الفلبين الوجهة القادمة لداعش

5196
عدد القراءات

2019-04-04

ترجمة: محمد الدخاخني


ترفرف الرّاية السّوداء لداعش عبر جزر جنوب الفلبين، فوق ما تعتبره الجماعة مقاطعتها في شرق آسيا.
وهكذا، على بعد محيطين من مسقط رأس داعش المجدب، يأخذ رجال يسكنون الغابات "الماركة" الإرهابيّة إلى معارك جديدة.

اقرأ أيضاً: اعتداء على كنيسة في الفلبين.. مَن المسؤول؟!
وفي كانون الثّاني (يناير)، وبينما كان المصلّون يتجمّعون لحضور قدّاس الأحد في إحدى الكاتدرائيّات الكاثوليكيّة، انفجرت قنبلتان في مجمع الكنيسة، ممّا أسفر عن مقتل 23 شخصاً. وزعم داعش أن اثنين من انتحاريّيه قد تسبّبا في المجزرة.
هذا، وقد تضاءلت أراضي داعش في العراق وسوريا، والّتي كانت ذات يوم في حجم بريطانيا، بعد أربعة أعوام من القصف الجويّ المدعوم من جانب الولايات المتّحدة والقتال البرّي الذي يقوم عليه مقاتلو الميليشيّات الكرديّة والشّيعيّة. وما تبقّى ليس أكثر من قرية صغيرة، في جنوب شرق سوريا، قد تسقط في أيّ يوم.
لكن الجماعة، وفي سياق لا يبشّر بالهزيمة، انتشرت في أماكن أخرى. وهنا، في جزيرة مينداناو، في جنوب الفلبين، الّتي كانت ملاذاً للمتمرّدين منذ زمن طويل بسبب طبيعتها البرّيّة الكثيفة وضعف الوجود الشّرطيّ، اجتذب داعش مجموعة من المقاتلين الجهاديّين.

جنود يؤمنون موقعًا في جزيرة باسيلان بالفلبين

من الشّرق الأوسط إلى الفلبين
"لدى داعش قوّة كبيرة"، يقول موتوندان إنداما، وهو مقاتل سابق كان قد جُنّد في طفولته في جزيرة باسيلان، وابن عمّ فوروجي إنداما، وهو زعيم مسلّح تعهّد بالولاء لداعش. ويتابع: "لا أعرف لماذا انضمّ ابن عمّي، ولكن هذا يحدث في كلّ مكان".
وكانت الجماعة في البداية قد قامت بحملة كبيرة لتجنيد الأتباع في جنوب الفلبين، في عام 2016، حيث عملت على نشر مقاطع فيديو على الإنترنت لإغراء المقاتلين الّذين لم يتمكّنوا من الّلحاق بالخلافة المزعومة في العراق وسوريا. ويقول مسؤولون في الأجهزة الأمنية إنّ مئات المقاتلين تدفّقوا من مناطق بعيدة مثل الشّيشان والصّومال واليمن.

يقول مسؤولون أمنيون إنّ مئات المقاتلين تدفّقوا إلى الفلبين من مناطق بعيدة مثل الشّيشان والصّومال واليمن

وفي العام التّالي، استولى المقاتلون الّذين تعهّدوا بالولاء لداعش على مدينة مراوي، في مينداناو. وبحلول الوقت الّذي انتشر فيه الجيش بعد خمسة أشهر، كانت أكبر مدينة ذات أغلبيّة مسلمة في البلاد قد صارت تحت الأنقاض. وقُتل ما لا يقلّ عن 900 من المتمرّدين، بما في ذلك مقاتلون أجانب وكذلك إنسيلون هابيلون، أمير داعش في شرق آسيا.
وهكذا، أعلن الرّئيس دوتيرت انتصاره على داعش. لكن انتصاره على ما يبدو لم يردع الموالين للتّنظيم من إعادة تجميع صفوفهم.
"إنّ داعش يبعث بأموال إلى الفلبين، ويقوم بتجنيد مقاتلين هناك"، يقول روميل بانلاوي، رئيس المعهد الفلبينيّ لأبحاث السّلام والعنف والإرهاب. ويتابع: "داعش هو المشكلة الأكثر تعقيداً وتطوّراً في الفلبين اليوم، ويجب ألّا ندّعي أنّه غير موجود لأنّنا لا نريد وجوده".

اقرأ أيضاً: البحث عن هشيم جاهز للحرق.. لماذا انتقل داعش إلى الفلبين؟
ومنذ تفجير الكاتدرائيّة الواقعة في جزيرة جولو، في 27 كانون الثّاني (يناير)، استجاب الجيش الفلبيني بضربات جويّة ونشر 10,000 جنديّ في جولو، وفقاً للعقيد جيري بيسانا، المتحدّث باسم القيادة العسكريّة الإقليميّة في مدينة زامبوانغا.
ومن جانبها تراقب الطّائرات الأمريكيّة بدون طيار أرخبيل جنوب الفلبين، حيث تتركّز الأقلّيّة المسلمة في البلاد وحيث تقاتل التّمرّدات المحلّيّة منذ فترة طويلة الدّولة ذات الغالبيّة المسيحيّة.

في باسيلان ، يقول المسؤولون:  الجزيرة بمأمن من انفصاليي أبو سياف

إنكار حكوميّ
حتّى مع تكثيف الهجوم العسكريّ، تتجنّب الحكومة الإقرار بأنّ تيّار التّطرّف الإسلامويّ الّذي اجتاح العالم قد أصاب الفلبين. ويقلّل كبار المسؤولين من الحوادث الّتي أرسل فيها داعش مقاتلين أجانب إلى الفلبين وموّلهم لشنّ هجمات مميتة. ويقولون، في كثير من الأحيان، إنّ العنف الحاصل ليس أكثر من تنازعات بين العشائر المسلمة، أو عمليّات سلب ونهب شائعة.

اقرأ أيضاً: هكذا أنهت الفلبين النزاع المسلَّح مع مسلمي الجنوب
وفي غضون أسبوع من تفجير كاتدرائيّة جولو، أعلنت الشّرطة حلّ القضيّة، وألقت بالّلوم على جماعة محلّيّة مقاتلة، هي جماعة أبو سيّاف، مع اعتراف خافت بأنّ عدداً من متمرّديها قد انخرطوا مع داعش.
وعلى حدّ قول مسؤولي الكنيسة، فإنّ زيارة قرينة الرئيس، السيّدة كرمل، والسّيّد دوترت والوفد المرافق لهما لكاتدرائيّة جولو قد صاحبه طمس للأدلّة. كما أُبعِد المحقّقين الشّرعيّين عن مسرح الجريمة لعدّة أيّام. والتهمت مجموعات الكلاب أجزاءً من الجثث.
"نطلب إجراء تحقيق مستقلّ لأنّ ما جرى كان سريعاً جدّاً، ومن السّابق لأوانه القول بأنّ القضيّة أغلقت"، يقول جيفرسون نادوا، وهو كاهن أبرشيّة. ويتابع: "هذه مسألة خطيرة يجب النّظر فيها بشكل أعمق لأنّ التّهديد ليس محليّاً فقط. فربّما يأتي من الخارج، من داعش".

التّاريخ الجهاديّ في الفلبين
لعقود خلت، ازدهرت حركات تمرّد محلّيّة مثل أبو سيّاف، الّتي شنّت حملة من التّفجيرات وقطع الرّؤوس، والّتي ازدهرت في المنطقة القاحلة البعيدة عن تطبيق القانون وخلال البحار الممتدّة نحو ماليزيا وإندونيسيا.
وفي التّسعينيّات، بعد عودة الفلبينيّين من ساحات المعارك مع المجاهدين في أفغانستان ومن المدارس الدّينيّة المتشدّدة في اليمن والسّعوديّة، تمّ دمج المظالم المحلّيّة بالدّعوات العالميّة للجهاد. وفي قطاع من جنوب شرق آسيا يأخذ شكل هلال، كان المتشدّدون يحلمون بخلافة خالية من الحكم العلمانيّ.

يقلّل كبار المسؤولين من الحوادث الّتي أرسل فيها داعش مقاتلين أجانب إلى الفلبين وموّلهم لشنّ هجمات مميتة

وقد قامت الجماعة الإسلاميّة، فرع تنظيم القاعدة الّذي قتل أكثر من 200 شخص في ملهى ليليّ في بالي، في عام 2002، بتدريب مجنّدين في أدغال الفلبين.
ويقول سيدني جونز، مدير معهد تحليل سياسات الصّراع في جاكرتا بإندونيسيا، إنّه في وقت لاحق، عندما أقامت خلافتها في الشّرق الأوسط، وحّدت داعش المقاتلين المختلفين في الفلبين تحت راية أيديولوجيّة واحدة.
"لم تعترف الحكومة بقوّة تنظيم داعش في جذب الجميع، بداية من الطّلاب المتعلّمين في الجامعات إلى صبية أبو سيّاف في الغابة"، يقول السّيّد جونز. ويتابع: "مهما حدث للائتلاف الموالي لداعش في مينداناو، فقد خلّف وراءه فكرة قيام دولة إسلاميّة كبديل مرغوب فيه للدّيمقراطيّة الفاسدة".
ويقول مسؤولو باسيلان إنّ الجزيرة الآن في مأمن من انفصاليي أبو سيّاف الّذين بدأوا قتالهم في عام 1991. وتصرّ السّلطات المحلّيّة أنّه ما من مقاتلين أجانب في الأدغال، وتدّعي أنّ المتمرّدين قد نقص عددهم إلى حوالي 20 محاصر ومعزول.
لكن العقيد بيسانا يضع العدد الإجماليّ للمقاتلين في باسيلان عند 200 على الأقلّ، وقد تعهّد زعيمهم بالولاء لداعش.

اقرأ أيضاً: الفلبين.. العقد الرابع من الإرهاب

السّيّد إنداما، المقاتل السّابق الّذي يقول إنّه غادر أبو سيّاف العام الماضي لأنّه رفض أيديولوجيا تنظيم داعش، يدّعي أنّه رأى عملاء أجانب في معسكرات الغابات في باسيلان.

 الرئيس دوترتي ومساعدوه خلال زيارة لكاتدرائية في جولو والتي قصفها مسلحون

المقاتلون الأجانب
تحطّمت فكرة أنّه لم يتسلّل أيّ مقاتل من الخارج إلى باسيلان، في تمّوز (يوليو) الماضي، عندما كانت موقعاً للتّفجير الانتحاريّ الأوّل في الفلبين.
وكان داعش قد زعم أنّ الهجوم الّذي أودى بحياة 11 شخصاً من عمل مجنّد مغربيّ. ومن جانبها، نفت السّلطات الفلبينيّة في البداية أن يكون الهجوم قد تمّ على يد انتحاريّ، لا سيّما أجنبيّ. وبعد أسابيع، اعترفت بأنّه نفّذ من قِبل انتحاريّ ألمانيّ-مغربيّ.

اقرأ أيضاً: هل سينجح مقاتلو داعش بتأسيس دولتهم الجديدة في الفلبين؟
وفي العام الماضي، تمّ القبض على إسبانيّ في باسيلان وكانت معه مواد لصنع متفجّرات. كما تمّ توقيف مصريّ يحمل 19,000 دولار نقداً وهو في طريقه إلى باسيلان، وذلك وفقاً لموجيف هاتامان، حاكم المنطقة المسلمة المتمتّعة بالحكم الذّاتيّ في الفلبين.
وأعرب السّيّد هاتامان، الّذي يسافر ضمن موكب من المدرّعات، عن قلقه من أنّه إذا اشتدّت غارات القصف في جولو، فإنّ المسلحين سيتسلّلون إلى باسيلان عن طريق قوارب صغيرة. وبالفعل، يسافر هؤلاء بين إندونيسيا وماليزيا والفلبين عبر البحار الّتي تشرف عليها دوريات ضعيفة.
ويقول السّيّد هاتامان: "تختفي مشكلة وتبدأ أخرى".
وكان وزير الدّاخليّة، إدواردو أنو، قد ألقى بالّلوم فيما يخصّ هجوم جولو على زوجين إندونيسيّين، بالرّغم من أنّ المحقّقين الإندونيسيّين يقولون إنّ هناك أدلّة قليلة على ذلك.
ويقرّ العقيد بيسانا بأنّ عدداً من المقاتلين الأجانب كانوا مختبئين في تلال جولو، تحت قيادة حسيب حجان سوادجان، الذي يُعتقد أنّه حلّ محل السّيّد هابيلون كأمير إقليميّ لداعش.

اقرأ أيضاً: كيف تحولت جزيرة مينداناو الفلبينية إلى مستودع للحرب؟
ولا يبدو إغراء داعش بعيداً البتّة عن السّطح في جنوب الفلبين. ففي احتفال حكوميّ في باسيلان، حيث مُنِحَ متمرّدي أبو سيّاف السّابقين وحدات سكنيّة بموجب اتّفاق سلام طويل الأمد لإحلال الحكم الذّاتيّ في الجنوب المسلم، كان الأمن شديداً لدرجة أنّ الجنود الفلبينيّين فاقوهم عدداً.
ويقول جيم هابينغ (22 عاماً)، وهو مقاتل سابق مع أبو سيّاف، إنّه قد انضمّ إلى الجماعة في عمر الحادية عشرة، شأنه شأن العديد من أطفال قريته، وبدا مبهماً عندما سئل عمّا إذا كان قد ينضمّ مرّة أخرى.
ويضيف: "لقد أقنعوني أنّك إذا متّ في المعركة، فسوف تكافأ في الآخرة. وأخبروني بأنّ هذه هي الطّريق الصحيحة".


المصدر: هانا بييتش وجيسون غوتيريز، النيويورك تايمز

اقرأ المزيد...

الوسوم: