الفردانية: هل يمكن أن تؤسس لنواة ثورة فكرية واجتماعية؟

الفردانية: هل يمكن أن تؤسس لنواة ثورة فكرية واجتماعية؟

مشاهدة

04/03/2020

في العام 1951، نشر الفيلسوف وعالم الرياضيات البريطاني برتراند راسل (1872-1970) مذكراته الشخصية والتي احتوت على ما أسماه "وصاياه العشر عن مفهوم الليبرالية"The Liberal Decalogue، ومن يتمعن في هذه الوصايا سيجدها محفزة على التفكير النقدي الحر، وفي هذا الإطار، تتجلى في وصيته السابعة مبدأ تعزيز الفردانية (الفردية) Individualism  في مواجهة سطوة العقل الجمعي collectiveness الذي يرفض أي تصرف أو رأي لا يتناسب مع هوى المجتمع وقيّمه الجامدة التي لا تقبل النسبية، فيقول راسل في تلك الوصية "لا تخشَ أن تكون فكرتك اليوم غريبة، فكل الأفكار المقبولة اليوم كانت غريبة فيما مضى".

اقرأ أيضاً: كيف جرى تديين النزاعات في الخطاب السياسي المعاصر؟
لعل هذه الفلسفة تستند إلى قدرة التأثير الفردي رويداً رويداً في إحداث موجات من التغيير المجتمعي والفكري على مدى عقود تالية، على اعتبار أنّ البشرية في عمومها والشعوب بشكل خاص لا تتغير ثقافياً بين ليلة وضحاها، وإنما قد تنجب تلك الشعوب أجيالاً تتبنى فكراً مغايراً لما نشأ عليه السلف.
في مواجهة استبداد العقل الجمعي
تغيير القناعات الفكرية قد يكون أكثر صعوبة من الإطاحة بالأنظمة؛ فالتغيير السياسي وإن كان شكلاً من أشكال الثورة على الماضي، إلا أنّ اختزال مفهوم الثورة في التغيرات السياسية يُعدّ منقوصاً، حيث قد تتغير منظومة الحكم الشكلية بينما يظل العقل الجمعي للشعوب الثائرة متمسكة بما تسميه ثوابت المجتمع وعقيدته.

الفلسفة الفردية تستند إلى قدرة التأثير الفردي تدريجياً في إحداث موجات من التغيير المجتمعي والفكري

أي إنّ الثورة على الاستبداد قد لا تعني بالضرورة الانتصار للحريات العامة والشخصية وإنما قد تأخذ شكلاً آخر، وهو فرض نوع مغاير من الاستبداد؛ فيختلف الاستبداد في الدرجة وليس النوع.
وحسب تلك المجتمعات فإنّ أي اختلاف في الاختيارات الشخصية للفرد أو معتقده بمثابة مؤامرة لضرب استقرار المجتمع، مما يفتح مجال التفكر والتفنيد لمصطلح "الاستقرار" من المنحى الأنثربولوجي.
قد تُعد كلمة الاستقرار معنية في العقل الجمعي بقيمة إيجابية حين تتعلق بالأمن والأمان ومناهضة الفوضى، لكن قد يعني الاستقرار أيضاً ثبات الحال على ما هو عليه ومقاومة التغيير والنشوء الاجتماعي، هنا يحمل الاستقرار قيمة سلبية حين يسقط من حساباته التطور الضروري المصاحب لتغير الظروف الزمانية والمكانية التي نشأت فيها تلك القيّم الماضوية.

اقرأ أيضاً: كيف تُستغل الثقافة السائدة لتبرير العنف المجتمعي؟
كما أنّ التطور والنشوء الاجتماعي ليس حكراً على البشر وحدهم، بل أظهرت بعض الدراسات في علوم الأحياء عن تطور اجتماعي لدى بعض فصائل الطيور كما ورد في كتاب عالم الأحياء الأمريكي (جورج وليامز) وعنوانه Adaptation and Natural Selection التأقلم والاختيار الطبيعي الصادر العام 1966. وعليه فإنّ التطور المجتمعي جزء لا يتجزأ من علم الأحياء، ومقاومته تحت ذريعة التمسك بالماضي قد تكون ضد النشوء الطبيعي، ومن هنا جاء الفكر الفردي والفردانية في مواجهة ما تخشى المجتمعات على تغييره.
فكرة سابقة لنشأة فلسفتها
لطالما بدأت مبادرات التغيير الاجتماعي بمواقف فردية استطاعت فيما بعد أن تتطور في تأثيرها لتجمع مجموعة أفراد حول الفكر؛ أي إنّ الفردانية قد تصنع بؤر مقاومة ضد التسلط السياسي أو الديني أو المجتمعي الذي يفرض على أفراده قيوداً لا يُسمح بتجاوزها.

الثورة على الاستبداد قد لا تعني بالضرورة الانتصار للحريات العامة والشخصية وإنما قد تأخذ شكلاً آخر

غالباً ما تؤتي الفردانية بثمارها في التغيير والتأثير، حتى وإن بدا أنّها باءت بالفشل وانهزمت أمام سلطة السياسة والدين والمجتمع كما حدث مع عالم الفلك الإيطالي غاليليو غاليلي (1564-1642) حين أفصح عما توصل إليه فيما يخص مركزية الشمس ودوران الأرض، فكفّرته السلطة الدينية والمجتمعية؛ أي إنّ الفردانية واجهت السلطة الدينية حتى وإن انهزمت حينها إلا أنها انتصرت بعد قرون بسبب هجرة الأفكار وتوارثها عبر الأجيال.
لذا فإنّ فكرة الفردانية التي تواجه العقل الجمعي وجدت من قبل صياغة المصطلح ذاته، سواء في المعتقدات أو الحريات أو الاختيارات الشخصية، وقد بدأت تتعاظم الفكرة مع تطور فلسفة عصر النهضة وشيوع مصطلح Renaissance Individualism أو الفردانية النهضوية والتي ربطت بين تطور المجتمع ونهضته وبين خلق مساحات حرة لأفراده خروجاً عن القوالب الجامدة المفروضة عليهم سلطويا ومجتمعياً.
في العام 1859، أصدر الفيلسوف البريطاني جون ستيوارت ميل مقالاً بعنوان "عن الحرية"  on liberty، وفيه تطرق لفلسفة الفردانية فقال إنّ المجتمع الذي يلغي شخصية الفرد يتحول فيه الفرد إلى مجرد آلة، وأكد على ضرورة تعزيز التنوع والاختلاف الذي من شأنه النهوض بالمجتمعات، وفيه تطرق لما أسماه "استبداد الجماهير" The tyranny of the Masses التي تتخوف من الأفكار الفردانية التي تخرج عن طوع المجتمع وذوقه العام.

اقرأ أيضاً: كيف أضحت الحقوق المدنية تحت وصاية التأويلات الفقهية؟
هكذا أضحت الفردانية وسيلة مقاومة للأفكار الشمولية سواء في صورتها السياسية والدينية أو المجتمعية، ولعل أشد أعداء الفردانية في تاريخ البشرية كان موسوليني (1883-1945) مؤسس الفاشية الإيطالية الذي ربطها بالحركة الوطنية في بلاده، رافضاً لمبدأ الفردانية الليبرالية لأنّها حسب رؤيته تجعل المواطنين يحملون أفكاراً مزيفة عن مجتمعهم وأنفسهم؛ أي إنّ موسوليني كانت لديه قناعات أنّ السلطة والمجتمع لا بد أن يكونا أوصياء على الاختيارات الفردية والشخصية و العقائدية و الجسدية للمواطنين.
اتهامات بالحثّ على العزلة
لطالما كانت أعتى اتهامات الفلسفة الفردانية هي حثها على العزلة والفوضى، لكن مفهوم الفردانية لا يعني الانعزال والعزلة عن المجتمع، في هذا الصدد يقول أستاذ الفلسفة المعاصر Aeon J. Skoble أيون سكوبل في جامعة بريدجوتر Bridgewater الأمريكية: "نحن نحتاج إلى المجتمع لكن هذا لا يعني أنّ الفردانية أمر خاطئ، فالانخراط في المجتمع ضروري لأنّه يفيد الفرد في تبادل المنافع وتقسيم مهام العمل والاستفادة من التخصصات المختلفة، وبالإضافة إلى تلك المنافع الاقتصادية فنحن في حاجة إلى تكوين علاقات إنسانية، لكننا نحصل على هذه المنافع لأنّنا "أفراد مختلفون"، فالتنوع الهائل في مصالح البشر واختياراتهم وتفضيلاتهم تشهد على نجاح فردانيتهم في تشكيل المجتمع".

يحمل الاستقرار قيمة سلبية حين يسقط من حساباته التطور المصاحب لتغير الظروف الزمانية والمكانية التي نشأت فيها تلك القيم الماضوية

أي إنّ المجتمع يصبح أكثر إثارة للاهتمام حين يقبل تنوع أفراده، لا حين يفرض عليهم قوالب وأفكاراً ومعتقدات وأذواقاً محددة.
ولعل الحديث عن الفردانية لا يكتمل بدون المرور على كتابات عالم الاجتماع الفرنسي المعاصر ريمون بودون (1934-2013) الذي صاغ ما يُعرف باسم الفردانية المنهجية أو L’individualisme méthodologique حيث تراءى له أن الفرد يمكنه التأثير في الظواهر الاجتماعية، كما وردّ في كتابه الطرائق في علم الاجتماع Les méthodes en sociologie.
الفردانية في ميزان الإسلاموية و العروبة
الفردانية ليست فلسفة جديدة في تاريخ العرب، لكن القراءة المغلوطة لفلسفة "يد الله مع الجماعة" كانت حاضرة بقوة لتتصدى لنماذج الفردانية الناشئة، إلا أنّ هذا لم يمنع الأفراد من التأثير في مجتمعاتهم ولو بعد حين، حتى وإن تعرضوا للتنكيل حين أفصحوا عن مجمل آرائهم في زمن ماضي.

لطالما بدأت مبادرات التغيير الاجتماعي بمواقف فردية استطاعت فيما بعد أن تتطور في تأثيرها

ومن أبرز تلك النماذج الفردانية التي شردت عن العقل الجمعي ، الفارابي و ابن سينا والكندي، فجميعهم واجهوا سلطة الفقيه الذي اعتبر أفكارهم خروجاً عن المألوف وشروداً عن جماعة الحق والفرقة الناجية، ووصل الأمر حد تكفيرهم في كتابات ابن تيمية وابن قيم الجوزية وأبي حامد الغزالي. لكن يتم الاحتفاء بهم اليوم كونهم ينتمون إلى التاريخ الإسلامي بالرغم من اتهامهم بالزندقة والكفر على خلفية آرائهم الفردية.
المثير للانتباه أن مرادف الفردانية قد ورد في القرآن الكريم من خلال كلمة "فرادى" في الآية الكريمة "وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ" ( سورة الكهف: الآية 48) لكن الفردانية هنا وردت بمعنى أنّ كل إنسان يحاسَب كفرد مسؤول عن ذاته وأفعاله، وإن كان الأمر كذلك ومن هذا المنطلق العقائدي، فلماذا تنكر الفردانية في حالة الاختيارات الشخصية على الأرض، وتُقبل كحقيقة للحساب السماوي؟ أي إنّ الحساب الفردي يتطلب أن تكون الاختيارات فردية لا وصاية فيها على الفرد من المجتمع وسلطته.

اقرأ أيضاً: هل يمكن أن يكون المستبدّ تنويرياً؟
وفي نفس السياق، نجد تناقضاً آخر، فبعدما أعلنت كثير من البلاد العربية عن ضرورة رفع الدعم وتحمل الفرد لمسؤوليته الاقتصادية كاملة، لازالت تتمسك بفرض الوصاية على اختياراته الفردانية والشخصية.
وهكذا تسعى تلك الدول بتحرر اقتصادها من الفرد لكن لا تقبل بتحرر الفرد مما تفرضه السلطة والمجتمع عليه من القيم التي تصفها بالأخلاقية.
وبالرغم من التناحر بين مؤيدي الإسلاموية من ناحية ومؤيدي العروبة من ناحية أخرى، إلا أنّ القاسم المشترك في خطاباتهما هو التضحية بالفردانية في سبيل أيدولوجيا الجماعة، والأيدولوجيا هنا إما هي أيدولوجيا الطبقة الحاكمة أو أيدولوجيا الأغلبية الدينية أو كلاهما معاً. وبالتالي يتم اعتبار الفردانية مرادفة للفوضى، وذلك بهدف الدفاع عن الأنظمة أو الجماعات الشمولية في صورتها السياسية والدينية معاً. هكذا يتم الترويج للشمولية على اعتبارها مثالاً لاستقرار المجتمعات، لذا تعد قيمة الفرد واختياراته الشخصية بمثابة الاعتداء على المجتمع وتتضاءل قيمة الفرد أمام الأيدولوجيا السياسية والعقائدية.

اقرأ أيضاً: المجددون في خطاب التشدد الديني إذ يبررون التطرف
ولهذا نجد أنّ المقاومين للفردانية وأنماطها التحررية يؤكدون دوماً أنّ السلف هو السلف الصالح، ليُعد الخروج عن الماضي وسلفه بمثابه مقاومة للصلاح و نشر للفساد.
الفردانية و النسوية العربية
يتجلى التأثير الفرداني على المجتمع في عدة مناحٍ ومن بينها الحركة النسوية، ورغم أنّ كلمة حركة توحي بالعمل الجماعي، إلا أنّ الحراك النسوي عادة يبدأ بتوجهات شديدة الفردية قبل أن تتشكل الفردانية في صورة جماعة مصغرة تسعى لتغيير النظرة المجتمعية والقانون التشريعي حيال وضع المرأة؛ فالمطالبة بعمل المرأة وتعليمها ومشاركتها في الأعمال المسرحية والفنية  كان في بداياته نتاج التوجهات الفردية وليست الجماعية، قبل أن يتحول لجزء من الحراك النسوي، ومن ثم تحول الحراك إلى أقلية حرجة قادرة على التأثير؛ أي إنّ التوجهات الفردانية النسوية خلقت موجة تغيير مجتمعي، اتضح أثره بعد عقود من الزمان.

المجتمع يصبح أكثر إثارة للاهتمام حين يقبل تنوع أفراده لا حين يفرض عليهم قوالب وأفكاراً ومعتقدات وأذواقاً محددة

ومن هذه المنطلقات فإنّ فلسفة الفردانية لا تسعى للحث على العزلة أو الاغتراب، وإنما تسعى للتأثير في المجتمع، ولهذا قد يفرض المجتمع على الفرد المختلف في اختياراته عزلة مجتمعية، قد تصل إلى قطع سبل العيش إن كانت له أفكار مختلفة عن الجماهير العريضة؛ أي إنّ الفردانية قبل أن تكون مؤثرة قد تؤدي بأفرادها إلى حالة اغتراب وقتية عن المجتمع وعقله الجمعي.
لكن تظل الفردانية قادرة على أن تشكل نسق للمقاومة في أزمنة وظروف يتم فيها غلق المجال العام خاصة مع تطور الثورة الرقمية وما تتيحه من قنوات تواصل غير تقليدية.

الصفحة الرئيسية