"الفنّ لا يغني من جوع" ... هكذا شوّهوا أطفالنا

الوعي الجمالي من أهمّ المؤشرات الحيوية على صحة ونشاط الإنسان، هذا الوعي سابقاً مكّنه من تدشين حقبة جديدة من الوجود، استطاع من خلالها أن يدرك طبيعة العلاقة التي تربطه بالأشياء، وخصائص الأشياء المميزة له، وهذا ما أتاح له على الدوام أن يتجاوز المألوف، الذي يُخضع العقل ويجرّده من مملكة المغامرة.

مغامرة العقل داخل الجمال، وضعت الإنسان، مرةً تلو أخرى، أمام فضاءات أوسع، وجعلته يتجذّر أكثر فأكثر في الحياة، والسؤال: كيف يتشكل هذا الوعي؟ في تأملنا لجملة بيكاسو: "كل طفل فنان، المشكلة هي كيف تظلّ فناناً عندما تكبر"، سنجد أنفسنا وجهاً لوجه أمام الإجابة.

اقرأ أيضاً: التنوير- مفاهيم إشكالية في الوعي الإسلامي المعاصر

حواس الطفل التي تقرأ الحياة بدهشة واتساع، لا يمكن لها أن تنمو في عالم ينغلق على أحكام قبلية ونهايات مطلقة؛ ففي المجتمعات التي تفتقد الوعي الجمالي، تصبح الضرورات مصادرة للحرية وللرؤى الإبداعية الخلّاقة، وبما أنّ الوظيفة الرئيسة للتربية، هي نقل الثقافة من الكبار إلى الصغار، فإنّ غياب الوعي الجمالي لدى الكبار، سيقلّص حتماً نمو الحسّ الجمالي عند الطفل ويبدّده، وبالنظر إلى مجتمعاتنا التي يهمَّش فيها الإنسان، تبذل قوى الواقع جهدها لتغييب وعي الفرد الجمالي؛ إذ ترفض أيّ نزوع فنيّ حرّ، وتعدّه تهديداً مباشراً لوجودها، إلا ما كان ينسجم ويتماهى مع ثقافتها التي تتغذى على أيديولوجيا النكوص.

مقارنة الطبيب بالرسام تصبح المعيار الذي تتشكل وفقه نظرتنا الجمالية، التي تجعل الفنون تحتل أسفل السلم القيمي

لا يمكن للفنّ أن ينفصل عن الحرية؛ إنه ناتج ومنتِج لها، لهذا من الطبيعي أن تنظر أيّة سلطة إلى الفنّ على أنّه الأداة الأبرز لتقويضها؛ فالسلطة بتعدّد أوجهها تتفق في هذا الخطر، وتسعى دائماً نحو تدجينه وتقزيمه إلى مقبولية تتحدّد بمقتضى مصلحتها، من خلال أيديولوجيات، ترعى صيغة محددة للفنّ، هذه الصيغة التي تخدم غرضاً وحيداً، هو بقاؤها، لذلك هي لا تعنى ولا تكترث بتنمية القيم الجمالية؛ لأنّ السائد والمألوف هما الدّرع الذي تحافظ فيه على استمرارها، واستمرار خمول حواس أفرادها، ولمن سيبدأ بإحصاء دور الفنّ وانتشارها في بلده، ويعدّها علامة تميز؛ سيجيبه نيكوس كازانتزاكيس على ذلك بقوله: "أنا حرّ يا زوربا، كلا لستَ حرّاً، كلّ ما في الأمر أنّ الحبل المربوط في عنقك أطول قليلاً من حبال الآخرين".

اقرأ أيضاً: لسان حال التربية الدينية في مجتمعاتنا: الطفل كالعجينة ..ما الخبز الذي ننتظره؟

تعمد الأنظمة السياسية المستبدة إلى تغييب الفنّ وتهميشه، معتمدةً على خلق ظروف اقتصادية ومعيشية، تحول بين الإنسان والفنّ، ما يجعل من الفنون ترفاً فائضاً عن الحاجة، هذا الحطّ المتعمد للقيم الجمالية، يجعل من ازدراء الفنون حالةً عامة؛ إذ إنّ الفنّ "لا يغني من جوع"، هذا بدوره يرفع قيماً مضادة ذات طبيعة مادية، ترتكز على النفع الملموس الذي لا يمكن أن تخلقه الفنون في مجتمعاتنا؛ لهذا فإن مقارنة الطبيب بالرسام تصبح المعيار الذي تتشكل وفقه نظرتنا الجمالية، التي تجعل الفنون تحتل أسفل السلم القيمي.

في المقابل؛ تنحّي النظرة المادية للمجتمع هواجس الأطفال الفنية، لصالح تحصيل علمي ينتج مستقبلاً مضموناً، وترى أنّ الفنون التي يمارسها أطفالنا إضاعة للوقت والجهد، حتى من نطلق عليهم تسمية "أغنياء" في مجتمعاتنا، معظمهم في الحقيقة "فقراء يمتلكون المال"، وإذا حدث ووجدت بيانو أو لوحة فنية في صالوناتهم، فذلك ليس أكثر من ديكور.

حواس الطفل التي تقرأ الحياة بدهشة واتساع لا يمكن لها أن تنمو في عالم ينغلق على أحكام قبلية ونهايات مطلقة

يضاف إلى دائرة الاستبداد؛ السلطة الدينية، التي تعيد -بقصدٍ أو بغير قصد- إنتاج التصورات الأفلاطونية، هذه السلطة التي ترى في أيّ فنّ يتناقض مع عقيدتها تشويهاً وتحريفاً للفكر؛ فخطر الفنّ –في رأيها- يتعين في قدرته على إزاحة البنى المؤسِّسة للعقيدة، ولأنّ الجمال نزوعٌ إنسانيٌّ أصيل؛ كان لا بدّ لها من أن تتحايل على مفهوم الجمال لتربطه بحدودها، وتوظّفه بما يخدم العقيدة، وهو بهذا ينغلق على نفسه، ويقف على الطرف النقيض من الوعي الجمالي؛ حيث يتم تغييب هذا الوعي، لامتلاكه العنصر الذي يهدد المنظومة الأخلاقية كاملة؛ وهو الحرية.

الأنظمة الدينية والسياسية أمسكت بخيوط مجتمعاتها جيداً، لتحوّل أفرادها إلى دمى، والحياة إلى مسرح، ويمسي الفنّ خلفية باهتة، أو بوقاً فارغاً يمجّد ويعظم، أو أحد الكماليات التي يُغَضّ البصر عنها، وبالطبع سيكون أولى ضحاياها أطفالها، فهي المؤلف والمخرج لمشهد ذبول ويباس حواسهم، وهم يجرّون خطاهم ما بين البيت والمدرسة، ولمن يسأل: ماذا عن مناهج الرسم والموسيقى التي تم تطويرها؟ إنّها أيضاً ليست أكثر من "ديكور" بين يدي مدرسيها، الذين يفتقرون للوعي الجمالي؛ فمدرّس الموسيقى لا يعرف أن يعزف أكثر من ثلاثة معزوفات، من ضمنها النشيد الوطني، بوجود آلة موسيقية يتيمة، وعلى الأغلب آلة "الأكورديون"، أما مدرّس الرسم، ذو التحصيل الفني الفقير، فهو يجهل حتى أسماء أشهر الرسامين أو اللوحات العالمية.

الأنظمة الدينية والسياسية أمسكت بخيوط مجتمعاتها لتحوّل أفرادها إلى دمى والحياة إلى مسرح، ويمسي الفنّ خلفية باهتة

سؤال تردّد كثيراً: "لو قُبل هتلر في أكاديمية الفنون الجميلة، هل كان العالم سيتجنب المصير المظلم لحرب حصدت أرواح الملايين من البشر؟"، وبدوري لدي سؤالٌ آخر: هتلر الطفل الذي تقصّد أن يرسب في سنته الأولى في المدرسة الثانوية، ليتمرّد على والده الذي كان يريده أن يصبح مثله (موظف جمارك)، ضارباً برغبة طفله في أن يكون رساماً عرض الحائط، لماذا لم يُقبل في كلية الفنون الجميلة؟ من يقرأ طفولة هتلر والعنف الأسري الذي تعرّض له سيعرف الإجابة.

اقرأ أيضاً: هل التفسيرات الدينية مصدر عنف ضد الطفل؟

من دون تربيةٍ جمالية؛ لن نرى أبعد من واقع قاحل، تستنفذ فيه إمكانيات الإبداع؛ لأنّ التربية الجمالية درس في الحرية أيضاً، فلا شيء بإمكانه أن يحرّر الإنسان أكثر من الجمال، هذا ليس كلاماً إنشائياً؛ فالجمال الفني يُنتج في شروط إنسانية؛ إذ إنّه لا يتحرك في مملكة الضرورة، إنه المجال الحرّ الذي يعيد إنتاج الدهشة، وبفقدها يفقد الوجود معناه، بحسب الفيلسوف الألماني هيدغر، الوجود الذي يفقد معناه يفقد إنسانيته؛ إنه اغترابٌ في العدم، وسيبقى الواقع يعيد إنتاج نفسه بصيغٍ ثابتة ونهائية، طالما سياسة تفقير الفنّ مستمرة.

الأقسام: