الطفل المثالي هو ضحيّة تصوراتنا عن أوهام الكمال، التي يرتفع سقفها كلّما كانت الحياة متدنية، وهنا تأخذ المثل شكل القوالب الجاهزة، لتجعل من الصواب والخطأ مطلقين، مما يجعلنا نعامل الطفل كما نعتقد، لا كما هو، وهذا سيشكّل أولى المصادرات على تجربة الطفل في فهم نفسه وفهم الواقع.

اقرأ أيضاً: لماذا لا يرتدي الإمبراطور ثياباً؟
إنّ إصرارنا التاريخي على المثالية هو أكبر عملية تعمية مارسناها على أنفسنا، فمع المثالية أصبح ما سيكون أهم بكثير ممّا هو كائن، وممّا هو موجود، هذا التجنّب الكامل والمتعمّد للحاضر يجعل من الجوانب الشخصية والنفعية الجوانب الأقوى في التربية؛ فالمستقبل المثالي الذي نعدّه للطفل، هو مستقبلنا الذي يلغي حاضر أطفالنا؛ "فالمربي الذي يرغب في فهم طفله لا ينظر إليه عبر عدسة المثاليات، فإذا كان يحبّه حقاً عليه أن يراقبه ويدرسه لرؤية توجهاته وأمزجته وخصوصياته، أما عندما لا يكون المرء محباً يتمتع بالفهم والصبر، يقوم بإجبار الطفل على التقولب في نموذج للسلوك، ندعوه آنذاك بالمثالي، إنّه الحلّ السريع الذي يعطي نتائج رائعة لنا وليس للطفل"، بتعبير كريشنا مورتي، في كتابه "التعليم وقيمة الحياة".

الطفل المثالي هو ضحيّة تصوراتنا عن أوهام الكمال التي يرتفع سقفها كلّما كانت الحياة متدنية

بمجرد تذكّر ما تعلمناه في المدرسة، أو ما نعلّمه حالياً، سيفاجئنا الحضور الكثيف للمثل في مناهجنا منذ مراحل التعليم الأولى حتى النهائية، ويرافق هذه المثل جهد تلقيني كبير يتناسب طرداً مع انفصال الأفكار عن الواقع، فرغم دعوة المثل الدائمة إلى المحبة والسلام، والصدق، واحترام حقوق الغير، والعدالة، لكنّها لم تنجح حتى الآن إلّا في صناعة واقع تتهدده العداوة واللامبالاة، وهذا ما قد نلمسه في الإجابة عن سؤال: ما الذي يمكننا فعله لإنقاذ الأجيال القادمة من التلوث الذي سيدمّر الأرض؟ طفلة في عمر13 عاماً أجابت: "بالنسبة إليّ لن أكون على قيد الحياة إلى حين دمار كوكبنا، وبالنسبة إلى الأجيال القادمة لا خوف عليهم، فالدراسات على قدمٍ وساق لإيجاد كوكب آخر قابل للحياة"، ولنا أن نتساءل: ما الذي قدّمته كلّ القيم والمثاليات التي تعلمتها وتتعلمها هذه الطفلة حتى وصلت إلى هذه الإجابة؟ وهل إجابتها أقل صدمة لنا من صدمة الأم التي تحوّل طفلها المثالي إلى شاب إرهابي؟
يتلخص التناقض الذي تحمله المثل بأنّ من يروّج لها ينظر إليها على أنّها مطلقة وصالحة لكلّ زمان ومكان، بينما هي نسبية، ومتباينة تباين المجتمعات واختلافاتها؛ فكلّ مجتمع له مثله الخاصة التي يُخفي عقائده في داخلها، وهذه المثل نفسها ستنقلب عند كلّ طرفٍ على ما تدّعيه، حين تصبح سبباً في الصراع والحرب ضدّ الآخر؛ فالمثل عندما تصبح أهم ممن وضعها تجرّ الواقع إلى الهاوية، والإنسان الذي وُضعت من أجله، سيصبح وقودها الأول.
لا يوجد صراع في هذا العالم لم تغذّه المثل، فدائماً ما كانت الأفكار والمثل الذريعة الأقوى للتضحية بالبشر، وربما تكون أيديولوجيات القرن الماضي، التي أشعلت أكبر الحروب في تاريخ البشرية، الدليل الواضح على ذلك، حتى الآن؛ نحن لم نتعلّم الوجود من فهمنا لأنفسنا، ومما نحن فيه؛ لذلك كلّ الطرق التي سلكناها كانت مغلقة، أو بتعبير إدغار موران، في كتابه "تربية المستقبل": "إنّنا لا نمتلك المفاتيح التي من شأنها أن تفتح لنا أبواب مستقبلٍ أفضل؛ لأنّنا لا نعرف طريقاً مرسوماً يمكن السير فيه، لكننا نستطيع أن نكتشف الطريق من خلال السير".

للمشاركة:

إيران حين أضمرت السوء لحلفائها.. ماذا فعلت لإنهاك العراق؟

صورة محمد الزغول
باحث في الشأن الإقليمي والإيراني
2019-10-23

لعلّ أحد أبرز الدروس الإستراتيجية التي خلُصت إليها قيادة "الثورة الإيرانية" من الحرب المضنية مع العراق، والتي امتدت طوال ثمانية أعوام؛ أنّ العراق، بما يمتلكه من إمكانات وموارد مادّية وبشرّية ضخمة، هو بمثابة المعادل الموضوعي الرئيس، والمكافئ الإستراتيجي الأهم لإيران في المنطقة.

اقرأ أيضاً: لماذا تستّرت لجنة التحقيق العراقية على القتلة الحقيقيين؟
وأنّ وجود دولة عراقية قوية، مهما كان شكل الحكم الذي تتبنّاه، يعني ضمناً نهاية المشروع التوسعي الإيراني في الإقليم، وانكفاء إيران إلى داخل حدودها الجغرافية، وانتهاء أحلامها بالنفوذ الإقليمي، ووقف خطوط إمداد، وتسليح حلفائها ووكلائها، في المناطق الجغرافية الأبعد، مثل؛ سوريا ولبنان وفلسطين المحتلة؛ لذلك ظلّت إيران حريصة على إبقاء العراق ضعيفاً ومفكّكاً ومنقسماً على نفسه، وأصرَّت على إبقاء الدولة العراقية ضعيفة، رغم أنّ الطبقة السياسية التي وصلت إلى الحكم في العراق، بعد سقوط نظام صدام حسين، عام 2003، كانت في مجملها طبقة سياسية صديقة لإيران، ومقربة جداً من النظام الإيراني، وتجمعهما روابط وعلاقات متميزة، بدا أنّها ارتقت إلى مستوى التحالف الإستراتيجي، ظاهرياً على الأقل.

وجود دولة عراقية قوية مهما كان شكل الحكم الذي تتبنّاه يعني ضمناً نهاية المشروع التوسعي الإيراني في الإقليم

هذا التقدير الإستراتيجي الإيراني الخطير، والمهم في آن واحد، يُفسّر أيضاً إصرار "إيران الثورة" على حلّ الجيش العراقي بالكامل، وتفكيك بنية الدولة العراقية بشكل عام، بعد سقوط النظام العراقي السابق. هذا الإصرار الذي ترجمته على أرض الواقع آنذاك قيادات عراقية مرتبطة بإيران، ومؤتمرة بأمرها تماماً، رغم كلّ التحذيرات الإقليمية والدولية من خطورته، وعواقبه الوخيمة، ليس فقط على حاضر ومستقبل العراق، بل والمنطقة كلّها؛ فليس هناك ما هو أخطر على الاستقرار من حالة الفراغ الأمني في دولة غادرت للتوّ ثلاثة صراعات وحروب كبرى، وتعاني من انقسامات عمودية وأفقية حادّة؛ طائفية، وإثنية، وسياسية، ذلك الفراغ الرهيب الذي أسّس لكلّ ما شاهدناه بعد ذلك، من ويلات الحروب الطائفية والقومية، والقتل على الهوية، وموجات الإرهاب.

اقرأ أيضاً: هل ستكون "هيئة التصنيع الحربي" بوابة لسيطرة إيران الأمنية على العراق؟
وفي ظلّ النفوذ الإيراني الواسع، وشبه الحصري في العراق، طوال عشرة أعوام، تلت سقوط النظام السابق، ليس هناك ما يمكن أن يفسر الإصرار الإيراني على إنشاء وتدريب وتسليح كلّ ذلك العدد الهائل من الميليشيات، تحت عناوين ورايات متعددة، ومتناقضة ومتناحرة، إلا الإقرار بوجود نوايا مضمرة بإبقاء العراق ضعيفاً، وهذا الهدف "اللئيم" هو الذي كان يدفع النظام الإيراني إلى "دقّ" كلّ هذا العدد من "الأسافين" في جسد الدولة العراقية الهزيل، وما يجعلنا نميل إلى الاعتقاد بأنّ الأمر لم يكن محض خطأ تاريخي، هو حقيقة؛ أنّ لدى النظام الإيراني تجربة مغايرة تماماً، وعقلانية تماماً في بلاده؛ فقد أبقى النظام الإيراني على الجيش الإيراني، وهياكل الدولة الإيرانية سليمة بالكامل، بعد انتصار الثورة الإيرانية، وطوال الأعوام التي تلت سقوط الشاه محمد رضا بهلوي، على الرغم من الشكوك العميقة التي كانت تساور الخميني، وسائر قيادات الثورة، تجاه "ولاءات" الجيش والمؤسسات، وإمكانية نجاح "الفلول" في إعادة الحياة للنظام الملكي السابق، وبرّر هاشمي رفسنجاني ذلك فيما بعد، بأن أحداً من "الثوار" المنتصرين في إيران، لم يكن يريد إضعاف "إيران الدولة"، لكنّ هؤلاء "الثوار"، أو جلّهم على الأقل، حرصوا كلّ الحرص على التأكد من تفكيك الجيش العراقي، وكلّ هياكل الدولة العراقية، وأجهزتها الأمنية، بعد سقوط نظام صدام حسين، عام 2003، ودفعوا القيادات العراقية إلى تبني هذا المطلب، والإصرار عليه كشرط أساسي للتعاون مع الولايات المتحدة، وهو ما يظهر جلياً سوء النوايا الذي كان مضمراً للعراق في المخيلة الإيرانية.

اقرأ أيضاً: كيف نقرأ اعترافات الحلبوسي وصالح حول قمع الاحتجاجات في العراق؟
ولا شكّ في أنّ مصلحة العراقيين، بكل أطيافهم، اليوم وغداً، تكمن في دولة مستقلة وقوية، بغضّ النظر عن شكل الحكم الذي يمكن أن يجري التوافق عليه بين العراقيين، لكنّ بناء مثل هذه الدولة بات، للأسف، أمراً متعذراً، أو على الأقل بالغ الصعوبة، في ظلّ فوضى انتشار السلاح والميليشيات، التي تعطل الدولة، وترهب المؤسسات، وتعيق عمل الجيش العراقي، وتفرض قيوداً على سيطرته على أمن البلاد واستقرارها؛ بل أصبحت تزاحمه في أبرز وأهم صلاحياته الحصرية، مثل؛ عمليات إنتاج وتصنيع السلاح واستيراده وتصديره، ناهيك عن عمليات السيطرة والانتشار والمراقبة وجمع المعلومات.

إبقاء جسد الدولة العراقية هزيلاً ليس محض خطأ تاريخي بل أضمرت إيران إضعاف هذا البلد لأهداف لئيمة يخدم مصالحها

وقد يقول قائلٌ؛ إنّ إيران أيضاً لديها ميليشيا في الداخل، هي ميليشيا الحرس الثوري، وما يتفرع عنه من قوى عسكرية، وأذرع اقتصادية وإعلامية، وإنّ ما قامت به في العراق مجرد استنساخ لهذه التجربة، جرياً على نهج كلّ قوى النفوذ والهيمنة في العالم التي تسعى بشكل طبيعي إلى استنساخ نفسها في البلدان الواقعة تحت نفوذها، لكنّ مثل هذه المقارنة تنطوي على مغالطات واضحة؛ فالثورة في إيران أبقت على الدولة والجيش والمؤسسات، لكنّها صنعت دولة موازية، وجيشاً موازياً، ومؤسسات موازية، لكن الطبقة السياسية التي حكمت عراق ما بعد 2003 لم تُبقِ على دولة أو جيش، أو مؤسسات، في البلاد؛ بل ليس من المبالغة القول إنّها حتى لم تبقِ على الشعب الذي راح جزء كبير منه، بين قتيل وجريح ومهجَّر ونازح.
لا غرابة إذاً في أن يثور العراقيون اليوم ضدّ هذه الهيمنة الإيرانية، رغم نجاح محاولات إيران في تحريك كلّ المخاوف والهواجس، الطائفية والعرقية، العميقة في وجدان المجتمع العراقي، ونجاحها تبعاً لذلك، في منع تحقق أية مصالحة وطنية شاملة، تفتح الباب أمام بناء دولة مستقرة ومستقلة، ومتصالحة مع مختلف مكونات شعبها، ومحيطها الإقليمي.
أخيراً... شعر العراقيون بوجود نوايا السوء الإيرانية المضمرة.

للمشاركة:

ما الذي يحاول فيلم الممر أن يقوله؟ وهل نجح في ذلك؟

2019-10-22

تزامناً مع احتفالات مصر والعالم العربي بذكرى انتصار حرب تشرين الأول (أكتوبر) 1973، عُرض في عدد من القنوات الفضائية المصرية فيلم "الممرّ"، بعد عرضه على شاشات السينما في مصر وبعض الدول العربية، في مقدمتها دولة الإمارات العربية المتحدة.

اقرأ أيضاً: فيلم "الممر": رسالة لإسرائيل أم حشد للجماهير؟
يُعدُّ الفيلم أضخم إنتاج سينمائي في تاريخ صناعة السينما في مصر، بميزانية تجاوزت 100 مليون جنيه مصري، وقامت شركة الإنتاج ببناء ديكورات الفيلم ومواقع التصوير بمساعدة وإشراف إدارة الشؤون المعنوية للقوات المسلحة المصرية، كما تمّت الاستعانة بمتخصصين لبناء الديكورات بالكامل لمطابقتها بالمواقع الحقيقية خلال تلك الفترة، والاستعانة بفريق عمل أمريكي لتصميم مشاهد القتال والمعارك الحربية.
مقاربة درامية لا محاكاة
يحاول صنّاع فيلم "الممرّ" إيصال رسالة أمل رغم الانتكاسات والهزيمة، من خلال إضاءة منطقة شبه منسية درامياً في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي المتمثلة بحرب الاستنزاف التي تلت هزيمة 1967، والتأكيد أنّ الجيش المصري في حالة حرب مستمرة، داخلياً وخارجياً، سواء وهو يواجه العدو الإسرائيلي بالأمس أو الإرهاب اليوم، وأنّه هو الذي يتحمّل عبء الدفاع عن الأرض ومقدّرات الوطن، في أحلك الأزمات، وخلال التحديات والمخاطر الإقليمية والدولية المختلفة.

يضيء فيلم الممر منطقة شبه منسية درامياً في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي متمثلة بحرب الاستنزاف

نجح صنّاع الفيلم؛ الكاتب والمخرج شريف عرفة، وفريق الفنيين والمساعدين والأبطال، في صناعة توليفة سينمائية ليست بالطبع متسقة ومتوافقة مع الأحداث التاريخية الحقيقية في تلك الفترة، لكنّها، على أيّة حال، جاءت معبرة عن مضمون الأحداث، ولو بشكل جزئي، تحتل فيه الدراما جانباً معتبراً، فيما يتوارى التاريخ والأحداث الحقيقية، وهذا أمر طبيعي رغم اعتراض أعضاء المجموعة المصرية، المعروفة باسم "73 مؤرخين".
ليست السينما أو الأعمال الفنية عموماً مطالَبة بمحاكاة الواقع، سواء المعيش أو الماضي، محاكاة تامة، ولا حتى شبه تامة، فالسينما بالأساس عمل درامي يعالج فكرة أو (ثيمة)، أو حدَثاً ما، بطريقة فنية لا تكترث كثيراً للواقع والأحداث التاريخية؛ فالفيلم يستند إلى جانب من بطولات الكتيبة 93" قتال"، التي كان لها عدد لا يُنكَر من البطولات خلال حرب الاستنزاف، وذلك بسبب تمركزها في منطقة رأس العش في بورسعيد، وهي تلك المنطقة التي وقعت فيها اشتباكات قوية مع القوات الإسرائيلية، لكن الفيلم بالطبع لن يرصد طوال مدة عرضه تلك البطولات بالتفصيل، ولن يتناولها كما حدثت.

أهم ما نجح فيه الفيلم
نجح "الممرّ"، من وجهة نظري، في ثلاثة أمور مهمة للغاية؛ أولها أنّه رصد بطريقة غير مباشرة، في بداية أحداث الفيلم، أسباب هزيمة حزيران 1967 دون تدليس أو مواربة، رغم أنّ ذلك الأمر يقدح في نظام الرئيس عبد الناصر، لكنّ صناع الفيلم كانوا مباشرين في ذلك وعرضوا جزءاً منها، من خلال الحوار بين الأبطال، وأهم ما عُرض كان حالة الفوضى وسوء التخطيط وتقدير الموقف الذي كان يعرفه الجميع ولا يستطيعون شيئاً حياله.

اقرأ أيضاً: "الممر" فيلم مغامرات تقليدي أم علامة بارزة في السينما المصرية؟
أما ثاني الأمور التي نجح صناع الفيلم في إبرازها؛ فيتمثل في بثّ روح المقاومة وإذكائها، واستعادة الأمل مهما كانت الظروف، وتذكير الشباب المصري خاصة، والعربي عامة، بجوهر الصراع العربي الإسرائيلي؛ حيث يعرفون أنّ العدو الإسرائيلي هو الخطر رقم (1) الذي ينبغي أن نواجهه ونستعد له باستمرار؛ لأنّ أطماعه في المنطقة لن تنتهي؛ إذ هي قائمة على نزعة لاهوتية، التفت إليها كاتبا الحوار (شريف عرفة وأمير طعيمة)، فكانت الإشارة إليها عن طريق حوار حدث بين الضابط المصري، نور (أحمد عز)، قائد مجموعة الصاعقة، والضابط الإسرائيلي ديفيد (إياد نصار).

اقرأ أيضاً: المخرج كوستا غافراس.. الاحتفاء بالوعي الإنساني سينمائياً
وثالث الأمور التي نجح "الممـرّ" فيها؛ التأكيد على دور أهالي سيناء في مقاومة المحتل، وتقديمهم الدعم الكامل لقوات الجيش المصري في تلك الفترة الحساسة، وهو أمر يُعدّ تقديمه مهماً في الوقت الحالي، مع تزايد الأعمال الإرهابية في سيناء، ومواصلة اتهام بعض أهالي سيناء بالتعاون مع الإرهابيين!
سلبيات ونقاط ضعف
لكن تبقى ثمة سلبيات ونقاط ضعف في الفيلم، لعلّ أهمّها أنّه عرَض شخصية المراسل العسكري بشكل كوميدي لا يتناسب وطبيعة الفيلم، من خلال الدور الذي أدّاه الممثل الكوميدي أحمد رزق، وهو ما أعطى الشخصية بُعداً ساخراً، وأضفى عليها تصوراً جعل المراسل العسكري طوال الفيلم شخصية ضعيفة تجبن عن مواجهة المخاطر، رغم أنّ الجيش المصري كان، ولما يزل، يتخيّر المراسلين العسكريين وفق شروط خاصة.

السينما غير مطالَبة بمحاكاة الواقع محاكاة تامة ويعتبر العمل تجربة متميزة لا بدّ من استثمارها بجزء ثانٍ يتجاوز السلبيات

كما كانت بعض مناظر الديكور والأزياء من سلبيات ونقاط ضعف الفيلم؛ فلم يستطع المخرج ومهندس الديكور التعبير بدقة عن الفترة الزمنية التي تكتنف أحداث الفيلم، خصوصاً مع المغالاة في ديكور شقة الضابط المصري، بما لا يعكس الحالة المادية والاجتماعية والذوقية في تلك الفترة، كما لم يكن المزج بين المواد الفيلمية المصورة قديماً، ومشاهد الفيلم سلساً؛ فقد كان المزج مفتَعلاً مضطرباً، بخلاف جنوح بعض عبارات الفيلم، التي جاءت على لسان الضابط نور (أحمد عز) إلى الأسلوب الخطابي المباشر، واللغة الشعاراتية المدرسيّة خاصة في كثير من حوارات المراسل مع أعضاء الكتيبة.
على كلٍّ؛ فإنّ تجربة هذا الفيلم عموماً، كانت جيدة، وذات إيجابيات كبيرة، لا بدّ من استثمارها في استكمال الجزء الثاني، وإنتاج أعمال أخرى يُراعى فيها الاعتماد على سيناريست متخصص، في هذه النوعية من الأعمال، لتلافي عيوب نص هذا الفيلم الذي أصرّ شريف عرفة على كتابته، فضلاً عن ضرورة التحرر من التأثر غير المبرر بالأفلام الأمريكية المعروفة في المشاهد الحربية التي أحسن صناع الفيلم في تنفيذها بشكل غير مسبوق في تاريخ السينما العربية.

للمشاركة:



عدد الإرهابيين الخطيرين يتضاعف 5 مرات في ألمانيا.. تفاصيل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-23

ذكر رئيس المكتب الاتحادي للشرطة الجنائية الألمانية، هولجر مونش؛ أنّ عدد الإسلاميين الخطيرين أمنياً في ألمانيا تضاعف بمقدار يزيد عن 5 مرات، منذ عام 2013، ليصل اليوم إلى نحو 680 فرداً.

رئيس الشرطة الجنائية: سلطات الأمن في ألمانيا حالت دون وقوع سبع هجمات في البلاد منذ 2016

وأضاف مونش، في تصريحات لصحيفة "راينيشه بوست" الألمانية، الصادرة اليوم: "سلطات الأمن في ألمانيا حالت دون وقوع سبع هجمات في البلاد، منذ هجوم الدهس الذي وقع قبيل الاحتفالات بعيد الميلاد (الكريسماس)، عام 2016".

وقال مونش؛ إنّ القصور الذي وقع في الإجراءات القانونية المتعلقة بشؤون الأجانب والمراقبة والملاحقة الجنائية، للتونسي أنيس العمري، الذي نفّذ بعد ذلك هجوم الدهس في برلين، لا يمكن أن يحدث بعد ذلك الآن.

ومن ناحية أخرى؛ وصف مونش التهديدات من اليمين المتطرف على الإنترنت، بأنّها "تعرض الديمقراطية للخطر"، معلناً في الوقت نفسه تأسيس "مركز مركزي لمكافحة الكراهية على الإنترنت"، وقال: "يتعين علينا التصدي لجرائم الكراهية على الإنترنت بصورة أقوى، الإنترنت يبدو أحياناً مثل معقل أخير للغرب المتوحش، وعندما تؤدي تهديدات اليمين إلى عدم منافسة ساسة محليين في الانتخابات وانسحاب المتطوعين من نشاطهم التطوعي، فإنّ هذا يعتبر أمراً مهدداً للديمقراطية".

مونش يؤكّد أنّ تهديدات اليمين المتطرف تعرّض الديمقراطية للخطر ويجب التصدي لجرائم الكراهية

يذكر أنّ العمري استولى على شاحنة، في 19 كانون الأول (ديسمبر) عام 2016، ودهس بها جموعاً بشرية في أحد أسواق الكريسماس في برلين، ما أسفر عن مقتل 12 شخصاً وإصابة العشرات، وعقب الجريمة فرّ العمري إلى إيطاليا؛ حيث لقي حتفه بعد أربعة أيام، برصاص الشرطة.

 

للمشاركة:

الحوثيون يعترفون: زرعنا 2500 حقل ألغام!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-23

أبلغت ميليشيات الحوثي الإرهابية رئيس فريق المراقبين، الجنرال الهندي أبهيجيت جوها؛ بأنّ حقول الألغام التي زرعتها تتجاوز 2500 حقل، في منطقة المنظر والمنصة جنوب غرب الحديدة، وأنّ الذين زرعوا هذه الألغام قتلوا لذلك لا يستطيعون انتزاعها.

ميليشيات الحوثي الإرهابية تؤكّد لرئيس فريق المراقبين أنّ الذين زرعوا حقول الألغام قُتلوا

وكان فريق الأمم قد أقام، أمس، رابع نقطة مراقبة في منطقة منظر للإشراف على وقف إطلاق النار، وربطها بغرفة العمليات في السفينة الأممية قبالة سواحل اليمن، متهماً ميليشيا الحوثي بقصف منازل المدنيين، في مديرية التحيتا ومواقع الجيش اليمني، رغم الجهود الأممية الرامية للتهدئة، وفق ما نقلت صحيفة "عكاظ".

ولفتت المصادر إلى أنّ الميليشيا ارتكبت خلال الساعات الماضية 20 خرقاً، وتعرضت نقاط لجنة مراقبة وقف إطلاق النار الثلاث في شرق الحديدة لاستهداف مباشر.

في غضون ذلك؛ طالب نائب المدير الإقليمي لبرنامج الغذاء العالمي في اليمن، رضا قريشي، بتوفير ممرات آمنة لخروج المدنيين من الدريهمي، مؤكداً أنّ البرنامج قدم غداء ودواء وماء تكفي لـ 3 أشهر.

وأوضح في بيان له أمس؛ أنّ 200 شخص ما يزالون معرضين للخطر في المدينة، وسط تفاقم معاناتهم وتوقف المراكز الصحية والمحلات التجارية.

برنامج الغذاء العالمي في اليمن يطالب بتوفير ممرات آمنة لخروج المدنيين من الدريهمي

وتتخذ المليشيا من المدنيين في الدريهمي دروعاً بشرية، وتمنع خروجهم إلى أماكن آمنة بعد أن زرعت حزام ألغام حول المدينة.

ونجح برنامج الغذاء العالمي، الأسبوع الماضي، بعد أن تمكنت قوات التحالف العربي وآليات كاسحات الألغام من تنظيف الطرق المؤدية إلى المدينة من الألغام الحوثية، في تأمين دخولهم عبر طرق ريفية وإيصال المساعدات الإنسانية للمدنيين.

 

للمشاركة:

لليوم السابع.. احتجاجات لبنان تستمرّ ولا بوادر للانفراج

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-23

تتواصل الاحتجاجات في لبنان، لليوم السابع على التوالي، وتشهد البلاد شللاً جزئياً، بفعل قطع المحتجين لمعظم الطرقات الرئيسة في مختلف الأراضي اللبنانية، وإغلاق المدارس والمعاهد والجامعات والبنوك.

وبدأ المحتجون، منذ ساعات صباح اليوم، بالتوافد إلى ساحة رياض الصلح وسط بيروت، إيذاناً بيوم جديد من "الثورة"، كما يسمّيها المحتجون، وسط رفض تام للورقة الإصلاحية التي قدمتها الحكومة اللبنانية، في محاولة لرأب الصدع الاقتصادي والمعيشي الذي أدّى إلى انفجار الشارع، وفق "روسيا اليوم".

المحتجون منذ ساعات الصباح يتوافدون إلى وسط بيروت إيذاناً بيوم جديد من "الثورة"

إلى ذلك، يصرّ المحتجون على إقفال الطرقات المؤدية إلى العاصمة مع بداية كلّ يوم؛ حيث تعمل القوى الأمنية بالتفاوض مع المحتجين إلى فتحها ولو جزئياً في ساعات المساء.

كما يعمد المحتجون إلى قطع الطرقات التي تصل جنوب لبنان ببيروت، وبيروت بجبل لبنان والبقاع والجنوب، تأكيداً على عدم مركزية الاحتجاجات وانتشارها في كلّ أرجاء البلاد.

وبينما أصدر وزير التربية والتعليم العالي، أكرم شهيب، قراراً بإعادة فتح المدارس والمعاهد والجامعات اليوم، ولا يبدو أنّ قراره لقي آذاناً صاغية؛ حيث أقفلت اليوم أيضاً غالبية المدارس في كلّ لبنان، فيما تركت معظم المؤسسات الخاصة الكبيرة تقدير إمكانية الحضور للموظفين وفق ظروف مناطقهم.

وأفادت صحف محلية؛ بأنّه "تمّ تشكيل قيادة من مدنيين وعسكريين متقاعدين، لإدارة حركة الاحتجاجات، ويجري التكتم على إعلان أسمائهم لتجنب الخلافات".

سياسياً؛ أفادت صحيفة "الجمهورية" بأنّ اتصالاً جرى ليلاً بين رئيس البرلمان، نبيه بري، ورئيس الحكومة، سعد الحريري، أكّد خلاله الأخير؛ أنّ "الحديث عن استقالة الحكومة ليس وارداً، وليس مطروحاً على الإطلاق، وبالتالي لا توجد استقالات أو تعديل للحكومة، والأولوية للتنفيذ السريع للمقررات التي انتهى إليها مجلس الوزراء".

وكانت معلومات قد تحدثت، أمس، عن احتمال إجراء تعديل وزاري يطيح بالوزراء "الاستفزازيين" في الحكومة، بهدف امتصاص نقمة الشارع، إلا أنّ هذه الاقتراحات لم تلقَ قبولاً من المحتجين.

ومع اقتراب نهاية الشهر، برزت علامات استفهام في شأن مصير الرواتب والأجور في القطاعين العام والخاص، في ظلّ استمرار المصارف في إقفال أبوابها اليوم أيضاً.

الحريري وبري: لا توجد استقالات أو تعديل حكومي، والأولوية للتنفيذ السريع لقررات مجلس الوزراء

وفي هذا السياق؛ طمأنت وزارة المالية بأنّ "دوائرها المختصة تتابع العمل على إنجاز معاملات دفع الرواتب كالمعتاد في مثل هذا التوقيت من كلّ شهر، والتي ستحوَّل إلى المصرف المركزي في مواعيدها العادية والطبيعية".

وكانت مجموعة "لـ حقي" أعلنت في بيانها رقم 8، مساء الثلاثاء، استمرار التظاهرات في كافة المدن اللبنانية، حتى "استقالة الحكومة الفورية، وتشكيل حكومة إنقاذ مصغرة مؤلفة من اختصاصيين مستقلين لا ينتمون للمنظومة الحاكمة، فضلاً عن إدارة الأزمة الاقتصادية وإقرار نظام ضريبي عادل".

كما طالبت بإجراء انتخابات نيابية مبكرة، بعد إقرار قانوني انتخابي عادل، وتحصين القضاء وتجريم تدخل القوى السياسية فيه.

 

للمشاركة:



مصرع المتنبي.. آل بويه أم اللُّصُوص؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-23

رشيد الخيّون

احتفلت الموسوعة الشعرية في دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي، في 23 سبتمبر المنصرم، بمرور (1054) عاماً، حسب التقويم الهجري، على مصرع أبي الطَّيب المتنبي، فقيل قُتل في (27 رمضان 354هـ) المصادف (سبتمبر 965م)، فتوافق الذكرى الـ(1087) حسب الميلادي. إنها ليست المرة الأولى الذي يحضر فيها المتنبي بأبوظبي، بل أحييت عدة مناسبات حوله، في معارض الكتب والندوات الثَّقافيّة، وطباعة ديوانه محققاً، مع صورة مخطوطته في مجلد خاص. وحسب متابعتي، أجد أبا الطَّيب الشَّاعر الأكثر حضوراً، مِن الأوائل والأواخر، في مناسبات أبوظبي الثَّقافيَّة والأدبيَّة، فليس دافع هذا الاحتفاء بحاجة إلى توضيح، فالمتنبي مازال «مالئ الدُّنيا وشاغل النَّاس»، وكان هذا عنوان الاحتفال بذكرى مصرعه.
وكانت مجلة «المقتطف» قد احتفلت بمرور ألف عامٍ على مصرع المتنبي (1935)، ونشرت كتاباً للمحقق والأديب المصري محمد محمود شاكر (ت 1997)، بعنوان «المتنبي»، وكان مِن أبلغ مَن كتب مِن المتأخرين عنه، وبعد حين حصل الكتاب على جائزة «الملك فيصل العالميَّة» (1984). يأتي بعده، في النّشر، كتاب الشَّاعر والأديب البحريني إبراهيم العَريَض (ت 2002) «فن المتنبي بعد ألف عام» (نُشر 1962).
وتزامناً مع «المقتطف»، احتفت مجلة «الرِّسالة» المصرية بألفية المتنبي في العام نفسه، واستكتبت أبرز أدباء وشعراء ذلك الوقت، وبينهم جميل صدقي الزَّهاوي (ت 1936)، والذي وصف المتنبي بعبارة: «مثل بحرٍ رحيب» (مجلة الرسالة). بحثتُ في المجلات العربية، منذ (1935) وما قبلها، وحتى يومنا هذا، عن طريق «موقع» أرشيف المجلات (عن مؤسسة صخر لصاحبها الأديب الكويتي محمد الشَّارخ)، ما استطعت إحصاء البحوث والمقالات التي كُتبت في أبي الطيب!
ليس بين الأوائل، مَن أسس لسيرة المتنبي أكثر أهمية مِن أبي منصور الثَّعالبي (ت 429هـ) في «يتيمة الدَّهر»، فيبدو لم يسبقه أحد بنقد شعر المتنبي، وما تضمنه مِن كنايات وأمثال. قال فيه: «نادرة الفلك، وواسطة عِقد الدَّهر» (اليتيمة). كذلك لا يتجاوز مَن أراد دراسة المتنبي مِن السابقين واللاحقين، ما أرخه القاضي المُحَسّن التَّنوخي (ت 384هـ) في «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة». فعلى ما يبدو معظم المؤرخين، نهلوا منهما في هذا الشَّأن، فهما مِن مجايليه، خصوصاً صاحب النّشوار.
لا ينتسب المتنبي لقبيلة أو مذهب، وقصة والده عيدان السَّقا، واسم المتنبي أحمد بن الحسين الجعفي، يشوبها الغموض، لهذا وجد البعض مجالاً في نسبته إلى العلويين، على أنه تعلم في كتاب الأشراف بالكوفة، وفي شبابه ادعى أنه قائد ثورة علوية ببادية السّماوة، فاستنفر عليه والي حمص للأخشيديين واعتقله ثم استتابه.
قيل الكثير في سبب لقبه بالمتنبي، هل كان لبيت شعر شبه نفسه ببعض الأنبياء، أم لادعاء النّبوة فعلاً؟! فقيل كان له كتاب «يُعارض به القرآن»، ولما سئل عنه في الكبر، قال ذاك كان زمن الحداثة (التَّنوخي، نشوار المحاضرة). تاه البعض فيه، وأظهر مِن شعره دلائل بأنه ابن شخصية علوية بارزة، ابن المهدي المنتظر مثلاً، وبهذا يكون الإمام الثَّالث عشر للإماميَّة، مما سيربك نظريَّة الإمامة إذا صح ما جاء في كتاب عبد الغني الملاح (ت 2002) «المتنبي يسترد أباه» (1973-1974).
كان اعتزاز المتنبي بموهبته طافحاً في شعره: «أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي/ وأسمعت كلماتي مَن به صممُ». قالها قبل وجود أبي العلاء المعري (ت 449هـ) أشد المعجبين به، والذي عنون تفسيره لديوانه بـ«معجز أحمد»! هناك مَن لا يُشمئز مِن غروره، وكأنه هو هكذا، فإذا قال محمد مهدي الجواهري (ت 1997): «كلما حُدثتُ عن نجمِ بدا/ حدثتني النَّفس أن ذاك أنا»، فليس هذا بغرور إنما تعبير عن موهبة عالية في الشعر؟! فالمتنبي نظر الأعمى في أدبه والجواهري شبّه نفسه بالنجم، فما الغرور في ذلك، طالما الأمر يخص موهبتهما؟!
تغنى الجواهري في أكثر من قصيدة بعظمة المتنبي. وجاء في قصيدة «يا ابن الفراتين» (بغداد 1969)، بما يُشير إلى مصرعه: «ناشدته وعلى أثوابه عَلَقٌ/ مِن الدِّماء، ومِن حباتها زردٌ»، ويؤكد أنهما مِن دوحة واحدة: «أنا ابن كوفتك الحمراء لي طنبٌ بها/ وإن طاح مِن أركانه عمدٌ/ فكن أبا الطَّيب الجبارَ لي مدداً/ ولي بما صُغتَ مِن جبارةٍ مددُ» (الدِّيوان). شارك أيضاً بـ«فتى الفتيان» في افتتاح مكتبة «المتنبي» الوطنية ببغداد (1977)، وضمن احتفال بألفيته، ومنها: «أراب الجنَّ أُنسٌ عبقريٌ/ بوادي عبقر افتَرَش الجِنانا/ تطوف الحورُ زِدْن بما تَغَنّى/ وهنَّ الفاتنات به افتتانا».
أتذكر كان الشَّاعر السوري سليمان العيسى (ت 2013) حاضراً، فخلع معطفه وأخذ يلوح به في الهواء إعجاباً بالاثنين.
كان المتنبي عائداً مِن شيراز، حيث اللّقاء بعضد الدولة البويهي (ت 372هـ)، وقال فيه: «ولو أني استطعتُ حفظتُ طرفي/ فلم أبصر به حتى يراك»، وكان عضد الدَّولة سخياً معه، وأراد سماع ما يرجحه به على سيف الدولة الحمداني (ت 357هـ)، فدس مِن سأله، فقال: «هذا أجزل إلا أنه عطاء متكلف، وكان سيف الدَّولة يعطي طبعاً»، وهذا ما قتله وهو في طريقه إلى بغداد، وكان أحد وزرائها حشد الشّعراء لهجائه فيها، لأنه رفض مدحه، فردَّ قائلاً: «أرى المتشاعرين غُروا بذمّي ومَن ذا يحمل الدَّاءَ العضالا» (النشوار واليتيمة).
أما الرّواية الأخرى في قتله فإن لصوصاً خرجوا عليه عند النعمانية أسفل بغداد، حيث دير العاقول، وقتلوه وولده، ولم يعلم اللّص فاتك الأسدي قَتل مَن. أما أنه قتله لأنه هجا والده، فهذا اختلاق القصاصين. هذا، ولا يمنع أن يكون الأمران معاً: إشارة مِن البويهيين بقتله نكاية بغرمائهم الحمدانيين، وجرأةً مِن اللّصُوص.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:

مظاهرات لبنان: هل بدأ نظام المحاصصة الطائفية يتصدع؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-23

مارتن بيشنس

نحو أسبوع كامل، أبدى الناس في لبنان تمردا غير مألوف ضد ساستهم.

وأغلقت مدارس وجامعات وشركات مع تدفق مئات الآلاف من المتظاهرين على ساحة الشهداء بقلب العاصمة بيروت ومناطق أخرى بشتى أنحاء البلد، للتظاهر ضد أشخاص حققوا مكاسب بينما قادوا لبنان إلى جحيم اقتصادي.

واندلعت المظاهرات بسبب ضريبة على الاتصالات عبر تطبيق واتساب، لكن الحكومة سرعان ما تخلت عنها.

وبالرغم من هذا، لم تتمكن الحكومة من احتواء غضب أمة سئمت الركود الاقتصادي، والفساد المزمن، وغياب الخدمات العامة الأساسية.

ويعاني الاقتصاد اللبناني حاليا تحت وطأة واحد من أعلى معدلات الديون في العالم.

اللافت هو أن الاحتجاجات تجاوزت الخطوط الطائفية التي ابتلي بها لبنان طيلة عقود.

ويقول متظاهر يُدعى كريستيان ماناشي "لأول مرة على الإطلاق هناك وحدة حقيقية في البلد وليست زائفة مثل ما شاهدنا في السابق".

"الناس أدركوا أن المسيحي الذي يعيش في فقر مدقع لا يختلف عن السني أو الشيعي الذي يعيش في فقر مدقع"، بحسب ماناشي الذي يبلغ من العمر 29 عاما.

وبموجب النظام السياسي في لبنان، توزع المناصب السياسية العليا وفقا للطائفة، وهو ما أدى إلى نظام من المحسوبية تمكن السياسيون من استغلاله ببراعة.

وطالب المحتجون زعماءهم بالاستقالة. وقد استقال عدد من الوزراء بالفعل، لكن غالبيتهم مازالوا يقاومون.

وأعلن رئيس الحكومة، سعد الحريري، أمس عن مجموعة من الإصلاحات الاقتصادية، يأمل أن ينجح بعضها في تهدئة غضب المحتجين. فقد تعهد بخفض رواتب السياسيين، والاستثمار في مجال الطاقة، وفرض ضرائب على المصارف للمساعدة في خفض الدين العام.

وحرص الحريري في كلمته على ألا يلهب الموقف أكثر، قائلا إنه استمع لغضب الناس.

لكن كثيرا من المتظاهرين يرون أن الحكومة تأخرت ولم تقدم إلا القليل، وقد تعهدوا بالبقاء في الشوارع بهدف "إسقاط النظام".

وقال لي محتج شاب "الأمر كله كان مبهما. لماذا لم يفعلوا هذا منذ 30 عاما؟".

غير أن الزعماء السياسيين في لبنان سيأملون أن تخبو الاحتجاجات - التي اندلعت على نحو عفوي غير منظم - في نهاية المطاف.

إذا لم يحدث هذا، فسيتجه البلد إلى منطقة مجهولة. ومن شأن هذا إثارة قلق الغرب، الذي يعتبر لبنان بمثابة منطقة تنعم باستقرار نسبي في الشرق الأوسط المضطرب.

ومما لا شك فيه أن لبنان بلد يشعر بأنه وُلد من جديد في الأسبوع المنصرم. فالناس المهمشون منذ عقود شعروا فجأة أن بإمكانهم محاسبة النخبة السياسية والمطالبة بالتغيير.

وربما حافظ اتفاق الطائف، الذي أنهى الحرب الأهلية قبل 30 عاما، على السلام، لكنه خلق كذلك مأساة اقتصادية لكثير من اللبنانيين، وقد بدأ يتصدع.

غير أن الخطر الحقيقي مختف خلف قناع المناخ الاحتفالي، الذي يصطحب فيه الناس أبناءهم للاحتجاجات ويرقص فيه متظاهرون بحماس في طرابلس. فالخلافات القديمة لا تموت بسهولة.

وربما شلّت هذه الاحتجاجات المفاجئة حركة الزعماء السياسيين في لبنان، لكن هذا لا يعني أنهم سيسلمون السلطة دون قتال.

عن "بي بي سي"

للمشاركة:

هل يعلن نصر الله الجهاد على لبنان؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-23

مشاري الذايدي

ماذا لدى زعيم «حزب الله»، حسن نصر الله، حامي العهد اللبناني السياسي القائم، ليعيد الشعب اللبناني الثائر إلى منازلهم؟
حسن نصر الله قال صراحة، في خطبته المثيرة تعليقاً على انتفاضة الشارع اللبنانية الكبرى، إنه ليس بمقدور أحد إسقاط العهد، ومسح على لحيته، وقال: «خذوها من هالدقن»!
العهد هو اصطلاح لبناني يعني رئيس الجمهورية وتركيبته السياسية التي تؤمن له الحكم، وفي مقدمها حزبه السياسي، التيار الوطني الحر، أو التيار العوني كما يسمى في لبنان.
يضاف لهذه المفردات، طبعاً، رئيس الحكومة سعد الحريري، الذي يؤمن الغطاء السني والدستوري لهذه الحكومة وهذا العهد.
«حزب الله» هو المستفيد الأكبر من هذه الحكومة وهذا العهد، فهو يفعل ما يريد تحت غلالة شرعية مدنية شكلية، خاصة مع التضييق الدولي بقيادة أميركا، على إيران وأذرع إيران، ومن أهم هذه الأذرع، شبكة «حزب الله» اللبناني.
دوما يتفاخر نصر الله في خطبه التي يزبد فيها ويرعد، بترسانته من الصواريخ التي تطال حيفا وما بعد حيفا، ولكنها في الواقع طالت الزبداني وما بعد الزبداني، وفتكت بالشعب السوري لصالح الحرس الثوري الإيراني الإرهابي.
يتفاخر بنخبه العسكرية وأصحاب القمصان السوداء من الحزب الأصفر، ممن اتهموا بقتل الرموز السياسية المدنية، وفي مقدمهم رفيق الحريري وجبران تويني ومحمد شطح وجورج حاوي وبيير الجميل وغيرهم ودرّسوا خطف الطائرات المدنية وتفخيخ السيارات.
حسناً، هذه الصواريخ الإيرانية الصنع، وكتائب المقاتلين، بماذا ستنفع حسن نصر الله، ومن يسيّره في إيران، في ردع الشعب اللبناني المنتفض؟
هل سيطلق صواريخه على الناس في ميادين صور والنبطية وبيروت وطرابلس والمتن وبنت جبيل وجلّ الديب؟
هل يعلن مجلسه الجهادي الجهاد على الشعب اللبناني؟ هل يتصدر قادة إرهاب الحزب الخميني اللبناني أمثال طلال حميّة وسليم عياش ونبيل قاووق ومحمد يزبك وهاشم صفي الدين المشهد ويقتلون الناس باسم الله؟
نعم «حزب الله» هو الطرف الوحيد الذي يملك السلاح الفتاك، ولكن بماذا سيفيده هذا السلاح اليوم؟ إن استعمله ضد الناس في شوارع وميادين لبنان، فهو يضع نفسه بشكل نهائي في خانة العدو للوجدان اللبناني العام، وإن لم يستعمله ضاق به، وصار هذا السلاح عليه لا له.
لقد كسر الحاجز، وشبّ عمرو عن الطوق، وقضي الأمر الذي فيه تستفتيان، وحتى لو «مرقت» هذا الهبة، فالمقبلة أعظم منها. فهل يعلن «نصر الله» الجهاد على لبنان؟

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية