الفلبين الوجهة القادمة لداعش

5580
عدد القراءات

2019-04-04

ترجمة: محمد الدخاخني


ترفرف الرّاية السّوداء لداعش عبر جزر جنوب الفلبين، فوق ما تعتبره الجماعة مقاطعتها في شرق آسيا.
وهكذا، على بعد محيطين من مسقط رأس داعش المجدب، يأخذ رجال يسكنون الغابات "الماركة" الإرهابيّة إلى معارك جديدة.

اقرأ أيضاً: اعتداء على كنيسة في الفلبين.. مَن المسؤول؟!
وفي كانون الثّاني (يناير)، وبينما كان المصلّون يتجمّعون لحضور قدّاس الأحد في إحدى الكاتدرائيّات الكاثوليكيّة، انفجرت قنبلتان في مجمع الكنيسة، ممّا أسفر عن مقتل 23 شخصاً. وزعم داعش أن اثنين من انتحاريّيه قد تسبّبا في المجزرة.
هذا، وقد تضاءلت أراضي داعش في العراق وسوريا، والّتي كانت ذات يوم في حجم بريطانيا، بعد أربعة أعوام من القصف الجويّ المدعوم من جانب الولايات المتّحدة والقتال البرّي الذي يقوم عليه مقاتلو الميليشيّات الكرديّة والشّيعيّة. وما تبقّى ليس أكثر من قرية صغيرة، في جنوب شرق سوريا، قد تسقط في أيّ يوم.
لكن الجماعة، وفي سياق لا يبشّر بالهزيمة، انتشرت في أماكن أخرى. وهنا، في جزيرة مينداناو، في جنوب الفلبين، الّتي كانت ملاذاً للمتمرّدين منذ زمن طويل بسبب طبيعتها البرّيّة الكثيفة وضعف الوجود الشّرطيّ، اجتذب داعش مجموعة من المقاتلين الجهاديّين.

جنود يؤمنون موقعًا في جزيرة باسيلان بالفلبين

من الشّرق الأوسط إلى الفلبين
"لدى داعش قوّة كبيرة"، يقول موتوندان إنداما، وهو مقاتل سابق كان قد جُنّد في طفولته في جزيرة باسيلان، وابن عمّ فوروجي إنداما، وهو زعيم مسلّح تعهّد بالولاء لداعش. ويتابع: "لا أعرف لماذا انضمّ ابن عمّي، ولكن هذا يحدث في كلّ مكان".
وكانت الجماعة في البداية قد قامت بحملة كبيرة لتجنيد الأتباع في جنوب الفلبين، في عام 2016، حيث عملت على نشر مقاطع فيديو على الإنترنت لإغراء المقاتلين الّذين لم يتمكّنوا من الّلحاق بالخلافة المزعومة في العراق وسوريا. ويقول مسؤولون في الأجهزة الأمنية إنّ مئات المقاتلين تدفّقوا من مناطق بعيدة مثل الشّيشان والصّومال واليمن.

يقول مسؤولون أمنيون إنّ مئات المقاتلين تدفّقوا إلى الفلبين من مناطق بعيدة مثل الشّيشان والصّومال واليمن

وفي العام التّالي، استولى المقاتلون الّذين تعهّدوا بالولاء لداعش على مدينة مراوي، في مينداناو. وبحلول الوقت الّذي انتشر فيه الجيش بعد خمسة أشهر، كانت أكبر مدينة ذات أغلبيّة مسلمة في البلاد قد صارت تحت الأنقاض. وقُتل ما لا يقلّ عن 900 من المتمرّدين، بما في ذلك مقاتلون أجانب وكذلك إنسيلون هابيلون، أمير داعش في شرق آسيا.
وهكذا، أعلن الرّئيس دوتيرت انتصاره على داعش. لكن انتصاره على ما يبدو لم يردع الموالين للتّنظيم من إعادة تجميع صفوفهم.
"إنّ داعش يبعث بأموال إلى الفلبين، ويقوم بتجنيد مقاتلين هناك"، يقول روميل بانلاوي، رئيس المعهد الفلبينيّ لأبحاث السّلام والعنف والإرهاب. ويتابع: "داعش هو المشكلة الأكثر تعقيداً وتطوّراً في الفلبين اليوم، ويجب ألّا ندّعي أنّه غير موجود لأنّنا لا نريد وجوده".

اقرأ أيضاً: البحث عن هشيم جاهز للحرق.. لماذا انتقل داعش إلى الفلبين؟
ومنذ تفجير الكاتدرائيّة الواقعة في جزيرة جولو، في 27 كانون الثّاني (يناير)، استجاب الجيش الفلبيني بضربات جويّة ونشر 10,000 جنديّ في جولو، وفقاً للعقيد جيري بيسانا، المتحدّث باسم القيادة العسكريّة الإقليميّة في مدينة زامبوانغا.
ومن جانبها تراقب الطّائرات الأمريكيّة بدون طيار أرخبيل جنوب الفلبين، حيث تتركّز الأقلّيّة المسلمة في البلاد وحيث تقاتل التّمرّدات المحلّيّة منذ فترة طويلة الدّولة ذات الغالبيّة المسيحيّة.

في باسيلان ، يقول المسؤولون:  الجزيرة بمأمن من انفصاليي أبو سياف

إنكار حكوميّ
حتّى مع تكثيف الهجوم العسكريّ، تتجنّب الحكومة الإقرار بأنّ تيّار التّطرّف الإسلامويّ الّذي اجتاح العالم قد أصاب الفلبين. ويقلّل كبار المسؤولين من الحوادث الّتي أرسل فيها داعش مقاتلين أجانب إلى الفلبين وموّلهم لشنّ هجمات مميتة. ويقولون، في كثير من الأحيان، إنّ العنف الحاصل ليس أكثر من تنازعات بين العشائر المسلمة، أو عمليّات سلب ونهب شائعة.

اقرأ أيضاً: هكذا أنهت الفلبين النزاع المسلَّح مع مسلمي الجنوب
وفي غضون أسبوع من تفجير كاتدرائيّة جولو، أعلنت الشّرطة حلّ القضيّة، وألقت بالّلوم على جماعة محلّيّة مقاتلة، هي جماعة أبو سيّاف، مع اعتراف خافت بأنّ عدداً من متمرّديها قد انخرطوا مع داعش.
وعلى حدّ قول مسؤولي الكنيسة، فإنّ زيارة قرينة الرئيس، السيّدة كرمل، والسّيّد دوترت والوفد المرافق لهما لكاتدرائيّة جولو قد صاحبه طمس للأدلّة. كما أُبعِد المحقّقين الشّرعيّين عن مسرح الجريمة لعدّة أيّام. والتهمت مجموعات الكلاب أجزاءً من الجثث.
"نطلب إجراء تحقيق مستقلّ لأنّ ما جرى كان سريعاً جدّاً، ومن السّابق لأوانه القول بأنّ القضيّة أغلقت"، يقول جيفرسون نادوا، وهو كاهن أبرشيّة. ويتابع: "هذه مسألة خطيرة يجب النّظر فيها بشكل أعمق لأنّ التّهديد ليس محليّاً فقط. فربّما يأتي من الخارج، من داعش".

التّاريخ الجهاديّ في الفلبين
لعقود خلت، ازدهرت حركات تمرّد محلّيّة مثل أبو سيّاف، الّتي شنّت حملة من التّفجيرات وقطع الرّؤوس، والّتي ازدهرت في المنطقة القاحلة البعيدة عن تطبيق القانون وخلال البحار الممتدّة نحو ماليزيا وإندونيسيا.
وفي التّسعينيّات، بعد عودة الفلبينيّين من ساحات المعارك مع المجاهدين في أفغانستان ومن المدارس الدّينيّة المتشدّدة في اليمن والسّعوديّة، تمّ دمج المظالم المحلّيّة بالدّعوات العالميّة للجهاد. وفي قطاع من جنوب شرق آسيا يأخذ شكل هلال، كان المتشدّدون يحلمون بخلافة خالية من الحكم العلمانيّ.

يقلّل كبار المسؤولين من الحوادث الّتي أرسل فيها داعش مقاتلين أجانب إلى الفلبين وموّلهم لشنّ هجمات مميتة

وقد قامت الجماعة الإسلاميّة، فرع تنظيم القاعدة الّذي قتل أكثر من 200 شخص في ملهى ليليّ في بالي، في عام 2002، بتدريب مجنّدين في أدغال الفلبين.
ويقول سيدني جونز، مدير معهد تحليل سياسات الصّراع في جاكرتا بإندونيسيا، إنّه في وقت لاحق، عندما أقامت خلافتها في الشّرق الأوسط، وحّدت داعش المقاتلين المختلفين في الفلبين تحت راية أيديولوجيّة واحدة.
"لم تعترف الحكومة بقوّة تنظيم داعش في جذب الجميع، بداية من الطّلاب المتعلّمين في الجامعات إلى صبية أبو سيّاف في الغابة"، يقول السّيّد جونز. ويتابع: "مهما حدث للائتلاف الموالي لداعش في مينداناو، فقد خلّف وراءه فكرة قيام دولة إسلاميّة كبديل مرغوب فيه للدّيمقراطيّة الفاسدة".
ويقول مسؤولو باسيلان إنّ الجزيرة الآن في مأمن من انفصاليي أبو سيّاف الّذين بدأوا قتالهم في عام 1991. وتصرّ السّلطات المحلّيّة أنّه ما من مقاتلين أجانب في الأدغال، وتدّعي أنّ المتمرّدين قد نقص عددهم إلى حوالي 20 محاصر ومعزول.
لكن العقيد بيسانا يضع العدد الإجماليّ للمقاتلين في باسيلان عند 200 على الأقلّ، وقد تعهّد زعيمهم بالولاء لداعش.

اقرأ أيضاً: الفلبين.. العقد الرابع من الإرهاب

السّيّد إنداما، المقاتل السّابق الّذي يقول إنّه غادر أبو سيّاف العام الماضي لأنّه رفض أيديولوجيا تنظيم داعش، يدّعي أنّه رأى عملاء أجانب في معسكرات الغابات في باسيلان.

 الرئيس دوترتي ومساعدوه خلال زيارة لكاتدرائية في جولو والتي قصفها مسلحون

المقاتلون الأجانب
تحطّمت فكرة أنّه لم يتسلّل أيّ مقاتل من الخارج إلى باسيلان، في تمّوز (يوليو) الماضي، عندما كانت موقعاً للتّفجير الانتحاريّ الأوّل في الفلبين.
وكان داعش قد زعم أنّ الهجوم الّذي أودى بحياة 11 شخصاً من عمل مجنّد مغربيّ. ومن جانبها، نفت السّلطات الفلبينيّة في البداية أن يكون الهجوم قد تمّ على يد انتحاريّ، لا سيّما أجنبيّ. وبعد أسابيع، اعترفت بأنّه نفّذ من قِبل انتحاريّ ألمانيّ-مغربيّ.

اقرأ أيضاً: هل سينجح مقاتلو داعش بتأسيس دولتهم الجديدة في الفلبين؟
وفي العام الماضي، تمّ القبض على إسبانيّ في باسيلان وكانت معه مواد لصنع متفجّرات. كما تمّ توقيف مصريّ يحمل 19,000 دولار نقداً وهو في طريقه إلى باسيلان، وذلك وفقاً لموجيف هاتامان، حاكم المنطقة المسلمة المتمتّعة بالحكم الذّاتيّ في الفلبين.
وأعرب السّيّد هاتامان، الّذي يسافر ضمن موكب من المدرّعات، عن قلقه من أنّه إذا اشتدّت غارات القصف في جولو، فإنّ المسلحين سيتسلّلون إلى باسيلان عن طريق قوارب صغيرة. وبالفعل، يسافر هؤلاء بين إندونيسيا وماليزيا والفلبين عبر البحار الّتي تشرف عليها دوريات ضعيفة.
ويقول السّيّد هاتامان: "تختفي مشكلة وتبدأ أخرى".
وكان وزير الدّاخليّة، إدواردو أنو، قد ألقى بالّلوم فيما يخصّ هجوم جولو على زوجين إندونيسيّين، بالرّغم من أنّ المحقّقين الإندونيسيّين يقولون إنّ هناك أدلّة قليلة على ذلك.
ويقرّ العقيد بيسانا بأنّ عدداً من المقاتلين الأجانب كانوا مختبئين في تلال جولو، تحت قيادة حسيب حجان سوادجان، الذي يُعتقد أنّه حلّ محل السّيّد هابيلون كأمير إقليميّ لداعش.

اقرأ أيضاً: كيف تحولت جزيرة مينداناو الفلبينية إلى مستودع للحرب؟
ولا يبدو إغراء داعش بعيداً البتّة عن السّطح في جنوب الفلبين. ففي احتفال حكوميّ في باسيلان، حيث مُنِحَ متمرّدي أبو سيّاف السّابقين وحدات سكنيّة بموجب اتّفاق سلام طويل الأمد لإحلال الحكم الذّاتيّ في الجنوب المسلم، كان الأمن شديداً لدرجة أنّ الجنود الفلبينيّين فاقوهم عدداً.
ويقول جيم هابينغ (22 عاماً)، وهو مقاتل سابق مع أبو سيّاف، إنّه قد انضمّ إلى الجماعة في عمر الحادية عشرة، شأنه شأن العديد من أطفال قريته، وبدا مبهماً عندما سئل عمّا إذا كان قد ينضمّ مرّة أخرى.
ويضيف: "لقد أقنعوني أنّك إذا متّ في المعركة، فسوف تكافأ في الآخرة. وأخبروني بأنّ هذه هي الطّريق الصحيحة".


المصدر: هانا بييتش وجيسون غوتيريز، النيويورك تايمز

اقرأ المزيد...
الوسوم:



إيران والإخوان المسلمون .. الجذور المشتركة

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2019-07-23

ترجمة: مدني قصري


قد يبدو أنّ الانقسام الطائفي التاريخي سيُبقِي رجال الدين الشيعة في إيران وجماعة الإخوان المسلمين السنّية منفصلين عن بعضهم البعض، لكن في الواقع هناك الكثير من القواسم المشتركة بين القوتين. إنّه ليس مجرد تحالف تكتيكي؛ إذ يرتبط هذان الكيانان بالأيديولوجيا وبعلاقات تاريخية أخرى على المستوى الشخصي وعلى مستوى السياسيين وغير ذلك.

دور نواب صفوي في ربط الشيعة بالإخوان

قام مجتبى ميرلوحي، المعروف باسم نواب صفوي (1924-1956)، بتأسيس جماعة فدائيي الإسلام عام 1946، وهي أول جماعة إسلامية متشددة في إيران الحديثة، لعب الصفوي دوراً مهماً في ربط الإسلاميين الشيعة بالحركات الإسلامية من دول أخرى.

تعود الروابط بين رجال الدين الثوريين في إيران وجماعة الإخوان إلى ما قبل تأسيس الجمهورية الإسلامية

مجتبى ميرلوحي، رجل دين شيعي وزعيم منظمة "فدائيو الإسلام"، الأصولية الإيرانية، وكان يدعو إلى نبذ التفرقة الطائفية بين المسلمين. أعدِم نواب صفوي رمياً بالرصاص في 18 كانون الثاني (يناير)  1956بسبب معارضته لشاه إيران رضا بهلوي.

كان لصفوي لقاءات مع الشاه محمد رضا بهلوي والرئيس السوري أديب الشيشكلي، وياسر عرفات أيام دراسته في القاهرة، كما التقى سيد قطب، وسافر إلى القدس ودعا إلى مناهضة هجرة اليهود إليها. وزار القاهرة وألقى خطابات حماسية دعاهم فيها إلى طرد الإنجليز وتأميم القناة.

وأثناء زيارته للقاهرة، قوبل صفوي بحماس شديد وترحيب حار من قبل الإخوان المسلمين الذين رافقوه لزيارة مراقد أهل البيت في مصر. وفي خطاب له في إحدى جامعات القاهرة، انتقد صفوي، جمال عبدالناصر لاعتقاله عناصر الإخوان.

تأثير أيديولوجية قطب في صياغة الخطاب الثوري المناهض للشاه

على المستوى الأيديولوجي، ووفقاً لأدبياتهم، ليس من الصعب التعرف على النقاط المشتركة بين إيران الإسلامية والإخوان المسلمين، فهناك ثلاثة جوانب أيديولوجية مهمة: إقامة دولة إسلامية حيث يجب أن يسود القانون الديني والشريعة كنظام حكم عالمي للفرد والمجتمع؛ الترويج للإسلام الأوروبي الشامل في محاولة لتوحيد الأمة (الجالية المسلمة) واستبدال النظام الدولي للدول؛ وكراهية عنيفة تجاه الغرب، تدعمها نظريات التآمر، بما في ذلك معاداة السامية.
تعود الروابط بين رجال الدين الثوريين في إيران وجماعة الإخوان المسلمين إلى ما قبل تأسيس الجمهورية الإسلامية في إيران في عام 1979.

أسس مجتبى ميرلوحي جماعة فدائيي الإسلام أول جماعة إسلامية متشددة في إيران الحديثة في عام 1946

في عام 1954، سافر نواب صفوي إلى مصر للقاء سيد قطب، الأيديولوجي السامي في جماعة الإخوان المسلمين. يؤمن قطب وصفوي بنفس النهج الذي تتبعه الحاكمية والجاهلية، والجهاد، والحاجة إلى سد الفجوة الشيعية والسنّية، لتشكيل جبهة مشتركة ضد تغريب العالم الإسلامي.
أُعدِم صفوي في عام 1956 بعد محاولة اغتيال رئيس الوزراء الإيراني -وأرسِل قطب إلى حبل المشنقة بعد 10 أعوام بسبب مؤامرة مماثلة في مصر- ولكن التلاقح بين الأفكار الذي شرع فيه الرجلان ظلّ مستمراً. لقد تم استيعاب رجال الصفوي وأفكارهم التي تأثرت بالإخوان المسلمين من قبل الحركة الثورية في إيران التي قادها آية الله الخميني في سبعينيات القرن الماضي، وساهمت أيديولوجيا قطب بشكل كبير في صياغة الخطاب الثوري المناهض للشاه والذي سبق سقوط النظام الملكي.

خامنئي يترجم كتابين لسيد قطب قبل الثورة

تجدر الإشارة إلى أنّ المرشد الأعلى الإيراني الحالي، علي خامنئي، قد انجذب إلى السياسة بعد لقائه مع الصفوي واقتناعه بتمسك الصفوي بمفاهيم سيد قطب. لدرجة أنّ خامنئي خصص وقتاً طويلاً لترجمة كتابين لسيد قطب قبل الثورة، وما يزال خامنئي معجباً بمنظور قطب حول الإسلام باعتباره "نظاماً ثورياً للحكم السياسي والاجتماعي". يمكن للمرء أن يرى تأثير قطب على الثيوقراطية الإيرانية بطرق أخرى، أصغر. على سبيل المثال، تم إصدار طابع بريدي عليه صورة سيد قطب في إيران بعد استيلاء الملالي على السلطة.

المرشد الأعلى الإيراني الحالي علي خامنئي

مفاهيم ماركسية في قلب العقيدة الدينية

في هذا السياق، ليس من المستغرب أن ترسل مختلف فروع الإخوان المسلمين العالمية، وفوداً إلى باريس لتهنئة آية الله الخميني عشية عودته المنتصرة إلى إيران (كان ذلك بعد رحيل الشاه، وفقط قبل انقلاب الإسلاميين ضد الحكومة الإمبراطورية). عمل عملاء الخميني في الغرب، مثل إبراهيم يزدي، لأعوام مع مسؤولي الإخوان المسلمين، وكذلك فعل العالم الإسلامي الإيراني البارز علي شريعتي، المقيم في بريطانيا، والذي لعب دوراً رئيسياً في خلق ما يسمى بنزعة "الملا الأحمر" في الثورة؛ اندماج المفاهيم الماركسية مع العقيدة الدينية.

عمر التلمساني يدعم الخميني سياسياً

في كانون الثاني (يناير) 1982، صرّح عمر التلمساني، المرشد الأعلى لجماعة الإخوان المسلمين المصرية، لإحدى الصحف الأسبوعية المصرية قائلاً: "لقد دعمنا الخميني سياسياً، لأنّ الشعب المظلوم تمكّن من التخلص من حاكم قمعي، واستعادة حريته". بالطبع، في ذلك الوقت، فرضت الحكومة الثيوقراطية في إيران نظاماً قمعياً أكثر مما سبق، وذبحت عشرات الآلاف من المعارضين السياسيين. باستثناء بيجان جزاني Bijan Jazani ورفاقه، وهم إرهابيون شيوعيون قُتلوا في سجن إيفين عام 1975. بالمقابل لم تلجأ حكومة الشاه مطلقاً إلى الإعدام من دون محاكمة ضد سجناء سياسيين. على العكس من ذلك، قام الشاه بتخفيف أحكام الإعدام بشكل روتيني، حتى بالنسبة للإرهابيين، وخاصة أولئك الذين استهدفوه شخصياً.

عمر التلمساني

النظام الإيراني يحتفي بشخصيات الإخوان

استوعب النظام الديني الإيراني جوانب من أيديولوجية الإخوان المسلمين، ويحتفل ببعض شخصياته التاريخية، أمثال؛ خالد الإسلامبولي، الإسلامي المتأثر بسيد قطب، والذي قتل الرئيس المصري أنور السادات في عام 1981. لقد أشادت طهران بالإسلامبولي كبطل إسلامي وكرمته بشارع سمي باسمه لأكثر من عقدين، إلى أن أعيدت تسميته عام 2004 عندما سعت إيران لتحسين العلاقات مع مصر.

الثورة الإيرانية تحفّز إخوان مصر

على جانب جماعة الإخوان المسلمين، كان إغراء الثورة الإيرانية مصدر إلهام للاعتقاد بأنّ الثورة الإسلامية كانت ممكنة. فإذا سقطت إيران، التي كان زعيمها، الشاه، الأقوى في المنطقة والأقرب إلى الغرب، في أيدي الثيوقراطيين، فإنّ هذا يعني أنّ حلم الإخوان المسلمين في أن تكون لهم دولة إسلامية خاصة بهم في أماكن مثل مصر، أمر واقعي وليس مستحيلاً.

حركة النهضة التونسية تتبنى لغة الثورة الإيرانية 

علاوة على ذلك، فالإخوان المسلمون، وهم حركة ولدت جزئياً استجابة للنفوذ البريطاني في مصر في عشرينيات القرن العشرين، يرون أنّ الثورة الإيرانية كانت جذابة للغاية؛ لأنها تبنّت خطاب المظلومين والمحرومين، من خلال الوقوف ضد دمية تابعة للإمبريالية الغربية.

اقرأ أيضاً: بعد "خلية الكويت".. هل تكون إيران ملاذ الإخوان الأخير؟
ليس مهمّاً إن كان هذا خطأً، -كان الشاه في ذلك الوقت أكثر استقلالية عن الغرب مما كان عليه- فالأهم من ذلك، كما أوضح زعيم جماعة الإخوان المسلمين التونسية راشد الغنوشي لاحقاً، هو اللغة التي أعطتها الثورة الإيرانية للإسلاميين من أجل "أسلمة  بعض المفاهيم الاجتماعية اليسارية ومن أجل استيعاب الصراع الاجتماعي في سياق إسلامي".

إدراك الإخوان أنه من دون الغرب لن يصلوا إلى السلطة

مع مرور الوقت، تطورت جماعة الإخوان المسلمين، على الأقل على السطح؛ حيث أبعدت نهجها عن نهج رجال الدين الثوري الإيراني.

تبنّت جماعة الإخوان نهجاً جديداً بادعائها أنّها مختلفة عن الجهاديين مع اعتمادها لغة الديمقراطية والإصلاح

ومن الأسباب الهامة لهذا الوضع هو إدراك الإخوان أنه من دون موافقة الغرب، لن يتمكنوا من الاستيلاء على زمام السلطة. وقد تجلى هذا في الجزائر في عام 1992، عندما قام المجلس العسكري، بدعم ضمني من الغرب، بإلغاء الانتخابات التي فاز بها الإسلاميون، وهو ما أدى إلى اندلاع حرب أهلية مروعة، انتهت بهزيمة وتشويه الإسلاميين.
وقد تجلى هذا مرة أخرى في غزة في عام 2006 عندما فاز الجناح الفلسطيني لجماعة الإخوان المسلمين، أي حماس، في الانتخابات، ولكن بسبب تطرفها.. تم عزلها وتحييدها تحت راية الحرب العالمية ضد الإرهاب.
وحتى تفلت من هذا الوضع، تبنّت جماعة الإخوان المسلمين نهجاً جديداً، بادعائها أنّها مختلفة كل الاختلاف عن الجهاديين، مع اعتمادها لغة الديمقراطية والإصلاح وحتى الليبرالية، وهو الطريق الذي لا يمكن للقادة الإيرانيين، مع عدائهم الشديد تجاه الغرب، أن يدعموه.

دور الجغرافيا السياسية في انفصال الإخوان عن الثيوقراطية الإيرانية

هناك عامل مهمّ آخر وهو الجغرافيا السياسية. سرعان ما انفصل الإخوان المسلمون عن الثيوقراطية الإيرانية في أوائل الثمانينيات. وكما يوضح ذلك المحلل رافائيل ليفيفر في كتابه، "رماد حماة" Ashes of Hama، فعندما وقفت جماعة الإخوان المسلمين السورية ضد النظام السوري في عهد حافظ الأسد، تلقت دعماً واسعاً من منافس الأسد البعثي في بغداد، صدام حسين. كما قام رجال الدين الإيرانيون، الذين انخرطوا آنذاك في حرب وحشية ضد نظام صدام، بدعم الأسد في قتاله ضد الإخوان المسلمين في سوريا. وقد تم قمع انتفاضة الإخوان المسلمين في سوريا في مدينة حماة في شباط (فبراير) 1982 في مذبحة أسفرت عن مقتل 20000 شخص.

تأثير الحرب السورية على العلاقة بين الإخوان وإيران

الإخوان المسلمون في سوريا لم يغفروا أبداً للحكام الإيرانيين. ومع ذلك، تمكنت معظم فروع الإخوان المسلمين من تجاوز هذه الحلقة، ومن خدمة هدف إيران المتمثل في بناء "جسر لتحسين العلاقات مع العالم الإسلامي السنّي". انتهى ذلك مع الجولة الثانية في سوريا: اندلاع التمرد ضد بشار نجل حافظ، في عام 2011، والذي تحول إلى اشتباك طائفي إقليمي مع إيران المنخرطة إلى جانب الأسد، مع توفير معظم القوات البرية التي أبقته في السلطة.

اقرأ أيضاً: كيف غيّر الإخوان ملامح التنظيم الدولي وآلياته؟
تسببت الحرب السورية في أضرار لا يمكن إصلاحها -على الصعيدين السياسي والتنظيمي- للعلاقات بين النظام الإيراني والإخوان المسلمين، على الرغم من أنّ التعاون التكتيكي سيستمر بلا شك عند الاقتضاء بين كلا الطرفين.

نهج الإخوان بعد "الربيع العربي"

تم اختبار النهج الجديد للإخوان المسلمين في الميدان بعد ما يسمى بـ "الربيع العربي" في تونس ومصر بشكل خاص. حزب النهضة، وهو الفرع المحلي للإخوان المسلمين في تونس، انتقل بعد محاولته الحكم بمفرده، في أوائل عام 2014 إلى نهج أكثر توافقياً؛ حيث توصل إلى اتفاق قابل للتطبيق مع القوى العلمانية الوطنية. فمن المحتمل أنّ قرار النهضة قد تأثر بما حدث في مصر؛ حيث حاول الإخوان المسلمون الحكم بمفردهم فطردهم الجيش في تموز (يوليو) 2013 بعد أن انقلبت احتجاجات الشوارع ضدهم.

عمر التلمساني: لقد دعمنا الخميني سياسياً لأن الشعب المظلوم تمكن من التخلص من حاكم قمعي واستعادة حريته

في العام الذي كانت فيه جماعة الإخوان المسلمين في السلطة في مصر، قام رئيسهم محمد مرسي بتحسين علاقات مصر مع إيران. ففي آب (أغسطس) 2012، ذهب مرسي نفسه إلى إيران، وهي أول زيارة يقوم بها زعيم مصري لإيران منذ الثمانينيات، عندما قطع البلَدانِ العلاقات الدبلوماسية بينهما. وقد حضر الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد قمة إسلامية في القاهرة في شباط (فبراير) 2013.

سعت إيران إلى تعزيز العلاقات مع جماعة الإخوان المسلمين، من خلال دعم الاقتصاد المصري، وخاصة برنامجها لترويج السياحة المصرية لدى الإيرانيين، وتوفير النفط وتفعيل اتفاقيات تجارية مختلفة. من جانبه، وجّه الرئيس المصري المعزول الراحل الدبلوماسية المصرية لصالح إيران في مواجهتها مع المجتمع الدولي حول برنامج طهران النووي..

حماس أقرب صلة بين إيران والإخوان

في الوقت الحالي، أقرب صلة وثيقة بين النظام الإيراني والإخوان المسلمين، هي بلا شك، حماس، التي تتلقى أيضاً الدعم، بتسيير من إسرائيل، من قطر، الدولة الإقليمية الرئيسية التي ترعى الإخوان المسلمين. كما أنّ لطهران علاقات وثيقة مع حركة الجهاد الإسلامي، وهي حركة كان يقودها في السابق زعيم القاعدة الحالي أيمن الظواهري.

لطهران علاقات وثيقة مع حركة الجهاد الإسلامي التي كان يقودها في السابق زعيم القاعدة الحالي أيمن الظواهري

ويواصل القادة الإيرانيون الاحتجاج على سقوط سلطة الإخوان المسلمين في مصر ويعارضون علانية الجهود المبذولة للحد من تأثير الإخوان المسلمين بشكل قانوني. فيما وراء هذا الدعم الخطابي، ليس من المستحيل أن نتخيل أنّ إيران يمكنها إقامة علاقات من نوع علاقتها بحماس مع فصائل أخرى من جماعة الإخوان المسلمين، وخاصة الجماعات المنشقة العنيفة في مصر.. بعد كل هذا، سيصبح هذا مطابقاً لـ"نموذج حزب الله" لجمهورية إيران الإسلامية، مع وكلائها وأدواتها الإرهابية، والتي كانت السمة المميزة لبراعتها السياسية منذ عام 1979.


المصدر: eeradicalization.com/fr

للمشاركة:

تقرير جديد: القيود الحكومية على الدين في تزايد

2019-07-22

ترجمة: محمد الدخاخني


على مدار العقد الممتد من 2007 إلى 2017، زادت القيود الحكومية المفروضة على الدّين، بما في ذلك القوانين والسّياسات والإجراءات التي يتّخذها مسؤولو الدولة والتي تُقيد المعتقدات والممارسات الدّينية بشكل ملحوظ في كافة أنحاء العالم، وذلك وفقاً لأحدث تقارير "مركز بيو للأبحاث"، وهو عبارة عن مجموعة بحثية أمريكية غير حزبية تتخذ من واشنطن العاصمة مقرّاً لها.

ذكر مركز بيو للأبحاث أنّ آلاف اللاجئين في ألمانيا قد تعرضوا للضغط من أجل اعتناق الديانة المسيحية

كما ارتفعت منذ عام 2007 العداوات الاجتماعية التي تنطوي على العنصر الديني، بما في ذلك العنف والمضايقات التي يقوم بها أفراد أو منظمات أو جماعات لا صِلة لها بالحكومات.

ومن جانبهم، استخدم باحثو المركز معلومات منشورة لوكالات رسمية ومنظمات غير حكومية وأخرى دينية من أجل تجميع مادة تقريرهم، مع وجود نتائج تصل إلى عام 2017.

وقد وجد الباحثون أنّ 52 حكومة تفرض مستويات عالية من القيود على الدّين، وبهذا تكون النسبة قد ارتفعت عن الـ40 حكومة التي جرى تسجيلها عام 2007. وتأتي كل من روسيا والصين ضمن هذه الحكومات. وسُجّلت أدنى مستويات التقييد على الممارسات الدّينية في بلدان جنوب إفريقيا واليابان والفلبين والبرازيل وكوريا الجنوبيّة.

اقرأ أيضاً: مسلمو الإيغور: الصين تفصل الأطفال المسلمين عن عائلاتهم

مسجد خديجة في برلين

وفي عام 2017، عانت 56 دولة من العداوات الاجتماعيّة التي تنطوي على العنصر الديني، وبهذا تكون النّسبة قد ارتفعت عن الـ39 دولة التي جرى تسجيلها عام 2007.

تركيز على أوروبا

كانت الزيادة الأكثر أهمية في الفترة الواقعة بين عامي 2007 و2017 في أوروبا؛ حيث فرضت 20 دولة قيوداً على اللباس الدّيني، بما في ذلك البرقع وحجاب الوجه اللذان ترتديهما بعض النّساء المسلمات. وكان هذا هو حال 5 بلدان فقط عام 2007.

فرضت 20 دولة قيوداً على اللباس الديني بما في ذلك البرقع وحجاب الوجه

لقد فرضت النمسا حظراً على حجاب الوجه الكامل في الأماكن العامة. وحظرت ألمانيا حجاب الوجه على أي شخص يقود سيارة أو يعمل في خدمة مدنية، بينما فرض بعض حُكام البلديات في إسبانيا حظراً على البرقع والحجاب. وفي سويسرا، أيّد المصوتون على مستوى البلاد فرض حظر على بناء مآذن جديدة.
وذكر "مركز بيو للأبحاث" أنّ آلاف الّلاجئين في ألمانيا قد تعرضوا للضغط من أجل اعتناق المسيحيّة، بعد تحذيرهم من أنهم قد يُرحّلون إذا لم يفعلوا ذلك.

اقرأ أيضاً: تقرير: الصين تسعى لطمس هوية الإيغور

دورية للشرطة الصينية بالقرب من مسجد إد كاه في منطقة شينجيانغ الإيغورية ذاتية الحكم

مضايقات تستهدف الإيغور والرّوهينغيا في آسيا

في آسيا، سلّط التقريرُ الضّوءَ على مضايقات طالت مئات الآلاف من مسلمي الإيغور في الصّين الّذين أُرسِلوا إلى مراكز إعادة التأهيل، وكذلك ميانمار؛ حيث أُجبر مسلمو الرّوهينغا على الفرار من ديارهم في مواجهة إساءات ومضايقات القوات العسكريّة والمدنيّة.

احتجاجات شارلوتسفيل

من حيث المضايقات الدّينية التي يقوم بها أفراد ومجموعات لا صِلة لهم بالحكومات، برزت الولايات المتحدة بسبب احتجاجات المتظاهرين البيض من دعاة التّفوق العرقيّ في شارلوتسفيل، فرجينيا.

ومن جانبها، تستضيف وزارة الخارجيّة الأمريكيّة اجتماعاً يستمر ثلاثة أيام لمناقشة التمييز والاضطّهاد الديني، يبدأ غداً في واشنطن، في حضور مسؤولين حكوميين وزعماء دينيين وغيرهم، من كافة مناطق العالم.


المصدر: دويتشه فيله

للمشاركة:

عودة ستالين… هكذا يسعى بوتين إلى تبييض سمعة الزعيم السوفييتي

2019-07-21

ترجمة: محمد الدخاخني


تميّز عام 1989 بتوقّعات كبيرة، وغنّت في روسيا فرقة الرّوك "كينو"، "إنّنا في انتظار التّغييرات"! وفي تجمّعات عامّة ضخمة ملأت شوارع موسكو، طالب الملايين بالحرّيّة والدّيمقراطيّة. لقد أحدث عصر غورباتشوف موجة من التّغيير، وشهد النّاس أحداثاً مُذهلة بشكل أسبوعيّ: فانتزعوا الصّحف، وعلّقوا على كلّ كلمة تُبث على شاشة التّلفزيون، ومع كلّ يوم يمرّ شعروا بمزيد من الحيويّة والحرّيّة.

نبش سجل ستالين الأسود

لقد أدرك الكثيرون أيضاً أنّه لتغيير النّظام السوفييتي الفاسد، فإنّه على المرء معرفة حقيقة ماضيه الستالينيّ. وهو ما تحقّق في العام الذي تأسّست فيه منظمّة "ميموريال" لحقوق الإنسان، التي جمعت مئات الناشطين من كافة أنحاء الاتحاد السوفييتي، وكان بعضهم قد عاش حياة الغولاغ (معسكرات العمل)، وبعضهم من المنشقّين الذين عادوا مؤخراً من معسكرات العمل أو المنافي، مثل الفيزيائيّ النّوويّ أندريه ساخاروف. كانت المهمّة واضحة: "سوف نستعيد ذكرى ضحايا ستالين ونقدّمها للعلَن".

 احتفال بعيد ميلاد ستالين في موسكو عام 2015

في ربيع 1989، حدث شيء لم أكن لأتخيله أبداً في أشد أحلامي جموحاً، لقد دُعيتُ إلى معهد التّاريخ والمحفوظات في موسكو لإلقاء محاضرة على الطلاب حول مصير السجناء السابقين في الغولاغ. وبعد ذلك، سألني أحدهم إن كنت قد قابلت مؤيداً فعلياً لستالين من قبل، كانت ردّة فعلي الأولى هي الضّحك، لكنّني توقّفت وتساءلت: هل وصلنا أخيراً إلى نقطة زمنيّة حيث يفكّر أولئك الذين في العشرينيات من عمرهم بأنّه لم يَعُد ثمّة وجود للستالينيين؟ بعد مرور ثلاثين عاماً، ها أنا أتذكر تلك اللحظة بشعور مرير.

أدرك الكثيرون أنّه لتغيير النظام السوفييتي الفاسد فعلى المرء معرفة حقيقة ماضيه الستاليني

في أوائل التسعينيات، تدفق الزوار على المنزل الصغير الذي توجد به مكاتب منظمة "ميموريال". لقد أحضروا معهم مستندات، ومذكّرات من السّجون ومعسكرات العمل، وخطابات من الغولاغ، ورسائل قصيرة أُلقيت من سيّارات الشّحن العابرة ووصلت بأعجوبة إلى المُرسَل إليهم المقصودين. وأشياء أخرى من الغولاغ، كان بينها صناديق مصنوعة من خشب الأبلكاش وُجدت في معسكرات العمل، وسُترات سجن مبطّنة مطبوع عليها أرقام السّجناء، وملاعق وأوعية متعرّجة. وأحضر بعض الزّوار كُتباً خُطّت يدويّاً، وتطريزات، ورسومات، وألواناً مائيّة، وكلّها أشياء تمكّنوا من إخفائها أثناء تفتيش زنازينهم. وقد أدّى ذلك إلى إنشاء أرشيف في "ميموريال"، وهو عبارة عن مجموعة من آلاف الشّظايا المرتبطة بالذكريات العائلية.

اقرأ أيضاً: قمة بوتين وأردوغان.. هذه أهم ملفاتها

في ذلك الوقت، كنّا نظنّ أنّ هذه مجرّد بداية لعمليّة طويلة، وأنّ قادتنا السّياسيين الجدد أدركوا أنّ الوصول إلى الماضي يُعدّ مهمّة أساسية. لكن الإصلاحيّين افتقروا إلى الاهتمام بالتّاريخ؛ فقد كانوا في عجلة من أمرهم لبناء اقتصاد السّوق. لم يروا الصّلة بين الإصلاحات الاقتصاديّة النّاجحة والحاجة إلى مجتمع مدنيّ نَشِط. ومن جانبها، لم تذكر حكومة بوريس يلتسين القمع السّياسي السّوفييتي إلا قبل الانتخابات من أجل التصدّي للشيوعيّين.

عودة رسميّة إلى ستالين

بعد فترة وجيزة، في ظل الأزمة الاقتصادية الحادّة، أصبحت "الدّيمقراطيّة" كلمة قذرة بالنسبة إلى العديد من الرّوس. لقد أُحبِطوا، وشعروا بأنّ الإصلاحات لم تتحقّق البتّة. واستسلم المجتمع الرّوسي للتعب واللامبالاة. إنّ الجرائم الستالينيّة، الّتي اعتُقِد أنه من الأفضل مناقشتها على الملأ، كانت مروِّعة إلى درجة أنّ النّاس لم يرغبوا في قضاء الوقت في التّفكير فيها.

وصف فلاديمير بوتين سقوط الاتحاد السوفيتي بأنه أكبر كارثة جيوسياسية في القرن العشرين

بحلول منتصف التسعينيات، بدأ الحنين إلى الحقبة السّوفييتية يتسلّل إلى نفوس الناس، وبدأت استعادة رمادية عصر بريجنيف، بطوابيره التي لا تنتهي ومحلاته الفارغة، باعتباره عصراً يسوده السلام والازدهار. وتدريجيّاً، تحقّق شيء كان مستحيلاً خلال البيريسترويكا: تعاظَم ظِلّ ستالين مجدداً.

تعد ميموريال المنظّمة الوحيدة التي عملت طوال عقود بلا كلل ودون أيّ دعم حكومي للحفاظ على الذاكرة

جاء صعود فلاديمير بوتين إلى السّلطة مصحوباً بنسخة جديدة من الوطنيّة تعتمد على الجوانب "البطوليّة" و"المُشرِقة" من الماضي السوفييتي. وعادت للظهور صورة لستالين باعتباره قائداً قويّاً كفل الانتصار في الحرب العالمية الثانية وقاد قوّة عظمى سوفيتية. وعملت الدّعاية التلفزيونية مرّة أخرى بجديّة على خلق تلك الصّورة. والملايين الذين قضوا نحبهم في موجات من القمع السّياسي دُفِعوا إلى هوامش الوعي الجماعي.

اليوم، أصبحت أحداث من قبيل تحرير أوروبا الشّرقيّة عام 1989، وسقوط جدار برلين، ونهاية الحرب الباردة مفهومة من جانب العديد من الرّوس على أنّها أشكال من الهزيمة، بل كوارث. ولا عجب، بالنظر إلى أنّ بوتين وصف سقوط الاتحاد السّوفييتي بأنّه "أكبر كارثة جيوسياسية" في القرن العشرين. اليوم، يُطالعك وجه ستالين على نحو كلّي الوجود في كل مكان، من الّلوحات الإعلانية إلى جدران قطارات الأنفاق ونوافذ المكتبات. كذلك، تنتشر العشرات من المعالم الأثريّة الخاصّة بستالين في كافّة أنحاء روسيا.

ستالين ضيّع أملنا

ليس الأمر أنّ الرّوس نسوا العلاقة المباشرة بين اسم ستالين والقمع السّياسي الّذي أثّر على كلّ أسرة تقريباً. فهم بالأحرى لا يريدون التفكير في الإرهاب أو في من ارتكبوه أو ما الذي كان وراءه. كما أنّهم ليسوا مستعدين للاعتراف بأنّ هذا كان الرّكن الأساسي للنّظام بأكمله.

عادت للظهور صورة لستالين باعتباره قائداً قويّاً كفل الانتصار في الحرب العالمية الثانية

لقد أصبحت العمليّة الحالية لتمجيد انتصاراتنا وتبييض سمعة ستالين ممكنة لأنّ روسيا اليوم، في الواقع، ليس لديها أي مفهوم على الإطلاق عن المستقبل. أي بلد نريد العيش فيه؟ بلد "نهض من الجلوس على ركبتيه" ويتبع مساره الخاص والفريد؟ ولكن ما هذا المسار؟ لقد فشل أيديولوجيّو الكرملين في تحديد أيّ شيء بوضوح.

ينضم كثير من المتطوعين والشّباب في مبادرات ميموريال بالرّغم من كافّة العقبات الّتي تضعها السّلطات في طريقهم

إنّه من الصعب اليوم أن نتذكّر عام 1989 دون شعور عميق بالفرصة الضائعة والأمل المدمّر. في أعوام بوتين الأولى، بادلت الأغلبية الصّامتة إمكانية الحريّة بوعود "الاستقرار"، وفيما بعد بالفخر الوطنيّ بـ"روسيا العظيمة"، باعتبارها قوّة ترسم الحدود حولها وتشعر بأنّها حصن مطوَّق.

يبدو أنّ حرّيّتنا تتقلّص كل يوم بالسرعة نفسها التي توسّعت بها قبل 30 عاماً. و"ميموريال" هي المنظّمة الوحيدة التي عملت طوال عقود، بلا كلل ودون أيّ دعم حكومي، على الحفاظ على الذاكرة. وفي عام 2016، وصفتها السّلطات بأنّها "عميل أجنبي"، تماماً مثل عشرات المنظمات غير الحكومية الأخرى. ويوري ديمترييف، أحد مؤرّخينا من منطقة كاريليا، محتجز منذ ما يقرب من ثلاثة أعوام بتهم ملفقة، وقد تعرّض النّاشط الحقوقي، أويب تيتيف، للاضطهاد بسبب عمله في الشيشان.

اقرأ أيضاً: راسبوتين.. الراهب الغامض الذي سرّع بنجاح الثورة الشيوعية
ومع ذلك، هناك قوى في المجتمع الرّوسي تُقاوم ذلك. فالناس يريدون معرفة مصير أسلافهم. ومن جانبها، تتلقّى "ميموريال"، شأن وضعها قبل أعوام عديدة مضت، الدعم مرّة أخرى من العديد من الجهات. وينضم المزيد من المتطوعين ويشارك المزيد من الشّباب في مبادراتنا، وبالرّغم من كافّة العقبات الّتي تضعها السّلطات في وجهنا، حيث يتم إطلاق مشاريع جديدة لاستكشاف الذّاكرة التاريخية.

إنّ التّاريخ لن تُعاد كتابته بالكامل. وقد يكون بوتين محطّ اهتمام كبير في كافة أنحاء العالم، ولكن في روسيا، من الواضح للكثيرين منّا أنّ عودة بلدنا إلى الدّيمقراطية ستكون مستحيلة طالما فشلنا في إدانة ستالين والنّظام الّذي أنشأه.


المصدر: إرينا شيرباكوفا، الغارديان

للمشاركة:



قانون أسترالي جديد يتعلق بتنظيم داعش..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-23

تتّجه الحكومة الأسترالية إلى اتّخاذ المزيد من الإجراءات القانونية، بما يتعلّق بمواطنيها الذين قاتلوا إلى جانب تنظيم داعش الإرهابي.

واقتربت الحكومة الأسترالية من إقرار قوانين جديدة تمنع عودة عناصر التنظيم المتطرف، ممّن يحملون جنسيتها إلى أراضيها، وفق ما أوردت وكالة "فرانس برس".

الحكومة الأسترالية تقترب من إقرار قوانين جديدة تمنع عودة عناصر تنظيم داعش الإرهابي

ويمنح التشريع الجديد المثير للجدل، والذي ناقشه البرلمان الأسترالي، اليوم، وزير الداخلية، بيتر داتون، صلاحية تفعيل "أوامر إقصاء" لمنع الإرهابيين المشتبه بهم من العودة إلى الديار.

ويستند القانون الجديد إلى تشريع مشابه مطبق في المملكة المتحدة، يقوم بموجبه قاضٍ باتخاذ قرار حول مسألة تطبيق أمر بالإقصاء.

وقال داتون أمام البرلمان، مطلع تموز (يوليو) الجاري: إنّ "القانون يستهدف 230 أسترالياً توجّهوا إلى سوريا والعراق للقتال في صفوف تنظيم داعش، وما يزال 80 منهم في مناطق تشهد نزاعاً مستمراً".

وبرزت مخاوف من أن يكون المقترح الأسترالي غير دستوري، ويمنح الوزير كثيراً من النفوذ، وطالب حزب العمال المعارض بإحالته إلى لجنة الاستخبارات والأمن البرلمانية لمزيد من الدراسة.

ويعدّ مشروع القانون أحد الإجراءات العديدة المثيرة للجدل التي يناقشها البرلمان في الأسبوع التشريعي الأول له منذ إعادة انتخاب الحكومة المحافظة، في أيار (مايو) الماضي.

وتتضمّن المقترحات الأخرى؛ إلغاء قانون "ميديفاك"، الذي يسمح بنقل طالبي اللجوء والمهاجرين الموقوفين في مخيمات في المحيط الهادئ إلى أستراليا للعلاج.

وأبدت المعارضة، حتى الآن، رفضها إلغاء القانون، وقال زعيم حزب العمال أنتوني البانيز: إنّه لا يعتقد أنّ الحكومة قدمت حججاً مقنعة.

وأضاف: "هناك قرابة الـ 90 شخصاً نُقلوا إلى أستراليا بموجب قانون ميديفاك، و900 نقلتهم الحكومة بنفسها قبل وجود القانون".

ودانت الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان سياسة كانبيرا المتشددة، إزاء قرابة 900 لاجئ ما يزالون على جزر ناورو وماناوس، التابعة لباباوا غينيا الجديدة.

غير أنّ أستراليا دافعت عن سياساتها الإنسانية في طبيعتها، قائلة: إنّ مئات الأشخاص قضوا غرقاً في البحر أثناء محاولتهم الوصول لأراضيها، وبأنها تسعى إلى ردع الناس عن القيام بمثل تلك الرحلات.

 

 

للمشاركة:

الانشقاقات تعصف بحزب العدالة والتنمية.. أسماء

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-23

كشفت مصادر صحفية الستار عن مجموعة من قيادات حزب العدالة والتنمية الإسلامي، المحتمَل انشقاقهم عن الحزب الحاكم في المرحلة المقبلة، لينتقلوا إلى حزب علي باباجان الجديد.

وأوضح علي بايرام أوغلو، الكاتب الصحفي بجريدة "قرار"، المقربة من رئيس الوزراء السابق، أحمد داود أوغلو؛ أنّ الأسماء المؤكد انشقاقها عن الحزب للانضمام إلى حزب وزير الاقتصاد السابق علي باباجان، ورئيس الجمهورية السابق عبد الله جول، من داخل حزب العدالة والتنمية هي: بشير أتالاي، وسعد الله أرجين، ونهاد أرجين، وهاشم كيليتش، وفق ما نقت صحيفة "زمان" التركية.

كاتب صحفي يكشف الستار عن مجموعة من قيادات حزب العدالة والتنمية المتوقَّع انشقاقهم عن الحزب

ويعدّ بشير أتالاي الاسم الألمع داخل حزب العدالة والتنمية، خاصة أنّه من الدائرة المقربة للغاية من رئيس الجمهورية ورئيس حزب العدالة والتنمية، رجب طيب أردوغان، وعمل نائباً له (2011-2014)، كما عمل قبلها وزيراً للداخلية (2007-2011).

أما سعد الله أرجون؛ فقد شغل منصب وزير العدل، في الفترة بين عامَي 2011 و2013، كما أنّ نهاد أرجين أيضاً كان وزيراً في حكومة أردوغان، في الفترة بين عامَي 2011 و2013، أما هاشم كيليتش؛ فقد كان رئيساً للمحكمة الدستورية في الفترة بين عامَي 2007-2015، والشخص الذي منع حلّ حزب العدالة والتنمية من قبل المحكمة الدستورية عام 2008.

يذكر أنّ وزير الاقتصاد السابق، علي باباجان، تقدّم باستقالته من حزب العدالة والتنمية بشكل رسمي، ونشر بياناً عبر مواقع التواصل الاجتماعي انتقد فيه سياسات حزب العدالة والتنمية وأردوغان في الفترة الأخيرة، بصيغة شديدة اللهجة، كما كشف نيّته تأسيس حزب سياسي جديد ينافس حزب العدالة والتنمية، مع مجموعة من أصدقائه، دون أن يكشف هويته، إلا أنّ كواليس حزب العدالة والتنمية تؤكّد أنّه يسير مع رئيس الجمهورية السابق، عبد الله غول، لتأسيس الحزب الجديد، ليكون غول رئيساً شرفياً للحزب.

على الجانب الآخر؛ شهدت الفترة الأخيرة تحركات مكوكية من رئيس الوزراء السابق، أحمد داود أوغلو، وسط ادعاءات بأنّه كذلك سيؤسس حزباً منشقّاً عن حزب العدالة والتنمية، والتي لم ينفها خلال اللقاء المباشر الذي شارك فيه قبل أيام، وإنما قال: "كنت أتمنى أن يكون تحرّكي أنا وباباجان معاً، لكنّ السيد علي قرر الابتعاد"، كما وجه انتقادات حادة لحزب العدالة والتنمية وأردوغان، محمّلاً إياه المسؤولية الكاملة عن السياسات والإجراءات التي تمت خلال رئاسته للوزراء، وأنه لم يكن بيده أيّة صلاحيات.

الأسماء المؤكّد انشقاقها عن الحزب، هي: بشير أتالاي، وسعد الله أرجين، ونهاد أرجين، وهاشم كيليتش

وكان داود أوغلو قد أثار ضجة كبيرة، عندما قال إنّه عرض على أردوغان ترسيخ وتدعيم النظام البرلماني بدلاً من البحث عن أنظمة أخرى، ثم كشف السبب الحقيقي الذي دفع أردوغان وحلفاءه إلى إقالته من رئاسة الوزراء، في أيار (مايو) 2016، قائلاً: "كان يجب إبعادي من رئاسة الوزراء من أجل تنفيذ سيناريوهات من قبيل انقلاب 15 تموز (يوليو) 2016، والدفع بالبلاد إلى انتخابات متتالية، وتحقيق نقل تركيا من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي المغلوط".

 

 

 

 

للمشاركة:

الإمارات تخفّف آلام اليمنيين..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-23

أطلقت هيئة الهلال الأحمر الإماراتي، عيادات طبية متخصصة في العاصمة اليمنية المؤقتة، عدن، بغية علاج المصابين بأمراض مستعصية، والجرحى الذين سقطوا بنيران ميليشيا الحوثي الإرهابية المدعومة من إيران.

وافتتح الهلال الأحمر، ضمن المساعدات الإنسانية الإماراتية للقطاع الصحي اليمني، عيادتَين متخصّصتَين في المستشفى الجمهوري التعليمي، فرع عدن، لاستقبال وعلاج جرحى حرب الحوثي من المدنيين والعسكريين.

الهلال الأحمر الإماراتي يطلق عيادات طبية متخصصة في عدن بغية علاج الجرحى والمرضى

وتعالج العيادات الطبية في عدن الجرحى المصابين بالمخّ والأعصاب والعظام والمسالك البولية، فضلاً عن تقديم جراحة عامة، والتعامل مع الحالات الطارئة، بحسب الدائرة الصحية بألوية الدعم والإسناد في الجيش اليمني.

وكانت دولة الإمارات قد قدّمت، الشهر الماضي، بواسطة ذراعها الإنساني الهلال الأحمر حزمة مساعدات للشعب اليمني، تمثلت في مشروعات طبية وإغاثية وخدمية.

وأصدرت وزارة الخارجية والتعاون الدولي الاماراتية تقريراً بالأرقام عن إجمالي المساعدات التي قدمتها دولة الإمارات للشعب اليمني، منذ نيسان (أبريل) 2015 حتى حزيران (يونيو) 2019، حيث بلغ إجمالي المساعدات 20.57 مليار درهم إماراتي (5.59 مليارات دولار أمريكي)، ثلثا المساعدات خصصت للمشاريع التنموية، واستفاد من إجمالي الدعم الإماراتي 17,2 مليون يمني يتوزعون على 12 محافظة.

 

للمشاركة:



"الإخوان" المصريون وثورة 23 تموز

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-23

إبراهيم الصياد

على رغم مرور 67 عاماً على ثورة 23 تموز (يوليو) في مصر، إلا أن الجدل في شأنها لم ينقطع بين نُخب المثقفين أو حتى بين المواطنين العرب العاديين الذين ما زالت صورة جمال عبدالناصر تتصدر باحات منازلهم. يتمحور الجدل حول علاقة عبدالناصر بجماعة "الإخوان المسلمين"، ومن الثابت تاريخياً ومن خلال شهادات محايدة مصرية وغير مصرية أن الرجل كان متديناً لكن ليس معنى هذا أنه كان متصالحاً مع هذه الجماعة، لسببين. الأول أن "الإخوان" ليسوا أوصياء على الدين أو التدين على رغم أن مظهرهم يوحي بعكس جوهرهم، إذ أثبت تاريخهم أنهم يعدون نموذجاً لمن يستغل الدين ويجعله سُلَّماً لكي يحقق مآرب سياسية ومنها طبعاً الوصول إلى السلطة. وهذا ما عرفناه بعد قيام الثورة في مصر عام 1952 حين ساوَمَ "الإخوان" قادة حركة الجيش للحصول على مكاسب سياسية مقابل تأييدهم للحركة. بعبارة أخرى إنهم لا يتحركون من منطلقات وطنية ولكن طوال تاريخهم منذ مؤسس جماعتهم حسن البنا تحكمهم أهداف نفعية.

السبب الآخر أن علاقة عبدالناصر بالـ "إخوان" مرَّت بمراحل تقارب في محاولة لفهم توجهاتهم وشهدت محاولة تباعد عندما اكتشف حقيقتهم وسوء مقصدهم. بدأت العلاقة مقبل قيام الثورة عندما حاول تنظيم "الضباط الأحرار" أن يستفيد من بعض عناصر "الإخوان" في ذلك الوقت لصالح الاتجاه نحو التغيير المرتقب. وبالتالي لم يكن عبدالناصر في يوم من الأيام كادراً تنظيمياً في الجماعة كما يحاول خصومه داخلها الترويج لتشويه الرجل. ويمكن القول إن نزوعه البراغماتي هو الذي جعله يقرأ عن هذه الجماعة ويدرس توجهاتها. اصطدم ناصر بأفكار الجماعة التي وصفها في أحد خطاباته بأنها "مستغلة" وأرادت أن تجعل من نفسها "وصية" على ثورة 1952. ويقول خالد محيي الدين عضو مجلس قيادة الثورة في كتابه "والآن أتكلم" أن عبدالناصر كان يساير تنظيم "الإخوان" فقط ولا يسير وفق هوى سمعه وطاعته المطلقة.

وتشير الوقائع بوضوح إلى أن عبدالناصر كان مع "الإخوان" ترتيباً وليس تنظيماً، بمعنى أنه تنقَّل منذ حداثته بين تنظيمات متعددة الاتجاهات، ولم يكن منتمياً فكرياً إلى أحدها. لم يكن له أي علاقة فكرية بجماعة "الإخوان" حتى قامت حرب 1948 وبعدها قرر عبدالناصر إنشاء تنظيم "الضباط الأحرار". وتؤكد الدراسات التاريخية لهذه الفترة أن عبدالناصر قطع صلته بـ "الإخوان" وما يسمى "النظام الخاص" التابع لها سراً، وعارضَ توجهاتهم السياسية، ووصفهم بالاستغلال. والثابت أن الجماعة كانت على اتصال ما بعدد غير قليل من أعضاء "الضباط الأحرار"، لكنها لم تكن سنداً لثورتهم، فالقصة برمتها تلخَّصت فى رغبة التنظيم فى الاستحواذ على أكبر قدر ممكن من المكاسب الخاصة، عبر مساندة مستترة لهم؛ إذا نجحوا تمت الاستفادة منهم وإذا فشلوا لا يخسرون شيئاً.

وبعد نجاح حركة الجيش وتحولها إلى ثورة شعبية ذات أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية، اكتشف مجلس قيادة الثورة أن الجماعة تريد أن تركب الحكم من خلالهم، فكان الصدام العنيف بين الطرفين بعد أن رفض مرشد "الإخوان" آنذاك حسن الهضيبي إصدار بيان تأييد صريح للثورة، على رغم أن ذلك كان مطلب "الضباط الأحرار". هكذا، بدأت تزداد تدخلات "الإخوان" في شؤون الحكم، في محاولة للسيطرة على دفة السلطة في البلاد. وتركَّز أهم الخلافات بين التنظيم والثورة، في إجراء محادثات مباشرة مع الإنكليز بشأن الجلاء، وتجنيد "الإخوان" لأفراد في الجيش والبوليس، ورفض طلب عبد الناصر حل التنظيم السري، ورفضه مطالبات الهضيبي بإصدار قانون لفرض الحجاب والتصديق على قرار مجلس قيادة الثورة قبل إصدارها، إضافة إلى تراجع الجماعة عن تعيين وزراء من جانبها في الحكومة، فضلاً عن دورها في أزمة آذار (مارس) 1954 التي دارت رحاها بين أعضاء مجلس قيادة الثورة.

لعب تنظيم "الإخوان" على الحِبال كافة، فنجده يتفاوض مع جمال عبد الناصر، ويساند اللواء محمد نجيب ثم يشعل التظاهرات فى الشارع، ثم يتصدَّر مشهد الداعين إلى التهدئة. وهو في هذا كله، كان لا يبحث سوى عن مكاسب خاصة ولم تكن تعنيه مصر أو الثورة من قريب أو بعيد.

وأصبح الصراع علنياً بين عبد الناصر و"الإخوان" في 14 كانون الثاني (يناير) 1954 عندما صدر قرار بحل الجماعة، إذ تبعت ذلك حملة اعتقالات واسعة في صفوف التنظيم، طالَت المرشد ذاته، حسن الهضيبي، حتى جاء حادث المنشية في 26 تشرين الأول (أكتوبر) من العام ذاته، حين أطلق أحد التابعين لجماعة "الإخوان" النار على جمال عبد الناصر غير أن رصاصاته طاشَت ولم تصبه وتمت محاكمة الجاني وأُعدِم مع عدد من أعضاء الجماعة. وأنهى هذا الحادث المستقبل السياسي لجماعة "الإخوان المسلمون" بعد ثورة العام 1952 ولم تقم لهم بعدها قائمة حتى تحالَفَ معهم الرئيس المصري الراحل أنور السادات، وتلك قصة أخرى.

عن "الحياة" اللندنية

للمشاركة:

لماذا نفكر بدلاً من إيران؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-23

فاروق يوسف

العالم كل العالم وبضمنه العالم العربي حريص على أن لا تنشب حرب جديدة في المنطقة، بسبب سياسات إيران وطريقة تعاملها مع أزمتها.

لا يتعلق ذلك الحرص بالخوف من إيران بل عليها. فليس هناك مزاح في حسابات الربح والخسارة في مسألة من ذلك النوع.

إيران بعكس مناصريها لا تمني نفسها بالانتصار في تلك الحرب. كيف تنتصر والعالم كله ضدها؟ ذلك سؤال يقع في هامش غير مرئي.

لا يريد المجتمع الدولي تكرار جريمة حرب العراق عام 2003 التي أدت إلى غزوه واحتلاله وتدميره وإعاقة قيام دولة مدنية فيه حتى الآن.

كما أن الطرف الخاسر في الحرب يراهن على استعمال قدراته الحربية التدميرية قبل أن يتحقق من هزيمته. فهو لن يستسلم بيسر.

الحرب التي ستقع في منطقة استراتيجية بالنسبة للطاقة سيكون لها أثر سلبي على الاقتصاد العالمي وهو ما يمكن أن يلحق الضرر باقتصاديات بلدان صغيرة، لا علاقة مباشرة لها بالحرب.

في كل الأحوال فإن الحرب ستكون ضارة للجميع. غير أن ضررها الأكبر سيقع على إيران، على شعبها بالأخص.  

إيران هي الطرف الذي ستدمره الحرب. ميزان القوى يؤكد ذلك. وإذا ما كان مناصرو إيران يعتقدون أن هناك قوى خفية ستعين إيران في حربها وستبعد عنها الدمار فإن النظام الإيراني يعرف جيدا أن لا وجود لتلك القوى.

لذلك فإن على إيران تقع مسؤولية التفكير في البحث عن حلول للخروج من الأزمة التي هي فيها من غير الوصول إلى حافة الحرب.

اللعب الإيراني على الوقت لا معنى له أبداً.

فما من أمل في أن تتراجع الولايات المتحدة عن العقوبات الاقتصادية التي فرضتها عليها. كما أن أحدا في العالم لا يملك القدرة على مد طوق النجاة لها في ظل الإصرار الأميركي على أن المفاوضات المباشرة هي البديل عن الحرب. وهو حل مثالي بالنسبة للجميع.

وإذا ما كانت إيران لا ترى في المفاوضات حلا عادلا لأزمتها فإنها كمَن يهدد العالم بالحرب التي لا يرغب في وقوعها أحد.

ما يحدث على الجانب الإيراني يمكن اعتباره نوعا من المراوغة السياسية التي لا علاقة لها بما يفكر فيه خصوم النظام الإيراني الذين يشعرون أن تلك المراوغة لا تمت بصلة إلى أصل الصراع.

في حقيقة ما يفعله فإن النظام الإيراني لا يرغب في أن يتراجع عن سياساته التي أدت إلى نشوب الأزمة مع المجتمع الدولي. ما يفكر فيه ينحصر بين تفجيره لمشكلات جانبية ورغبته في أن يرى الآخرين وهم يبحثون عن حل لتلك المشكلات.

اما أزمته الجوهرية فإنه لا يفكر في مواجهة أسئلتها.

هل ومتى ستقع تلك الحرب؟ كيف يمكن تفادي وقوعها؟ ما المطلوب لكي لا تقع؟ ما حجم الأرباح والخسائر فيما إذا وقعت تلك الحرب؟ ما الذي نخسره من أجل أن لا تقع قياسا لما نربحه؟

تلك أسئلة ينبغي أن يجيب عليها الإيرانيون وهم الملومون إذا تأخروا في البحث عن إجابات لها. فالوقت ينفد. كما أن سلوك النظام الإيراني الطائش في الخليج قد لا يؤدي إلى تأخير اندلاع شرارة الحرب بل بالعكس قد يؤدي ذلك السلوك إلى إفساد الرغبة العالمية في تحاشي وقوع الحرب.  

ليس من الصائب أن يفكر الآخرون في حل سلمي لأزمة إيران فيما يصر النظام الإيراني على اللعب بالنار.

الصحيح أن يُترك الإيرانيون عزلتهم ليتصرفوا وفق ما تمليه عليهم تقديراتهم. فإن شاءوا الخروج بسلام من الأزمة فما عليهم سوى الدخول من باب المفاوضات المفتوحة أمامهم. أما إذا أصروا على الاستمرار في العابهم الشيطانية من خلال التهديد بضرب الأمن في الخليج فإن ذلك يعني أنهم يضعون العالم أمام احتمال الحرب الكريه الذي لابد منه.

الخوف على إيران له حدود. وهي حدود تنتهي حين يكون الأمن العالمي في خطر.

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:

هل يتهاوى "حزب الله"؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-23

أمل عبد العزيز الهزاني

من الطبيعي أن كل حصار على إيران، وكل تضييق عليها، وتهديد أموالها وتجارتها، يؤثر بشكل مباشر على جماعاتها المسلحة بأسمائها المختلفة ومواقعها الجغرافية؛ «حزب الله»، جماعة الحوثي، فصائلها في العراق... إلخ.
التل اختل، ولم تعد الموارد المالية تقدم ما يكفي من معاشات لعناصرها الميليشياوية لتفتح بيوتها وتطعم أطفالها. لكن «حزب الله» اللبناني تحديدا، أقوى الأذرع الإيرانية وأكثرها خبرة وتسليحاً وانتشاراً، لم يكن يعتمد على ما تقدمه إيران من أموال، واستخدم مرجعيته إليها في رسم استراتيجية عملياتية تعمل في الخارج في دول ذات علاقة جيدة بالنظام الحاكم في إيران مثل فنزويلا، أو دول رخوة أمنياً تنتشر فيها التجارة المحرمة من عصابات لها شبكات نقل وتوزيع مثل كولومبيا والبيرو والأرجنتين.
الأنظمة الحاكمة المتقاربة تمهد لبعضها كما كان نظام هوغو تشافيز الذي منح «حزب الله» جزيرة لإقامته، وإدارة عملياته المالية في أميركا اللاتينية؛ وغسل عوائدها لتبدو نظيفة على هيئة عملات محلية. إضافة إلى الرئيس مادورو الذي تربطه علاقة قوية بإيران ومنح الحزب مناجم للتنقيب عن الذهب. باختصار، «حزب الله» يدير شركته الكبرى ومصادر تمويله من القارة الأميركية الجنوبية وليس من أي مكان آخر.
إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعمل في الجهة الأخرى المقابلة لنا من العالم، بإداراتها المتخصصة في أميركا اللاتينية، من أجل تحجيم النفوذ الإيراني من خلال ملاحقة عناصر «حزب الله». تعتقد واشنطن، وهذا صحيح، أن حصار إيران يجب أن يكون متكاملاً، لأن الأطراف التي تعمل لصالح النظام الحاكم في طهران كانت ولا تزال أهم أدوات قوته وتأثيره، بل إنها أساس التهديد الموجه للدول العربية والعالم. الإدارة الأميركية بدأت في ملاحقة عناصر ما يسمى «وحدة النخبة» في «حزب الله»، وهي الجهة المسؤولة عن عمليات الحزب خارج لبنان، وكشفت عن أسماء قيادات عليا كانت تنشط منذ عقود من المكسيك في أميركا الوسطى وحتى الأرجنتين جنوباً، مثل سلمان رؤوف سلمان الذي عرضت الولايات المتحدة مكافأة بلغت 7 ملايين دولار لمن يقدم معلومات عنه، كونه مشتبهاً به في تنفيذ عمليات إرهابية دموية في الأرجنتين وله وجود ونشاط في أميركا الجنوبية وجنوب شرقي آسيا. بحسب التقارير فإن عوائد «حزب الله» من تجارة المخدرات وغسل عوائدها يصل إلى مليارات الدولارات.
حكاية «حزب الله» في تلك المنطقة البعيدة حكاية طويلة بدأت منذ سنوات، وتعززت إبان فترة حكم محمود أحمدي نجاد. بدأت بهجرة وتوطين عناصر لبنانية من الحزب، وتمكينهم من خلال شراء ذمم بعض السياسيين والعسكريين وتوطيد علاقاتهم مع العصابات الثورية في كولومبيا والمكسيك.
العقوبات الاقتصادية التي تفرضها إدارة ترمب لا يقع تأثيرها على إيران الدولة فقط، بل على مراكز القوى التي تتبعها. وبعد فرض العقوبات، تقلصت قدرة شركة «حزب الله» لغسل الأموال في الخارج عن العمل، فهو المصدر الرئيسي لتمويل عمليات الحزب وليس مبلغ الستين مليون دولار الذي يقدمه علي خامنئي للحزب كل عام.
العقوبات أوجعت طهران لأنها أضعفت النشاط التجاري لـ«حزب الله»، وقلصت من حركة إدرار الأموال عبر شبكته الدولية العابرة للمحيطات. لذلك كنا نقول ولا نزال، إن الضغط بالعقوبات هو الطريق إلى خلخلة بنيان إرهابي تشكل منذ عقود، وهو السبيل الأنجع والأقل تكلفة والأشمل والأقوى تأثيراً. جاء قرار الإدارة الأميركية بمتابعة وملاحقة نشاط «حزب الله» في الخارج متزامناً مع قرار الانسحاب من الاتفاق النووي. وكلما انكشفت أسرار «حزب الله» في القارات المتباعدة أدركنا أكثر خطر اتفاق باراك أوباما النووي على السلم الدولي، لأنه نظر بتواضع إلى زاوية واحدة في مشهد كبير، وتجاهل أن هذا الاتفاق من الهشاشة ليس فقط أنه أفرج عن مليارات الدولارات لصالح حكومة مارقة، بل إنه تغاضى عن نشاطها في التجارة المحرمة ومهد لها الاستقرار والتمكين في مناطق ليس من السهولة سبر أغوارها.
القوى الكبرى تحشد عسكرياً في منطقة الخليج لتأمين الممرات الدولية وحركة الملاحة، ورصد التحركات اليائسة من إيران لاستفزاز دول المنطقة وحلفائها، لشن حرب تمنح إيران هدفها وهو خلق فوضى وفتح أبواب لتدخلات قوى أخرى لدول وجماعات، ووقف عجلة التنمية في دول الخليج، وتنشيط تجارة وتهريب السلاح، وكلها أمور يبرع فيها الإيرانيون ولهم فيها سوابق.
ما يحصل اليوم هو عمل تكاملي لخنق الرأس وبتر الأطراف، يستوجب التعاون الدولي خاصة الاستخباراتي، ومزيداً من العقوبات الدولية على حركة الأموال من الدول اللاتينية المتماهية مع نظام طهران. إن ضعف «حزب الله»، هو ضعف قلب النظام الإيراني.
عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية