اللاجئون كضحايا لأنفسهم: في نقد النقد الطائفيّ!

4222
عدد القراءات

2018-07-16

لعلّ العالم منذ الحرب العالميّة الأولى يعيش ما يمكن تسميته بـ"حالة اللجوء". فمع تأسيس الدّول الحديثة، ونشوء الدول القوميّة، كان لا بدّ من اختراع سياسيّ يُسمّى اللاجئ، وهو غير مفهوم "المُشرّد"، أو "الأعجميّ" الوافد؛ إنّ اللاجئ، الحديث، هو مفهوم قانونيّ لذاتٍ "ليس لها الحقّ في أن يكون لها حقّ"، كما تقول المنظّرة السياسيّة حنا أرندت. فالدّولة القوميّة الحديثة قامت، بالأساس، على التفرقة بين المواطن -كذات لها حقّ سياسيّ وتوزيعيّ بما هي منتمية لبقعة جغرافيّة معيَّنة مصبوغة بجماعة من الناس، يعرّفون أنفسهم على نحوٍ ما- وبين اللاجئ بما هو ذات غير قانونيّة، لا دولةَ لها (statelees)، وبالتالي فلا بدّ من تقنين وضعها بشروط مغايرة لأبناء البلد الأصليين (native).

تكفي كلمة "لاجئ" لافتراض حالة لا قانونيّة معيّنة تجاه اللاجئين ومعاملتهم بحذر وافتراض أنّهم يهدّدون قيمَ الأمّة الموفود إليها

وبما أنّنا نعيشُ في عصر قانونيّ؛ أي عصرٍ يتمّ الاعتراف فيه بالإنسان من حيث هو ذات قانونيّة، حاصلة على هويّة معيّنة لأمّة أو لدولة بعنيها، فإنّ اللاجئين كانوا، وما يزالون، على هامش التأسيس القانونيّ لعصرنا الحديث. فتكفي كلمة "لاجئ" لافتراض حالة لا قانونيّة معيّنة، ولاتخاذ وقاء منهم، والتعامل معهم بحذر، وافتراض أنّهم يهدّدون قيمَ الأمّة الموفود إليها.

لا شكّ أنّ لتاريخ اللجوء محطّات طويلة. فمن "المنبوذ" اليونانيّ إلى اللاجئ اليهوديّ، ثمّ الاحتلال الصهيونيّ لفلسطين، وهناك اطّراد معين يصبغ التعامل مع اللاجئين باعتبارهم ذوات غير قانونيّة لا بدّ من تقنينها، أو دمجها على حذرٍ في الثقافة الجديدة، أو استبعادها من أجل الحفاظ على الشّعب كوحدة متخيّلة، لها هويّة محدّدة، ثقافيّة وقانونيّة وسياسيّة.

التقديرات تشير إلى أنّ من تمّ تشريدهم من العراق وسوريا حتى 2015 هو 12 مليون سوريّ و4 ملايين عراقيّ

في الحالة العربيّة، لا سيّما بعد الاحتلال الأمريكيّ للعراق 2003، وتشريد العراقيين وتدمير بلدهم باسم "إنقاذ" العراق من الديكتاتوريّة الصدّامية، وتمكين الأجندة الأمريكيّة الديمقراطيّة التي حاولت فرض الديمقراطيّة عبر أبشع وسائل عرفها العالم الحديث، وبعد ما يُطَلق عليه اسم "الربيع العربيّ" وتدمير سوريا بعد خروج انتفاضات سلميّة في 2011، فإنّ التقديرات تشير إلى أنّ من تمّ تشريدهم من العراق وسوريا حتى 2015 هو 12 مليون سوريّ، و4 ملايين عراقيّ؛ وهي الأرقام التي لا يمكن إلّا أخذها على محمل الجدّ، من حيث طبيعة التفتيت التي نالت دولتين كبيرتين -الأولى تحت التهديد الأمريكيّ، والأخرى على يد النّظام نفسه وميليشياته، والقوى الراديكاليّة الجهاديّة. وقد حاول المحلّلون دائماً ردّ حالة التشرذم العربيّ هذه، وإنتاج اللاجئين، إلى البنى الطائفيّة التي تحكم الصّراع العربيّ. بيد أنّ ثمّة قصوراً كبيراً يعتري هذه المقاربات التي تنطلقُ من فكرة "الطائفيّة" كمعطى جاهز، ومنفصل عن الأشخاص الذين يشتبكون على الأرض، من أجل مكوّن غير مرئيّ، يُسمى الطائفة.

اقرأ أيضاً: لم يسبق لها مثيل..تعرف إلى أرقام اللاجئين في العالم

إنّ أزمة التحليلات الطائفيّة للعالم العربيّ منذ عام 2003 -وحتى قبل ذلك- هي تجاهل كلّ الشّروط الموضوعيّة التي تحكم الصراعات العربيّة والقفز عليها إلى البنى الجاهزة سلفاً؛ كالدين تارةً والطائفيّة تارةً أخرى، أو الثقافة عموماً. تنسى هذه التحليلات، وهي تُقدَّم عن العالم العربيّ، ويُقدَّم مروجوها في الإعلام الغربيّ كـ"خبراء" جيّدين، أنّه لا يمكن الانطلاق من الطائفة -كمكوّن اجتماعيّ ودينيّ وثقافيّ وسياسيّ- إلى الطائفيّة كجهاز أيديولوجيّ وسياسيّ وحربيّ يقوم على فكرة المحاباة والإقصاء.

المحلّلون دائماً يردّون حالة التشرذم العربيّ وإنتاج اللاجئين إلى الطائفيّة بيد أنّها مقاربات يعتريها القصور

وكما يشيرُ البحّاثة اللبنانيّ أسامة مقدسي، فالواقع أنّ هناك خطّاً مطّرداً في توصيف العالم العربيّ والإسلاميّ باعتباره "طائفيّاً"؛ أي إنّ الصراع فيه طائفيّ، يقوم على الدين، ولا يمكن حلّه سياسيّاً. في الواقع، ترجع أصول التحليلات المرتكزة على الطائفيّة إلى فكرة الصراع السنيّ-الشيعيّ القديمة التي تعود إلى أربعة عشر قرناً؛ وبالتالي، يقوم الباحث المناصر للتحليل الطائفيّ بربط هذه الخيط اللاتاريخيّ بين صراع تاريخيّ وصراع مختلف، بنيويّاً، قائم حالياً. في هذا السياق، لا يمكن للمرء أن ينسى كلمات الرئيس باراك أوباما، حينما أكّد في مناسبات عدّة، حديثه عن "الاختلافات الطائفيّة الضاربة في القدم" لشعوب الشرق الأوسط والعالم العربيّ، الأمر الذي استخدمه أوباما -الإمبراطور الليبراليّ الأسود الذي ودّعه الليبراليّون بدموع التماسيح -على حدّ تعبير سنان أنطون- كتفسير للصراع الدائر في سوريا. فهي صراعات، حسب أوباما، تعود لآلاف السنين. في الصدد ذاته، قدّمت سارة بالين، المرشّحة السابقة لمنصب نائب الرئيس (وحاكمة ألاسكا)، مقترحاً واضحاً وصريحاً للغاية لصانعي السياسات الأمريكيين حيال الصراع في الشرق الأوسط، قائلة: "دعوا الله يحلّها في سوريا".

اقرأ أيضاً: لاجئون أبطال يستدرجون الأمل ويعانقون بمواهبهم روح الإنسانية

وهكذا، مع توافد اللاجئين إلى أوروبا بعد أزمات الصراع في الشرق الأوسط، سواء أكانوا من العراق أم سوريا أو اليمن، فإنّ الخطابات اليمينيّة وحتى بعض الخطابات الليبراليّة واليساريّة، رأت في هذه الوفود تهديدات نابعة من صراعات طائفيّة لن تندمج مع "قيم" الغرب التي تتعارض مع "ثقافة" المهاجرين. وبالتالي، شُنّت حملات ضدّ المهاجرين، ليس فقط من منطلق اقتصاديّ باعتبار المهاجرين سيتنافسون على الموارد المحليّة، بل من منطلق ثقافيّ باعتبارهم "آخر" أوروبا الذي لا يمكنه الاندماج مع قيم التسامح والعدالة والمثليّة الجنسيّة -هكذا- وبقيّة القيم التي تُصنَّف على أنّها ديمقراطيّة.

جيجيك: في عصرنا الرأسماليّ المتأخّر نجد المنتجات المجرّدة من خاصيّتها المؤذية: قهوة بلا كافيين، بيرة بلا كحول، إلخ...

ما أردت توصيفه بالأعلى هو ربط المنطق اليمينيّ بعضه ببعض فيما يتعلّق بمسألة الصراع في الشرق الأوسط بالخطاب ضدّ اللاجئين الشرق أوسطيين. فمن توصيف الصراع على أساس دينيّ- ثقافيّ، وبالتالي لا دخل للسياسة فيه إلّا بتدخلات الغرب الإمبرياليّة العسكريّة لتهدئة الوضع في هذه البلدان، إلى تصدير خطابات كراهية ضدّ المهاجرين الشرق أوسطيين من منطلق ثقافيّ، يعتمدُ رهاب الأجانب ركيزةً له، كان اللاجئون فريسة خطابات، لها أذرع واقعيّة سياسيّة واقتصاديّة، وبالتالي تتمّ معاملتهم كتهديد بربريّ.

اقرأ أيضاً: أزمة اللاجئين وتبعاتها على السياسة الألمانية.. هل تطيح بميركل؟

كان الناقد السولوفينيّ المعروف، سلافوي جيجيك، قد أشار ذات مرّة إلى أمر طريف يعمل في المجتمعات المعاصرة، وهو أنّ الحقّ المركزيّ في المجتمعات الرأسماليّة المتأخرة للأفراد -الذين لديهم نوع ممّا يسمّيه جيجيك "البربريّة بوجه إنسانيّ"- هو حقّ "ألّا يُضايقوا"؛ إنّهم أفراد يحترمون الآخر، لكنّهم وهم يفعلون ذلك يقولون إنّ الآخرين عليهم ألّا يتطفّلوا على فضائي الخاص؛ فهم يضايقونني برائحتهم، وطبخهم، وألعابهم. إنّهم أفراد يقفون  مع المهاجرين السّود وحقوقهم، لكنّهم غير مستعدّين بتاتًا للإصغاء -مثلًا- إلى موسيقى الرّاب.

اقرأ أيضاً: بازار لبيع منتجات اللاجئين في عمّان

لذلك، يقول جيجيك، إنّنا في عصرنا الرأسماليّ المتأخّر نجد سلسلة من المنتجات المجرّدة من خاصيّتها المؤذية: قهوة بلا كافيين، بيرة بلا كحول، وهلمّ جرّا. بيد أنّ الطريف لدى جيجيك ههنا هو أنّه يلفت نظرنا إلى منتج جديد في المجتمعات الرأسماليّة الحالية، وهو منتج "الآخر دون آخريّة" (Other without Otherness). فنعم، نحن نقبل بالهجرة، نقبل بالآخر، لكن بلا آخريّته، عليه أن يأتي ويحترم "معاييرنا" -والتي غالباً ما يصفها الغرب بأنّها معايير "كونيّة"- وأعرافنا، أو، كما يقول جيجيك نفسه "الآخر منزوع الكافيين الذي يرقص رقصات فاتنة والذي يمتلك مقاربة كليانيّة للواقع سليمة بيئياً، في حين تبقى صِفات مثل ضرب الزوجة خارج الرؤية؟".

توصيف المشهد طائفيّاً وتصدير خطاب يمينيّ عن المهاجرين يبقي اللاجئين الشرق أوسطيين في خانة الغرباء المزعجين

بيد أنّ جيجيك وقعَ هو ذاته في اختبار المهاجرين من بلدان إسلاميّة هو ذاته، وذلك بعد أحداث باريس ٢٠١٥، عندما كتبَ مقالاً رديئاً بعنوان "في أعقاب أزمة باريس: على اليسار أن يتمسّك بقيمه الأوروبيّة"، والذي ظنّ أنّه هدم فيه التابوه الذي يخشى كثيرٌ من اليسار الحديث عنه؛ ألا وهو تابوه المهاجرين. ففي المقال، حثّ جيجيك، بصراحة، على التفرقة الصارمة بين القيم الأوروبيّة -التي بدا أنّ جيجيك يناصرها كأبيض كولونياليّ- وقيم الثقافة الإسلاميّة التي ربطَ ربطاً مجحفاً بينها وربط بينها وبين المهاجرين بطريقة ساذجة -مما أوقعه في الثقافويّة التي ينتقدها؛ أي تنصيب أوروبا، التي يتحدث عنها بكلّ يقين بقيمها وكأنّها اختراع وُجِد كلحمة واحدة جغرافيّاً يُدعى أوروبا، والمهاجرين الذين وصفهم جيجيك بأنّهم لا يتناسبون وقيمنا الأوروبيّة (في تعليقٍ لحميد دباشي، يقول إنّه من الجيد أنّ المهاجرين لا يعرفون القيم الأوروبيّة، قيم الاستعمار والغزو والاحتلال والنّهب).

اقرأ أيضاً: رجل أعمال إماراتي يطلق صندوقاً لتعليم اللاجئين في الأردن ولبنان

الحاصل أنّ توصيف المشهد طائفيّاً وتصدير خطاب يمينيّ عن المهاجرين -المنبوذين عن وعيٍ!- هو محاولة لإبقاء اللاجئين الشرق أوسطيين في خانة الغرباء المزعجين، الذين أنتجتهم ثقافة عنف وكراهية، لا تتناسب والغرب المسيحيّ المتسامح، فبالإضافة إلى ما يلاقيه اللاجئ من تشريد، وموت أحياناً في البحار، والرحلات التي يهرب فيها، يلاقي في الوقت نفسه عنفاً رمزياً لنفيه عن العالم.

اقرأ أيضاً: قراءة حقوقية في أحوال اللاجئين: هل هم من أبناء السبيل الذين ذكروا في القرآن؟

اقرأ المزيد...

الوسوم: