القاهرة كما لم نعرفها من قبل في كتاب لرحالة فارسي

القاهرة كما لم نعرفها من قبل في كتاب لرحالة فارسي

مشاهدة

26/03/2022

خلق انتشار الإسلام بيئة جغرافية جديدة في مناطق الحضارات القديمة، من الهند شرقاً إلى المحيط الأطلسي غرباً، ومن المحيط الهندي وأفريقيا جنوب الصحراء جنوباً إلى بلاد الروس وأوروبا الشرقية شمالاً.

مَثَّل الإسلام فضاءً واسعاً لهذه الجغرافيا، دون أن يُلغي التمايزات الدينية والثقافية والاجتماعية، خالقاً أشكالاً متنوعةً من المنجزات السياسية والثقافية والعقديّة.

حَفز السّيلان الجغرافي والثقافي على التّرحال في البيئة الجديدة؛ فظهر العديد من الرحالة الكبار، الذين تنوّعت أهدافهم من الرحلة، طلباً للعلم، أو نصرةً لعقيدةٍ، أو فراراً من السُّلطة، أو تأديةً لمهام لخدمة السُّلطة، وقبل ذلك لأداء فريضة الحجّ.

ترك لنا العديد من الرحّالة يوميات سجلوا فيها مشاهداتهم، وقليلاً من التحليل، والتي لم تخلُ من التحيز حيناً أو المبالغة حيناً آخر. فضلاً عن ذلك تعرّض عدد من هذه الآثار الأدبية إلى التشويه أو الضياع.

لوحة عن الشاعر والرحالة الفارسي، ناصر خسرو

مع ذلك تُمثل هذه الآثار مصدراً مهماً عن الأبنية الثقافية والدينية والاجتماعية لعدد كبير من الطبقات الاجتماعية والشعوب التي لم يُدوَّن عنها شيء، مثلما ترك لنا ابن فضلان معلومات مهمة عن الصقالبة والبلغار وقبائل عدة من الأتراك.

حيرة الشاعر

تُعدّ رحلة ناصر خسرو، بين عامي (1045 -1052)، من أقدم الرحلات وأطولها، والتي انطلق فيها من موطنه في إيران مارّاً بأذربيجان وأرمينيا والشام وفلسطين ومصر والحجاز ونجد وجنوب العراق.

تحتلّ الرحلة مكانة مهمة؛ نظراً لعدد البلدان التي زارها، ولطبيعة الرحّالة ذاته، وحال العالم الإسلامي في فترة الرحلة.

تُقدم التجربة الحياتية لخسرو عرضاً للحالة السياسية والثقافية للعالم الإسلامي ذاته.

أُعجب الرحالة ناصر خسرو بالصدق والأمانة لدى تجار مصر، إلا أنّ ذلك السلوك الأخلاقي الجيد لم يكن منبعه الالتزام الداخلي لشخص التاجر فقط؛ بل وجود آلية عقابية للكذب

وُلد خسرو عام 1003، في إيران، والتحق بخدمة سلاطين الدولة الغزنوية السّنية، ونشأ نشأةً سُنيةً، ثم التحق بخدمة السلاجقة بعد أن سيطروا على الدويلات الشرقية في إيران، بينما كانت بغداد في قبضة الدولة البويهية، الشيعية المذهب.

لم تكن حياة خسرو العلمية أقل ثراءً من تجربته السياسية؛ فإيران الثرية بتجاربها السياسية، كانت ثرية بتجاربها العَقديّة والعلمية أيضاً.

نشأ خسرو في بيئةٍ تجاذبها الصراع الفكري بين السنّة والشّيعة، خصوصاً الشّيعة الإسماعيلية؛ الذين اشتهروا بمدارسهم العلمية، ونشاطهم الدَّعوي الواسع، إلى جانب ذلك عاش خسرو في اتصال مع الأديان المسيحية واليهودية والمجوسية والهندوسية والبوذية.

خريطة توضح رحلة خسرو

اِنفتح خسرو على ذلك الثراء الثقافي؛ فدرس الفلسفة الإسلامية، واشتبك في الجدل العقديّ الإسلامي، وقرأ في الأديان الأخرى، وقع في الحيرة والتشكك، وتأثر بالدعوة الفاطمية، فكان ذلك أحد دوافع رحلته إلى مصر؛ مقر الخليفة الفاطمي.

إضافةً إلى ذلك عزم خسرو على أداء فريضة الحج، التماساً للسكينة والهداية من الحيرة التي عَصفت به.

خسرو والفاطميون

أقام خسرو بمصر ثلاث سنوات، ذهب أثناءها إلى الحجاز لتأدية فريضة الحج، ثم عاد إليها، ليفارقها مرةً ثانيةٍ إلى الحجاز، ومنها طريق العودة إلى بلخ في إيران.

حازت مصر على ثلث ما وصل إلينا من يوميات الرحالة، التي دوّنها يوماً بيومٍ، كما يرى الباحثون؛ لدقة الوصف، والتفاصيل الثرية التي تشي بذلك، وصل خسرو إلى القاهرة عام 1047، بعد عامين على مغادرته مدينة مرو، في عهد حكم المستنصر بالله الفاطمي.

اقرأ أيضاً: في ذكرى ميلاد ابن بطوطة: تعرف على أهم محطات حياة ورحلات "أمير الرحالة"

من أصول المذهب الإسماعيلي الفاطمي أنّ العلم يتوارثه الأئمة، فأدّى ذلك إلى تشابه الإنتاج المعرفي لرجال الدين الإسماعيليين، يَلِي الإمام في مكانته قاضي القضاة، والذي عُرف باسم باب العلم، وتولى رئاسة السلطة التنفيذية، وجاء بعده داعي الدعاة؛ الذي تولى مسؤولية نشر الدعوة، وتعيين الحجج (أي رئيس المذهب في أحد المناطق).

هناك غموض حول منصب داعي الدعاة، ويرى بعض الباحثين أنّ قاضي القضاة وداعي الدعاة كانا شخصاً واحداً في أوقات عديدة.

نال خسرو الحظوة لدى الفاطميين، رغم أنّه لم يذكر ذلك صراحةً في كتاب الرحلة المعنون "سفر نامة"، إلا أنّ قراءة ديوانه الشعري تكشف هذه الحظوة، إلى جانب ما وجده من مساعدة أثناء إقامته في الدولة الفاطمية، كما يرى يحيى الخشاب، مترجم كتاب الرحلة.

الجامع الأزهر

عاد خسرو بمكسب عظيم من القاهرة؛ فقد أصبح حجة الدعوة الفاطمية في خُراسان، ذلك الشرف الذي جلب عليه عداء السلطة، وأجبره على الفرار إلى الجبال.

قاهرة المعز

القاهرة التي وصفها خسرو هي قاهرة المعز، التي أُنشئت عام 969م، على مساحة 340 فداناً، وأحاط بها سور من الِلبن، له ثمانية أبواب.

إلى جانب القاهرة استقرت تجمعات سكنية، ومدن أخرى يعود تاريخ بعضها إلى العصر المصري القديم، وأشهرها إلى العهد الإسلامي، ومنها الفسطاط والعسكر والقطائع، والتي تحولت إلى مدينة واحدة في عهد صلاح الدين الأيوبي، وأصبحت تحمل اسم القاهرة.

القاهرة الفاطمية في بدايتها كانت نخبوية، تضمّ قصر الخليفة الفاطمي، وقصور عليّة القوم ودورهم، وثكنات الجند، وشؤون الدولة الإدارية، وعدداً من الأسواق والمنشآت التعليمية والخدمية، وخارج القاهرة النخبوية توسع المصريون عمرانياً، وأحاطوا بالمدينة، حتى جاءها بدر الدين الجمالي وربط هذه التوسعات بالمدينة، بإنشاء سور حولها، ثم وصله بالسور القديم عام 1087.

يحدثنا خسرو عن قصر الحكم (القصر المُعزي)؛ بدايةً من حجم الكبير، وارتفاع أسواره، وتعدد القصور داخله، وحراسته البالغة 1000 رجل. وكان به 12 ألف خادم، وآلاف الجواري والنساء

كانت القاهرة أشبه بتجمّع سكني مشابه لتجمعات اليوم (كمبوند) مَلَك الخليفة الفاطمي معظمه، وقام بتأجيره. يقول خسرو: "قدّرت أنّ في القاهرة ما لا يقل عن عشرين ألف دكان (يبدو الرقم مبالغاً فيه)، كلّها ملك السلطان، وكثير منها يؤجر بعشرة دنانير مغربية في الشهر، وليس بينها ما تقل أجرته عن دينارين".

ضمّت المدينة الأربطة والحمامات المملوكة أيضاً للسلطان، إلى جانب الملكية السلطانية وُجدت ملكية خاصة؛ تمثلت في البيوت والعقارات التي بناها عدد من الأفراد لأنفسهم، وبلغ عدد أملاك الخليفة من العقارات 18 ألف عقار في القاهرة والمدن المصرية، كان يؤجرها ويحصل على إيجار شهري منها.

وسط المدينة استقر مقر الحكم؛ وهو مجموعة من القصور عُرفت باسم القصر المُعزي؛ نسبةً إلى الخليفة المعز لدين الله الذي أمر ببناء القصر. يحدثنا خسرو عن العجائب التي حواها قصر الحكم؛ بدايةً من حجم الكبير، وارتفاع أسواره، وتعدد القصور داخله، وحراسته البالغ عددها 1000 رجل.

...

جمع القصر جميع متع الدنيا، كأنه مدينة من مدن ألف ليلة وليلة؛ فذكر خسرو أنّ به 12 ألف خادم مأجور، غير آلاف الجواري والنساء، وهو أمر لم يتيسر له معرفة عدده، إلا أنّ المقريزي ذكر أنّ صلاح الدين عندما استولى على القصر أحصى 12 ألف نسمة، ليس بينهم رجال إلا الخليفة وأهل بيته.

مهما تكن المبالغة في الأرقام فالشاهد أنّ خلفاء الفاطميين عاشوا حياة رغيدة، وكانت قصورهم مشابهة لحكايات ألف ليلة وليلة، وأشار خسرو إلى قصر آخر يقع خارج المدينة، ورُبط بالقصر الكبير بسرداب، فكانت تلك المنطقة التي اشتهرت باسم بين القصرين.

سَكن القاهرة أجناس عدة، من روم وأفارقة وصقالبة، فكان منهم الجند والحاشية، وإلى جانبهم أقلية من المصريين من مختلف الأديان. أورد خسرو نصاً عجيباً عن عدد طوابق الدور في القاهرة؛ فقال إنّ الواحد منها يتكون من 5 أو 6 طوابق؛ وهو أمر عجيب؛ فبأي أدوات ومواد بناء وخطط هندسية بنوا تلك الارتفاعات؟!

اقرأ أيضاً: المثقف اللامنتمي: مواجهة الفكر والسلطة في التاريخ الإسلامي

من الراجح صدق وصف خسرو؛ فقد كان التوسع الرأسي، والحارات والشوارع الضيقة مطلباً أساسياً للأمن، لم تُحط أسوار المدن بتوسع عمراني كبير؛ فلم يكن ممكناً بناء سور وصيانته حول مدن كبرى.

أحاط سور القاهرة الأساسي بمدينة مساحتها 340 فداناً، فكان لزاماً عليهم استغلال كلّ شبر داخل هذه المنطقة المحمية؛ فظهرت الطوابق، والشوارع الضيقة، التي كان بعضها لا يتسع لسير جمل السقاء، ولم تكن تلك الإستراتيجية المعمارية الأمنية حكراً على القاهرة؛ بل اتبعتها مدن العصور الوسطى كافة.

الجمال العمراني كان سمة مدن العالم القديم والعصور الوسطى، وإن كان مقتصراً في الغالب على العواصم والمدن الكبرى، إلا أنّ عوامل غير مباشرة حافظت على الجمال الطبيعي والعمراني؛ مثل توازن النمو السكاني.

سجل خسرو وجود بساتين وأشجار بين القصور، أجملها وأكبرها بستان قصر الحكم، أما ما يدفع على الدهشة فهو غرس الأشجار فوق أسطح البيوت، حتى صارت متنزهات بتعبير خسرو.

مراسلات بين خليفة فاطمي وملك أوروبي

 على الراجح قصد خسرو بالأشجار نباتات الزينة، أو الزرع الذي لا يحتاج إلى عمق من أجل جذوره، وفاتنا كثيراً عدم إسهابه في وصف كيفية تشجير الأسطح.

على عكس النظرة السلبية لعالم العصور الوسطى، والتي روّج لها أساطين الحداثة؛ فإنّ الحسّ الجمالي كان أحد مميزات تلك الفترة؛ ويُلاحظ ذلك في المعمار الذي رعته السلطة والمؤسسات الدينية، إضافة إلى بيوت الأفراد، سواء من النخب أو حتى العوام.

اقرأ أيضاً: علاقات الرقّ في المجتمع السوداني.. كتاب يكشف المسكوت عنه

حتى وقت قريب، وُجدت في قرى مصر بيوت من الطوب اللبن؛ ترتفع إلى طابقين؛ ومبنية وفق نسق هندسي وضع الجمال مع الوظيفة على نفس الدرجة؛ لدينا نماذج من عشرات أبواب البيوت القديمة في المدن والريف التي تشي بامتزاج الجمال مع الوظيفة؛ بدءاً من الزخارف، وشكل المقبض، وغير ذلك.

دخول الحداثة على النسق العمراني المصري أوجد آثاراً سلبيةً، أهمها تقدم الوظيفة على الجمال؛ فلم تكن الثقافة العمرانية مؤهّلة بعد لإسباغ الجمال على الأدوات الغريبة عن بيئتها.

امتدّ الحسّ الجمالي إلى البيوت والشوارع؛ فيصف خسرو مباني القاهرة بإعجاب شديد فيقول: "كانت البيوت من النظافة والبهاء بحيث تقول إنها بُنيت من الجواهر الثمينة، لا من الجص والآجر والحجارة، وهي بعيدة عن بعضها؛ فلا تنمو أشجار بيت على سور بيت آخر".

مدينة مصر

تمتعت المنطقة التي تُعرف اليوم بمدينة القاهرة بمكانة كبيرة في التاريخ الإسلامي؛ نظراً إلى وجود العواصم المتعاقبة للدول التي حكمت مصر فيها؛ فزخرت بآثار عمرانية عظيمة ونشاط اقتصادي وسكاني كبير.

خرج خسرو من قاهرة المعز، وسار على ضفة الخليج (قناة مائية صناعية تتفرع من النيل عند منطقة فم الخليج قرب المنيل وكانت تصل إلى البحر الأحمر زمن المصريين القدماء، وأُعيد حفرها مراراً في عهود مختلفة، وصارت مهمتها في العصر الحديث إمداد أحياء القاهرة بالماء، وتمّ ردمها في أواخر القرن التاسع عشر)، وسجّل وجود قصرَي اللؤلؤة والجوهرة، ووجود 300 قرية على الخليج مملوكة للخليفة الفاطمي.

لم يفت وصف عيد "ركوب فتح الخليج" لتتدفق مياه الفيضان فيه، خسرو أو أياً من الرحالة الذين زاروا مصر؛ ففي ذلك العيد يركب السلطان في موكب فخم، ويستعرض فرق الجيش، وتُقام الاحتفالات إيذاناً بأن يأمر الخليفة بكسر السدّ، لتنساب مياه الفيضان في الخليج.

انتقل خسرو إلى وصف مدينة مصر؛ ويقصد بها الفسطاط، وما بُني حولها حتى زمن الفاطميين.

 ومن العجائب التي ذكرها عن المدينة؛ تطاول البنيان الذي فاق قاهرة المعز؛ فذكر وجود عمارات ترتفع إلى 14 طابقاً، وهو أمر صعب التصديق، كما تؤكد كتابات عدد من الرحالة والجغرافيين تطاول البنيان في الفسطاط وقاهرة المعز؛ فذكر ابن حوقل، في كتابه "صورة الأرض"؛ أنّ في الفسطاط دوراً ترتفع إلى 5 طوابق وبعضها إلى 6 أو 7.

انتقل خسرو بعد ذلك إلى وصف أسواق الفسطاط العامرة، لا سيما سوق القناديل، الذي ذهب بعقله، حتى قال إنّه لم يرَ نظيراً له في العالم.

 تمتد القصور على شاطئ النيل، ويربط بين الفسطاط وجزيرة روضة المنيل جسراً من القوارب المتلاصقة، وتمتد المدينة إلى بر الجيزة.

السلطة والرعية

من خلال كلمات خسرو نستشف علاقة طيبة بين السلطة الفاطمية والمصريين؛ فعندما يتحدث عن الأعمال الحكومية يوضح أنّ الحكومة تستأجر الناس، ولا تستخدمهم بالسخرة، وتتجلى هذه العلاقة الرضائية في التعاملات التجارية بين القصر والتجار والصناع؛ فدائماً يشتري القصر أو يبيع، ولا يجبر أحداً على توريد حاجات القصر.

حضر خسرو احتفالاً بمناسبة ميلاد أحد أبناء الخليفة المستنصر، ووصف حالة الفرح والسرور التي عمّت القاهرة ومدينة مصر "فزُينت الأسواق والشوارع"، وهو أمر ربما يدلّ على رضا الناس، أو خوفهم من الحاكم، لكن ربما يكون السبب الأول هو الأرجح، وفق ما سبق ذكره، عن حالة الرضا بين السلطة والناس.

 أُعجب خسرو بالأمن الذي عاشته مصر؛ بدءاً بما عُرف عن الخليفة من عدل، ومروراً بانتظام دفع رواتب الجند، وهو ما جعلهم لا يطمعون في أموال الناس، كما ساعد انتظام دفع رواتب القضاة وكفايتها في وجود نظام قضائي أشاد به خسرو.

اقرأ أيضاً: "في سوسيولوجيا الإسلام" لعلي الوردي: دراسة جريئة في الصراع المذهبي

تناول الكاتب العلاقة بين المسيحيين والفاطميين بشكل عابر؛ عندما ذكر قصة الثراء الكبير لأحد التجار المسيحين، الذي طلب منه وزير مصر في أحد أعوام الشدة أن يبيع القمح للناس بالدَّين، فوافق التاجر عن طيب خاطر.

عاش المسيحيون واليهود عهداً طويلاً من التسامح في الحكم الفاطمي، ولم يعكر صفوه سوى عهد الحاكم بأمر الله؛ الذي نال اضطهاده جميع الملل.

وُجدت علاقة طيبة بين القصر والناس؛ فكان الخليفة ينصب مائدتين في الأعياد؛ الأولى للخواص والثانية للعوام، وحضر خسرو مائدة الخواص في أحد أعياد الفطر، وقد تضمّنت المائدة أصنافاً عديدة من الطعام الذي اشتهر به المطبخ الفاطمي، ولم يكن المطبخ السلطاني حكراً على القصر؛ بل قدم خدماته للرعية، فمثلاً وُجد شراب اسمه "الشراب السلطاني" كان بإمكان أيّ أحد أن يطلب كوباً منه فيناله.

أخلاق وعادات

أُعجب خسرو بالصدق والأمانة لدى تجار مصر، وهما صفتان تعاني مصر الحديثة نقصاً فيهما؛ إلا أنّ ذلك السلوك الأخلاقي الجيد لم يكن منبعه الالتزام الداخلي لشخص التاجر فقط؛ بل وجود آلية عقابية للكذب والغش وهي التشهير بالكاذب على ظهر جمل.

أما الطريف حقاً في الأسواق فهو ما يصفه الرحالة بقوله: "ويعطي التجار في مصر، من بقالين وعطارين وبائعي خردوات، الأوعية لما يبيعون؛ من زجاجٍ أو خزف أو ورق؛ حتى لا يحتاج المشتري أن يحمل معه وعاءً".

غادر خسرو مصر لأداء فريضة الحج بصحبة موكب الكسوة

أما المواصلات فهي الحمير، واقتصر ركوب الخيل على الجنود وبعض العلماء والأمراء، وعلى رأس كلّ شارع وُجدت حمير مسرجة يؤجرها الناس للانتقال عليها.

غادر خسرو مصر لأداء فريضة الحج بصحبة موكب الكسوة؛ إذ إنّه منع الحجّ في ذلك العام في مصر؛ لوجود قحط ومجاعة في الحجاز.

عاد إلى مصر ثانيةً، ثم غادرها جنوباً إلى أسوان، ومنها إلى ميناء عيذاب على البحر الأحمر، ووصل إلى مكة لتأدية الحج ثانيةً، ومنها اتخذ طريقه شمالاً حتى الأحساء، ثم العراق، وصولاً إلى مسقط رأسه في إيران.



الصفحة الرئيسية