القابضون على الجمر: قصة كتاب أحرق مدينة

القابضون على الجمر: قصة كتاب أحرق مدينة

مشاهدة

15/07/2018

فجأة وزّعت الجماعة الإسلامية كتاباً لأحد قادتها وهو ناجح إبراهيم عبدالله، معنوناً بـ"رسالة إلى القابضين على الجمر"، أمام الزوايا والمساجد، كانت مقدمته مهداة إلى "الثابتين على الحق والصامدين في وجه الطغيان"، وإلى أسر الشهداء، وإلى المقاتلين في مدينة ديروط بصعيد مصر، لكنّها في الوقت ذاته رسالة للجميع بأنّه سيأتي اليوم الذي سيصبحون فيه مثل مقاتلي الجناح العسكري للتنظيم.

مدرسة البلاء

يقول ناجح، الذي أطلق مبادرة وقف العنف بعد ذلك، "لقد أصبحت ديروط الآن أشبه بسراييفو أو الضفة الغربية وغزة في فلسطين، لكن الفرق بين الاثنين أنّ اليهود والنصارى هم الذين يحاصرون إخواننا في فلسطين وسراييفو، أما في بلدتنا الحبيبة ديروط فأبناء جلدتنا، ومن يتكلمون بلساننا، ومن يحمون بلادنا هم الذين يفعلون بنا أسوأ ما يفعله اليهود والنصارى، وهذا هو قدر أمتنا المسلمة، وهذا هو حالها مع حكامها العلمانيين الذين يسومونها سوء العذاب".

تكلم ناجح في الكتاب عن مدرسة البلاء وأنّ أتباع الجماعة يكفيهم شرفاً أنّهم ينتسبون لتلك المدرسة

تكلم ناجح في رسالته عن مدرسة البلاء، وأنّ أتباع الجماعة يكفيهم شرفاً أنّهم ينتسبون لتلك المدرسة، وأنّه يريد في المحنة ثباتاً على الحق كثبات الصديق يوم الردة، وعمر يوم السقيفة، وعثمان يوم الدار، وأنه لاح الفجر، وإنما هو صبر ساعة، فليحذر كل واحد أن يفطر قبل الغروب بلحظات فيفسد صومه"، وهو يقصد بذلك عدم إلقاء السلاح.

ناجح إبراهيم

البداية: أحداث طائفية

بدأت القصة يوم الأربعاء 4 أيار (مايو) 1992 عندما قامت أحداث طائفية في قرية صنبو بديروط قتل فيها 8 من المسيحيين رداً على مقتل 3 من المسلمين في أحداث عائلية، وتزامن ذلك مع صدور قانون الإرهاب.

قتل في هذه الأحداث عرفة درويش، أحد قيادات الجماعة بعد خطبة جمعة، إثر رصاصات خاطئة من أحد أفراد الأمن، مما أشعل الأحداث في هذه البلدة.

اندلعت أعمال العنف المسلح في مدينة ديروط، وهرب أتباع الجماعة إلى الجبال، وحملوا السلاح وبدأوا يقنصون رجال الشرطة، وفي هذه الآونة صدر كتاب (القابضون على الجمر)، ولما سُئل ناجح إبراهيم عن الكتاب وتلك الأحداث ردَّ قائلاً: ما كان للجماعة أن تلبس لأْمةَ الحرب ثم تخلعها.

عشر ساعات من القتال

في 16 آذار (مارس) من نفس العام 1992، وتحديداً يوم الثلاثاء من شهر رمضان، كانت هناك عشر ساعات متواصلة من القتال مع مجموعة مسلحة من مدينة ديروط، متوارية في شقة بمنطقة فريال بمدينة أسيوط.

كان قائد المجموعة أحمد زكي الشريف، من قرية "مسارة" وهو متهم بقتل المقدم مهران، ضابط أمن الدولة، وابنه الصغير، بالحجّة المعروفة أنّه كان يقوم بتعذيب أتباع الجماعة، وكانت حصيلة المعركة، مقتله و10 آخرين، ومقتل رائد شرطة، وإصابة 6 ضباط آخرين، و7 جنود، وتم تدمير مصفحة للأمن، ولم تقدر الشرطة على السيطرة إلا بصعود أحد الضباط فوق عمارة مجاورة ومعه آر بي جي، فأطلق صاروخين فهدمت الشقة على من فيها، وقيل إن أحد أتباع أحمد زكي الخطيرين، وهو رفعت زيدان قد هرب يوم هذه المعركة، ولم يعرف مصيره إلى الآن.

بدأت القصة بأحداث طائفية في قرية صنبو قُتل فيها 8 مسيحيين رداً على مقتل 3 مسلمين

تم نقل الضابط القتيل عبد الرسول السكران، في عرض عسكري، أما أتباع أحمد زكي الذين قتلوا، فمنهم الأخوان مصطفي وأنور محمود عبد الرجال.

يوم الخميس 23 آذار (مارس)، أصدرت الجماعة بياناً أكّدت فيه أنّ أحمد زكي ورجاله ثأروا لعشرات الدماء التي أريقت طيلة عام، وأنهم "لن تجف دماؤهم بمشيئة الله حتى تسيل دماء القصاص لهم، وإنّ القصاص لهم ليس كأيّ قصاص، ولعله ينفذ قبل أن تصل الورقة والبيان هذا لأصحابه".

في 3 كانون الأول (ديسمبر) 1992 كانت قضية (العائدون من أفغانستان)

الحكومة ترفض الضغوط

الحكومة المصرية رفضت الضغوط والتحاور مع ناجح إبراهيم ورفاقه، وكانت خطتها تشمل اتخاذ المبادرة بالضرب وعدم التصرف على أساس رد الفعل، والاقتحام، وتحويل القضايا إلى القضاء العسكري، وإصدار أحكام شديدة.

في 3 كانون الأول (ديسمبر) 1992 كانت قضية (العائدون من أفغانستان) وصدرت أحكام بإعدام شريف حسن أحمد، وأحمد مصطفى، وفي شهر حزيران (يونيو) التالي تم تنفيذ الحكم، وقبلها في نيسان (إبريل) تم إعدام 7 في محاولة اغتيال صفوت الشريف، وزير الإعلام الأسبق، وكانت محكمة الفيوم في نفس الوقت حكمت بإعدام مرسي رمضان، أحد أتباع جماعة الشوقيين، وهم فصيل من جماعات التكفير، وكان متهماً بقتل أحمد علاء، ضابط أمن الدولة بالمحافظة.

اندلعت أعمال العنف المسلح في ديروط وهرب أتباع الجماعة إلى الجبال وحملوا السلاح وبدأوا يقنصون رجال الشرطة

أما في 8/7 /1993 فتم تنفيذ الحكم في 7 مدانين، وهم: بسطاوي عبد المجيد، وأبو المجد، وسعد أمين، وأشرف سعيد عبد ربه، ودراوي محمد إبراهيم، وأحمد عبد الرحيم رضوان، وعبد الهادي الصغير، وعبد الحميد الزقمان، وكلهم أعدموا في قضية مهاجمة أوتوبيس سياحي بقنا.

لم تهدأ أحداث العنف مطلقاً، وتم فرض حظر التجوال داخل المدينة، وأًلقي القبض على جمال هريدي، قيادي الجماعة، الذي أشرف وقاد المجموعة التي قتلت الأقباط في البداية، وحين دخل إلى سجن ليمان طرة، أمسكه ناجح من تلابيبه وخنقه بشدة، وقال له: لقد تسببت في ضياع الجماعة يا هريدي.

اقرأ أيضاً: القيادي الإسلامي ناجح إبراهيم يقدم وصفة للإخوان للعلاج من الفكر الإرهابي

بكى هريدي، وقال له: "لقد تصوّرت أنكم تريدون ذلك"، فردّ ناجح: "ما كان للجماعة أن تتراجع بعد أن اتخذت القرار بالحرب".

مصدر هذه الرواية كان إسماعيل البكل، أحد المفرج عنهم بعد 15 عاماً في قضية قتل السادات، وكان مسجوناً مع ناجح ورفاقه.

نهاية الفتنة

تواردت أخبار أنّ الحكومة تريد أن تتفاوض مع المقاتلين عن طريق أعضاء مجلس الشعب، وتحديداً مع محمد عبد المحسن، أمين الحزب الوطني في ديروط، وقد قبضت على خالد سعد، لتتكلّم معه في هذه الأمور، لكن فوجئ المصريون أنه خرج على شاشة التلفزيون المصري ليعلن عن خطأ ما يحدث في المدينة.

رفضت الحكومة التحاور مع ناجح ورفاقه وكانت خطتها المبادرة بالضرب وعدم التصرف على أساس رد الفعل

لقد بدأت الجماعة في تسكين السلاح في بلبيس أواخر عام 1992، وفي كوم أمبو بمحافظة أسوان، ومن ثمّ إرسال المجموعات من الخارج، وتحديداً من أفغانستان، حيث نزل أحمد حسن (الأستاذ) وأرسلت جماعة الجهاد عصام عبد الجواد، وحسن عبد الجليل، لكن تم القبض على عصام، وقتل أحمد حسن في صعيد مصر، وكان قتله ضربة موجعة للجماعة، وقد تفكّكت اللعبة القتالية بسبب الضربات الأمنية الاستباقية، ودقة التخطيط الأمني، الذي رافقه جانب كبير من التوفيق والحظ، بالإضافة إلى افتقاد الجماعة للقيادة الداخلية، حيث كانت حبيسة جدران السجون، والقيادات الخارجية في عزلة تامة.

اقرأ أيضاً: قرى أسيوط: عندما حلم القابضون على الجمر بدولة الخلافة

وطمعت الحكومة في كسب الجولة بديروط ونجحت بالفعل، والدليل أنه بين المدة التي قُتل فيها عادل صيام زعيم الجهاد في داخل مصر، وطلعت ياسين، قائد المجموعات المسلحة للجماعة الإسلامية، فترة 45 يوماً فقط، وهكذا رفضت الحكومة كل محاولات فرض الشروط من قبل الجماعة، واستمرت في حربها الشرسة عليها، ولم يكن أمام الأخيرة سوى الاستمرار حتى أعلن عن خطأ العمل العسكري، وعلى يد ناجح إبراهيم نفسه، كاتب (القابضون على الجمر).

الصفحة الرئيسية