المخبر المحلي من فرانز فانون إلى حميد دباشي: تاريخ فكرة

7544
عدد القراءات

2018-07-23

حينما نشرَ المحلّل النفسيّ والفيلسوف الاجتماعيّ، فرانز فانون (١٩٢٥-١٩٦١)، المناهض للاستعمار في الجزائر، كتابَه الأوّل تحت عنوان "بشرة سمراء، أقنعة بيضاء" (١٩٥٢)، تمّ تكريس هذا الكتاب باعتباره "مانيفستو" للجهاز المعرفيّ اللاحق، الذي سنطلق عليه فيما بعد الدراسات ما بعد الاستعماريّة، مع كتاب فانون اللاحق، بعنوان "معذّبو الأرض" (١٩٦١)، مضافاً إليهما كتاب إدوارد سعيد عن الاستشراق.

كانت فكرة فانون في كتابه بشرة سمراء، أنّ سلَّة المثقفين في العالم الثالث المناهض للاستعمار حينها، من ذوي البشرة السمراء، باعتبار أنّ الاستعمار قسَّمَ العالم حسب اللون، قد تقنّعوا بالأقنعة البيضاء عبر تبنّي الثقافة الاستعماريّة، والنّظر إلى أبناء جلدتهم من المنظور الاستعماريّ ذاته.

باعتبار أنّ الاستعمار قسَّمَ العالم حسب اللون رأى فانون أنّ المثقفين ذوي البشرة السمراء تقنّعوا بالأبيض لتبنّيهم ثقافة الاستعمار

في واقع الحال؛ إنّ الاستعمار يتبدّل دائماً، وتتبدّل معه منتجاته، ومثقّفوه، ومروّجوه في الخارج والداخل، وإذا كان الاستعمار قد انتهى كاستيطانٍ في بعض البلاد المستعمَرة، لكنّ الاستعمار كأدوات للغزو قائم، ويتخذ أشكالاً كثيرة؛ فهو يعود كشكلٍ إمبراطوريّ على نحو سياسيّ واقتصاديّ، وفي وقت يعيش فيه العالم العربي صراعات داخلية مريعة، يقف كثير من المثقفين في العالم العربي موقفاً يرون من خلاله أنّ مصطلحاً كـ "الاستعمار" و"الإمبرياليّة"، مصطلحات من العصر البائد (من الغريب أنّ هؤلاء المثقفين، مثلاً، تشجيهم كلمات كالديمقراطيّة والمجتمع المدنيّ، التي قُتل تحت اسمها عرب كثيرون)، وبالفعل، باعتبار أنّ الاستعمار يتطور، أو الإمبريالية بالأحرى، فإنّنا نجد عدداً من الاستعادات المهتمة بالنقاش حول الإمبريالية.

اقرأ أيضاً: ثورة التحرير الجزائرية: نحن ثرنا فحياة أو ممات

حاول اليمين في الدوائر الغربيّة أن يتحدّث عن ضرورة إعادة الإمبرياليّة اليوم، ودور الإمبراطورية في البلدان العربيّة، باعتبار أنّ الصراع نشب في العالم العربي، بعد أن كفت الإمبريالية الأمريكية يدها عن الشرق الأوسط؛ (حيث ينظر إلى تاريخ حقبة أوباما باعتبارها سياسة "كفّ اليد"، ناسين أنّ من قتل بطائرات أمريكيّة حول العالم يتجاوز حقبة بوش)، يمكن تلمّس هذا الطرح الصارخ بعد عقد التسعينيات، الذي حثّ الإدارة الأمريكيّة على فرض النموذج الإمبريالي على الشرق الأوسط، عبر سلطة القانون، لـ "تنظيم" الصراع هناك، ثمّ الاستعادة للمفهوم بعد  ٢٠١٥، في مقالات روبرت كابلان، مثلاً في الفورن بوليسي، وإذا كان أنطونيو نيغري ومايكل هاردت في كتابهما المهمّ "الإمبراطوريّة: إمبراطوريّة العولمة الجديدة" (٢٠٠٠)، قد ذهبا إلى أنّ الشكل الكلاسيكي للإمبرياليّة قد انتهى، فإنهما يذهبان إلى أنّ الإمبراطورية الأمريكية هي النمط الجديد من الإمبريالية، في استعادة جديدة لنمط الإمبراطورية القديمة.

إنّ الاستعمار يتبدّل دائماً  وتتبدّل معه منتجاته ومثقّفوه ومروّجوه في الخارج والداخل

ولأننا، بمعنى ما، نعيش في عالم ما بعد استعماريّ، خاصّة من موقعنا كمواطنين عرب ومسلمين، وقعت علينا القوى الاستعمارية، فإنّ بعضاً من الذوات الجديدة لنا قد تمّ "استعمارها" أيضاً، ووجدت نخبة من المثقفين، بالداخل والخارج، من المروجين للسياسات الأمريكية، والأوروبية عموماً، تجاه البلدان العربية، وقضايا المسلمين والشرق الأوسط. لكنّ هذه النخبة المثقفة مرّت بمراحل؛ فكما أشرت في بداية المقال إلى النموذج الذي حلّله فانون في خمسينيات وستينيات القرن الماضي؛ حيث النخبة التي عملت مع المستعمرين وتصالحت معهم في الداخل، وهناك النخبة التي أخذتها القوى الاستعمارية إلى العواصم الأوروبيّة، "ترسم بالحديد الأحمر على جباههم مبادئ الثقافة الأوروبية، وتحشو أفواههم بكلمات رنانة"، كما يقول جان بول سارتر، الفيلسوف والمثقف الفرنسي، في مقدمة كتاب "معذّبو الأرض" لفانون، ثم هناك نخبة ثالثة؛ هي نخبة ما بعد الاستعمار، الذين يحملون القيم الاستعمارية في أذهانهم وتصوراتهم، بعد خروج الاستعمار، وهم داعمون له سواء ماديّاً أو نظريّاً-رمزيّاً.

اقرأ أيضاً: مسائل وعد بلفور... وتمخّصت العرقيّة الأوروبية عن مسخ استعماري

إلا أنّ هذا النوع من المثقفين الجدد قد تطوّر اليوم، وسأركز عليهم في هذا المقال؛ إنهم "المخبرون المحليّون"، الذين يحدثنا عنهم المفكر والمؤرخ، إيراني الأصل، الذي يدرّس في جامعة كولومبيا بنيويورك؛ حيث يعيش، حميد دباشي، في كتابه "بشرة سمراء، أقنعة بيضاء" (٢٠١١)، وهو العنوان نفسه لكتابٍ فانون سالف الذكر في بداية المقال.

لكن، "بعد فانون، وعلى الجانب الآخر من إدوارد سعيد"، يخبرنا دباشي في مطلع الكتاب بهذا النوع الجديد من المثقفين، يقول دباشي: "ولِد المخبرون المحليّون، ونشؤوا، في أمكنة مثل؛ إيران ولبنان والصومال وباكستان، وانتقلوا إلى أوروبا، و/ أو الولايات المتحدة الأمريكية، من أجل تعليمهم العالي"، و"يمكنهم أن يتظاهروا بالمسؤولية، وهم يخبرون غزاتهم، ليس ما يحتاجون إلى معرفته، بل ما يريدون أن يسمعوه (وبدورهم، يسمونهم الليبراليين الأمريكيين والأوروبيين "أصوات المعارضة")".

اقرأ أيضاً: فتوحات أم استعمار؟!

فإذا كان فانون قد أشار إلى أنّ المستعمِر يجعل المستعمَر ضعيفاً وهزيلاً أمامه، ما يجعل الأخير دائم التشبّه بالأوّل، ويحاول أن يكونه مثله، وذلك من مدخل نفسي كما هي عادة فانون؛ وإذا كان إدوارد سعيد يتحدّث في كتابه "تمثّلات المثقف" (١٩٩٤)، الذي تُرجم إلى العربيّة تحت عنوان "المثقف والسّلطة"، عن المثقف المنفيّ الذي لا ينتمي، الشاكّ دائماً في السلطة، ومهمته هتكها؛ فإنّ حميد دباشي يجدّف فيما بعد فانون، وعلى الجانب الآخر من سعيد؛ أي أنّه يفكر في مثقف جديد، يسميه "المثقف الكمبرادور"، وهو المثقف المساند للإمبرياليّة الأمريكيّة، لكنه ساكن في قلب الإمبراطورية الأمريكية؛ أي إنه ليس في بلده الأصلي، كالمثقف التقليدي، إنما عاش أغلب عمره في الغرب، وتعلّم هناك، ويمسك بمنصب تعليمي أو إداري أو استشاري هناك.

اقرأ أيضاً: اللاجئون كضحايا لأنفسهم: في نقد النقد الطائفيّ!

إنّ "المثقفين الكمبرادوريين" هم مخبرون محليّون لدى الإمبريالية، لكنهم ليسوا في أوطانهم، إنّهم هناك، حيث القرار، وحيث التخطيط الإستراتيجي بشأن "العالم الثالث"، عالمهم الذي أتوا منه، إنهم كارهون للذات؛ ذاتهم، وماضيهم، ويعتقدون أنّ التنوير والعقلانية والاستنارة تكمن في هيمنة الغرب على بلدانهم، ومن ثم؛ فهم يتكلّمون من داخل أفق حقوق الإنسان وحقوق المرأة في العالم الإسلامي والعربي، على النحو الذي حاولت أن توصله آذار نفيسي، في كتابها ذائع الصّيت "أن تقرأ لوليتا في طهران". بالطبع؛ هؤلاء المثقّفون هم "مجموعة طليقة خلال "حرب" بوش على الإرهاب، لتشويه سمعة ثقافتهم هم بالذات"، كما يقول دباشي في الكتاب نفسه.

اقرأ أيضاً: وفاة تشارلز كراوثامر "المؤسس الأيديولوجي" لحرب العراق

بالنسبة إلى دباشي؛ إنّ دور المخبرين المحلّيين والمثقفين الكمبرادوريين، كآذار نفيسي وفؤاد عجمي، هو تقديم أرشيف عن المكان الأصلي الذي أتوا منه للإدارة الأمريكية، وهذا الأرشيف ناتج عن تقييمات حقوق الإنسان وحقوق المثليين والمرأة والحريّات الفدرالية في هذه البلدان. وهم بهذا، وبشكل صريح، كما أشار كاتبا كتاب "الإمبراطورية" قبل دباشي، يهيئون المناخ العام لاستعمار البلدان العربية، ولتهيئة "مناخ أخلاقي" بالذات لفعل الحرب الأمريكية. وفي هذا السياق، لا يمكن للمرء أن ينسى شخصاً مثل فؤاد عجمي، المخبر المحلي لبناني الأصل، الذي انتقل إلى الولايات المتحدة، وذلك عند غزو العراق عام ٢٠٠٣، على يد القوات الأمريكية؛ حينما قال كلمته المشهورة: "إنّ العراقيين سيستقبلون الأمريكيين بالزهور كمحررين، كما فعل الأفغان، بعد هزيمة الروس في بلادهم بمساعدة الأميركيين".

يلعب هؤلاء المثقفون دوراً بالغاً في صناعة الإسلاموفبيا في الغرب عموماً، إنّهم مرضى بالآخر

يلعب هؤلاء المثقفون دوراً بالغاً في صناعة الإسلاموفوبيا في الغرب عموماً، إنّهم مرضى بالآخر، لكن على شكل الارتماء في إمبرياليته، ولذلك ليس من العجيب أن يكونوا مقربين من الدوائر المحافظة، ومن إعادة إنتاج الإسلام في الغرب ليبرالياً؛ ليغدو الإسلام رديفاً للشمولية، ومعاداة المرأة، والاستبداد الشرقي.

أو، ببساطة، ليغدو الإسلام هو "الشرق"، ومن هذا المنطلق؛ فهم شديدو الإعجاب والقُرب بالمستشرقين المشبوهين، كأمثال الراحل برناند لويس، صاحب الوصية المعهودة لأمريكا بشأن الشرق الأوسط "القسوة أو الخروج"، حتى أنّ آذار نفيسي تحكي (وذلك كما يروي دباشي في كتابه آنف الذكر) أنّها عندما كانت تدرس في السبعينيّات بالولايات المتحدة، كانت شديدة الإعجاب بكتابات إدوارد سعيد، وكانت تكره برنارد لويس وكتاباته، لكنها عندما رجعت إلى طهران، غيّرت رأيها، لتقول: "بدأت أكتشف كم كانت كثير من افتراضاتي خاطئة. بقراءة لويس، اكتشفت بين أشياء أخرى أنّ المسلمين، حتى أوائل القرن التاسع عشر، كانوا أكثر انتقاداً لثقافتهم من أيّ مستشرق على الإطلاق، روح النقدية هو ما كانت تجهله حتى أرشدها لويس ومستشرقون آخرون إلى ذلك". ولا يخفى أنّ هذا الانتقال من شخص كسعيد إلى شخصٍ كلويس، انتقال له مغزى ودلالات كثيرة، لكن ما لا تدركه نفيسي؛ أنّه لو سُلِّم جدلاً بأنّ المسلمين كانوا كذلك فعلاً، فإنّهم لم يكونوا يفكّرون ضمن مفهوم "التقدم" الحديث الذي يفترض قيماً معينة، ويلغي قيماً أخرى. بمعنى آخر؛ ممارسة النقد إسلامياً كانت ممارسة لا تسعى إلى الداروينية الاجتماعية التي يسعى إليها المفكرون العرب، والتي يعامل بها المستشرقون من أمثال لويس هذه الثقافة، ويمثلها -أي هذه الثقافة بقيمها- كنقائض لقيم أوروبا العليا.

حين يعتقد المفكّرون العرب أنّ الإمبريالية انتهت هي تتجدّد حتى من ذوي "البشرات السمراء" لكن "بأقنعة بيضاء"

واتصالاً بأفكار دباشي الذكيّة في كتابه؛ يمكن للمرء الاستعانة بالمنظّرة الهندية، ما بعد الاستعمارية، غاياتري سبيفاك؛ حيث تضيء لنا بعضاً من "صناعة" المخبرين المحليين، وكيف استخدمهم الغرب، والحال أنّ المخبرين المحليين هم من أبناء الجنوب، وأتوا من طبقات متوسطة، وتعلّموا في مدارس شبه كولونياليّة، ولم ينتجوا من الميتربول الغربي نفسه، إنّما من الأطراف، ويعملون عملاً لا يقوم به الإداريون الكولونياليون أنفسهم. وهم يقومون بتوصيف أبناء ثقافتهم ضمن مصطلحات الحرية، بأنهم مثلاً: أسيرو ثقافة استبداد، يعانون من قلة الحرية، لا بد من إنقاذهم، …إلخ. وفي حين يستخدمون هذه اللغة "الحقوقيّة"، فهم في الواقع إنما يختزلونهم ويجردونهم كمحض أرقام للغازين.

وقد أوضحت سبيفاك، أنّ إنتاج المخبر المحلي اختلف عن فكرة أنّ الإدارات الغربية تعين أشخاصاً منها يراقبون الوضع في الشرق الأوسط، كما أشار دباشي، حيث صاروا منذ الثمانينيات، وسقوط الاتحاد السوفييتي، يقومون بعملية إحلال لأبناء الغرب البيض المخبِرين، حتى تنفى شبهة "التمركز حول العرق" (ما تسمّيه سبيفاك بـ (Racism))، عن إدارات الغرب بعد سقوط الاتحاد السوفياتيّ، بحيث يأتون بأبناء الجنوب المعلَّمين جيداً ليمثلوا بلدانهم والناس الذين يسكنون هذه البلدان.

تقول غياتاري: وهذا لا يعني أنّ "التمركز حول العرق" انتهى، بل ما يزال قائماً ومترسّخاً، فكل ما تغير هو الجلد لا أكثر. إنّ الجلد ليس مسألة لون، بقدر ما هو مسألة ثقافة؛ ففي حين يعتقد المفكّرون العرب أنّ الإمبريالية انتهت، فهي حقيقة، شيء يتجدّد، حتى إن كان من ذوي "البشرات السمراء" لكن "بأقنعة بيضاء".

اقرأ المزيد...

الوسوم: