"المجتمع المعنوي": دولة الأخلاق هي الحل

3852
عدد القراءات

2019-05-30

على الرغم من أهمية كتاب "المجتمع المعنوي" للأمريكي جون ديفيد غارسيا، إلا أنّه لم يحظ بالترجمة إلى اللغة العربية، على ما تنبئ به محركات البحث على شبكة الإنترنت.
الكتاب، الذي صدر عام 1971 وهو الأول لصاحبه، قدم نظريات أساسية للأخلاقيات التطورية ثم التطبيقات البديلة التي اعتبرت بمثابة نظرية أخلاقية ثورية كبيرة تستلهم أو تتقاطع مع الروح الفلسفية لدى من سبينوزا، وبيير تيلار دي شاردان، وسواهما من الفلاسفة والمفكرين.

 اقرأ أيضاً: فيلسوف صنع مراهم الزئبق وابتكر خيوط الجراحة من أمعاء القطة
ورمى غارسيا من كتابه إلى وضع مفهوم الأخلاق ذي أساس عقلاني محض من دون عاطفة أو أيديولوجيا، لذا يوحّد الكتاب الأخلاق والفن والعلوم والتكنولوجيا من خلال ما يسميه المؤلف "التنمية الأخلاقية".
ولجون ديفيد غارسيا ( 25 مارس (آذار) 1935 - 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2001 ) أربعة كتب، والعشرات من المقالات والمحاضرات والندوات، وحاول تعميم أفكاره، وتأسيس مدارس لتنميتها بشكل رئيسي في الولايات المتحدة، ثم في تشيلي والمكسيك.

اقرأ أيضاً: النفّري الذي اتسعت رؤيته فضاقت عبارته: الجهل عمودُ الطمأنينة
ويعتقد غارسيا أنّ الجنس البشري على وشك الانتحار. لذا فإنّ من واجبه تقديم بديل منطقي عن الموت، ليضمن بقاء الإنسان، من خلال خطة للعمل الأخلاقي تشدّد على أنّ السعادة من دون هدف والأمن من دون وعي هي أهداف الهزيمة الذاتية التي يجب التخلي عنها إذا أراد التطور البشري الاستمرار.
ومن أجل إلقاء نظرة على جهود هذا المفكر، نقتبس، بشيء من التصرّف، هذا الجزء من كتابه، بعد ترجمتنا له إلى العربية من لغته الأصل الإنجليزية:

يمثل مجتمع الأخلاق امتداداً منطقياً للنموذج الحالي للإنسانية
المجتمع المعنوي
يمثل مجتمع الأخلاق امتداداً منطقياً للنموذج الحالي للإنسانية. المجتمع المعنوي هو مجتمع الكائنات الأخلاقية، التي تعتمد الأجهزة والمعرفة والعلم والتكنولوجيا لتوحيد المكونات الفردية للذكاء وتحويلها إلى الذكاء الجمعي. ومن شأن الذكاء الجمعي أن يحرّر المجتمع الأخلاقي، وصولاً إلى مجتمع الفكر النقي.

الناس في حالة من التراجع الحاد والتدهور الحتمي نتيجة البيروقراطية والأيديولوجيا ويتجلى هذا في الديمقراطيات من خلال الثورة ضد العقل

العقل هنا هو الأثر الذي يمكن أن يؤثر على نفسه. وبالتالي فإنه يمكن أن يتطور نحو الفكر النقي والوعي التام قبل أن يصبح أقل تأثيراً من الجسم، وأكثر تأثير في حد ذاته. وهذه عملية معقدة ومستمرة منذ آلاف السنين.
هكذا، ومن دون وعي، يتم إنشاء المجتمع المعنوي من خلال خلق نظائر من مكونات الذكاء نفسه. حدث هذا في ظل التوتر المستمر والاختبار العشوائي للقوة التطورية التي دفعت نحو الذكاء الجمعي للإنسان، بعد جملة من النتائج والاختبارات التي قادت إلى الذكاء الجماعي.
المجتمع الأخلاقي للإنسان حاله كما هو حال الكائن إلى الخلية؛ ومع ذلك، فإن المجتمع الأخلاقي في نهاية المطاف لانهائي.

اقرأ أيضاً: أوسكار وايلد سارداً حكاية سيدة مولعة برغبة أن تبدو غامضة
الفرق التطوري حاسم بين مجتمع أخلاقي وجميع أشكال الحياة الأخرى، أي إنّ المجتمع الأخلاقي واع تماماً لتطوره الخاص. وهذه العملية يمكن أن تكتمل على نحو مقصود داخل الدولة الأخلاقية، عندما يكون لدى الجميع الإدراك التطوري التام والموحّد لزيادة الوعي الكلي الجماعي. ومن هنا تكون بداية المجتمع الأخلاقي وانطلاقته.
ربما يكون المجتمع الأخلاقي، في البداية، متفوقاً قليلاً عن الدولة الأخلاقية، ومع ذلك عندما يبدأ البشر توحيد ذكائهم الفردي لغرض وحيد هو تضخيم الذكاء الجمعي، سيبدأ المجتمع الأخلاقي يتطور بسرعة، حيث يعكس التطور الجماعي التطورات الفردية لكل عناصر المجتمع الذاتية.
وتتطور مكونات المجتمع الأخلاقي من شبكات الاتصالات ومضاعفات الآليات الميكانيكية والكهربائية وأجهزة الاستشعار، وأجهزة الكمبيوتر، والخلايا الاصطناعية وأجهزة أخرى. وبالتالي فإنّ الدولة الأخلاقية تمثل الإرادة الجماعية الجنينية والخيال الكلي للمجتمع الأخلاقي. في نهاية المطاف المجتمع المعنوي سيكون كياناً واحداً فيه يندمج الجميع بالمعرفة والآلات.

اقرأ أيضاً: خطبة مارتن لوثر كنج: الأحلام حين تهزم أوهامَ القوة
ولكن في المجتمع الأخلاقي على الإنسانية أن تتطور تدريجياً من الإنسانية المجزأة إلى الوحدة، من دون أن تكون هناك تغييرات جذرية مفاجئة في الهيكل. وفي غضون ذلك سيكون الناس أشدّ وعياً، أكثر من أي وقت مضى، فمن خلال الحرية فقط سيكون المجتمع الأخلاقي ممكناً، فالحرية والوعي هما الأساس في الأسباب والمؤثرات.
المجتمع المعنوي سيكون كياناً واحداً فيه يندمج الجميع بالمعرفة والآلات

دراسة الجدوى
الجدوى الفنية للمجتمع الأخلاقي واضحة. فنمط قدرة الإنسان المتزايدة على التنبؤ والتحكم في بيئته إجمالاً يشير إلى أنّ جسم المجتمع الأخلاقي ممكن، وأنّ معظم مَن كان موجودٌ بالفعل أو يتم إنشاؤه بسهولة. يبقى فقط العمل على توسيع الأسلوب العلمي ليتناسب مع البيئة النفسية والاجتماعية من أجل خلق العقل، أي الروح. بهذه الطريقة فقط يمكن تخليق العقل للمجتمع الأخلاقي.

اقرأ أيضاً: إبراهيم المازني وحلّاق القرية
سيتم إنشاء العقل الجمعي للمجتمع الأخلاقي من العقول الفردية للإنسانية بحرية، من خلال جماع الفن والعلوم والتكنولوجيا، وتحقيق هدف مشترك. ويبدو أنّ الإرادة والخيال وتضخيمهما من قبل، من خلال التعاون الوثيق الطوعي بين الأشخاص يخدم هذا الهدف المشترك. كما أنّ البرامج التعليمية للدولة الأخلاقية تزيد من وتيرة هذه العملية من خلال جعل جميع الأشخاص أعلى وعياً، وكذلك خلق قنوات تواصل مباشرة بين العقول الفردية. وهذا الأخير يمكن أن يكون امتداداً للتواصل الاصطناعي، ونسميه لغة.
هذا يمثل امتداداً طبيعياً للعمل الذي تقوم به حالياً علوم وظائف الأعصاب والفيزياء الحيوية وعلم النفس الرياضي. فإذا تم تجميع المعلومات، والخيال فإنّ العقل الجمعي للمجتمع الأخلاقي سيبدأ في التطور. وسيتم تعزيز التنمية من خلال تضخيم عمل الذاكرة والمنطق من خلال تطوير أجهزة الكمبيوتر الفائقة مع مكونات شبه مجهرية. وسيتم تعزيز العملية برمتها من خلال التكنولوجيا التي تشهد نمواً سريعاً من المجسات الاصطناعية والمستجيبات.

اقرأ أيضاً: عمر في مرآة العقاد: سريع البكاء إذا جاشت نفسه بالخشوع
الجدوى الفنية للمجتمع المعنوي مضمونة. قد يستغرق إنشاؤها مئات السنين، أو قد يكون من الممكن في خمسين عاماً. الوقت غير مؤكد إلى حد كبير. العائق الجدي الوحيد لخلق مجتمع أخلاقي هو زيادة التوترات في الكون البشري.
الناس حالياً في حالة من التراجع الحاد والتدهور الحتمي نتيجة البيروقراطية والأيديولوجيا. ويتجلى هذا في الديمقراطيات من خلال الثورة ضد العقل، والرفاهية، والخصخصة، والأمية العلمية، والأهم من ذلك كله من خلال الفجور في القيادة.
في الدول الشمولية يتجلى ذلك من خلال خنق غير أخلاقي للحرية لخدمة مصالح ذاتية من الطبقات الفاسدة، والبيروقراطية والأيديولوجية التي يهيمن عليها الرجال بشكل غير لائق. قمع الحرية من خلال الأيديولوجيا والبيروقراطية يؤدي حتماً إلى انقراض الوعي عن طريق جعل جميع الناس غير أخلاقيين. العالم أصبح غير أخلاقي.
الدفاع الوحيد هو أنّ الجنس البشري لديه التعليم، ولكن التعليم هو أيضاً في تراجع بسبب البيروقراطية وإعاقة العلوم النفسية والاجتماعية من خلال إنشاء العقائدية. الأمل الوحيد للتغلب على الكون، الذي سيدمر حتماً الجنس البشري، هو الدولة الأخلاقية.

على المدارس أن تقوم بتدريس جميع العلوم والأخلاق بوصفها، موضوعاً واحداً متكاملاً

ما يجب القيام به

اذا كانت الناس ترغب في الاستمرار في التطور نحو الوعي الكلي، فهناك بعض الخطوات الأساسية التي يجب اتخاذها. الخطوة الأولى والأكثر أهمية هي تجميع الأنصار واللاعبين المؤيدين للعبة الحياة. وتركيز كل الطاقات على إنشاء دولة الأخلاقية. ويجب أن يتم فعل ذلك مهما كانت التكلفة لهم ولذويهم. وكل رجل أخلاقي يدرك الأنماط التطورية على طريقته الخاصة. تاريخياً كان هذا التصور في مستوى الوعي، وهذا ربما كان الحال مع موسى وكونفوشيوس وبوذا وسقراط، ويسوع.

اقرأ أيضاً: "البيت والعالم" لطاغور: المحبّ لسمكته مطبوخةً ليس كمن يحبّها في الماء
وربما أول من قام بمحاولة مقصودة في الإدراك الواعي للأنماط التطورية هو سبينوزا. بعد سبينوزا، أدلى المفكرون الآخرون بمحاولات مماثلة. كان أبرزها ما قدمه غوته، داروين وماركس، وبيير تيلار دي شاردان (هو فيلسوف وكاهن يسوعي وجيولوجي فرنسي تخصص بعلم حفريات ما قبل التاريخ والحفريات، وساهم في اكتشاف إنسان بكين. ومن أعماله تصور فكرة نقطة أوميغا وتطوير مفهوم فلاديمير فردانسكي المعروف بمجال العقل أو مجال نو "Noosphere". واجهت بعض أفكاره معارضة المسؤولين في الكنيسة الكاثوليكية وتم منع العديد من كتبه).

اذا كانت الناس ترغب في الاستمرار في التطور نحو الوعي الكلي يتعين تجميع الأنصار واللاعبين المؤيدين للعبة الحياة

هؤلاء الرجال الخمسة كل له مزاج مختلف جذرياً وأيديولوجياً خاصة. فقط يبدو سبينوزا من بينهم خالياً من أي أيديولوجيا واعية، لكنه اضطر إلى العمل مع العلم البدائي والمنطق. ومع ذلك، إن شئنا استخراج المبادئ الأخلاقية من كتابات هؤلاء، فإننا سنتوصل إلى رمز ثابت مثير للدهشة من الأخلاق هي لعبة الحياة. لذلك، البشر الأخلاقيون قد لا يوافقون على علاقة العلة والمعلول، ولكن من المرجح أنهم يوافقون على الأخلاق الأساسية. هذا الميل إلى الاتفاق على المبادئ الأخلاقية الأساسية ينبغي أن يستثمر لانضمام جميع الأشخاص الأخلاقيين في المجتمع بقصد إنضاج وبلورة لعبة الحياة، وكذلك إنشاء الدولة الأخلاقية، والتغلب على البيروقراطية السياسية، وتولي الحكومة بالوسائل الأخلاقية.
وثمة طريقة واحدة لتحقيق هذا الهدف هو أن تبدأ المدارس بتدريس جميع العلوم والأخلاق بوصفها، موضوعاً واحداً متكاملاً، وهذه وظيفة أساسية لا يتم القيام بها من قبل البيروقراطية التعليمية؛ لأنّ الفساد البيروقراطي يجب أن يتوقف قبل أن يدمر البشرية.

اقرأ أيضاً: حليم بركات.. إذ يغوص في المجتمع العربي ويشخّص علله وتطلعاته
يتعين أن يكون الهدف الرئيسي لمنع البيروقراطيين السياسيين من تبوّؤ المناصب، هو انتخاب القادة الأخلاقيين. ولتحقيق هذه الغاية على الأنصار تركيز الثروة بالوسائل الأخلاقية الممكنة، من خلال التركيز على الاختراعات والإبداعات، وإنتاج التكنولوجيا مما يزيد الوعي.
ثم يجب أن تستخدم كل الثروة المتراكمة لانتخاب الرجال الأخلاقيين في المناصب العامة وإقصاء القادة غير الأخلاقيين من السلطة. ويمكن القيام بذلك في إطار حزب منظم مخصص للقضاء على الفساد السياسي بالوسائل الأخلاقية. هذا يمكن أن يطلق عليه حزب الأخلاق.
هذا الحزب يمكن أن يستخدم لإعادة توجيه الأنشطة الهدامة في الوقت الحاضر وغير الأخلاقية ومحاصرة الثورة ضد العقل، وإعادة الأمور إلى قنواتها الأخلاقية. يجب أن ينتصر السلوك الأخلاقي على الفجور.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



"العشق المحرَّم" بين الديكتاتوريات والساحرة المستديرة

صورة منى يسري
صحافية وكاتبة مصرية
2019-08-20

بعد عامين من انقلابه على رئيسة البلاد، إيزابيل بيرون، حرص الجنرال العسكري، خورخي فيديلا، على إقامة كأس العالم في الأرجنتين، لعام 1978، بعد اتهامات عالمية بالقتل، وزجّ المعارضين في السجون، وحالة من القمع السياسي، أعادت للأرجنتين مشاهد من الفاشية والنازية الأوروبية.

اقرأ أيضاً: آلان روب غرييه: ثلاثة فتية شقر يسيرون بمحاذاة البحر
فيديلا ليس الأول أو الأخير، بل تتعاقب الديكتاتوريات على كلّ الشعوب، ولا يفلح مع الجموع أيّ مخدِّر سوى كرة القدم، فهل تغدو أفيوناً جديداً للشعوب المكتوية بنيران الشمولية؟

 خورخي فيديلا

لتمت إيطاليا من أجل كأس العالم
الشعار المثالي لما فعله القائد الفاشي الأشهر، بينيتو موسوليني، وفق كتاب الصحفي البريطاني (Amit Katwala)، المعنوَن "حكايات كرة القدم"، يذكر فيه أنّه، وقبل أشهر قليلة من كأس العالم 1934، استدعى موسوليني، رئيس الاتحاد الإيطالي لكرة القدم وقتها، جورجيو فاكارو، بعد أن كانت البلاد قيد استعدادها لإقامة البطولة على أراضيها، ليأمر الدوتشي رئيس الاتحاد: "يجب أن تفوز إيطاليا بالكأس هذا العام، سيكون هذا حقاً إنجازاً رائعاً"، وامتثالاً لأوامر الديكتاتور؛ كان على اللاعبين الفوز باللقب، وتحت قيادة مدرب عسكري، فيتوريو بوزو، الذي استدعى اللاعبين الإيطاليين من الفرق العالمية كافة، وأجبرهم على اللعب في المونديال، تحت شعار "إذا استطاعوا الموت لأجل إيطاليا سيتمكنون من الفوز من أجلها"، وبحسب الكاتب؛ فإنّ اختيار إيطاليا لإقامة البطولة كان محفوفاً بالغموض، خاصة بعد أدلة تثبت تورط رئيس الاتحاد الإيطالي السابق، جيوفاني ماورو"، وقيامه بضغوط سياسية غير رسمية على الفيفا، لإقامة البطولة على أراضيه، وتكفّل نيابة عن الحكومة الفاشية، بدفع بلاده لأيّة خسائر مالية تكبدتها المنظمة، خاصة بعد تفضيلها على منافسها الأكثر جدارة "السويد".

"أنت يا لاعب كرة القدم الحقير!" كلمات أطلقها الكونت كينت على لسان شكسبير في مسرحيته الأشهر "الملك لير"

وبينما يحاول العالم الاستشفاء من أكبر أزمة اقتصادية "أزمة الكساد العالمي 1929"، يبذل موسوليني المزيد من المال على حساب الشعب الإيطالي، من أجل إنجاز كروي، ويرجع الفضل في ذيوع صيت تلك البطولة بشكل خاص إلى أخيل ستاراس، المروّج الإعلامي للحكم الفاشي في إيطاليا، والمشهور آنذاك بلقب "الكاهن الأكبر"؛ فبعد أن صمّمت شركته "Starace" للدعاية، التحية الفاشية الشهيرة، كان عليها أن تجعل خبر كأس العالم في كلّ مكان بالبلاد، فصمّمت الإعلانات واللافتات في الشوارع بشعار جديد لكأس العالم، ونشرت أكثر من 300 ألف منشور من الملصقات والطوابع الصادرة مع صور لكأس العالم، وحتى السجائر الوطنية صممت أغلفتها من أجل الكأس تحت شعار"Campionato del Mond".

موسوليني
بحسب الصحفي الإنجليزي في جريدة "الغارديان"، جيم هارت؛ فإنّ موسوليني أراد تقديم الفاشية بصورة المستقبل الأفضل لإيطاليا، وحرص على توفير سائر الاستعدادات، مهما تكلّف الأمر، كما حرص على شراء تذكرة الافتتاح بنفسه، وبثّ جميع المباريات على الإذاعة، ودعوة المواطنين لحضور المباريات، ولكنّ الحضور ظلّ ضعيفاً حتى النهائي، الذي حضره 65 ألف متفرّج، في مباراة كانت عراكاً جسدياً بين الفريقين، حتى توِّجت إيطاليا بما أمر به الزعيم، وكانت تلك بداية لعلاقة صداقة بين اثنين من أكثر قادة العالم ديكتاتورية في القرن العشرين.

تحت راية الشمولية
بعد أربعة أيام من حصول إيطاليا على لقب بطولة كأس العالم 1934، تمّ إلغاء اللقب؛ بسبب بعض المؤامرات السياسية التي دبّرت قصة الفوز بالبطولة، ما دفع موسوليني إلى اللجوء إلى نظيره الديكتاتور الألماني، أدولف هتلر، والذي كان يستفيق لتوه من خسارته لمعركة الدعاية في أولمبياد برلين 1936.

أنطونيو غرامشي لم يجد حرجاً من وصف كرة القدم بـ "مملكة الوفاء البشري تلك التي نمارسها في الهواء الطلق"

وفق فيلم وثائقي قدّمته شبكة الإذاعة البريطانية "BBC" عام 2003، بعنوان "الفاشية وكرة القدم"؛ فإنّ "العلاقة بين الفاشية وكرة القدم بدأتها إيطاليا، لتصاب الديكتاتوريات المجاورة بالعدوى ذاتها". وكما ورد في حوار أجرته عضوة الأكاديمية الوطنية للألعاب الأوليمبية في إيطاليا، أنجيلا تاج؛ فإنّ "موسوليني، كديكتاتور، حرص على الظهور إعلامياً وهو يمارس مختلف الرياضات؛ بدءاً من ركوب الخيل والتزلج على الجليد، وحتى السباحة، لكنّه وجد أنّ مفعول كرة القدم أكثر جاذبية للناس، فحرص على أن يُعدَّ الراعي الرسمي لبطولة عالمية تتوج بها حقبته الدموية"، وتؤكّد أنّ الفكرة نفسها كانت دافعاً لهتلر في ألمانيا وفرانكو في إسبانيا.

الفاشية وكرة القدم

"أنت يا لاعب كرة القدم الحقير!"، كلمات أطلقها الكونت كينت، على لسان شكسبير في مسرحيته الأشهر "الملك لير"، لكنّه لم يعِش اليوم ليرى ما آلت إليه كرة القدم، وما يمثله أبطالها في عالمنا، وكيف صارت أهدافها، مسعى يلهث خلفه أباطرة العالم الجديد، كهتلر الذي لم يجد حرجاً في احتلال النمسا عام 1938، وإجبار أعضاء الفريق على اللعب لصالح ألمانيا النازية، مرتدين الشعار النازي، وكان على الفريق النمساوي بأكمله الانسحاب من البطولة؛ احتجاجاً على احتلال بلادهم، وبالألاعيب السياسية نفسها حاول هتلر الضغط على الفيفا، لجعل البطولة في ألمانيا، ولكنّها اختارت فرنسا، كبلد المنشأ للمؤسسة، وحتى لا يتكرر ما حدث مع إيطاليا، لكن تبقى قصة اللاعب النمساوي، ماتياس سينيديلار، الذي رفض أن يخضع لتهديدات الفريق الألماني، وحثّ فريقه على الفوز بمباراة صورية أمر هتلر بانعقادها، وبالفعل فاز النمساويون على الألمان؛ بسبب هدف ماتياس، الأمر الذي جعله تحت مراقبة الجيستابو، وبعد أشهر قليلة وجِد مقتولاً في شقته، مدّعين أنّ سبب الوفاة كان اختناقاً بالغاز، لكن حتى اليوم يؤمن كثيرون بأنّ النازيين اغتالوه، لما عُرف عنه من مساعدة زملائه اليهود على الهرب من جحيم النازية، وبذل أمواله في مساعدتهم.

اقرأ أيضاً: في عالم بلا قلب: لماذا أراد ماركس أن يحرمنا عزاءنا الوحيد؟

اللاعب النمساوي ماتياس سينيديلار

الثلاثي المرح يعبث بالشعوب
أهي أفيون للشعوب؟! بهذا التساؤل البسيط يطرح الكاتب الصحفي من الأوروغواي، إدواردو غاليانو، في كتابه "كرة القدم بين الشمس والظلّ"، قصة كرة القدم كمرآة للشعوب، وتاريخ آخر موازٍ للتاريخ السياسي، الذي ربما يجهل البعض مدى الصلة الوطيدة بينهما، مجيباً عن تساؤله: "ما ھو وجه الشبه بين كرة القدم والإله؟ إنه الورع الذي يبديه كثيرون من المؤمنين والريبة التي يبديھا كثيرون من المثقفين"؛ فالصينيون كما بدؤوا كلّ شيء تقريباً في عالمنا، بدؤوا بلعب كرة القدم، التي انتقلت عدواها إلى أرجاء العالم أجمع، وحين امتزجت بالسياسة، انحرفت عن مسارها الذي قامت لأجله "متعة اللعب لأجل اللعب"، وفي قصة الحرب الأهلية الإسبانية، التي امتزجت بالكرة، أكبر دليل على ذلك؛ فبينما كان هتلر وموسوليني يلهثان خلف لقب المونديال، اشتعلت الحرب الأهلية في إسبانيا، عام 1936، واستمرت لعامين، منح فيها الفوهرر والدوتشي كلّ الدعم لـ "الكاوديو"، نظيرهما في إسبانيا، والذي اتخذ من نادي ريال مدريد وجهاً سياسياً له ضدّ نادي الشعب المندد بالديكتاتورية "برشلونة"، وفي مواجهة كأس إسبانيا لعام 1943، هتف جمهور برشلونة داخل الملاعب ضدّ فرانكو، ما جعل التهديدات تلاحق النادي من الإدارة العسكرية بألّا يفوز على ريال مدريد، لتأتي النتيجة التاريخية التي فاز بها الريال على برشلونة 11/1.

اقرأ أيضاً: "الإنسان قمة التطور": سلامة موسى متأثراً بداروين وجالباً على نفسه اللعنة!

اقتحمت كرة القدم مجالات الحياة

بين كرة القدم والوطن علاقة وطيدة الصلة، رسّخها الديكتاتوريون في التاريخ الحديث، واحتقرتها النخب المثقفة من اليسار الماركسي، الذي يرى في هذه الكرة ملهاة للشعوب والعمال عن نضالهم المستحقّ، ورغم ذلك لم يجد الماركسي الإيطالي الأشهر، أنطونيو غرامشي، حرجاً من وصفها بـ "مملكة الوفاء البشري، تلك التي نمارسها في الهواء الطلق"، بينما بقي الماركسيون يرددون؛ أنّ العمال المنوَّمين بالكرة التي تمارس عليهم سحراً خبيثاً، يصابون بضمور الوعي، ويتيحون لأعدائهم الطبقيين أن يسوقوهم كالقطيع، لكن عندما جاءت كرة القدم من قلب الموانىء، وورش سكك الحديد في الأرجنتين، التي ولد منها نادي "جونيورز"، لم يجد بعض الماركسيين غضاضة في الاستمتاع بكرة القدم، رغم وصفها بآلية برجوازية لمنع الإضرابات، والتستّر على التناقضات الاجتماعية، فهي –برأيهم- مؤامرة إمبريالية للإبقاء على الشعوب المقهورة في طور الطفولة.

اقرأ أيضاً: فيلسوف صنع مراهم الزئبق وابتكر خيوط الجراحة من أمعاء القطة
وفي عالم ما بعد الحداثة، وعولمة قلبت العالم رأساً على عقب؛ اقتحمت كرة القدم مجالات الحياة، وأصبحت سلعةً تقدم على شرفها حمى الاستهلاك النهم الذي يغزو الأرض، ورمزاً للوطنية، فليس مهمّاً أن يملك الإنسان قوت يومه، بقدر ما يهم أن يفوز منتخبه الوطني، وفي هذا تحقق لنبوءة الماركسيين، الذين رفضوها كسلعة برجوازية وملهاة لبشرية لم يكتمل نضجها بعد.

للمشاركة:

آلان روب غرييه: ثلاثة فتية شقر يسيرون بمحاذاة البحر

2019-07-29

تلقي قصة "الشاطئ" ضوءاً على عالم الكاتب والسينمائي الفرنسي آلان روب غرييه، الذي ولد في 18 آب (أغسطس) 1922 وصدرت له عشرات الكتب وستة أفلام.
ويعد غرييه بابا "الرواية الفرنسية الجديدة"، فضلاً عن كونه واحداً من "كبار" الكُتّاب، لا في فرنسا وحسب، بل في العالم، في النصف الثاني من القرن العشرين، وفق الكاتب اسكندر حبش الذي رثاه في صحيفة "السفير" لحظة رحيله في الرابع والعشرين من فبراير (شباط) العام 2008.

يُعدّ غرييه بابا "الرواية الفرنسية الجديدة" وواحداً من "كبار" الكُتّاب لا في فرنسا وحسب بل في العالم

اكتسب غرييه شهرة كبيرة خارج بلاده، عبر نظريته "عن الرواية الجديدة" إلا أنّ ذلك لم ينفعه، إذ بقي أقلّ الكُتّاب "محبة" من قبل القراء الفرنسيين. بالتأكيد، كان يثير الإعجاب، إلا أنه سبّب الاختلاف الكبير حول أدبه، كما الغيرة من شهرته. ومع ذلك، لم يستطع أحد إلا احترام حيويته الثقافية، على الرغم من عدم الاتفاق حوله، بسبب "ذكائه الماكر والشرس".
بدأ غرييه حياته الأدبية "زعيماً لتيّار أدبي" بسبب قناعاته الجمالية (الاستيتيكية) الحادة، التي كان يدافع عنها عبر هجومه على أدب عصره. من هنا اعتبر أنّ الرواية الجديدة ـ التي صاغ أفكارها ونظّر لها مطولاً ـ هي طريقة للاتحاد ولمواجهة الأدب "البالي"، السهل، الذي يروق للعدد الكبير من القراء.

اقرأ أيضاً: رواية "الإصبع السادسة".. الهروب إلى التاريخ لفهم الحاضر
ولعب تشكّل غرييه المهني والفكري؛ أي دراسته للهندسة الزراعية، الدور في هذه النظريات، إذ اعتبر أنّ الأدب مثله مثل العلم، بمعنى أنّ هذا الأخير قد أصابه التطور على مر السنين، لذلك على الأدب أن يتطور بدوره، وأن تفرض الحقائق الجديدة نفسها لتحيل القديمة جزءاً من التاريخ. واعتبر غرييه، أنّ هذا الأدب القديم (والفن بشكل عام) يملك، من دون شك، أخطاء استيتيكية لذلك امتلك تحليلات سيئة، خاطئة، تماماً كما حدث الأمر في التحليلات الرياضية، حيث جاءت نظريات جديدة لتنسف كل التحليلات القديمة. لكنه لم يتوقف عند ذلك، إذ نادى غرييه، بضرورة قيام الثورة في الأدب، حيث على الجديد أن يقتل الأدب القديم ويحل مكانه.

اكتسب غرييه شهرة كبيرة خارج بلاده، عبر نظريته "عن الرواية الجديدة"
في قصة "الشاطئ" التي ترجمها الكاتب والإعلامي الأردني عامر صمادي، ونشرها موقع "المسيرة الإلكتروني" إطلالة أخرى على عالم غرييه المدهش والفسيح والمكتظ بالتفاصيل الصغيرة:

الشاطئ
صبية ثلاثة يمشون على طول الشاطئ جنباً إلى جنب ويمسكون بأيدي بعضهم البعض. طولهم متقارب وأعمارهم أيضاً متقاربة في حوالي الثانية عشرة، لكن مع ذلك يبدو الذي في الوسط أقصر من الاثنين الآخرين. باستثناء هؤلاء الصبية الثلاثة فالشاطئ الطويل فارغ، يمتد فيه شريط الرمل العريض بوضوح على مد النظر، يخلو من الصخور المتناثرة، والحفر المائية وينحدر بنعومة من المنحدر الصخري عند الشاطىء نحو البحر فيبدو لا نهاية له.

اقرأ أيضاً: رواية الطباخ: فن طهي أزمات السياسة وتناقضات الاقتصاد
الطقس رائع والشمس تضيء الرمل الأصفر بضوء عمودي متقد، السماء صافية بلا غيوم والريح ساكنة، الماء أزرق صاف بلا أي أثر لموجة كبيرة قادمة من بعيد على الرغم من مواجهة الشاطئ للبحر المفتوح والأفق البعيد.
لكن ومع ذلك تتكون في المنخفضات المنتظمة موجة سريعة بنفس الحجم دائماً على بعد عدة ياردات من الشاطئ، ترتفع فجأة ثم تتكسر على طول نفس الخط دائماً، لم يكن الماء يبدو أنه يندفع إلى الأمام ثم يعود. بل بدا الأمر وكأنّ الحركة كلها في وضع سكون. يشكل ارتفاع الماء منخفضاً ضيقاً ضحلاً على طول الشاطئ ثم تعود الموجة أدراجها بنعومة يرافقها صوت دحرجة الحصى لتتحطم وتنتشر فوق المنحدر على حافة الشاطئ وتعود لتغطية الفراغ الذي تركته.
غالباً ما ترتفع موجة أقوى هنا وهناك لترطب - للحظة - مزيداً من حبات الرمل ثم يعود كل شيء إلى السكون. البحر مسطح أزرق مساكن على مستوى رمل الشاطئ الأصفر حيث الصبية الثلاثة جنباً إلى جنب.

"المماحي" لغرييه
ثلاثتهم شقر، شقرتهم تقارب صفرة الرمل، لكن بشرتهم داكنة قليلاً وشعرهم فاتح اللون قليلاً، يرتدون ملابسهم بنفس الطريقة، سراويل قصيرة وقمصان بلا أكمام، يمشون جنباً إلى جنب وهم يمسكون بأيدي بعضهم البعض ويسيرون بخط مستقيم مواز للبحر وللمنحدر بمسافة تتوسط الاثنين، لكن أقرب قليلاً إلى الماء، الشمس الآن في أوج توهجها فلا تلقي ظلالاً على أقدامهم ولا يوجد أمامهم أي أثر على الرمل من المنحدر الصخري وحتى الماء، فالصبية يسيرون بهدوء مستقيم وبينهم مسافات متساوية دون أي انحراف إلى أي جهة من الجهات ويمسكون بأيدي بعضهم البعض.

اقرأ أيضاً: شعرية الأعماق في رواية "بأي ذنب رحلت؟" للكاتب محمد المعزوز
خلفهم كان على الرمل ثلاثة خطوط لآثار أقدامهم العارية. ثلاث سلاسل منتظمة بينها مسافات متساوية، آثار غائرة في الرمل بوضوح دون أي تشابك مع بعضها، يسير الصبية إلى الأمام دون أي التفاتة إلى المنحدر الصخري على يسارهم أو إلى البحر وأمواجه الصغيرة التي تتحطم بتتابع في الاتجاه الآخر بل وحتى دون أن يلتفتوا إلى الخلف ليقدروا المسافة التي قطعوها استمروا في طريقهم بخطوات سريعة وموحدة.
أمامهم، هناك سرب من طيور البحر تسير على الشاطئ وحافة الموج، تسير بموازاة الصبية الثلاثة وبنفس الاتجاه وتسبقهم بحوالي مائة ياردة، لكن بما أنّ الطيور لا تتحرك بنفس سرعتهم فقد لحق الصبية بها، ومع أنّ البحر كان يمحو آثار سرب الطيور باستمرار إلا أنّ آثار أقدام الصبية بقيت منقوشة بوضوح في الرمل الرطب حيث ازدادت الخطوط الثلاثة من آثار الأقدام طولاً على طول، عمق آثار الأقدام تلك لا يتغير أقل من إنش بقليل، تشوهها تعرجات الحواف أو ضغط اعقاب الأقدام أو مقدماتها تبدو وكأنها قد حفرت بواسطة آلة على الشاطئ.

اقرأ أيضاً: هل انتهى زمن الرواية؟
هكذا تمتد خطوطهم الثلاثة، دائماً وبنفس الوقت تبدو وكأنها تضيق حتى كأنها تندمج في خط واحد يقسم الشاطئ إلى قسمين من خلال طولها الذي ينتهي بحركة ميكانيكية صغيرة تبدو من بعيد وكأنها في وضع ثبات، الارتفاع والهبوط المتعاقب لستة أقدام عارية كلما تحركت مبتعدة اقتربت من الطيور، وهي لا تنهب الأرض بسرعة لكنّ المسافة القريبة التي تفصل المجموعتين تضمحل أسرع مقارنة مع المسافة المقطوعة وسرعان ما أصبحت تفصلهم مسافة لا تتجاوز بضع خطوات لكن عندما بدا الصبية أخيراً أنهم على وشك الاصطدام بالطيور رفرفت أجنحتها وبدأت بالطيران طير واحد ثم اثنان ثم عشرة ثم السرب كله. إلا طيور بيضاء وردية تشكل منحنى فوق البحر ثم تعود الى الرمال لتبدأ المشي مسرعة مرة أخرى دائماً بنفس الاتجاه وعلى حافة الموج تبعد حوالي مائة ياردة إلى الأمام على هذا البعد أصبحت حركة الماء غير محسوسة باستثناء تغير مفاجئ باللون لكل عشر ثوانٍ في اللحظة التي تلمع فيها الرغوة المتألقة تحت أشعة الشمس والصبية غير عابئين بآثار أقدامهم التي يتركونها على الرمال غير مقتربين من الأمواج الصغيرة على يمينهم أو الى الطيور التي بدأت تحط وتمشي على أقدامها أمامهم. سار الصبية الشقر الثلاثة جنباً إلى جنب بخطوات منتظمة سريعة وهم يمسكون بأيدي بعضهم البعض.

سبّب الاختلاف الكبير حول أدبه
لفحت الشمس وجوههم فبدت داكنة أكثر من شعرهم، لهم نفس التعابير، جدية وعمق وتفكير وربما الهم، تقاطيع وجوههم أيضاً متشابهة على الرغم أنه من الواضح أنّ اثنين من الصبية الثلاثة هم من الذكور والثالثة فتاة، الا أنّ شعر الفتاة أطول ومتجعد قليلاً لكن ملابسها هي نفس ملابسهم، بنطال قصير وقميص بلا أكمام وكلاهما بلون أزرق داكن.

اقرأ أيضاً: الحداثة وما بعدها في الرواية العربية المعاصرة
تسير الفتاة إلى أقصى اليمين وإلى يسارها يسير الغلام الأقصر قليلاً، والغلام الآخر القريب من المنحدر الصخري هو بنفس طول الفتاة. يمتد أمامهم الرمل الممهد الذي لم تطأه قدم على مد النظر ويرتفع على يسارهم جدار من الصخر البني يكاد يكون عمودياً ولا نهاية له. على يمينهم سطح الماء الساكن ممتداً إلى الأفق تحيط به تموجات خفيفة تنتشر عبر الرغوة البيضاء ثم بعد عشر ثوانٍ تعود الموجة التي تكسرت لتشكيل مجرى ضحل مرة أخرى على جانب الشاطىء يصحبها صوت ضجة خفيفة تثيرها دحرجات الحصى، وتنتشر الموجة الصغيرة من جديد وتصعد الرغوة البيضاء رمال حافة الشاطئ المنحدرة لتغطي المسافة الباقية من الفضاء الضائع، وخلال السكون الذي يعقب ذلك يرتد من بعيد صوت قرع جرس خافت في الهدوء الساكن.

اقرأ أيضاً: الرواية يمكنها أن تصلح ما أفسدته السياسة
الجرس هناك: يقول أصغرهم الذي في الوسط لكن صوت قرقعة الحصى يغطي صدى قرع الجرس الخافت وعندما تنتهي الموجة يمكن سماع بعض الأصوات التي شوهتها المسافة مرة أخرى.
إنه الجرس الأول، قال الغلام الطويل، وتنتشر موجة صغيرة على يمينهم وعندما يعود الصمت مجدداً فلا يسمعون غيره، مازال الصبية الشقر الثلاثة يسيرون بنفس الانتظام ويمسكون بأيدي بعضهم البعض.
أمامهم سرب الطيور على بعد عدة خطوات فقط تصيبها عدوى الطيران فجأة فتنتشر أجنحتها لترتفع مشكلة نفس المنحنى فوق البحر ثم تعود إلى الضوء عبر الرمل وتبدأ بالمشي من جديد، دائما بنفس الاتجاه وعلى بعد مئة ياردة إلى الأمام وعلى حافة الموج قال أحدهم: ربما لم يكن الأول ربما لم نسمع الآخر قبل..

الطقس رائع والشمس تضيء الرمل الأصفر بضوء عمودي متقد السماء صافية بلا غيوم والريح ساكنة الماء أزرق صافٍ

أجاب الغلام الأطول قليلاً: كنا سنسمعه كما سمعنا هذا. لم يغير الصبية من مشيتهم أبداً. نفس آثار الأقدام خلفهم التي استمرت بالظهور تحت الأقدام الست العارية وهم يتقدمون إلى الأمام.
قالت الفتاة لم نكن بمثل هذا القرب من قبل، وبعد برهة قال أطول الغلامين وهو الذي يمشي من جهة المنحدر الصخري: مازلنا لم نقترب بعد..
سار ثلاثتهم بصمت وهدوء.. بقوا صامتين حتى وصلوا الجرس وهو ما يزال ذا صوت خافت في هذا الجو الهادئ، عندها قال أطول الغلامين: "ذاك هو الجرس" ولم يجب الآخران.
عندما اقتربوا من الطيور رفرفت بأجنحتها وطارت مبتعدة إلى الأمام، طير واحد، ثم اثنان ثم عشرة، ثم عاد السرب كله إلى الرمل على طول الشاطىء على بعد مائة ياردة من الصبية الثلاثة. استمر البحر بطمس آثار أقدامهم، واستمر الصبية الذين يسيرون أقرب إلى المنحدر جنباً إلى جنب ويمسكون بأيدي بعضهم البعض بترك آثار أقدام عميقة بخط ثلاثي موازٍ لشاطئ البحر على طول الشاطئ الممتد الى اليمين قرب حافة الماء الساكن المسطح.
دائماً تأتي نفس الموجة إلى نفس المكان لترتفع ثم تتحطم..

للمشاركة:

في عالم بلا قلب: لماذا أراد ماركس أن يحرمنا عزاءنا الوحيد؟

2019-07-25

من أعمق نقطة في وجدانه، أيقن ماركس أنّ الحياة هي أعزّ شيء لدى الإنسان، وأنّها يجب أن تعاش عيشةً لا يشوبها استعباد، ولا يشوّهها الإحساس الممض بالخطيئة والذنب، أو الرعب المهووس بالعذاب. ومثلما كانت حياته منذورة بالكامل للنضال من أجل تحرير الإنسانية من كافة قيودها، وهاجسه اليتيم هو أن يصبح العالم مختلفاً عن الذي لدينا الآن وأفضل، فقد أمل أن تكون حياة كلّ المشغولين بالهمّ الإنساني كذلك.

كان ماركس يطمح للكشف عن القوانين والأنساق التي تنتظم الحياة الاجتماعية وفقها

ضدّ المجتمع قبل الدين

مثل رواد علم الاجتماع الكبار، تناول ماركس بالتحليل والدرس ظاهرة الأديان في المجتمعات الحديثة، على هامش دراسته للحداثة بأوجهها كافة: الاقتصادية/ الرسمالية، السياسية/ الديمقراطية، ونقيضها البونابرتية، الثقافية/ العلمانية، وكان ماركس أول نظرائه في التنظير للوعي التاريخي للشعور بالقطيعة مع الماضي، وتشكيلاته الاجتماعية وأيديولوجياته؛ وهو ما وضعه في مواجهة سياسية وفلسفية مع الظاهرة الدينية.

مثل رواد علم الاجتماع الكبار تناول ماركس بالتحليل والدرس ظاهرة الأديان في المجتمعات الحديثة لدى دراسته للحداثة بأوجهها كافة

كان ماركس يطمح للكشف عن القوانين والأنساق التي تنتظم الحياة الاجتماعية وفقها، وفي هذا وجد نفسه في صدام لا يمكن تفاديه مع الدين، بوصفه تمثيلاً وبناءً رمزياً لفهم العالم؛ فأساس مشروعه النظري الكبير تطلّب تفسير الحياة الاجتماعية، ليس من خلال المفاهيم والرموز التي يستخدمها الفاعلون الاجتماعيون، وإنما من خلال الشروع في التحليل النقدي المنظم للتفسيرات التي يقدمها أولئك الذين يشتركون في الحياة الاجتماعية لأعمالهم ولأوضاعهم، وللخبرات التي يتقاسمونها، والتي يعدّ الدين وجهها التلقائي أو التقليدي، وفق دانييل هيرفيه وجان بول ويلام، في كتابهما "سوسيولوجيا الدين" 2005.
ولعلّ من شأن التفحّص النقدي لأهمّ بيان مباشر لماركس حول الدين، في الصفحات الأولى من "مقدمة في الإسهام في نقد فلسفة الحقّ عند هيغل"؛ أن يوضح أنّ نقد الدين شكّل جسراً للعبور النظري إلى الموضوعية في تفسير الواقع الاجتماعي، وزحزحة الطموح الجبّار للأديان لإعطاء معنى شامل للعالم؛ إذ يقول: "بالنسبة إلى ألمانيا، فإنّ نقد الدين قد اكتمل بشكل أساسي، ونقد الدين هو الشرط المسبق لكلّ نقد".

اقرأ أيضاً: روجيه غارودي: الإسلام والمسيحية والماركسية في قلب واحد
في مقاله التأسيسي "الماركسية والدين: أكثر من أفيون"؛ يحدّد جون مولينو قصد ماركس بكلامه هذا بالعمل المشترك بين الثورة العلمية والتنوير (الموسوعيون الفرنسيون خصوصاً)، ونقد الكتاب المقدّس من قبل اليسار الهيغلي العلماني في ألمانيا، هو من قام بإجهاض طموحات المسيحية في تقديم صيغة واقعية ودقيقة للطبيعة وللتاريخ؛ بل ولاهوت متماسك ومتّسق.

نقد الدين شكّل لدى ماركس جسراً للعبور النظري إلى الموضوعية في تفسير الواقع الاجتماعي

المسألة اللافتة، التي لم ينتبه إليها مولينو، والتي تطرحها على أذهاننا عودة الدين في المجتمعات المتخلفة والحديثة على حدّ سواء، هو تغلغل الطموح العلماني في طرح ماركس والمتعلق برهان العلمانية الكبير على الزوال المطرد للدين من الحياة الاجتماعية للمجتمعات الحديثة؛ فقد ارتكزت مجمل أطروحاته حول الدين على التراجع البادي لتأثير المعتقدات والمؤسسات الدينية في الحياة الحديثة.

اقرأ أيضاً: ماذا تبقى من ماركسية طيب تيزيني؟
وتوضح جملة ماركس هذه؛ أنه عدّ نقد الدين أمراً مفروغاً منه، ودحضه أمراً ناجزاً، فلم يركّز طاقته على النقد التفصيلي للدين؛ بل انتقل سريعاً إلى هدفه الرئيس: نقد المجتمع الذي ينتج "الوهم الديني"؛ فالإنسان، في تحليله، هو الذي ينتج الدين، وليس الدين هو الذي ينتج الإنسان، أو بحسب تحديده في "الأيديولوجيا الألمانية"، مع رفيقه إنجلز: المجتمع والدولة هما من ينتج الدين كوعي معكوس للعالم، أو كمنطق للعالم في صورة شعبية؛ ولذلك فإنّ الصراع ضدّ الدين هو بصورة غير مباشرة صراع ضدّ هذا العالم الذي يمثّل الدين شذاه الروحي".

الدولة الدستورية الحديثة لا تلغي الدّين وإنما تجعله أمراً متعلقاً بالمجال الخاص وتعيد تنظيمه وتتدخّل فيه بموجب سلطتها السياديّة

في هذا الطرح؛ تتّسم بلاغة ماركس بالتراوح بين الذمّ والمدح؛ فـ "الدين هو الإنجاز الرائع للكائن البشري؛ لأنّ هذا الكائن لا يمتلك واقعاً حقيقاً"، وهو استجابة للاغتراب الإنساني، اغتراب الإنسان "الذي خسر نفسه"، وهو ما ينطبق على تطرقه إلى الوظيفة الاجتماعية للدين، إذ يقول: "الحاجة إلى الدين هي، في جانب منها، تعبير عن الحاجة إلى الواقع، ومن ناحية أخرى احتجاج على الخطر الواقعي. الدين هو حسرة الإنسان المضطهد المظلوم، وهو روح عالم بلا قلب، وروح الظروف الاجتماعية التي استبعدت الروح".
هنا لا ينفي ماركس أنّ في الدين عزاء للإنسان في العالم، وسعادته التي ربما قد تكون الوحيدة، لكنّه اعتبرهما: عزاءً زائفاً وسعادة وهمية؛ وبالتالي اعتقد أنّ إلغاء هذا النوع من العزاء وهذا الشكل من السعادة هو الشرط الأول لخلق سعادة حقيقية، أو في كلمة: بدلاً من إلغاء الوهم يجب إلغاء الوضع الاجتماعي الذي يحتاج إلى وهم من أجل القدرة على البقاء فيه، وبذلك انتقل ماركس من نقد السماء إلى نقد الأرض، أو من نقد الدين إلى نقد القانون، ومن نقد العقائد إلى نقد السياسة.

اقرأ أيضاً: كيف شخّص ماركس علاج اغتراب الإنسانية؟
إذاً؛ كان نقد الدين في النصّ الماركسي ذا صيغة مزدوجة؛ فهو أساسي كنقطة انطلاق مبدئية لتحليل البنية الاجتماعية، وثانويّ لأنّه لا يتم إلا عبر تحليل المجتمع الذي ينتج الاغتراب الديني والسياسي والوجداني، لكنّه في الحالتين لم ينظر إلى الدين كواقع قائم بذاته، ولم ينصت مرة إلى منطقه الخاص، وإنما كناتج عن ظاهرة الاغتراب، ولم يكن مهمّاً بالنسبة إليه إظهار عدم واقعية الدين؛ بل كشف علاقته البنيوية بالتمزق الإنساني الذي لا يمكن التغلب عليه إلا عبر القضاء على الاختلال القائم في نمط الإنتاج بين مَن يملك ومَن يعمل.

ماركس كان رائداً بإظهار ميل المسيحية لقيم احتقار الذات وهي الإدانة التي طوّرها نيتشه

متى كان أفيوناً؟
كان إيمانويل كانط أول من استعمل لفظة "أفيون" كمجاز للتعبير عن الدين في كتابه "الدين في حدود العقل البسيط"، إذ يقول: "إذا تدخّل القسّ لحظة الموت، بصفته مواسياً ومعزيّاً، يطمئن الوعي الأخلاقي أكثر من إثارته وإيقاظه؛ فإنّه بذلك يقدّم الأفيون إلى الوعي بشكل ما"؛ وبالتالي كان الفارق الذي أحدثه ماركس يتعلق بحديثه عن الشعوب وليس الفرد؛ مسجّلاً بذلك أوّل نقد للدين من منظور سياسي، وهو شيء جديد حتى على الاشتراكيين أنفسهم؛ فقد كانت الاشتراكية قبل ماركس مهادنة بشكل مبدئي للدين، وكان الاشتراكيون يجاهرون بمشاعر ذات طابع إيماني لافت.

اقرأ أيضاً: حركة القوميين العرب.. كيف تحوّل التنظيم القومي إلى الماركسيّة؟
ما سبق، أصبح من سقط متاع الوعي بالاشتراكية، لكنّ السؤال الذي لم يُطرح بعد: لماذا كان ماركس بالذات أول من بادر لنقد الدين سياسياً، وخسر بذلك دعم الاشتراكيين الفرنسيين؟ يوضح الظرف التاريخي الذي سجّل فيه ماركس موقفه النقدي من الدين الكثير عن نظرته العدائية تجاهه؛ إذ جاءت كتاباته في لحظة سياسية شهدت فيها بلاده بروسيا تشابكاً بالغ التعقيد بين الدين والسلطة، وانخرطت الكنيسة اللوثرية في إضفاء الشرعية على السلطة والوضع الاجتماعي القائم.
وقد يفسر هذا اتساع نطاق معركته مع الدين، فهو لم يكتفِ بنقد الظاهرة فحسب؛ بل صبّ جام هجومه على كلّ الاشتراكيات التي تستلهم الدين، أو تجمع بينه وبين الشيوعية في مُركب ثقافي واحد، وتلك التي تعتبر المسيح أول ثائر عرفته الذاكرة البشرية، ولربما كانت صيحة الحرب الصاخبة، التي أطلقها في البيان الشيوعي، بمثابة الردّ السياسي الحاسم على شعار الاشتراكية المسيحية: "كلّ البشر أخوة"، لكن سيكون من قبيل عدم الإنصاف اختزال نقده في جانبه السياسي وحده؛ فهو محمّل برؤية فلسفية ترى فيه اغتراباً للإنسان، أنتجته طبيعة علاقات الإنتاج السائدة.

اقرأ أيضاً: هل كان ماركس وإنجلس جاهليْن بحقيقة الصراع الاجتماعي في الإسلام؟
بخبرته التاريخية، كان ماركس رافضاً لأيّة مبادرة إصلاحية من ممثلي المسيحية ترمي لتخفيف حدّة البؤس عن الطبقات الفقيرة، على اعتبار أنّ المسيحية أخذت فرصتها التاريخية كاملةً على مدار 18 قرن، لم تقدم فيها للمحرومين شيئاً يُذكر؛ بل رأى في هذا النوع من المبادرات محض مجاراة انتهازية للمدّ الاشتراكي، يقول ماركس في نوعٍ من جرد حساب للمسيحية: "الحاجة للدفاع عن اضطهاد وقمع العمال، حتى لو كانت تقوم بذلك بإظهار القليل من الألم".
وبالحديث عن المسيحية يجدُر تذكُّر أنّ ماركس كان رائداً في إظهار ميل المسيحية إلى قيم الضعف واحتقار الذات، وهي الإدانة التي طورها نيتشه في "نقيض المسيح" لاحقاً، إلا أنّ إدانته على عكس نتيشه ليست فلسفية بحتة، بل كانت جزءاً من مخطط إستراتيجي يهدف لعزل العمال عن التأثيرات السلبية المحتملة للنزعة الدينية على أي مشروع ثوري وإبطائه وعرقلته وإفراغه من مضمونه، يقول ماركس: "تبشّر المسيحية بالتخاذل والمهانة، احتقار الذات، الإذلال، الخزي، الهوان، العبودية، باختصار: بكل صفات النذالة والتحقير [الذاتي]؛ لقد برّرت [المسيحية] العبودية في العصور القديمة، وعظّمت من [شأن] قنانة ورِقّ العصور الوسطى، وإنّ البروليتاريا، التي لا تريد أن تعامل نفسها باحتقار في حاجة إلى شجاعتها، الشعور بكرامتها، اعتزازها بنفسها وبروحها في الاستقلال أكثر من حاجتها إلى الشعور بالألم".

اقرأ أيضاً: ما الذي يريده المخربون من قبر ماركس؟
ويمكن ببساطة استخلاص أنّ الرؤية الضمنية لماركس تفترض مبدئياً أنّ الدين (والمسيحية بالتحديد والتعيين) محافظ بالضرورة بحكم الافتراضات الفلسفية المتضمنة فيه، وفي هذا يمكن القول إنّ ما أخذه ماركس على هيغل في حواره السياسي معه، بأنّه يعطي صكّ وضمانة الديمومة على وضع تاريخي، أوقع نفسه فيه؛ فالتعبيرات الدينية، كما اتضح مع لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية في القرن العشرين، تظلّ عوامل محتملة للانعتاق وتحرير الشعوب.
لاحظ ذلك الفيلسوف الماركسي، ميشيل لووي، الفرنسي/ الأرجنتيني، والمنشغل بلاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية، في مقال بعنوان "أفيون الشعوب؟ الماركسية النقدية والدين"، 2005؛ حيث دعا إلى الاستعانة بأرنست بلوخ، الذي وإن كان يتماسّ مع رأي ماركس تجاه الظاهرة الدينية، ذات الطابع المزدوج: القمعي والتمردي، إلا أنّه رأى في "الصيغ التمردية والاحتجاجية للدين أحد أهم الأشكال للوعي الطوباوي، وأحد أغنى التعبيرات عن مبدأ الأمل وأحد المتخيلات القوية لما لم يقم بعد" على عكس ماركس؛ الذي أقرّ بالدور التمردي للدين، لكنّه رآه ظاهرة من الماضي لم تعد لها أهمية في عصر صراع الطبقات الحديث.

اقرأ أيضاً: قطار الوعي القادم في آخر النفق: النجاة على طريقة ماركس ونيتشه وفرويد
لم ينظر ماركس إلى التأويلات التقدمية المحتملة للدين، لكنّه كان على حقٍّ تاريخياً؛ فمنذ ظهور المجتمع الصناعي دافعت الكنيسة عن "القانون الإلهي لعدم المساواة"، وحين اعترفت ببؤس العمال حثّتهم على ألا يحصروا آمالهم فوق الأرض فقط؛ وبالتالي دعتهم عملياً إلى التخلي عن المقاومة والرفض والاحتجاج، أو بكلمة: سلبتهم الحقّ في الثورة وأعطتهم "أفيون الوعي".
على ضفة السياسة؛ عمّق إلحاد ماركس، في صورته بالغة الحدّية، النزعة المحافظة لدى جزء مؤثر من ممثلي الكنيسة، وأشعرهم بتهديد وجودي إزاء أطروحاته المعادية للدين، بل، بوجهٍ ما، جعلهم معادين للحداثة نفسها، التي تجلب هذا النوع من الدعوات الخطيرة.

قرّر ماركس وإنجلز أنّ المجتمع والدولة هما من ينتج الدين كوعي معكوس للعالم

جدل الدين والدولة
على ضوء سياسات الدولة الألمانية المسيحية، في القرن الثامن عشر، كتب ماركس "حول المسألة اليهودية"، ورغم أنّ الوضع كان تجريبياً بامتياز، إلا أنّ ملاحظاته ما تزال تتمتع براهنية مدهشة، يقول فيها: إنّ "سلطة الدين هي دين السلطة"، وإنّ "الدولة الدينية تظهر تعاملاً سياسياً تجاه الدين وتعاملاً دينياً تجاه السياسة"، في اللحظة الراهنة؛ يمكن الاستفادة من استبصاره هذا في فهم السياسات الإيرانية تجاه الدين وتسييسه، وتجاه المجال السياسي الداخلي، الذي تمّ تديينه، حتى بات حبيساً للمعايير الدينية، وأجبر الفاعلين السياسيين على تبني خطاب ديني، وإلا تمّ استبعادهم من حقل التأثير في المجتمع.

اقرأ أيضاً: علي الشوك: ماركسي "يقدّس" حرية الفرد!
وحول علمانية الدولة؛ قدّم ماركس ملاحظة بالغة الأهمية تفيد بأنّ "تحرّر الدولة من الدين يحرّر الإنسان سياسياً؛ باستبعاده [الدين] من الحقّ العام إلى الحقّ الخاص"، إلّا أنّ ذلك ليس كافياً في نظره؛ لأنّه "يترك الدين كظاهرة فردية تفصل الإنسان عن الإنسان، وتفصل الحياة الفردية عن الحياة العامة"، فتزدهر الهويات الدينية بدلاً من أن تختفي.
قدّم ماركس نقداً لامعاً للرؤية العلمانية التبسيطية، التي تلحّ على ضرورة حياد الدولة تجاه الدين، وأن تجعله غير ذي صلة بمكانة المواطنين المدنية والسياسية (حتى لا تتشكّل أيّة معارضة دينية للدولة)، فحاجج بأنّه من الخطأ الاستنتاج أنّ التسيّس ينتزع عن الدين؛ فإنه بذلك يصبح غير متصل بالحياة السياسية، وشدّد على أنّه بسبب نزع التسيس هذا، ورغماً منه، فإنّ الفروقات الدينية ستزدهر مثل باقي الفروقات الاجتماعية: العرق، الطبقة، المكانة، وأنه بمجرد زحزحة الدين إلى مجال الخصوصية سيصبح روح المجتمع المدني بعد أن كان روح الدولة؛ وبالتالي سيصبح الأساس الثقافي للهوية الفردية والجماعية.

اقرأ أيضاً: إخوان الصفا سبقوا ماركس في الانتصار للعمال والمهمشين
ما يحدث باختصار، كما لاحظت صبا محمود في كتابها "الاختلاف الدينيّ في عصر علمانيّ: تقرير حول الأقليّات" 2015؛ أنّ "الدولة الدستورية الحديثة لا تلغي الدّين، وإنما تجعله أمراً متعلقاً بالمجال الخاص، وتعيد تنظيمه، وتتدخّل فيه بموجب سلطتها السياديّة، وبالتالي بدلاً من أن تمحو السياسات العلمانية الفروق الدينية، فإنّها تنتج التفاوت الديني"، ويمكن اعتبار التاريخ الاجتماعي لتركيا ومصر دليلاً عملياً على واقعية استبصار ماركس هذا.

للمشاركة:



الإماراتي المنصوري يواصل استعداداته لرحلة الفضاء

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-25

ينطلق الإماراتي، هزاع المنصوري، إلى محطة الفضاء الدولية، في رحلة مقررة في 25 من أيلول (سبتمبر) المقبل.

ويأتي ذلك ضمن "برنامج الإمارات لرواد الفضاء"؛ الذي أطلقه الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، والشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، عام 2017، بهدف تدريب وإعداد فريق من رواد الفضاء الإماراتيين، وإرسالهم إلى الفضاء للقيام بمهام علمية مختلفة.

شهر يفصل الإمارات عن الانطلاق إلى محطة الفضاء الدولية ضمن برنامج الإمارات لرواد الفضاء

وسيكون هزاع المنصوري أول رائد فضاء عربي تستقبله محطة الفضاء الدولية، وسيقوم بتقديم جولة تعريفية مصورة باللغة العربية للمحطة؛ يوضح فيها مكونات المحطة والأجهزة والمعدات الموجودة على متنها، كما سيقوم بتصوير كوكب الأرض والتفاعل مع المحطات الأرضية، ونقل المعلومات والتجارب، إضافة إلى توثيق الحياة اليومية لرواد الفضاء على متن المحطة.

وكان مركز محمد بن راشد للفضاء قد أعلن اختياره هزاع المنصوري ليكون رائد الفضاء الأساسي في مَهمة الانطلاق إلى محطة الفضاء الدولية، كما أعلن المركز اختيار سلطان النيادي بديلاً له في المهمة نفسها.

وسيقضي هزاع المنصوري ثمانية أيام على متن محطة الفضاء الدولية، ضمن بعثة فضاء روسية، وستحمله مركبة "سويوز إم إس 15"، التي ستنطلق من محطة "بايكونور" الفضائية في كازاخستان.

وقال سلطان النيادي، عبر حسابه الرسمي في تويتر: "مع اقتراب موعد مهمة هزاع المنصوري تتسارع وتيرة العمل في مركز "يوري غاغارين"، يجري الطاقم الرئيس والطاقم الاحتياطي العديد من التجارب الطبية لمقارنة النتائج قبل وبعد المهمة".

ويتواصل التجهيز لهذه المهمة التاريخية بشكل حثيث، في كلّ اتجاه، وفي مقدمتها تلك التدريبات النوعية التي يحصل عليها رائدا الفضاء هزاع المنصوري وسلطان النيادي، والتي يكون جزء منها، خاصّاً بكيفية المكوث في المحطة، إلى جانب تدريبات أخرى تتعلق بكيفية النجاة في حال "الهبوط الاضطراري" في حالات شديدة الصعوبة، مثل البرد القارص أو المياه.

ومن تلك التدريبات القاسية كانت كيفية تعلم البقاء على قيد الحياة في درجة حرارة متدنية، تصل لـ 10 درجات تحت الصفر، وذلك في إحدى غابات شمال شرق العاصمة الروسية، موسكو، وتهدف هذه التجربة القاسية إلى تزويد رواد الفضاء بعدد من المهارات التي تمكنهم من البقاء لـ 3 أيام، على الأقل، في بيئة بالغة القسوة، في حال انحراف كبسولة الهبوط عن مسارها واضطرارها للهبوط في مناطق أو غابات غير مأهولة شديدة البرودة، وذلك باستخدام معدات وأجهزة موجودة على متن الكبسولة.

وتعلّم المنصوري والنيادي خلال التدريبات كيفية الخروج من الكبسولة بطريقة صحيحة، وبناء مأوى آمن لهما، فضلاً عن مهارات الإسعافات الأولية، والتعامل مع الضغوط، وإدارة الموارد المتاحة في البيئة المحيطة، والتواصل مع فرق البحث والإنقاذ من حيث الإشارات المرئية كالمشعل الحراري والاتصال اللاسلكي؛ حيث تمّت تسمية الفريق باسم "زايد"، ليستخدمه الأفراد للتواصل.

وتدرّب المنصوري والنيادي أيضاً على ارتداء بدلة الفضاء "سوكول"، التي يبلغ وزنها 10 كيلوغرامات، في غضون 25 ــ 30 ثانية فقط، فيما يلتقطان خلال هذه المدة القصيرة لوحاً يزن 50 كيلوغراماً، وذلك لمحاكاة التعامل مع المعدات والأدوات في بيئة العمل في محطة الفضاء الدولية، علماً أنّه تمّ أخذ مقاسات تفصيلية لأجسامهما، حتى يتم تصميم بدلة "سوكول"، وكرسي رائد الفضاء في مركبة "السويوز"، وهو إجراء ضروري لضمان السلامة، فيما شملت التدريبات المكثفة أيضاً التواجد بغرفة الضغط التي تحاكي الارتفاع عن سطح البحر بـ 5 و10 كيلومترات، الأمر الذي يؤدي إلى انخفاض الضغط الجوي ونسب الأوكسجين عن المعدلات الطبيعية.

 

للمشاركة:

التحالف يعترض طائرة حوثية مسيَّرة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-25

صرّح المتحدث الرسمي باسم قوات تحالف دعم الشرعية في اليمن، العقيد الركن تركي المالكي، بأنّ قوات التحالف تمكّنت، صباح اليوم، من اعتراض وإسقاط طائرة بدون طيار (مسيّرة) أطلقتها الميليشيا الحوثية الإرهابية المدعومة من إيران من (صنعاء) باتجاه الأعيان المدنية بخميس مشيط.

التحالف يسقط طائرة بدون طيار أطلقتها الميليشيا الحوثية الإرهابية باتجاه خميس مشيط

وأوضح العقيد المالكي، في تصريح نقلته وكالة "واس"؛ أنّ "جميع محاولات الميليشيا الحوثية الإرهابية، المدعومة من إيران، إطلاق الطائرات بدون طيار مصيرها الفشل، وأنّ التحالف يتّخذ كافة الإجراءات العملياتية، وأفضل ممارسات قواعد الاشتباك للتعامل مع هذه الطائرات لحماية المدنيين"، مشيراً إلى أنّ "المحاولات الإرهابية المتكررة تعبّر عن حالة اليأس لدى الميليشيا الإرهابية، وتؤكد إجرام وكلاء إيران بالمنطقة ومن يقف وراءها".

 وشدّد على أنّ استمرار إيران في تبنيها للنجاحات الوهمية عبر إعلامها المضلل، يؤكّد حجم الخسائر التي تتلقاها وحالة السخط الشعبي تجاهها.

وأكّد المتحدث باسم قوات التحالف؛ استمرار قيادة القوات المشتركة للتحالف بتنفيذ الإجراءات الرادعة ضدّ هذه الميليشيا الإرهابية، لتحييد وتدمير هذه القدرات، وبكلّ صرامة، وبما يتوافق مع القانون الدولي الإنساني وقواعده العرفية.

إلى ذلك؛ تصدّى أبناء القبائل اليمنية، أمس، لهجوم شنته ميليشيا الحوثي الانقلابية على القرى الريفية في المناطق الحدودية بين محافظتي إب والضالع وسط اليمن.

القبائل اليمنية تصدّ هجوماً شنّته ميليشيا الحوثي على القرى الريفية في المناطق الحدودية بين إب والضالع

ونجح مقاتلون من قبيلة "بيت الصباري" في كسر الهجوم الحوثي، الذي استهدف اجتياح قرية "خربة الصباري" وعدد من القرى المجاورة، التابعة لمديرية النادرة جنوبي إب، بعد اشتباكات عنيفة أجبرت الانقلابيين على الفرار واللجوء للتمركز في المرتفعات المحيطة، وفق "العين" الإخبارية.

وتقع القرية على خط تعزيزات ميليشيا الحوثي القادمة من مدينة إب إلى جبهات مديرية قعطبة، شمال محافظة الضالع، أهمها مناطق التماس "هجار" و"شليل" و"بيت الشوكي".

ويتّهم أهالي القرى، ميليشيا الحوثي بنهب وسرقة ممتلكاتهم تحت ذرائع وتهم ملفقة.

 

 

للمشاركة:

سقطة لمذيعة في الجزيرة تثير زوبعة!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-25

أثارت مذيعة قناة "الجزيرة" القطرية، غادة عويس، زوبعة، بعد نشرها تغريدة دعت فيها لعودة اليهود إلى المدينة المنورة، وإنشاء وطن هناك بدلاً من فلسطين، الأمر الذي أثار موجة غضب على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر".

وأطلق نشطاء هاشتاغ "#غادة_عويس_تتطاول_على_مدينة_الرسول"، شارك فيه مغرّدون من المحيط للخليج، من بينهم قطريون، أعربوا عن رفضهم الإساءة للمدينة المنورة، منتقدين المذيعة، وفق ما أوردت صحيفة "العين" الإخبارية.

المذيعة غادة عويس تدعو اليهود لاتخاذ المدينة المنورة دولة لهم بدلاً من فلسطين

وكانت غادة عويس قد نشرت تصويراً جوياً لحصن مرحب في خيبر بالمدينة المنورة، وغرّدت قائلة: "تصوير جوي لحصن مرحب في خيبر في السعودية، وكان مقراً لليهود! ألا ينبغي أن يعودوا إلى هناك بدل فلسطين؟".

وسرعان ما أتت ردود المغردين مستهجنة دعوة عويس، وكان من أبرزها؛ ردّ الأمير السعودي عبد الرحمن بن مساعد، الذي غرد بآية قرآنية تعكس إدراك العالم الإسلامي لعداوة التنظيم وإعلامييه على المقدسات الإسلامية، مستنكرين الدعوة لاحتلال المدينة المنورة.

نشطاء يدشنون هاشتاغ "غادة عويس تتطاول على مدينة الرسول" رفضاً لإساءتها

وقال الأمير في تغريدته: "صفقة قرن غادة عويس استبدال احتلال القدس والمسجد الأقصى، ثالث مسجد تُشدّ إليه الرِّحال، باحتلال المدينة المنورة وثاني الحرمين الشريفين، سبحان القائل: {قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ}".

وغرّد الصحفي الموريتاني والمحكّم الإعلامي الدولي، بادو ولد محمد فال، قائلاً: "حين يعشش الحقد ويفرخ في قلب سيدة باعت آخرتها بدنيا غيرها، حينها تلاحقها اللعنات لتوقع بخط يمينها وبشهادة ملايين البشر على سوء طويتها وسواد نيتها، متمنية عودة اليهود لمملكة التوحيد وبلاد الحرمين، دون حصن مرحب أسود تأكل أكباد الطامعين، كما تأكل النار قلوب الحاقدين".

قطاع كبير من المغردين حذروا من تغريدة عويس، مرجّحين أنّها قد تعكس توجه قناة الجزيرة.

 

 

 

للمشاركة:



"ألف عنوان وعنوان" توثق تاريخ الإمارات بـ4 كتب جديدة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-25

قدّمت مبادرة "ألف عنوان وعنوان" 4 كتب جديدة من الإصدارات التي دعمتها في مرحلتها الثانية، تتضمن إبداعات أدبية في حقول متنوعة منها في الرواية والقصة والتاريخ والقضايا المجتمعية، لتواصل جهودها الرامية إلى إثراء المكتبة العربية بمضامين قيّمة ومعارف جديدة.

وفتحت المبادرة من خلال عناوينها الـ4 الجديدة نافذة على الأدب والمؤلفات التي تروي تاريخ الإمارات، وتعالج القضايا المجتمعية؛ حيث دعمت كتابا بعنوان "زايد مئة عام من المجد" للكاتب محمد عمر الهاشمي، وكتاب "أهلا بكبار المواطنين" للمؤلفة شيماء المزروعي، وكتاب "الجيش الإماراتي في الشعر النبطي"، للمؤلف إبراهيم أحمد ملحم، وكتاب "كلنا فنانون"، من تأليف شمع خان، ترجمة الكاتبة فاطمة شرف الدين.

تاريخ عريق

في كتاب "زايد مئة عام من المجد" يجمع الكاتب الإماراتي محمد عمر الهاشمي، باقة مختارة من المقالات التي تتغنى بحب الوطن من زوايا متعددة وقلب واحد تنطلق من رؤية حكيمة تركها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، في نفوس أبناء الوطن، لتبقى بمثابة الرسالة المشرقة التي تعبر عن صورة الوطن للأجيال القادمة.

أهلا بكبار المواطنين

ويأتي كتاب "أهلا بكبار المواطنين" للكاتبة شيماء المزروعي ترسيخا للمصطلح الذي اعتمدته السياسة الوطنية لكبار المواطنين، والذي يناقش في مضمونه الأبعاد الإنسانية لهذا المسمى وقيمه الأخلاقية إلى جانب مناقشة العديد من المواضيع التي تختص بالمجتمع المحلي الإماراتي، وتعزز المعرفة بقضايا المواطنين.

الجيش الإماراتي في الشعر النبطي

ويلقي كتاب "الجيش الإماراتي في الشعر النبطي" -لمؤلفه إبراهيم أحمد ملحم- الضوء على حجم البطولات التي قدمها الجيش الإماراتي من خلال قصائد للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، إلى جانب إبراز الجماليات التي تتعلق بطرح الشعر لعلاقة التضحيات التي قدمها الجيش الإماراتي ودوره في الدفاع عن قضايا الأمة العربية العادلة؛ حيث يقدم الكتاب مجموعة متنوعة من القصائد التي تشيد ببطولات الشهداء وتتغنى بها.

كلنا فنانون

ويؤكد كتاب "كلنا فنانون"، للمؤلفة شمع خان، وترجمة الكاتبة فاطمة شرف الدين، أن كل الأطفال في العالم شغوفون بالفنون والحرف اليدوية؛ حيث تطرح الكاتبة قصة ملهمة تقود الصغار إلى الانتظام في مجموعات والقيام بعدد من الأنشطة الفنية التي تهدف إلى تطوير خبراتهم ومهاراتهم وتمكنهم من الإبحار في خيالهم بشكل كبير وإبداعي.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

قِدْر قطب الذي فار على القصيمي وكتابه

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-25

علي العميم

لكتاب علي شلش «التمرد على الأدب: دراسة في تجربة سيد قطب» مزايا عديدة لا تتوفر حتى في الدراسات الجيدة المعمولة عنه. ومن هذه المزايا كشفه الباهر أن عبد الله القصيمي وكتابه «هذه هي الأغلال» تسبب في مجافاة سيد قطب لأستاذه عباس محمود العقاد، وتسبب في انصرافه عن الأدب إلى الكتابة الإسلامية وحدها، والتحول إلى اتجاه إسلامي أصولي.
يقلل شريف يونس في كتابه «سيد قطب والأصولية الإسلامية» من أهمية هذا الكشف الباهر، وسأردّ عليه حينما أعود إلى مناقشته مناقشة ختامية بعد أن أفرغ من مناقشة سليمان الخراشي.
ولأن القصيمي وكتابه كان لهما دور مفصلي في حياة سيد قطب، الذي يعود فضل الكشف عنه لعلي شلش، فسأقدم ملحوظات أخرى على معركة سيد قطب مع القصيمي وكتابه.
هذه المعركة هي آخر معركة صنعها سيد قطب. وقد حاول بعدها أن يصنع معركة حينما كان رئيس تحرير مجلة «العالم العربي» مع شيوخ الأدب في مصر، أو ما يسميه علي شلش «الحكومة الأدبية» بمقاله «بدء المعركة: الضمير الأدبي في مصر: شبان وشيوخ»، وهو المقال الذي كان امتداداً لمقال من مقالاته عن القصيمي، وهو مقال «غفلة النقد في مصر»، لكن هذه المعركة بدأت وانتهت عنده فقط، ولم تتم سلسلة مقالاته فيها التي وعد القراء بها، لأن صاحب المجلة يوسف شحاته (كما مرَّ بنا في مقالات سابقة) أقاله من رئاسة التحرير مباشرة بعد نشره لذلك المقال السفيه.
وقد بدأت المعركة وانتهت عنده فقط، لأن شيوخ الأدب ترفعوا عن الرد عليه، مثلما فعلوا مع مقاله السابق عنهم، ولأن شبان الأدب لم يعلقوا عليه، لا بالتأييد ولا بالاعتراض ولا بالتحفظ.
في معركته مع القصيمي وكتابه، لأول مرة يبين عن توجهه الإسلامي المحافظ، وهو التوجه الذي قبل أن يصنع معركته مع القصيمي وكتابه، كان حريصاً أشد الحرص على عدم إظهاره في كتاباته! بل أكثر من هذا أنه كان حريصاً فيها على عدم إظهار أنه متدين على نحو ما، وأنه محافظ ثقافياً وفكرياً، كان حريصاً على هذا حتى أمام أصدقائه الحميمين!
هذه الملحوظة تشير إلى اعتلال وخلل في شخصيته، وإلى عمق المأزق النفسي الذي كان يعيشه قبل جهره بإسلاميته.
إن هناك أدباء ومثقفين من مصر ومن خارجها من ذوي التوجه الإسلامي المحافظ كانوا يصدعون بتوجههم الإسلامي المحافظ ولا يسرُّونه كما كان يفعل سيد قطب، بسبب أن الأطروحة العلمانية وفهمها المتحرر للدين والسياسة والأدب والثقافة والمجتمع والحياة كانت هي المهيمنة في مجتمع الأدباء في مصر وفي بعض بلدان الشرق العربي، في المنتصف الأول من القرن الماضي. وكان لهؤلاء حضور وإسهام في الحياة الأدبية والثقافية في مصر. وكانوا يحظون بتقدير واحترام وتثمين عند مخالفيهم في توجههم. فهؤلاء على النقيض من سيد قطب لم يدخل في روعهم أن المعالنة بتوجههم الإسلامي المحافظ ستخفض من قيمتهم الشخصية، وستقلل من شأنهم الأدبي والثقافي والعلمي.
وهناك أدباء بعيدون عن التصنيف السابق كانت لهم آراء جريئة في تحررها الديني والثقافي والاجتماعي لم يقل سيد قطب بمثلها ولا بما هو دونها بكثير، إلا أنهم مع هذا كانوا يفسحون في بعض كتاباتهم المجال للتعبير عن تدفق نوازعهم الإيمانية الإسلامية، ولا يترددون في إظهار الحماس في الدفاع عن الإسلام، حينما تستوجب مناسبة إظهار ذلك.
يتوفر أكثر من شاهد على ذلك. وتجنباً للإطالة سآتي بشاهد واحد.
هذا الشاهد هو دريني خشبة. دريني خشبة أديب ومترجم عنايته الأساسية كانت منصبة على المسرح الأوروبي والمسرح اليوناني وأساطير اليونانيين وملاحمهم. دريني خشبة كان من جيل سيد قطب، وكان صديقه وزميله في وزارة المعارف.
هذا الرجل مع أن محل عنايته الأساسية الموضوع الذي ذكرته، لما قرأ كتاب الشاعر معروف الرصافي «رسائل التعليقات»، الذي هو عبارة عن تعليقات على ثلاثة كتب هي: كتابا زكي مبارك «التصوف الإسلامي» و«النثر الفني في القرن الرابع الهجري»، وكتاب المستشرق الإيطالي كايتاني «التاريخ الإسلامي»، هاجم الكتاب بمجموعة من المقالات، لأنه رأى في التعليقات على الكتاب الثاني زندقة وإلحاداً، في حين رأى أن التعليقات على الكتاب الأول والكتاب الثالث تعليقات من وجهة تُعدّ إسلامية بحتة.
وإذا كان سيد قطب قد تكلف في مقاله الأول عن القصيمي التظاهر بشدة إيمانه بحرية الفكر مع أنه كان يبطن خلاف ذلك، فإن دريني خشبة لم يتكلف التظاهر بخلاف ما يؤمن به حقيقة وصدقاً. ففي مقال من تلك المقالات أوضح أن لحرية الفكر عنده حدوداً، وعرض حرية الفكر للمناقشة والمجادلة.
في الفترة الزمنية التي أتحدث عنها كانت تُنشر مقالات في بعض المجلات الثقافية في مصر فيها مساس بالدين. وثمة كتب تصدر في مصر لا تخلو من التعبير عن آراء هي مخالفة للفهم التقليدي والمتعارف عليه للدين. وتتضمن آراء فكرية جريئة إزاء الدين. ومع هذا لم يسبق لسيد قطب أن تعرض لهذه وتلك بالمناقشة والنقد لكي لا يُفهم أنه ينطوي على نزعة دينية!
هذه الصورة المغلوطة التي أنشأها عن نفسه، هي التي دفعت صديقه الذي لم يذكر اسمه إلى أن يزوره في بيته بصحبة عبد الله القصيمي ليطلبا منه العون في الدفاع عن الكتاب، بعد أن شنّت حملة دينية سلفية عليه وعلى كتابه في مصر وفي السعودية. وكان القصيمي قبل هذه الزيارة قد أهداه الكتاب، ربما على أمل أن يكتب عنه، كما تفعل طائفة من المؤلفين. فلقد اشتهر سيد قطب بالكتابة عن الأعمال الجديدة.
إن كان القصيمي أهداه كتابه من أجل ذلك الغرض، فلقد أخطأ، إذ إنه لو تحرى عنه من خلال عارفيه والمتابعين لكتاباته، فسيعلمونه أنه لا يكتب إلا عن الكتب الأدبية وكتب التراجم والكتب المتعلقة بتاريخ الإسلام السياسي في صدره الأول، وكتابه هو خارج هذه المجالات. وإن كان أهداه كتابه ليقرأه بوصفه أديباً ومثقفاً فليس ثمة خطأ في هذا الفعل.
كتاب القصيمي ليس فيه زندقة والحاد، وإنما هو كتاب تجديد في الدين إلى حد الثورية. وهو من الصنف الذي يقبله الدينيون التجديديون والتحرريون والمنفتحون. ومع هذا فار قِدْر سيد قطب على الكتاب وعلى صاحبه.
فار قِدْر سيد قطب على الكتاب وعلى صاحبه، ليس لأن صديق سيد قطب زاره في بيته صحبة القصيمي ليطلبا المعونة في الدفاع عن الكتاب، فبلا شك أن طلباً كهذا، وقد قُدّم تحت دعوى الدفاع عن حرية الفكر أحرجه، لأنه في داخله لا يقر الدفاع عن كتاب من ذلك الصنف، وفي الوقت نفسه لا يجد في نفسه الشجاعة بمصارحتهما بأنه ليس مع حرية الفكر إلى الحد الذي ذهب القصيمي إليه في كتابه.
وفار قِدْره، ليس لأن ما جاء في الكتاب استفز آيديولوجيته الدينية المستترة، فهو قد روض عقله على تحمل الآراء والأفكار المستفزة لفحوى آيديولوجيته الدينية المستمرة، بدليل أنه قبل معركته مع القصيمي وكتابه لم يخطّ يوماً سطراً في الاحتجاج على آراء علمانية جداً تتعلق بالدين وقضاياه وشؤونه.
وإنما فار قِدْره لأن العقاد خص كتاب القصيمي بمراجعة فيها إطراء وثناء على الكتاب وعلى صاحبه.
فار قِدْره على القصيمي وعلى كتابه لأنه كان ينتظر منذ مدة طويلة أن يحوز هو وكتاب من كتبه على تقريظ من العقاد. ومع أنه في حدود سنة أو أقل كان قد طلب من العقاد أن يكتب مقدمة كتابه «التصوير الفني في القرآن» ولم يستجب العقاد لطلبه، إلا أنه لم ييأس من أن ساعة التقريظ آتية، ثم يفاجأ بالعقاد يقرظ كتاباً لشخص ليس هو من تلاميذه، ولا تجمعه به صحبة شخصية أو معرفة عامة، وليس هو اسماً أدبياً أو فكرياً معروفاً لدى شيوخ الأدب وشُبَّانه في مصر.
الملحوظة الثالثة على هذه المعركة أنه للسبب السالف كان يجب أن يوجه حنقه وحقده إلى العقاد لا إلى القصيمي وكتابه. فالعقاد هو الذي لم يعترف علانية به كشاعر وكناقد أدبي متميز، كما يرى هو نفسه.
الملحوظة الرابعة أنه في مقاله «غفلة النقد في مصر» الذي هو أحد مقالات معركته مع القصيمي وكتابه، كان يجب أن يحصر نقده في العقاد ويسميه باسمه، لا أن يحشر كبار النقاد المصريين والنقد الأدبي في مصر في نقده. فكبار النقاد المصريين إذا ما استثنيا العقاد، والنقد المصري، ليس لهما في قضية القصيمي وكتابه ناقة ولا جمل. إنه حشرهما في نقده ليعوّم نقده للعقاد ويلمزه من بعيد. وقد فعل ذلك أيضاً في خاتمة المقال الذي سبق هذا المقال، وهو مقال «من مفارقات التفكير: الأستاذ إسماعيل مظهر وكتاب الأغلال»، وإن كان على نحو ألطف. ففي هذا الخاتمة قال: «وبدلاً من أن ينبه النقاد الكبار إلى هذا الاتجاه المريب يؤخذون بالدعاوى المفتعلة، ويبذلون إعجابهم المطلق للكتاب وصاحب الكتاب!». وكان يقصد العقاد بهذا الكلام.
لقد لجأ سيد قطب إلى هذا الأسلوب الملتوي في النقد لسببين، هما: أنه يخشى العقاد ويهابه، وأنه كان ناقماً على النقاد الكبار أو شيوخ الأدب، لأنهم مثل العقاد لم ينعموا عليه حتى بقطرة مدح وثناء. وللحديث بقية.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

الجزائر ونهاية المرحلة الانتقالية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-25

خيرالله خيرالله

قبل ستة اشهر، بدأ الحراك الشعبي في الجزائر. اثبت الجزائريون، مع استمرار هذا الحراك للأسبوع السادس والعشرين، انّهم تعلّموا شيئا من تجربة ما عرف بـ"سنوات الجمر" التي امتدت بين 1988 و1998 والتي اسفرت عن سقوط آلاف الضحايا. سقطت الضحايا في ظلّ إصرار المتطرفين الإسلاميين، الذين تربوا في عهد هواري بومدين، على الاستيلاء على السلطة من جهة وفي ظلّ إصرار المؤسسة العسكرية بأجهزتها على اجتثاث الإرهاب واستئصاله بحجة مكافحة الإرهاب، من جهة أخرى.

ما يحمل على التفاؤل محافظة الجزائريين على هدوئهم وانضباطهم على الرغم من غياب خريطة طريق تؤدي في نهاية المطاف الى تغيير طبيعة النظام القائم على تحكّم المؤسسة العسكرية بمفاصل السلطة. ما يمكن ان يثير بعض التفاؤل أيضا هو ظهور ضباط جدد وضعوا نفسهم خلف الستار. هؤلاء ضبّاط اقلّ جشعا الى السلطة والثروة من معظم الضباط السابقين الذين كانوا يشكلون امتدادا لعهد هواري بومدين الذي بدأ في العام 1965. هذا العهد، الذي لم ينته بعد والذي حاول عبدالعزيز بوتفليقة استنساخه عبر ارتداء عباءة من كان يشرف على رعايته مذ كان وزيرا شابا للخارجية. في النهاية، ان الانتهاء من عهد بومدين ونظامه القمعي هو هدف الذين ينزلون الى الشارع كلّ يوم جمعة منذ ستة وعشرين أسبوعا.

حقق الحراك الشعبي في الجزائر الكثير حتّى الآن. كان الحراك، بدعم خفي من الجيش طبعا، وراء افشال محاولة إعادة انتخاب المقعد عبدالعزيز بوتفليقة لولاية خامسة وذلك كي يبقى افراد الحلقة الضيّقة المحيطة به في السلطة، يمارسون ما بين ما يمارسونه صلاحيات رئيس الجمهورية.

لم تعد لبوتفليقة بعد صيف العام 2013 أي علاقة بما يدور فعلا في البلد. بدأ يفقد قدراته العقلية منذ تعرضه لجلطة في الدماغ صيف ذلك العام. على الرغم من ذلك كلّه، أي على الرغم من انّه كان مجرد رئيس صوري، اتجه افراد الحلقة الضيقة الى تمكينه من الحصول على ولاية خامسة في 2019، علما انّه لو خضع لفحص طبي في 2014، لما كان سمح له وقتذاك بولاية رابعة.

بفضل الحراك الشعبي، تحرّكت المؤسسة العسكرية ممثلة برئيس الأركان احمد قايد صالح، الذي تجاوز الثمانين من العمر، من اجل وضع نهاية لمهزلة عانت منها الجزائر طويلا.

منذ اجبار بوتفليقة على الاستقالة، تعاني الجزائر من مأزق سياسي واجتماعي واقتصادي، هو في الواقع مأزق نظام لا يستطيع تجديد نفسه. مأزق الجزائر هو مأزق الحراك الشعبي والمؤسسة العسكرية في آن. من إيجابيات المرحلة انّ الشارع لم يفلت من السيطرة بعد وذلك على الرغم من ان الشعارات التي بدأ يطلقها الحراك تبدّلت وصارت اكثر جذرية، فيما يحلم عدد لا بأس به من الضباط بانتخاب رئيس جديد يؤمن استمرار النظام القديم مع بعض التغييرات الشكلية.

تمرّ الجزائر حاليا بمرحلة انتقالية تتميّز بغياب القواسم المشتركة بين الحراك الشعبي والمؤسسة العسكرية. لكنّه لا يزال هناك امل بالخروج من المأزق الذي يعبّر عنه بقاء الرئيس المؤقت عبدالقادر بن صالح في موقع الرئاسة في غياب القدرة على انتخاب رئيس جديد.

من يخرج الجزائر من المرحلة الانتقالية؟ لا يوجد الى الآن ما يشير الى اختراق ذي طابع دراماتيكي في المستقبل القريب. مثل هذا الجمود يؤثر في المدى الطويل على استقرار الوضع الداخلي، خصوصا ان ليس ما يشير الى ان الحكومة الجزائرية قادرة على التعاطي مع المشاكل القائمة، وهي مشاكل قابلة للتفاقم على كل صعيد بدءا بمشكلة الامازيغ الذين يعانون من تمييز عنصري حقيقي وانتهاء بقدرة الجزائر على الاعتراف بانّها طرف مباشر في قضية الصحراء المغربية، على سبيل المثال وليس الحصر. هذا يعني انّ ما يسمّى "بوليساريو" ليس سوى أداة تستخدم من المؤسسة العسكرية لابتزاز المغرب ولا شيء آخر غير ذلك.

فوق ذلك كلّه، ان الجزائر تعاني من ازمة اقتصادية عميقة تهدد بثورة شعبية في ايّ لحظة. هناك شبه كبير بين الوضع القائم حاليا والوضع الذي ساد في خريف العام 1988 عندما حصلت انتفاضة شعبية على النظام الذي كان على رأسه وقتذاك الشاذلي بن جديد، ممثل المؤسسة العسكرية لا اكثر ولا اقلّ، بصفة كونه اكبر كبار الضباط سنّا في المؤسسة.

لا يقتصر فشل النظام في الجزائر على العجز عن تجديد نفسه في أي مجال كان فحسب، بل ان الفشل الأكبر هو فشل اقتصادي. ما تسبب بثورة 1988 كان هبوط أسعار النفط في تلك المرحلة التي توقفت فيها الحرب العراقية – الايرانية التي استمرّت ثماني سنوات بسبب العناد الايراني. اكتشفت الجزائر فجأة انّها أسيرة سعر النفط والغاز. لم يسمح النظام للبلد باستغلال ثروات البلد، علما انّها كثيرة، خصوصا ان في استطاعة الجزائر جذب ملايين السيّاح في السنة نظرا الى انّها احد اجمل البلدان المطلة على المتوسط، إضافة الى امتلاك جبال ومناطق صحراوية ذات جمال اخّاذ. هذا بعض مما تمتلك الجزائر من ثروات رفضت تطويرها في وقت يتدهور النظام التعليمي فيها بشكل ملموس ولا يوجد من يريد معالجة هذه الآفة الخطيرة.

من المفترض ان تنتهي المرحلة الانتقالية في اقرب وقت بعد إقرار دستور جديد وعصري ينهي العقد التي عانى منها البلد طويلا، أي منذ الاستقلال. في مقدّم هذه العقد الدور الجزائري على الصعيدين الإقليمي والعربي. المؤسف انّ ليس لدى الجزائر من نموذج تقدّمه لا في شمال افريقيا ولا في افريقيا نفسها ولا على الصعيد العربي. هناك فشل جزائري علي كلّ صعيد يعبّر عنه مثلان حيّان. الاوّل ان عبدالعزيز بوتفليقة حكم البلد بين 2013 و2019 وهو لا يستطيع توجيه كلمة الى شعبه يطمئنه فيها الى انّه لا يزال قادرا على استخدام قدراته العقلية. امّا المثل الآخر، فهو استمرار اغلاق الحدود بين المغرب والجزائر منذ ربع قرن، أي منذ العام 1994 تحديدا. ما هذا العجز عن اتخاذ أي قرار في شأن الحدود على الرغم من كلّ المبادرات المغربية من اجل حصول تقارب بين البلدين اللذين تجمع بينهما مصالح كثيرة فضلا عن العلاقات بين شعبين يمتلكان تاريخا مشتركا في النضال من اجل الاستقلال.

متى تنتهي المرحلة الانتقالية في الجزائر؟ هل تنتهي قبل هبوب عواصف داخلية على بلد يعاني من عقد عدّة وقنابل موقوتة كثيرة؟ من سيجمع بين مطالب الحراك الشعبي مع المحافظة على دور ما للمؤسسة العسكرية الجزائرية التي تبقى ضمانة للاستقرار... ولكن ضمن حدود معيّنة يحددها الدستور؟.

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية