القدس على شفا الانفجار... هل نشهد انتفاضة ثالثة؟

القدس على شفا الانفجار... هل نشهد انتفاضة ثالثة؟

مشاهدة

11/05/2021

أجواء من التوتّر الشّديد تعيشها مدينة القدس المحتلة منذ عدة أسابيع، على خلفية قرار محكمة الاحتلال العسكرية تهجير عدّة عائلات مقدسية وطردها من حيّ الشيخ جراح من منازلها قسراً، وكذلك محاولة قوات الاحتلال منع المقدسيين من التواجد عند مدخل باب العامود المؤدي إلى المسجد الأقصى، خلال شهر رمضان المبارك، وهو ما لم يلقَ قبولاً من قبل الشبان الغاضبين والذين تصدوا بصدورهم العارية لمحاولات الاحتلال فرض وقائع جديدة على الأرض، والمضيّ في تنفيذ سياساته ومخططاته العدوانية بحقّ المدينة المقدسة.

ديفيد هيرست: المتظاهرون الفلسطينيون شباب لا يعرفون الخوف ولا يأتمرون بأمر زعيم، ولا يعدّون أنفسهم مواطنين إسرائيليين، بل فلسطينيين استولت إسرائيل على أراضيهم وحقوقهم

ويرى محللون وناشطون مقدسيون، في حديثهم لـ "حفريات"؛ أنّ ما يحدث بالمسجد الأقصى وحي الشيخ جراح، هي خطة إسرائيلية ممنهجة لتهجير السكان المقدسيين من منازلهم، وهو ما ينذر باندلاع انتفاضة فلسطينية ثالثة، في حال واصلت السلطات الصهيونية تنفيذ مخططاتها العنصرية واستهداف الفلسطينيين بشكل متعمد.ويعيش الفلسطينيون في حي الشيخ جراح منذ خمسينيات القرن الماضي، عندما أعاد الأردن توطينهم، بعد إجبارهم على ترك منازلهم في القدس الغربية وحيفا أثناء القتال الذي اندلع خلال إنشاء إسرائيل في 1948م، حيث أقام الأردن في الحيّ مساكن لإيواء الفلسطينيين الذين هُجِّروا عام 1948، ولديه عقود إيجار تثبت ذلك.

ما يحدث بالمسجد الأقصى وحي الشيخ جراح، هي خطة إسرائيلية ممنهجة لتهجير السكان المقدسيين من منازلهم

وكانت المحكمة المركزية الإسرائيلية بالقدس المحتلة قضت، في وقت سابق من العام الجاري، بإخلاء 4 منازل يسكنها فلسطينيون لديهم عقود معطاة من السلطات الأردنية التي كانت تدير القدس الشرقية بين عامَي 1948 و1967، تثبت ملكيتهم للعقارات في الحيّ، ما أثار غضب الفلسطينيين الذين طعنوا فيه، وأدّت احتجاجاتهم في كثير من الأحيان إلى صدامات مع شرطة الاحتلال التي اعتدت بالضرب على المحتجين.

وكان الكاتب الصحفي البريطاني، ديفيد هيرست، قد حذّر من أنّ الوضع في القدس المحتلة قد أصبح على شفا الانفجار، بسبب ممارسات سلطات الاحتلال الإسرائيلي القمعية في المدينة المقدسة وباقي الأراضي المحتلة عام 1948.

اقرأ أيضاً: هل تكون المقاومة الشعبية الحلَ الأمثل لمساندة أهالي القدس؟

وبحسب مقالة للكاتب، في موقع "ميدل إيست آي" البريطاني، في 30 نيسان (أبريل) الماضي، فإنّ المتظاهرين الفلسطينيين شباب لا يعرفون الخوف ولا يأتمرون بأمر زعيم، ولا يعدّون أنفسهم مواطنين إسرائيليين، بل فلسطينيين استولت إسرائيل على أراضيهم وحقوقهم.

وتوقع هيرست أن تشهد القدس انتفاضة أخرى، وقال إنّ "هناك وقوداً في الجو، ولن يمر وقت طويل قبل أن تحدث شرارة أخرى، القدس على شفا الانفجار"، وأضاف: "هناك محور جديد يتشكّل، وجيل جديد يعيد اكتشاف الحاجة للنزول إلى الشوارع".

تنديد عربي ودولي

ودانت الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، بأشدّ العبارات، جريمة تهجير عائلات من منطقة الشيخ جراح في مدينة القدس المحتلة؛ لإحلال المستوطنين مكانهم، استمراراً لسياسة التهجير القسري للفلسطينيين من المدينة.

وحذّرت الأمانة العامة في بيان صحفي لها، في 22 نيسان (أبريل) 2021، من أنّ ما يجري في مدينة القدس، تحديداً في حي الشيخ جراح، ما هو إلا جريمة حرب وتطهير عرقي خطير في سلسلة الجرائم المتواصلة التي يرتكبها الاحتلال بحقّ الشعب الفلسطيني منذ عقود.

وطالب البيان المجتمع الدولي بأن يقف أمام مسؤولياته لوضع حدّ  فوري لهذا العدوان بحقّ الشعب الفلسطيني ومدينة القدس، والتصدي لجرائم الاقتلاع والترحيل القسري بصورة سريعة وحاسمة تقتضيها خطورة الجرائم المرتكبة.

راسم عبيدات لـ "حفريات": ما يجري في منطقة باب العامود، وحي الشيخ جراح بالقدس ينذر باندلاع انتفاضة شعبية عارمة على الاحتلال وسياساته العنصرية بحقّ المدينة المقدسة

ودعت الرباعية الدولية للشرق الأوسط السلطات الإسرائيلية إلى ضبط النفس، وتجنب الإجراءات التي من شأنها زيادة تصعيد الموقف خلال هذه الفترة من الأيام المقدسة الإسلامية.

وذكر بيان للاتحاد الأوروبي وروسيا والولايات المتحدة والأمم المتحدة، في 8 أيار (مايو) الجاري، أنّ اللجنة تراقب عن كثب الوضع في القدس الشرقية، بما في ذلك في البلدة القديمة وحي الشيخ جراح.

اقرأ أيضاً: بالصور.. هذا ما يفعله الاحتلال في القدس.. وإدانات واسعة للاعتداء الوحشي

وعبّر مبعوثو اللجنة عن قلقهم العميق إزاء الاشتباكات اليومية والعنف في القدس الشرقية، لا سيما المواجهات في الحرم الشريف، داعية جميع الأطراف إلى التمسّك بالوضع الراهن في الأماكن المقدسة واحترامه، وجدّدت التزامها بحلّ الدولتين.

وقال الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش؛ إنّ القضية الفلسطينية هي قضية مركزية بالنسبة إليه، داعياً للتعاون الإقليمي من أجل حلّها.

وأفاد غوتيريش، في لقاء متواصل مع ممثلي الدول الأعضاء في الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك، في 7 أيار (مايو)؛ بأنّ "القضية الفلسطينية هي قضية مركزية بالنسبة إليّ، ونعمل على أساس القانون الدولي وعلى أساس قرارات الهيئات الأممية المختلفة".

انتفاضة شعبية عارمة

ويرى راسم عبيدات، الكاتب والمحلل السياسي المقدسي؛ أنّ "ما يجري في منطقة باب العامود، وحي الشيخ جراح بالقدس ينذر باندلاع انتفاضة شعبية عارمة على الاحتلال وسياساته العنصرية بحقّ المدينة المقدسة، والتي تتواصل في القمع والتنكيل بالمقدسيين، وتفتيش منازلهم وهدمها، وتهويد المسجد الأقصى والمناطق المحيطة به، حيث سطرت هذه الهبة ملحمة بطولية بين المواطنين في القدس والداخل الفلسطيني المحتل، للتصدي لقوات الاحتلال بشكل ذاتي عفوي".

راسم عبيدات

ويضيف عبيدات، في حديثه لـ "حفريات": "الاحتلال الإسرائيلي صعّد من هجمته ضدّ الفلسطينيين بالقدس، مستنداً لقرار الرئيس الأمريكي السابق، ترامب، بالاعتراف بالقدس عاصمة للكيان، ونقل سفارتها لمدينة القدس، وبالتالي، شعرت إسرائيل حينها بأنّ قضية القدس قد انتزعت من أيّة مفاوضات مستقبلية مع الفلسطينيين، وأنّها عاصمة موحدة للدولة اليهودية، وبدأ بضمّ العديد من المستوطنات وتهويد العديد من المناطق في القدس؛ كحيّ الشيخ جراح وسلوان وغيرها، بعد أن تيقّن بأنّ بعض الأنظمة العربية الرسمية باتت مترهلة ومنصاعة لدولة الاحتلال على حساب حقوق الشعب الفلسطيني العادلة".

اقرأ أيضاً: "باب العامود" رمز للصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين في القدس

وأوضح: "الاتحاد الأوروبي لا توجد لديه إستراتيجية واضحة نحو قضية القدس للجم ممارسات واعتداءات الاحتلال المتواصلة، ويقوم بمناصرة الضحية على الجلاد"، مبيناً أنّ "دولة الاحتلال تعيش أزمة سياسية عميقة، مع عدم تشكيل الحكومة الإسرائيلية، والتي من المتوقع أن تكون حكومة يمينية متطرفة، لتمارس المزيد من الاعتداءات بحقّ الفلسطينيين وتحديداً في مدينة القدس".

مفاوضات عبثية

وتابع عبيدات: "عدم مشاركة سكان الضفة بهبة القدس جاء نتيجة لاتفاقية أوسلو، والتي كانت لها آثارها السياسية والاجتماعية والاقتصادية على السكان الفلسطينيين، في ظلّ وجود السلطة الفلسطينية، والتي ما تزال تراهن على المفاوضات العبثية المستمرة منذ 27 عاماً"، موضحاً أنّه "لا بدّ من تشكيل قيادة فلسطينية موحّدة لديها برنامج وطني ورمزية سياسية تستطيع تأجيج المقاومة الشعبية بالقدس، وتحويل هذه الهبة لانتفاضة شعبية جماهيرية، بمشاركة جماهيرية واسعة من الشباب الثائر، الذين يتميزون بالجرأة في مواجهة جنود الاحتلال".

فخري أبو دياب لـ "حفريات": المقدسيون أثبتوا للعالم أجمع أنّهم ليسوا لقمة سائغة لمن يريد تهويد مقدساتهم ومدنهم والسيطرة عليها

ولفت إلى أنّ "الاحتلال الاسرائيلي تراجع مبدئياً وجمّد قرار تهجير عدد من العائلات المقدسية من حيّ الشيخ جراح بالقدس، قبيل ساعات من عقد المحكمة الاسرائيلية جلسة لإعطاء الضوء الأخضر للمستوطنين للاستيلاء على منازل السكان بالحيّ، إلا أنّ هذا التراجع بالموقف الإسرائيلي لا يعكس بالدرجة الأولى نية الاحتلال الامتناع عن الاستمرار في طرد وتهجير المقدسيين".

وأشار الكاتب والمحلل السياسي إلى أنّ "الشارع المقدسي، منذ هبة الشهيد محمد أبو خضير، خلال العام 2014، وهبة السكاكين عام 2015، والبوابات الإلكترونية عام 2017، وهبة باب الرحمة عام 2019، وهبة باب العامود العام الحالي 2021، وما يجري من اعتداءات في حي الشيخ جراح والمسجد الأقصى، أدركوا أنّه لا بدّ من المراهنة على أنفسهم لمواجهة الاعتداءات الصهيونية وحماية قدسهم ومقدساتهم، بعد خذلهم القريب والبعيد، وباتوا وحدهم يواجهون الاحتلال بصدورهم العارية".

نكبة فلسطينية جديدة

ويتفق الناشط المقدسي وعضو لجنة الدفاع عن أهالي بلدة سلوان، فخري أبو دياب، مع رأي عبيدات ويقول لـ "حفريات": إنّ "الاحتلال الإسرائيلي يحاول إشعال انتفاضة ونكبة فلسطينية جديدة في مدينة القدس؛ بإصراره على تهجير وطرد عدد من العائلات المقدسية في مدينة القدس، وهو ما يتطلب من الجميع شدّ الرحال للدفاع عن المسجد الأقصى والمقدسيين على الأرض"، مبيناً أنّ "المقدسيين أثبتوا للعالم أجمع أنّهم ليسوا لقمة سائغة لمن يريد تهويد مقدساتهم ومدنهم والسيطرة عليها، بعد أن آتت الهبة الأخيرة ثمارها نوعاً ما في تأجيل محكمة الاحتلال الصهيونية تهجير عائلات مقدسية من حي الشيخ جراح".

فخري أبو دياب

وتابع: "ما يجري من أحداث وهبة شعبية بالقدس في حاجة الى دعم متواصل من قبل الجميع، لمجابهة المخططات الصهيونية وإجراءات الاحتلال على الأرض، والتي يسعى اليمين الإسرائيلي المتطرف من خلالها لتحقيق مكاسب سياسية، إلا أنّ الاحتلال بات الآن يحسب ألف حساب لردة فعل الشارع المقدسي نحو تهويد مقدساته وتهجير سكانه".

تعميق الانقسام الفلسطيني

وأكّد أبو دياب أنّ "الحراك الفلسطيني بالقدس ساهم في توحيد الفصائل الفلسطينية نحو هدف واحد وهو الدفاع عن القدس والمقدسات، وعدم ترك المقدسيين وحدهم خلال هذه الهجمة الإسرائيلية المسعورة بحقّهم، وهو مسعى يتمناه كلّ فلسطيني حرّ، بأن تتحقق الوحدة الفلسطينية، وأن يزول الانقسام والذي تخشاه إسرائيل، وتحاول منذ سنوات تعميقه للاستمرار في فرض وقائع استيطانية جديدة على الأراضي الفلسطينية".

اقرأ أيضاً: بالصور.. المقدسيون يتحدون الإجراءات الإسرائيلية.. والأردن: القدس خط أحمر

ويبيّن الناشط المقدسي: "الاحتلال يراهن على انسحاب الجماهير الفلسطينية والمحتشدة في مدينة القدس نهاية شهر رمضان المبارك، لمواصلة مشاريعه وخططه التهويدية والاستيطانية بالمدينة المقدسة، وهو ما يتطلب من مختلف الدول العربية والإسلامية لإسناد الفلسطينيين في هباتهم قانونياً وسياسياً، للوقوف في وجه الغطرسة الاستيطانية والعدوانية الإسرائيلية".

انتفاضة ثالثة

من جهته، يرى رئيس الهيئة المقدسية لمناهضة التهويد، ناصر الهدمي، خلال حديثه لـ "حفريات"؛ أنّ "القدس، وباقي المدن الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة والداخل المحتل، تقف على أعتاب اندلاع انتفاضة ثالثة وانفجار جديد يصعب إيقافه، حيث طالما كانت مدينة القدس مفجرة المواجهة وبؤرة الصراع مع الاحتلال، ومن المتوقع أن تمتدّ شرارة تلك المواجهات المستمرة في القدس لمناطق واسعة من الأراضي الفلسطينية في حال استمرت اعتداءات الاحتلال على مدينة القدس وسكانها".

ناصر الهدمي

ولفت إلى أنّ "تأجيل الاحتلال الإسرائيلي قراره بإخلاء عدد من منازل المقدسيين في حي الشيخ جراح، يأتي كنوع من المراوغة الصهيونية بعد أن رأت حجم المواجهة والتصدي لاعتداءاتها من قبل الشبان المقدسيين"، مؤكداً أنّ "استمرار التوتر بالمدينة المقدسة من شأنه توسيع دائرة المواجهة وخروجها عن السيطرة، بالتالي، ازدياد فرصة اندلاع انتفاضة ثالثة هو أمر حتميّ لا مفرّ منه".

إفشال المخططات الصهيونية

وتابع الهدمي: "الاحتلال الإسرائيلي بات يتخوّف أكثر من أيّ وقت مضى من استمرار اندلاع المواجهات في القدس ومختلف المناطق الفلسطينية، وقد ظهر ذلك جلياً برغبته بتهدئة الأوضاع المتأججة، عبر تأجيل قرار محكمة الاحتلال تهجير سكان حي الشيخ جراح"، مشيراً إلى أنّ "دولة الكيان الصهيوني تحاول دوماً تنفيذ مخططاتها وفق خطط إستراتيجية، مبينةً على أسس علمية ودراسة للواقع الميداني لمدينة القدس، إلا هذه المرة، إذ فشل الاحتلال في توقعاته بعد أن صدم بردة فعل الشارع المقدسي والفلسطيني الذي يسعى لإفشال مخططاته الاستيطانية".

اقرأ أيضاً: الأردن والمقدسات.. مسؤولية تاريخية و4 ترميمات في 100 عام

وحول تهديد المستوطنين الإسرائيليين باقتحام المسجد الأقصى، في 28 رمضان، للاحتفال بعيد ما يسمى "توحيد القدس"، أوضح الهدمي؛ أنّ "الاحتلال يواظب على اقتحام مدينة القدس والمسجد الأقصى لإثبات سيطرته على المدينة المقدسة، لكنّ المتابع لما يجري الآن يستشف حقيقة الأمر على أرض الواقع، وهو أنّ المستوطنين لا يمكنهم أن يتمتعوا بالأمان عند اقتحامهم للمدينة المقدسة، حيث نجدهم يقتحمونها بحماية من قوات كبيرة من الجيش الإسرائيلي".

الصفحة الرئيسية