المباحثات الليبيّة بين الفرقاء: هل فشلت الحلول السياسيّة؟

المباحثات الليبيّة بين الفرقاء: هل فشلت الحلول السياسيّة؟

مشاهدة

22/10/2020

بعد تعليق المباحثات الليبية بين الفرقاء السياسيين في جنيف، شباط (فبراير) الماضي، لأسباب متباينة، انطلقت المباحثات العسكرية، الإثنين الماضي؛ حيث بدأت اللجنة المُشكَلة من قبل خمسة مسؤولين عسكريين، من طرفَي الصراع في ليبيا، أعمالها في سويسرا، بعد أسبوعين من مباحثات مدينة الغردقة المصرية، التي سبقتها مباحثات بوزنيقة في المغرب.

اقرأ أيضاً: ماذا تعرف عن عمر التربي مهندس الفوضى في ليبيا؟

ورغم أنّ مباحثات المغرب لم تؤتِ أكلها، على عكس المتوقع، إلّا أنّ كثرة المباحثات، وتتابعها، دلّ على نوايا جادّة، تسعى لحلّ الأزمة الليبية، التي طال أمدها وصارت عبئاً على الجميع.

ليبيا...تقسيم وانقسام

لم تكن النوايا الحسنة، التي أبداها الفرقاء السياسيون في (بوزنيقة) المغرب، الشهر الماضي، كافية، حتى تثمر مباحثاتهم عن شيء جديد، يعزّز السلام الذي تسعى إليه ليبيا وشركاؤها الإقليميون، فمع انتهاء المحادثات السياسية، في اليوم الثاني والأخير من المفاوضات،  أصدر المعسكران السياسيان في ليبيا بياناً قالا فيه: إنّهما "عازمان على التوصّل إلى اتفاق"، بينما صرّح المتحدث باسم برلمان الشرق الليبي، عبد الله بليحق، للصحفيين، في آخر أيام المباحثات؛ بأنّ "الهدف من هذا التجمّع كان تحديد كيفية توزيع الوظائف، وليس اختيار أيّة أسماء لتلك المناصب"، وأكّد أنّ أيّ اتّفاق يجب أن تتمّ إعادته لمجلس النوّاب، للمصادقة عليه.

خلال الشهرَين الماضيَين؛ شهدت الساحة السياسية في ليبيا تحوّلاً مفاجئاً للأحداث، بعد أن استقالت الحكومة في بنغازي، واندلعت تظاهرات احتجاجية بسبب نقص الخدمات الأساسية للمواطنين من الماء والكهرباء، ما أجبر رئيس حكومة الوفاق الوطني، فايز السرّاج، على الاستقالة، والتي جاءت بعد ضغط التظاهرات الشعبية، التي قوبلت بعنف من قوّات الشرطة، ناهيك عن الأزمات التي كانت تواجه السرّاج بالفعل من داخل حكومته، تبعت هذه الخطوة مباحثات المغرب، التي لم تقدّم شيئاً جديداً، غير أنّ هذه التغييرات مثّلت خروجاً عن المسار السياسي، للأشهر القليلة الماضية؛ حيث أصبح الفريقان عالقَين في طريق مسدود، خاصة بعد محاولات مستميتة من حكومة الوفاق وميليشياتها الإرهابية السيطرة على مدينة سرت، والتي تُعدّ كنزاً إستراتيجياً تسعى تركيا، كداعم رئيس للوفاق، إلى السيطرة عليه، لكنّ التواجد العسكري لمصر في الجهة الشرقية من ليبيا، كان رادعاً لتوسّعات أردوغان، ومحاولته نهب آبار نفط مدينتَي سرت والجفرة (الخطّ الأحمر المصريّ).

الوضع الليبيّ معقّد جدّاً، بسبب قوى خارجية تحرص على قلب الموازين وخلط الأوراق، حرصاً على مصالحها الخاصة، كأمريكا، وتركيا التي تعتمد على جهود جماعة الإخوان

ويؤيّد الخبير في شؤون الحركات الإسلامية واﻹرهاب الدولي، الباحث منير أديب، أيّة مباحثات وتفاوضات تجري بين الفرقاء الليبيين، لكنّه غير متفائل بها، كما يؤكّد على أنّ الأزمة الليبية لن تنتهي إلّا بحلّ سياسيّ تفاوضيّ، يؤول إلى حلّ النزاع، لكنّ هذا الحلّ السياسي يصعب تنفيذه حالياً، نظراً لتدخلات بعض الدول الإقليمية في الأزمة، ووجود ميليشيات مسلحة.

 الحسم العسكري.. والطريق الصّعب

ويعتقد أديب، كما أبلغ "حفريات" أنّ "ثمّة تحدّيات سوف تواجه هؤلاء المفاوضين، وتعيديهم إلى المربع الأول، ومن هذه التحدّيات، على سبيل المثال لا الحصر، الميليشيات المسلّحة، وبالأخصّ التنظيمات الدينية المتطرفة؛ حيث إنّ كلّ المفاوضات السابقة اقترحت أن يتمّ دمج هؤلاء في الجيش الوطني الليبي، لأنّ هناك مجموعات مسلحة، وأغلبها مؤدلج، ووجودها غير شرعيّ؛ لذلك يبقى الحلّ في دمجهم بالجيش، وهي معضلة كبيرة، والمشكلة هي أنّ هذه المجموعات تحمل أيديولوجيات إسلامية متطرفة، وهو ما يجعل دمجها في الجيش خطراً كبيراً على بنية الجيش ونسيجه الوطني، وعملياً دمجها صعب لأنّ هذه المجموعات المؤدلجة سترفض عملية الدمج؛ إذ إنّها لا تؤمن بالمنظومة، وتسعى إلى الانفراد بالسلطة دون شراكة، وستحاول الانقلاب على الجيش والسيطرة على مقاليد الحكم، بالتالي، هذا لن يتناغم مع مفهوم المؤسسة العسكرية في ليبيا".

ولم تسفر مفاوضات الغردقة، التي عقدت أواخر الشهر الماضي، عن شيء يذكر، ولم يتم الاتّفاق على أيّة قضية خلافية، وعلى رأسها قضية الميليشيات المسلحة، حيث يؤكّد أديب؛ أنّ "ليبيا تضمّ 20 مليون قطعة سلاح، أغلبها مع الميليشيات الإسلامية المتطرفة، والبعض تملكه القبائل، وإذا كنا سنجلس على مائدة مفاوضات واحدة، لا بدّ من أن تُجمع هذه الأسلحة أولاً، وهذا لن يحدث؛ إذ إنّ الطبيعة القبلية التي تحكم الليبيين تستلزم وجود ترسانة أسلحة مع القبائل، إضافة إلى أسلحة التنظيمات، لكنّ الفرقاء السياسيين ما يزالون يتوجّسون خوفاً من بعضهم، والدليل أنّ حكومة الوفاق، وبدعم من  تركيا وقطر، استقدمت مقاتلين، خوفاً من انتصار الجيش الليبي عليهم".

اقرأ أيضاً: تركيا ممتعضة من مفاوضات جنيف ومحاولات لعرقلة المسار السياسي في ليبيا

وأعرب أديب عن اعتقاده بأنّ "الحلّ الحقيقي للأزمة، لن يكون إلّا حلاً عسكرياً حازماً، أي أنّ من يفرض إرادته هو من يقود البلاد، ورغم صعوبة هذا الخيار، وتكلفته الباهظة، إلّا أنّ الحلول الجذرية دائماً ما تستلزم الجدّية والصرامة".

الباحث منير أديب لـ"حفريات": الحلّ الحقيقي للأزمة في ليبيا، لن يكون إلّا حلاً عسكرياً حازماً، ومن يفرض إرادته سيقود البلاد، رغم صعوبة هذا الخيار

لكنّ الكاتب الصحفي بجريدة "الأهرام"، والباحث في الشؤون العربية والإسلامية، هشام النجار، يرى أنّ "كثرة المباحثات بين الفرقاء الليبيين، مؤشر إيجابي على اقتراب حلّ سياسيّ، من شأنه إنهاء الصراع المشتعل منذ سنوات".

اقرأ أيضاً: قاعدة عقبة بن نافع.. "شوكة تركية" في قلب ليبيا

يتابع النجّار، في تصريح لـ "حفريات": "هناك ملحوظة لافتة، بشأن مغزى كثرة المؤتمرات وتشابكاتها، الخاصة بشأن مساعي ومحاولات التوصل لتسوية سياسية، للأزمة الليبية، سواء التي انعقدت في الداخل الليبي، أو في المغرب أو في مصر، أو التي من المنتظر أن تنعقد في تونس، وهذا يعكس الرغبة لدى مختلف الفرقاء، في تجاوز الحلول العسكرية، وخلق خطوط سياسية كثيفة، تسدّ المنافذ أمام بعض الأطراف، سواء الإقليمية أو الدولية، التي ترغب فعلياً في خلط الأوراق أمام الحلول السياسية، لأنّ هذه الحلول لا تصبّ في مصلحتها وأطماعها في ليبيا، وتقلّص من نفوذها، وتحول دون تحقيقها لمشاريعها التوسعية، ومخططاتها بشأن الهيمنة على الجانب الأكبر من الثروة الليبية، اعتماداً على وضع كلّ عوامل القوة العسكرية والسياسية في يد الميليشيات وفي يد جماعة الإخوان".

تعقيدات الأزمة قد تطول

ربما تقود الحلول السياسية المتوازنة لمعادلة سياسية واقتصادية واجتماعية، مقبولة من الجميع، ومرضية لكلّ أطياف المجتمع الليبي، وتمثيلاته الجغرافية والجهوية والقبائلية؛ لأنّها، بحسب النجار، تستند لتقاسم عادل ومتوازن للسلطة وللثروة في ليبيا، وتحرص على تمثيل متساوٍ لأقاليم ليبيا الثلاثة الرئيسة، في المجلس الرئاسي والبرلمان والحكومة المرتقبة، فضلاً عن التمثيل في المناصب السيادية.

ومن اللافت حصول تقدّم إيجابيّ في كلّ المناقشات والجلسات التي تمّت حتى الآن، في انتظار بلورة كلّ ذلك في اتّفاق سياسيّ نهائيّ، ملزم للجميع، ووضع دستور مستقبلي يحكم المرحلة القادمة ويخضع له جميع الليبيين.

اقرأ أيضاً: كيف نهبت تركيا أموال ليبيا وتحويلات مالية ضخمة مقابل سلع وهمية أو تالفة؟

 لكن هناك مخاوف من التدخّل الأمميّ، الذي قد يطيل عمر الأزمة من خلال شروط معينة، قد تثير الخلافات وتعمّقها، بدلاً من حلّها؛ فمثلاً، دعوة أعيان القبائل وناشطي المجتمع المدني، دون دعوة النافذين في الصراع، يعني توقّع إصدار توصيات قد يرفضها رؤوس القوى السياسية الفاعلة؛ إذ إنّ تنظيم انتخابات قريبة، لا بدّ من أن يُبنى على دستور توافقيّ وطنيّ، حتى لا تؤدّي الانتخابات لتمديد الصراع في ظلّ نفوذ الميليشيات، وبالطبع لن تؤدّي لتحقيق مطالب الليبيين، في إنهاء الفترة الانتقالية، وإجراء انتخابات وطنية، واختيار سلطة تنفيذية فاعلة تتيح الخدمات الأساسية للشعب.

اقرأ أيضاً: 153 لاجئاً خارج ليبيا بعد التعرض لانتهاكات... ما القصة؟

 ويضيف النجّار: "الدستور الذي يدافع الإخوان وحلفاؤهم عن مسوّدته، مرفوض من قبل أطراف إقليمية، برقة وفزان وعموم الأقليات، وهذا يؤكّد أهمية الدّور المصريّ في هذه المرحلة، والحريص على تأسيس الحوار الوطني الليبي، على مشتركات وتوافقات دستورية، وهذا لن يحدث إلّا بتعديل الدستور؛ لأنّ الدستور الحالي لا يضمن التوزيع العادل للثروة الوطنية، ويحرم أقاليم عديدة منها".

اقرأ أيضاً: ليبيا: لماذا خرج أسامة الجويلي من المولد بلا حمص؟

 ويرى النجار أنّ "الوضع الليبيّ، رغم التطوّرات، معقّد جدّاً، بسبب قوى خارجية تحرص على قلب الموازين وخلط الأوراق، حرصاً على مصالحها الخاصة، دون مصالح الليبيين، وفي مقدّمة تلك القوى؛ أمريكا، وتركيا التي تعتمد على جهود جماعة الإخوان، وعلى ضخّ المزيد من المرتزقة والميليشيات، في محاولة لعرقلة الحلول السياسية الجامعة، واللعب على التناقضات الدّولية، وتخويف واشنطن من النفوذ الصيني والروسي، لحصر الثروة في يد أقلّية إخوانية، لتنتفع بها قوى خارجيّة، وحرمان الليبيين منها".

الصفحة الرئيسية