المخرج الإيراني عباس كيارستمي: الحياة ولا شيء سواها

1490
عدد القراءات

2019-04-01

في أعقاب رحيل المخرج الإيراني، عباس كيارستمي، علقت مجلة "مسرح الأفلام"، التي تصدر في نيويورك: "قد يكون العالم خسر أعظم مخرجيه"، في حين قال الناقد السينمائي لدى صحيفة التلغراف اللندنية، روبي كولين، بأنّ كيارستمي كان "صانع معجزات بزي ساحر". أما المخرج الأمريكي مارتن سكورسيزي فاعتبر أنّ كيارستمي "يمثل قمة الحس الفني في السينما."

اقرأ أيضاً: غاسبا نوي مخرج فيلم Climax: الجمهور لا يشغلني وفيلمي لا مكان له في أمريكا
كان المخرج الذي هزمه السرطان (مواليد 22 يونيو 1940 في طهران - 4 يوليو 2016 في باريس) يتمتع بنفوذ كبير في عالم السينما، إذ قال عنه المخرج الفرنسي السويسري الكبير جان لوك غودار "السينما تبدأ عند دي دبليو غريفيث وتنتهي عند عباس كيارستمي".
وتتساءل صفاء الصالح، في تقرير نشرته "بي بي سي"، عما قاد إلى كل هذا الاحتفاء بمخرج قدِم من الشرق الأوسط ومن بلد عالم ثالثي، وظل متجذراً في ثقافته المحلية، وما الذي خلق ظاهرة كيارستمي النادرة في التاريخ السينمائي؟

اقرأ أيضاً: أمير العمري: الكاميرات الرقمية خلصت المخرجين الشباب من التبعية، ولكن...
وترى أنّ مثل هذا البحث يتموضع في المسافة بين نظرتين: النظرة العالمية إلى منجز كيارستمي التي جسّدها احتفاء عدد من كبار النقاد العالميين به، والنظرة المحلية التي تفكك هذا المنجز في سياق جذوره ومناهله المحلية. أي بين ما يصفه الناقد الفرنسي سيرج توبيانا بـ "النظرة الحرة" إلى العالم على الرغم من القيود تعيش فيها بلاده، أو ما يسميه الناقد الإسباني، البرتو إيلينا، في كتابه عن "فن التقية"، في إشارة إلى المفهوم المستمد من الممارسة الدينية لدى شيعة إيران، وهي "النظرة" (Gaze) ذاتها التي تتجاوز حدود الرؤية إلى التأمل، وما يراه زملاؤه الإيرانيون فيه من نظرة تعيد زرع الصوفي في قلب الواقعي واليومي عندما يسمونه "المتصوف الواقعي".
نجح كيارستمي عبر تلك النظرة العميقة إلى الوجود في أن يصنع بصمته الأسلوبية الخاصة

نظرة عميقة إلى الوجود
نجح كيارستمي عبر تلك النظرة العميقة إلى الوجود في أن يصنع بصمته الأسلوبية الخاصة التي تركت ظلالها على عموم الإنتاج السينمائي في بلاده، ونحتت لها موقعاً خاصاً في المشهد السينمائي العالمي، وعززتها مواهبه المتعددة التي تمتد في حقول فنية ومعرفية مختلفة بين السينما والفوتوغراف والشعر والرسم وغيرها.

اقرأ أيضاً: بعد فوزها بجائزة عالمية أنصار حزب الله يهاجمون المخرجة نادين لبكي
سمة كيارستمي الأساسية، التي وجد فيها الفيلسوف الفرنسي جان لوك نانسي تجسيداً لنظرته إلى الفن، تتمثل في أنّ الفن لديه ليس انعكاساً أو تصويراً رمزياً لعالم خارجي، بل تجربة وجودية وحسيّة تغوص في عمقه، وتضيف إليه وتثريه، والمعنى الذي تنتجه هو نتاج المشاركة في الوجود وليس تمثيلاً منفصلاً عنه.
حرص كيارستمي في أفلامه على تقديم "الحياة ولا شي سواها"، في حركتها الدائمة وفي جريانها وبتفاصيل طبيعتها التي يكتشف الإنسان معناها من المشاركة في تجربتها الوجودية وبكل ما يضمره وينتجه من عواطف وأحاسيس وأساطير، مقدّماً الشعر مجسَّداً في الصور.
معاني الحياة والموت
تقول الكاتبة رفيدة طه إنّ عباس كيارستمي يلتقط أقل الأحداث بساطة وأهمية في الحياة العادية ليصنع منها عملاً فنيّاً فريداً. أفلامه تدور في معظمها حول معاني الحياة والموت، الحب، الفطرة الإنسانية، الصداقة والجمال. يعرضها بأسلوب ينتمي للسينما الواقعية وفنون ما بعد الحداثة.

كيارستمي يلتقط أقل الأحداث في الحياة العادية ليصنع منها عملاً فنيّاً فريداً فأفلامه تدور حول معاني الحياة والموت والحب

بأسلوبه الخاص وملامح أفلامه الفريدة استحق كيارستمي لقب رائد السينما الواقعية الحديثة، أو صاحب الواقعية المتصوفة. ولهذا الأسلوب معالم معروفة: قصة بسيطة أو فيلم بلا قصة تقريباً، خط بسيط تسير فيه الأحداث، تكرار الأحداث، أخطاء في أداء الممثلين لفقراتهم واستخدام أشخاص عاديين في معظم أفلامه (وليس ممثلين محترفين)، لهذا يسمي بعض النقاد أسلوبه بالقصصية الوثائقية أو الوثائقية القصصية؛ إذ تبدو أعماله وكأنّها صّورت من مشاهد اعتيادية حقيقية غير تمثيلية كإعداد لفيلم وثائقي.
مسرح أفلامه في الغالب قرية بسيطة بأشخاص أكثر بساطة من أهل المدن، أو سيارة، بحيث يصور الفيلم بأكمله داخل سيارة يقودها البطل. وهو أسلوب يتكرر كثيراً في أفلامه مثل فيلم "عشرة" أو فيلم "طعم الكرز" الذي حصل به على جائزة السعفة الذهبية من مهرجان كان، وهو الفيلم الذي لم يضع فيه أكثر من ممثل واحد في الكادر نفسه، في حرص هائل على البساطة، فهو لا يؤمن بالسينما التي تقدم نسخة واحدة فقط من الواقع، حيث يقول في هذا السياق: "إنني أفضّل أن أصف أكبر عدد ممكن من التعبيرات عن حالة بعينها وأعطي الفرصة للمشاهد أن يختار بحرية ما يلائمه. لقد رأيت بعض من شاهدوا أفلامي يملكون من الخيال أكثر مما أملك. أحب أن أترك التفسير مفتوحاً لمشاهدي، وكأنه مالك الفيلم لا أنا".
"تحت شجرة الزيتون"
في فيلمه الرومانسي "تحت شجرة الزيتون" لا يقدم الرجل الذي يظهر مع البطل أية نصائح له. لكنه يحاول فقط أن يستخرج منه الحب والأمل في المستقبل، فيذهب الشاب مرة أخرى ليحادث فتاته، لكن كيارستمي لا يخبر المشاهد إذا كان الشاب هذه المرة تلقى ردّاً إيجابيّاً أم لم يتلق. كيارستمي يهدف من أفلامه إلى إثارة الأسئلة أكثر من الإجابة عنها.

كان السينمائي آدرين مارتين على حق: "كيارستمي هو أكثر المخرجين الذين ربطوا الحياة بالسينما ذكاءً، إنه شاعر السينما"

هو يشبه في أفلامه الحكمة الشرقية التي توارثتها ثقافته؛ تلك التي تعتبر الأحداث كلها ناشئة عن قدر أزلي لا تدخل فيه، كما تقول رفيدة طه. لا يضع كيارستمي أبداً في أفلامه خطاً واضحاً لسير أبطاله أو تفسيراً محددا لأفعالهم.
وينتقد كيارستمي الأساليب التقليدية المتعارف عليها في صناعة الأفلام، منها القول بأن المشاهد إذا لم يفهم القصة في الأجزاء الأولى فقد خسره المخرج، معلقاً على ذلك: "من قال إنني أريد أن ألتزم بقانون كلاسيكي سخيف هكذا؟ أنا دائماً كمشاهد لا أريد أن أعرف كل شيء من الدقائق العشر الأولى. أريد أن أتتبع الحكاية مثل قصة شهرزاد حتى أصل في النهاية أو لا أصل، كم سؤالاً في حياتك العادية تستطيع الإجابة عنه؟
يخرج كيارستمي بكثرة عن نص القصة الأصلي، ويتبع أسلوب الرواية غير المركزية للأحداث، إذ لا تحدث عنده تحولات ملحوظة للشخصيات، فهو لا يصب اهتمامه الأساسي على القصة، أحياناً ليست هناك قصة من الأساس، أو أنها تروى بشكل شديد السوء بحيث يملّ المشاهد من تتبعها ليركز فقط في التفاصيل والأحداث الصغيرة. تتجاوز أهمية الأحداث الصغيرة والتفاصيل أهمية الخط الأصلي لقصة الفيلم.
رجل المضمون
ولدى كيارستمي تبريراته؛ فهو يصف نفسه بأنّه رجل المضمون، وأنّ شكل عرض المضمون لا يشغله كثيراً، لأنه لا يشغل الحياة أيضاً، الحياة تعرض مضمونها برداءة، وإذا كانت السينما صورة من الواقع فهي لا يجب أن تحتوي على الإبهار البصري، لهذا يرد كيارستمي دائماً على من يصف أفلامه بالملل، ومنهم الناقد الشهير روجر إيبرت، بأنّ إيقاع الحياة بطيء وهو لا يستطيع أن يصنع فيلماً هوليوودياً.
ويدافع النقاد عنه في هذا بمقولة هيتشكوك أنّ الرسام الذي يرسم تفاحة لا يهتم إن كانت التفاحة المرسومة حلوة أم حامضة.
وتمثل استعارة الشجرة مفهوماً أساسياً لفهم فلسفته، فهو لا يكف عن استخدامها في جمالياته البصرية في السينما أو فن الفوتوغراف، (الشجرة مفردة جوهرية في أعماله الفوتوغرافية) أو كتاباته وتصريحاته. كما تمثل معادلاً لحياته في تجذره في بيئته المحلية وعلاقته مع هذه البيئة، إذ يقول في أحد تصريحاته، في تورية مبطنة بعلاقته بالبلاد التي أنجبته وما تعيشه: "أشعر مثل شجرة، شجرة لا تشعر أن عليها واجباً في أن تفعل شيئاً ما للأرض التي جاءت منها. شجرة تحمل الثمار والأوراق والبراعم لا تحتاج لأن تشكر الأرض" التي نمت فيها.
فيلمه "طعم الكرز"

"طعم الكرز"
وتتسم الحوارات في أفلام كيارستمي بالعمق الشديد والرصانة الفلسفية على بساطتها الكبيرة أحياناً. لهذا يطلق البعض على أعماله أفلام المحاورات. ففي فيلمه "طعم الكرز" يتتبع كيارستمي رجلاً يقود سيارته حتى حفرة ينوي الانتحار فيها. معظم الفيلم يحدث داخل السيارة التي يقلّ بها في الطريق إلى الحفرة أشخاصاً يعرض عليهم المال مقابل مساعدته في الانتحار، سيلقي نفسه بالسيارة في حفرة، لكنه يخشى ألا يموت، مهمة الشخص تتلخص في أن ينادي عليه بعد أن تسقط السيارة، إن كان حيّاً سيخرجه من الحفرة، وإن كان ميتاً سيردم عليه التراب. من خلال الفيلم يتتبع كيارستمي آراء الركاب حول الحياة والموت، ومحاولاتهم بإقناعه بالعدول عن قراره، لا يتردد الرجل أمام النصائح الكثيرة، لكنه يتأثر حين يخبره رجل أنّ "الموتى لا يستطيعون أكل الكرز، ألن تفتقد طعم الكرز؟"

اقرأ أيضاً: مخرج مصري شاب يجابه التيارات التكفيرية بسلاح المسرح
لا يُخبر كيارستمي إن كان الرجل قد انتحر أم لا، هو فقط يثير الأسئلة كعادته. طعم الكرز هو أكبر حديث نفس لكيارستمي يستعيد فيه كل معاني الحياة والموت عنده.
يضاف إلى ذلك أنّ الشخصيات في أفلام كيارستمي المدنية (الحياة ولا شيء آخر، طعم الكرز، الريح سيحملنا) رجال في منتصف أعمارهم، منهكون، جميعهم يركبون سيارات ويتجولون هنا وهناك، يشعرون بانعدام المعنى، ويبدو عليهم عدم الاستمتاع بالحياة. هم يشبهون كثيراً المدني الإيراني الحديث، وهو مواطن متأثر كثيراً بالغرب، لا يؤمن بشيء يقيني، يتنقل بأدوات غربية كالسيارة والهاتف المحمول، غريب عن القرويين وحاملي الثقافة الإيرانية الأصلية. تظهر العدمية والمرارة في حياتهم من خلال تكرار أحداث يومية رتيبة. لكنّ القرويين البسطاء بثقافتهم وتقاليدهم الخاصة على عكسهم يظهرون دائماً أكثر شعوراً بالسعادة. ربما لأنهم لا يملكون حقاً ترف التفكير في أمور كالسعادة والشقاء.
كيارستمي رجل مغرم بالشعر، وبالحياة وشاعريتها. يقتبس أحياناً أسماء أفلامه من القصائد، كاسم فيلمه "أين منزل الصديق" المأخوذ من قصيدة للشاعر الإيراني سهراب سبهري.
وقد كان السينمائي آدرين مارتين على حق عندما قال: "كيارستمي هو أكثر المخرجين الذين ربطوا الحياة بالسينما ذكاءً، إنه شاعر السينما، وُيعتبر الإجابة الأكثر إقناعاً على خطأ التصورات الغربية للحياة".

اقرأ المزيد...

الوسوم: