المخرج كوستا غافراس.. الاحتفاء بالوعي الإنساني سينمائياً

2524
عدد القراءات

2019-09-03

كرّم "مهرجان البندقية" السينمائي، قبل أيام، المخرجَ الفرنسي اليوناني الأصل كوستا غافراس وذلك لـ "إسهاماته المبدعة في تطوير السينما المعاصرة".
كما عرض فيلمه الجديد "أدالتس إن ذا روم" الذي يدور حول أزمة الديون اليونانية وشروط أوروبا لإنقاذ بلاد الشاعر ريتسوس من الإفلاس، الفيلم مأخوذٌ عن كتاب لوزير المالية اليوناني السابق يانيس فاروفاكيس، ويسلط الضوء على مفاوضات حزمة الإنقاذ المالي لليونان في العام 2015.

كرّم مهرجان البندقية مؤخراً المخرج الفرنسي اليوناني الأصل كوستا غافراس لإسهاماته المبدعة في تطوير السينما المعاصرة

هذا الجانب، الذي وصفه غافراس بكونه نتاجاً لمجمل "السياسات المشوشة في أوروبا"، يكاد يشكل جوهر المعاني الذي أقام عليها المخرج أفلامه بدءاً من "زد" وصولاً إلى "مدينة مجنون" وغيرها العشرات. وهنا نستعيد كيف احتفى الجمهور العربي، وتحديداً منذ سبعينيات القرن الماضي، بأعمال غافراس، التي أظهرت عمق أزمة إنسانية جماعية وعبّرت عن معطياتها بشكل جليّ.
في السينما بالذات نجد إمكانية هائلة للتعبير عن المجموع بقراءة واقعة فردية أو رؤية فترة تاريخية معاصرة عبر استقراء خفايا حادثة فردية، لما لهذا الفن من قدرة على التكثيف والتجسيد، واختزال الامتداد الزمني، وإعطاء الرموز قدرة ونفوذاً في التعبير عن حالات تتطلب الإسهاب حين تعرضها الأنواع والأنشطة الذهنية والفكرية الأخرى.

فيلم "زد".. تعرية الديكتاتوريات وقوة الرفض الاجتماعي
هذه المعاني تحيلنا لأعمال المخرج كوستا غافراس اليوناني المولد (1933) من أب روسي وأم يونانية، ونختار هنا أربعة أفلام تتوافق مع استنتاج المقدمة، وهي "زد – 1968"، "حالة حصار – 1972"، "المفقود – 1982"، و "هانا ك – 1984" الذي عرض في عواصم عربية عدة صيف 1986، لما للأعمال الأربعة من صفة مشتركة تجمعها، فهي اعتمدت حوادث فردية للكشف عن أزمة اجتماعية شاملة.

في فيلمه (حالة حصار) ينقل المشاهد إلى أجواء الصراع والديكتاتوريات الحاكمة في بلدان أمريكا اللاتينية

ففي فيلم "زد" (من إنتاج الجزائر التي منحت المخرج غافراس وساماً رفيعاً العام الماضي) نجد أنّ حادثة اغتيال النائب البرلماني اليوناني (لامبراكيس) في العام 1963 والتي أمعن هذا العمل في إظهار تفاصيلها، قد كشفت جوهر سلطة حاكمة بكامل مؤسساتها وطبيعة الظرف الاجتماعي للبلاد، كما أنّ غافراس في فيلمه التالي "حالة حصار" ينقلها إلى أجواء الصراع والديكتاتوريات الحاكمة في بلدان أمريكا اللاتينية عبر حادثة تقع لوزير خارجية أحد تلك البلدان.
أما قوة الحادثة الفردية وقدرتها في التعبير عن صدق واقع بأكمله، فذلك يتجسد عبر فيلم غافراس المهم "المفقود"، الذي حاز به جائزة مهرجان كان– 83 مناصفة مع فيلم المخرج التركي يلماز غوني الذي حمل عنوان "يول – الطريق"، وتعتمد قصة الفيلم ومحور أحداثه على قضية الصحافي الأمريكي (شارل هورمان) الذي قُتل أثناء تغطيته لوقائع الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس التشيلي سلفادور الليندي في العام 1973، حيث قام والد هذا الصحفي وهو أدمون هورمان (جاك ليمون) ويعمل رسّاماً، برفع قضية اختفاء ولده إلى القضاء، وقام بجمع الحقائق في ملف كامل المحامي توماس هوسر.

اقرأ أيضاً: بين المسرح والشاشة: حوار مع المخرج الإيراني أصغر فرهادي
سيناريو الفيلم اعتمد ذلك الملف مادة له، وفيه الكثير من المعلومات ليس عن ظرف اختفاء الصحافي فحسب، بل وقائع تكشف الانقلاب وتُدينه، لكن غافراس بدأ هنا باستبدال لغته السينمائية تماماً، فهو لم يشر مباشرة ولم يسمّ أحداً، بل اكتفى باللمحة القوية المؤثرة؛ حيث نجد تلك الحركة السريعة والغموض البوليسي، وتلك خصائص أفلامه الأولى، وتصاعدت بدلاً عنها إيماءات زاخرة بالحيوية ورموز مبهرة (الفرس البيضاء المنطلقة في شوارع سانتياغو المقفرة).
لكنه في الوقت ذاته، يكشف للمشاهد أثناء بحث زوجة الصحافي، بت (سيسي سباسيك) عن زوجها (المفقود)، عن هول المجزرة وما تعرضت له من قيود وصلت للاعتقال لمجرد أنّها كانت تسأل عنه، على الرغم من كونها أمريكية، وذلك يوفر لها ميزة خاصة (سلطات الانقلاب كانت مدعومة من واشنطن حينها).

فيلم "المفقود".. الحقيقة الضائعة في دهاليز السلطة الباطشة
"المفقود" الذي نجح في صالات العرض، حقق غرضه في الكشف عن مأساة شاملة، لكنه أظهر لاحقاً وعبر ذلك النجاح ازدواجية كبيرة ولاحيادية في موقف الإعلام والمؤسسات الثقافية في الغرب عموماً، حيث قوبل فيلم غافراس التالي "هانا – ك" بصمت مطبق إن لم نقل بالمحاربة، على الرغم من كون فيلم "المفقود" كان أكثر جرأة في قول الحقائق وبلغة أكثر فصاحة وبرؤية دقيقة لم تتوفر بذات الوقائع في "هانا – ك" وحين نتيقن السبب، يبطل عجبنا؛ فالفيلم يتحدث عن القضية الفلسطينية وتلك وحدها تحدث في أوساط الغرب السياسية والثقافية الكثير من الفزع! وذات الحقائق التي قبلت من غافراس في "المفقود" لم تقبل منه تلك المرة بل أنه وصف بأشد اللعنات، كيف لا؟! وهو يشير ويسلط الضوء على "جوانب" من الحقيقة، حقيقة البناء العنصري الاسرائيلي، وكانت خير وسيلة للنيل منه هي في ضرب هذا الحصار من الصمت المطبق حول الفيلم ومحاربته بأشنع الوسائل، واتهم المخرج بالتهمة الجاهزة "اللاسامية"، وحينها وجد المخرج وزوجته، ميشيل راي غافراس، وهي منتجة الفيلم، نفسيهما في وسط ملغوم بالافتراء !

قوة الحادثة الفردية وقدرتها في التعبير عن صدق واقع بأكمله يتجسد عبر فيلم غافراس المهم (المفقود)

"هانا – ك" هو اسم المحامية (هانا كونمان)، اليهودية النازحة إلى "أرض الميعاد" والمتزوجة من الفرنسي فيكتور (جين يان) الذي تتركه على أثر خلاف، وتجد مع رفيقها قاضي التحقيق جوشوا (جبريال بيرني) عبر صداقة وطفلٍ غير شرعي منه ما يحقق أمنياتها "الوهم" بعسل عودتها إلى أرض الميعاد التاريخي، غير أنّ وقائع كهذه ما تلبث أن تتفكك شيئاً فشيئاً مع ظهور الفلسطيني (محمد بكري) الذي يُعثر عليه متخفياً في بئر أحد البيوت الفلسطينية وهو يبدأ رحلة العودة لأرضه بطريقة يعتبرها الإسرائيليون "لا شرعية".
المخرج مع بداية كهذه لا ينسى أن يظهر حقيقة جنود الاحتلال؛ إذ يفجرون البيت مع أول خيوط الفجر المنسجمة مع أصوات الأذان!
تكلف المحكمة العسكرية، المحامية (كونمان) بالدفاع عن المتهم الفلسطيني التي تستغرب من هيئة المحكمة في تأكيدها على كون موكلها "مخرباً" وهو الأعزل من كل سلاح، ومن هنا يبدأ الشرخ في وعي كوفمان، وذلك ما يلبث أن يتعمق ويصبح شكوكاً في حقيقة وجود اسرائيل حين يعود الفلسطيني ثانية لأرضه ويطلب منها (بكري) الدفاع عنه هذه المرة.
غافراس وكاتب السيناريو (فرانكو ساليناس) أظهرا الفلسطيني بوعي يجد فيه المشاهد الغربي سمةً متحضرةً وطريقةً عقلانية في مناقشة الأمور، إذ أظهرا الهدوءَ في شخصيته، تعاملهُ برصانةٍ مع وقائع حياته عبر استخدامه الوثائق التي تؤكد ملكيته لبيته في (كفر رمانة)، ولكن "أين كفر رمانة هذه؟" الجندي الاسرائيلي وبحدّة ينصح المحامية حين تسأله عن القرية باستعمال خريطة جديدة "وقائع مزيفة جديدة"، فالقرية أصبح اسمها (كفر ريمون)!

اقرأ أيضاً: المخرج الإيراني عباس كيارستمي: الحياة ولا شيء سواها
هكذا إذن أصبحت القرية الفلسطينية مستعمرة لا أثر فيها غير بيت عائلة الفلسطيني المتهم بالتخريب، والذي أصبح "متحفاً" لوجاهة تظهر عليه، وذلك الراعي الذي يقود قطيع أوهامه في أطراف القرية وهو يصيح: هنا، هنا كفر رمانة. إنّ هذا المشهد وبجمالية تنفيذه العالية يحيلنا إلى نص الشاعر الفلسطيني محمود درويش المنشور في مجلة "اليوم السابع" في متن الرسالة الموجهة منه إلى صديقه الشاعر سميح القاسم، وذلك النص قريب في تفاصيله لذلك المشهد، حين يقول: "حين مارست طقس الحج الأول إلى قريتي (البروة) لم أجد منها غير شجرة الخروب والكنيسة المهجورة، وراعي أبقار لا يتكلم العربية الواضحة ولا العبرية الجارحة: من أنت يا سيد؟ فأجاب: أنا من كيبوتس (يسعور) قلت أين كيبوتس (يسعور)؟ قال: هنا، قلت هنا: البروة". قال: ولكنني لا أرى شيئاً ولا حتى حجارة، قلت: وهذه الكنيسة.. ألا تراها؟ قال: هذه ليست كنيسة، هذا اصطبل للأبقار، هذه بعض آثار رومانية ويستدرك الشاعر موجهاً الحديث لصديقه، لاحظ المعاني العكسية، الانقلابية، الاستبدادية للكلمات، نحن في أحسن الأحوال حراس آثار روماني"!!

فيلم "هانا ك" .. غافراس الفلسطيني
في دلالة النص أعلاه نجد مقاربة في أحد حوارات الفيلم بين المحامية وإحدى نساء المستعمرة، فتخبرها نحن سكان المنطقة، لكن بيت الفلسطيني ووثائق ملكيته ونسخة الصورة الموجودة مع تلك الوثائق والأصل المعلّق على جدار البيت وصوت ذلك الراعي العربي والأشجار الوفيرة قديمة الإنبات، توفر عند المحامية قناعة كاملة مناقضة لكل ما تقوله ألسنة الكذب في المستعمرة.

ذات الحقائق التي قُبلت من غافراس في (المفقود) لم تقبل منه في (هانا ك) عندما عرّى جرائم الاسرائيليين

إنّ قناعاتٍ كهذه تتصاعد بهدوء وبانتقالات كاميرا مدير التصوير الإيطالي (ريكاردو أرونوفيش) التي تنوعت بين البحث عن الجمالي المجرد في مكونات المشهد وتسجيلها للوقائع، لكنها ناقشت المكان بهدوء بالغ ما وفّر فرصةً اعتبرها البعض شيئاً من التخلي عن الجرأة التي عرف بها غافراس حين يتصدى لقضية تحمل في طياتها أزمةً اجتماعية، لكن ما فعله الفيلم يبقى مهماً على الرغم من اختلاطات وعي كاتب السيناريو والمخرج.
تطور الأحداث في الجزء الأخير من الفيلم أعطى التفاصيلَ للمشهد الحقيقي لواقع الاحتلال: غلاة الإسرائيليين لا يترددون في تهديد المحامية لأنّها تعرض حقيقة الشاب الفلسطيني العائد؛ الذعر من عملية فدائية وهو يقطع إيقاع الحياة في كل شيء، الضغط المتواصل من هيئة المحكمة على المحامية لترك الموضوع نهائياً، فنجاحها يعني أنّ ملايين الفلسطينيين سيمتلكون الحق منطقياً في العودة لبلادهم المحكومة وفق منطق الاحتلال الاستعماري لا بـ"أوهام العودة التاريخية" كما تراها المحامية في أيام وجودها الأولى هناك.

مشهد من فيلم غافراس الأخير "بالغون في غرفة"
جيل كلايبورغ، الممثلة الأمريكية وبطلة "هانا – ك" و "بعطرها" الخفي الذي يتحسسه الفلسطيني (محمد بكري) وهي تراقبه عن بعد توقعاً منها، قيامه بعمليات "تخريبية"، تبدع في تجسيد شخصية المحامية، وفي مشهد طردها للعشيق والزوج، والطفل الفلسطيني الصغير حين يتم اتهامه بمسؤوليته عن (عملية تفجير). وحمل لنا ذلك المشهد براءةً تحاول الوصول إليها عبر التخلص من كل تلك القذارات والأوهام التي خاضت فيها !

اقرأ أيضاً: أمير العمري: الكاميرات الرقمية خلصت المخرجين الشباب من التبعية، ولكن...
المخرج غافراس كان هو الآخر ممتازاً في صنع مشاهد القدس، على الرغم من بعض الإطالة والجو السياحي الذي اتسمت به بعض المشاهد، غير أنّ جمالية التعبير العالية في موسيقى الفيلم التي وضعها اللبناني الأصل (غبريال ياريد) صاحب الموسيقى التصويرية لفيلم يوسف شاهين "وداعاً بونابرت" والتي اعتمد في تنفيذها على الإيقاعات العربية والتراتيل وأصوات الأذان، منحت تلك المشاهد حيويتها وجمالها الرفيع ومشاعر الحنين الناعمة، ويظل ذلك الفيض من الضوء الساطع الذي التقطته الكاميرا في أسواق القدس القديمة وظلال الناس والأشياء وضباب الفجر في المشهد الأول، ولمعان الذهب في قبة المسجد الأقصى، ترانيم تتلاعب بمشاعرنا وتمتلكها دون تردد.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



المخرج اليوناني كوستا غارفراس لـ"حفريات": نحن ضحايا النظام العالمي

صورة منى يسري
صحافية وكاتبة مصرية
2019-11-20

عام 2008، وقبيل اندلاع الأزمة المالية العالمية؛ صرّح أستاذ الاقتصاد السياسي السابق، في جامعة كامبريدج، يانيس فاروفاكيس، في إحدى محاضراته: بأنّه "لا يجوز السؤال: هل هناك أزمة قادمة أم لا؟ لكن حريّ بنا أن نسأل متى ستندلع الأزمة؟"، ربما خطر بباله أن تدفع بلاده ثمن الأزمة، لكنّ الذي لم يكن ليخطر بباله أنّه النبيّ القادم لحلّ تلك الأزمة.
الفارس المنتظر
في كانون الثاني (يناير) 2012؛ منحت الكلية الدولية بجامعة "تورنتو" الكندية، درجة أستاذ فخري في اقتصاديات القانون المقارن والتمويل، لمساهمته النظرية الاستثنائية لفهم الأزمة الاقتصادية العالمية، وذلك بعد مشوار حافل في الحقل الأكاديمي، نال خلالها عدة ترقيات، وكان المؤسس الأول لبرنامج الدكتوراه في الاقتصاد بجامعة أثينا، عام 2002، بعد عودته إلى أثينا التي استقر بها، وشغل مناصب إدارية عديدة، أدخلته إلى ساحة البرلمان اليوناني، الذي فاز فيه بأغلبية ساحقة، وصلت إلى 142 صوتاً، كمرشّح عن حزب سيريزا اليساري "ائتلاف اليسار الراديكالي"، وعام 2015؛ تمّ انتخاب حزبه بأغلبية 36%، بعد وعود من قيادات الحزب بالتصدي للاتّحاد الأوروبي بشأن الديون المتراكمة على البلاد، والتي أرهقت دافعي الضرائب، حتى فرّ كثيرون منهم خارج البلاد، أمّا الباقون فقد امتنعوا عن دفع الضرائب، خاصة بعد الاحتجاجات التي اندلعت في أثينا، عام 2011، تبعتها عدة إضرابات في قطاعات عديدة.

يبقى الفيلم حلقة سياسية جديدة في سينما كوستا غافراس الذي أخرج أزمة اقتصادية عانت منها بلاده إلى طاولة النقاش

بعد الانتخابات؛ تمّ تنصيب اليساري، إليكسيس تسيبراس، رئيساً للوزراء، وعيّن فاروفاكيس وزيراً للمالية، وتولّى شأن المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي، بخصوص الديون التي تعنتت ألمانيا بشكل خاص في توقيع عقوبات على اليونان بشأن التأخر في سدادها، كان أمام فاروفاكيس مهمة شاقة للغاية هي: كيف يخضع الاتّحاد الأوروبي لمطالبات بلاده، حتى ينعش اقتصادها الغارق في الكساد، ولم يكن أمام الأكاديمي اليساري، ذي الخلفية الماركسية، إلّا إيجاد حلول وسيطة، فربما الإغراق في الراديكالية الاقتصادية، سيغرق البلاد في هذه الآونة أكثر مما يفيدها، وكانت خطة التفاوض قائمة، منذ شباط (فبراير) 2015، واستمرت لمدة 6 أشهر، حاول فيها فاروفاكيس أن يهدّد الاتحاد الأوروبي بالاستفتاء الشعبي على الخروج من اليورو والعودة للدراخما، رغم علمه أنّ هذا الأمر ربما يفاقم الأزمة، لكنّه قرّر استخدامها كورقة ضغط، واستعرض فاروفاكيس تجربته، التي شبّهها بعض الكتّاب بالمهمة الانتحارية، في كتابه الصادر عام 2017، بعنوان "كبار في غرفة: معركتي مع المؤسسة الأوروبية العميقة"، في سرد أدبي شيق، لتوثيق تلك المرحلة الحرجة من تاريخ اليونان.

غارفراس بصحبة أبطال فيلمه وفاروفاكيس

ثمن الأزمة
عام 2019؛ قدّم المخرج اليوناني، كوستا غارفراس، فيلماً مقتبساً من كتاب فاروفاكيس، وبعد أن عرض في مهرجان فينيسيا وخرج من المنافسة، سافر إلى الشرق الأوسط ولاقى احتفاءً كبيراً في أول عرض له بالقاهرة، في إطار أيام "بانوراما الفيلم الأوروبي" في مصر، في قرابة الساعة ونصف الساعة، يستعرض غافراس تفاصيل النقاش الذي احتدم داخل الغرف المغلقة بالمؤسسات المالية الأوروبية، ومقرّ الاتّحاد الأوروبي في بروكسل، والتي أجراها فاروفاكيس مع نظرائه الأوروبيين، الذين ضاقوا ذرعاً من هذا التفاوض الذي يحاول فيه ذاك الماركسي، أن يخضعه لصالح بلاده، في الوقت نفسه الذي تتوق فيه البنوك الأوروبية لجني مزيد من الأرباح لتعويض خسارتها في أعقاب الأزمة المالية العالمية، والتي يدفع ثمنها حتى اليوم كثيرون من فقراء أوروبا، وفي مقدمتها اليونان.

اقرأ أيضاً: كيف حطمت سينما الواقعية الجديدة المحظورات في مصر؟
كان لـ "حفريات" لقاء في القاهرة مع المخرج كوستا غارفراس، وبطل فيلمه، كريستوس لوليوس، الذي عبّر عن سعادته باحتفاء الجماهير العربية بالفيلم، وأوضح أنّه لا يستحضر الأزمة اليونانية، لكنّه يرى أنّ الجماهير تتغافل عنها، وربما نسي بعض اليونانيين أنّهم ما يزالون يدفعون ثمنها حتى اليوم.

واستطرد غارفراس في حديثه لـ "حفريات": "أنا أعرّف نفسي كمخرج أفلام سياسية، وهكذا كانت أغلب أعمالي، لكن ما أقدمه في الفيلم ليس رسالة، بقدر ما هو تحفيز لأسئلة يجب أن يسألها الجميع، وليس اليونانيين فقط، فاليونان جزء من أزمة عالمية تتشارك فيها العديد من الشعوب النامية، لكن ما أحاول تقديمه في الفيلم؛ هو كشف الستار عما يدور خلف الأبواب المغلقة، ربما لن يتسنى للجميع قراءة ما كتب فاروفاكيس؛ لذا أحبّ أن أهدي هذا كفيلم يمكن أن يراه الجميع؛ إذ إنّنا نتشارك في نظام عالمي ذي سلطة مركزية تطال كل سكان الكوكب، وهذا ما أحببت أن يراه الناس في فيلم يضمّ ممثلين لرؤساء دول وحكومات معاصرين، لم أنتظر حتى يصبح الحدث تاريخياً لأسرده".
بالرجوع إلى الفيلم الذي تدور أحداثه داخل أروقة الغرف السيادية، التي يحكم أصحابها العالم، سيعيش المشاهد تفاصيل ما عاناه فاروفاكيس مع نظرائه في مفاوضات استمرت عدة أشهر، انتهت بتنفيذ تهديده، ليقوم بإجراء استفتاء شعبي، يسمح له بأن يستمر في مفاوضاته، أو يخضع لشروط صندوق النقد الدولي، وسلطة الـ "ترويكا".
"كبار في غرفة"

التراجيديا اليونانية
وقف وزير المالية الشاب وحيداً، بعد أن انتهى الاستفتاء بنعم على المضي قدماً في المفاوضات، وهو ما أسعد فاروفاكيس بقدر ما فاجأ رئيس الوزراء وبقية الحكومة، التي كانت تتمنى أن يختار الشعب الخضوع لسلطة الاتحاد الأوروبي، بينما يستهل المخرج مشاهد فاروفاكيس بظرف يعرض استقالته التي حملها في معطفه كلّ يوم منذ تنصيبه وزيراً، حتى جاء الوقت الذي احتدم فيه الصراع بينه وبين تسيبراس، فرئيس الوزراء، الذي لم يخطر له على بال أن يفوز حزبه بأغلبية ساحقة، يخشى العودة للوراء، وأن يستولي اليمين المتطرف، المدعوم من الاتّحاد الأوروبي على السلطة، فتسيل حمامات الدماء مرة ثانية، فالبلاد التي تتعافى من فترة حكم عسكري دمويّ، تحاول إعادة ضبط قواها الاقتصادية وأوضاعها الإقليمية، كانت تلك هي المواجهة الأخيرة بين الرفيقين، خضع فيها رئيس الوزراء لسلطة حيتان الاتّحاد الأوروبي، وانتهت بتفعيل الاستقالة المؤجَّلة من قبل رجل اليونان النبيل، الذي رأى أنّ استقالته، وشاح شرف يرتديه طوال حياته، وسيذكر التاريخ يوماً أنّه لم يبع أحلام شباب اليونان إلى البنوك الأوروبية، بحسب ما ذكر في كتابه.

الممثل اليوناني كريستوس لوليوس الذي قام بدور فاروفاكيس: كان أسهل عمل قدمته في حياتي لأنني عايشت الأزمة

وقد لقيَ أداء الممثل اليوناني، كريستوس لوليوس، الذي قام بدور فاروفاكيس احتفاءً من الجماهير والنقّاد، على حدٍّ سواء، إذ إنّه ليس بالأمر الهيّن أن يتقمص دور رجل ما يزال على قيد الحياة.
وبسؤال الممثل، الذي التقته "حفريات" في القاهرة، بعد عرض الفيلم، عن طبيعة الدور الذي أدّاه، قال: "في الحقيقة لقد عايشت هذا الرجل، لقد كان حديث الساعة، وكلّ ساعة، لعدة أشهر، في اليونان التي أعيش فيها حتى اليوم، لم يكن من الصعب أن أقوم بدوره، لقد كان عملاً في غاية السلاسة، ربما كان أسهل دور قمت به في حياتي، وقد عبر فاروفاكيس لي بشكل شخصي عن إعجابه بالفيلم، وشعر أنّي كنت أجسده بالفعل"، ربما لم يدر الفيلم حول الأزمة، ومما تولدت، بقدر ما ترك المتفرج في حيرة من سؤال مهم، هو: كيف هي مآلات الأزمة في اليونان اليوم؟ هنا أجاب لوليوس بقوله: "الأزمة ما تزال قائمة، لكن الناس تتصرف تجاهها بشكل خاطئ، فالكلّ منذ البداية مسؤول عن هذا الحدّ من الإفقار الذي وصلت له البلاد، إلّا أنّهم ولعقود كانوا يخبئون الغبار أسفل السجاد، حتى انفجرت الأزمة في وجه فاروفاكيس الذي وقف وحيداً يحارب على عدة أصعدة".

اقرأ أيضاً: المخرج كوستا غافراس.. الاحتفاء بالوعي الإنساني سينمائياً
يبقى الفيلم حلقة سياسية جديدة، في حلقات السينما السياسية لكوستا غافراس، الذي أخرج أزمة اقتصادية عانت منها بلاده إلى طاولة النقاش السينمائي والاقتصادي والسياسي، فيلم ترى فيه كلّ الشعوب المكتوية بنيران الرأسمالية وأزماتها كيف يتلاعب النظام العالمي وبنوكه بمصائرهم.

للمشاركة:

كيف حطمت سينما الواقعية الجديدة المحظورات في مصر؟

2019-11-16

حتى بداية الثمانينيات كانت السينما في القاهرة، بشكل ما، منبتّة الصلة عن تصوير الواقع المصري، بغضّ النظر عن أعمال المخرج صلاح أبو سيف في الخمسينيات، الذي يعدّ رائد الواقعية المصرية، ومن أفلامه: "شباب امرأة"، و"بين السما والأرض"، و"بداية ونهاية"، و"القاهرة 30"، أيضاً قدّم المخرج كمال الشيخ أفلام: "حياة أو موت"، و"اللص والكلاب"، و"غروب وشروق"، إلى جانب فيلم "باب الحديد"، للمخرج يوسف شاهين.

من بين المخرجين الكبار في السينما المصرية ينفرد محمد خان بمكانة خاصة باعتباره أهمّ مؤسّسي حركة الواقعية الجديدة

بيْد أنّ جيلاً من الشباب قدم أفلامه في الثمانينيات من القرن الماضي، تمكّن من رصد الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في مصر، بصورة أسّست لموجة جديدة في السينما، أطلق عليها الناقد الراحل، سمير فريد، سينما الواقعية الجديدة، على غرار سينما الواقعية الجديدة في إيطاليا، التي ظهرت نتيجة لحياة الفقر والبطالة التي خيمت عليها بعد انتهاء الحرب، وتميزت هذه المدرسة بالتصوير الخارجي في الشوارع والميادين والأسواق، والابتعاد قدر المستطاع عن التصوير داخل الاستديوهات، التي قد تُفقد العمل الفني مصداقيّته، فكانت في البداية أفلام الواقعية الجديدة أشبه بالأفلام التسجيلية.
بدأ تلك الموجة في مصر، المخرج الراحل محمد خان، وانضمّ له كلّ من عاطف الطيب وداوود عبد السيد، وخيري بشارة، ورأفت الميهي.
 المخرج داوود عبد السيد

محظورات على الشاشة
سينما الواقعية الجديدة في مصر حطمت التابوهات، وتجاوزت كليشيهات السينما، ورصدت الواقع في مصر بصدق شديد، حتى أصبحت كتاب تاريخ مصور عن الحياة في مصر، في العقود الخمسة التي أعقبت ثورة تموز (يوليو) 1952، واستطاع الناقد السينمائي، أحمد شوقي، رصد أفلام تلك الموجة في كتابه "محظورات على الشاشة.. التابو في سينما جيل الثمانينيات"، والصادر عن سلسلة "آفاق السينما" من منشورات وزارة الثقافة المصرية.

اقرأ أيضاً: كيف عالجت الأعمال السينمائية جرائم الشرف؟
تناول شوقي في كتابه، بالرصد والتحليل، سينما داوود عبد السيد، وخان، والطيب، وبشارة، والميهي، منطلقاً من التابوهات الثلاثة: الجنس والدين والسياسة، وكيف حطمت سينما الثمانينيات تلك التابوهات وطوعتها في خدمة الأفلام التي قدمتها، في محاولة لكشف ما الذي حدث في مصر في النصف الثاني من القرن العشرين.

يتّجه عاطف الطيب إلى تفصيل عيوب المجتمع في فيلمَيه "التخشيبة" و"ملف في الآداب" بعد إجمالها في فيلم "سواق الأتوبيس"

البداية كانت مع فيلم "الصعاليك"، للمخرج داوود عبد السيد، وهو أول أعماله الروائية، كتب عنه شوقي: "لم يكن فيلم "الصعاليك"، أول أعمال المخرج داوود عبد السيد الروائية، مجرد تدشين لمشوار صانع أفلام يمتلك لغة سينمائية وعوالم شديدة الخصوصية، أو حتى حدثاً فنياً يستحق التوقف عنده؛ بل إنّ مرور الزمن أثبت أنّه كان أيضاً أشبه بتحليل اجتماعي وسياسي لحقبة مثلت التغير الأكبر في شكل قيم المجتمع المصري والنسق الذي يحكمه، وهي بالطبع المرحلة الانفتاحية التي كان لها نصيب الأسد من العوامل التي أوصلت مجتمعنا المصري لما هو عليه حالياً".
الفيلم يرصد حكاية صعود صلاح (نور الشريف)، ومرسي (محمود عبد العزيز)، اللذين يصعدان السلّم الاجتماعي من أدنى درجاته: "مجرد صعلوكَيْن يعيشان على هامش الحياة، يرتضيان بتهريب صندوق سجائر مستوردة من الميناء، أو بأكلة كباب يهربان قبل دفع ثمنها، ويرافقهما الفيلم في انغماسهما في التجربة الانفتاحية حتى يصلا أعلى السلم الإاجتماعي والسياسي".

اقرأ أيضاً: المخرج كوستا غافراس.. الاحتفاء بالوعي الإنساني سينمائياً
يرصد شوقي ثاني أفلام عبد السيد "البحث عن سيد مرزوق"، للنجم نور الشريف، والذي يمثل شخصية مثقف الطبقة المتوسطة الذي غاب بإرادته أو دونها عن الحراك الاجتماعي الذي شهده المجتمع المصري خلال السبعينيات والثمانينيات، ليعود فيجد خللاً هائلاً في منظومة القيم التي يعرفها، ذلك الغياب الذي رصده عبد السيد في فيلمه الأول "الصعاليك"، وصعود طبقة اجتماعية جديدة بمعايير تمجّد المادة، وتتزاوج مع السلطة، ليكمل في مشروعه السينمائي الثاني "البحث عن سيد مرزوق" ما حققته تلك الطبقة من سيطرة ونفوذ، وعن رسالة الفيلم كتب شوقي: "من الواضح تماماً أنّها رسالة شديدة الثورية، مفادها أنّ السادة يعيثون في الأرض فساداً بدعم ومحاباة وتحيز واضح من السلطة التي تثقلنا بقيود وهمية لا يحتاج التخلص منها سوى اتخاذ القرار المناسب".
أزمة السنوات السّت
تستمر سينما الواقعية الجديدة في محاولة كشف سرّ تلك التحولات التي أصابت الشخصية المصرية، من خلال الأفلام التي قدمها محمد خان، يقول عنه شوقي: "من بين المخرجين الكبار، موضوع دراستنا، ينفرد محمد خان بمكانة خاصة، باعتباره أهم مؤسّسي حركة الواقعية الجديدة، فكان أول من بدأ الإخراج من بين الأسماء الخمسة، وشارك بشكل إيجابي واضح في كثير من أفلام زملائه الآخرين، خاصة عاطف الطيب".

المخرج عاطف الطيب
يتحدّث خان في أفلامه بشكل واضح عن أزمة السنوات الست، عقب نكسة حزيران (يونيو) 1967، ليخرج ذلك الجيل من الجيش بعد حرب 73 ليصطدم بالواقع الجديد الذي انغمست فيه الشخصية المصرية، نرى ذلك في فيلم "الرغبة"، للسيناريست بشير الديك، وفيلم "الثأر" من بطولة محمود ياسين.
يستمرّ خان في أعماله، التي كان البطل فيها هو الشخص وليس الحدث، كما يشير شوقي، بداية من "طائر على الطريق" للفنان أحمد زكي، مروراً بـ "الحريف" للفنان عادل إمام، ثم "موعد على العشاء" للفنانة سعاد حسني، وفيلم "زوجة رجل مهم" للفنان أحمد زكي.

بوستر فيلم: سواق الأتوبيس

سوّاق الأتوبيس
يأخذ عاطف الطيب الخيط من سابقيه، ليقدّم لحظة سينمائية فارقة، في فيلمه "سواق الأتوبيس" للفنان نور الشريف، يقول عنه شوقي: "المجتمع هنا هو عالم نهاية السبعينيات، وفترة ما بعد انتصار أكتوبر ومعاهدة السلام، وهي الحقبة التي تزامنت فيها صدمة شباب عاشوا الحلم القومي، وحاربوا من أجله أهدافاً، ليكتشفوا أنّ انتصارهم كان أول مسمار في نعشها، مع حراك اجتماعي واقتصادي سريع وغريب، غير كلّ المفاهيم والقوانين الحاكمة للعلاقات بين البشر".
يتّجه عاطف الطيب إلى تفصيل عيوب المجتمع في فيلمَيه اللاحقين "التخشيبة"، و"ملف في الآداب"، بعد إجمالها في فيلم "سواق الأتوبيس"، ثم تتوالى أعمال الطيب، الكاشفة لحقيقة المجتمع الجديد الذي نعيشه، في أفلام "الحب فوق هضبة الهرم"، و"البريء"، و"الهروب"، و"ضد الحكومة".

بوستر فيلم: الحب فوق هضبة الهرم
يستمر شوقي في رصد وتحليل سينما موجة الواقعية الجديدة في مصر، من خلال أفلام أخرى قدمها خيري بشارة، ورأفت الميهي، بلورت حقيقة ذلك العالم، الذي خرج من رحم التغييرات الجديدة التي ضربت الشخصية المصرية، عقب حزيران (يونيو) 67، معتبراً إياهم أول موجة سينمائية حقيقية في مصر، ساد فيها المخرج كأب شرعي للفيلم، وتحطّمت على أعتابه التابوهات، التي اهتمّ شوقي برصدها في كتابه، وربطها بلحظات تحوّل العمل الدرامي أولاً، والمشروع السينمائي للمخرجين ككل، على وجه الخصوص تابوه الجنس، ثم الدين والسياسة، مقدّماً عملاً تأريخياً، يحمل دلالات شديدة الأهمية، عن حقيقة الذي حدث للشخصية المصرية في النصف الثاني من القرن العشرين، ذلك السؤال الذي انشغل به كثيرون، وحاولوا تقديم تفسيرات عدة لتلك التحولات، لكن يظلّ أصدقها وأدقّها، ما قدمته سينما الواقعية الجديدة في مصر وأبطالها: خان، وداوود عبد السيد، والطيب، وبشارة، والميهي.

للمشاركة:

ساحة التحرير ببغداد: مدرسة للحرية ومتحف مفتوح للحب والجمال

2019-11-11

لم تتحوّل ساحة التحرير، وسط بغداد، إلى ميدان للاحتجاج بصوت عالٍ فحسب؛ بل صارت جدران أبرز مبانيها، تحديداً بناية المطعم التركي (مبنى الحرية)، ونفق التحرير الرابط بين شارعَي الجمهورية والسعدون، معرضاً مفتوحاً لأحلام الجيل العراقي الجديد، الذي صاغ بيانه الشخصي حول الحرية بوصفها فناً وثقافة ومعرفة.
تحوّلت تلك المنطقة إلى مسرح حيّ منذ اندلاع الموجة الثانية من الاحتجاجات، 25 تشرين الأول (أكتوبر) 2019، ترتفع في أرجائه لوحات وبوسترات وتعبيرات تنتمي إلى ما يسميه الأستاذ في أكاديمية الفنون بجامعة واسط (جنوب شرق بغداد)، كريم طه، بـ "الرسم التفاعلي".

لجأ الفنانون، لا سيما الشباب منهم، إلى تسجيل ملاحظاتهم وتوثيق ما يحدث على الجدران الصماء الواسعة في ساحة التحرير

ويرى طه، في منشور له على صفحته على فيسبوك، أنّ "الرسم غالباً هو التعبير بالشكل والألوان عمّا يدور في خلجات النفس عند الإنسان، وهذا التعبير يتباين في أسلوبه وطريقة عرضه، كما تتحكم به ظروفه الزمانية والمكانية"، وحيث إنّ الحدث السياسي الآني للعراق يعجّ بـ "الحراك المصحوب بالحسّ الثوري المصاحب للانفعال، والعاطفة التفاعلية على المستويين؛ الفردي والجماعي، تكون النفوس فيه قد تهيأت لفتح قريحة المشاركة الجمعية، ولو بمشاركة بسيطة المستوى من المشاعر (كالفرحة أو الألم) بين المجتمعَين، ومعهم ما ييسر فعل امتداد القريحة من حدودها الفردية إلى مستوى المجموع فيتشارك بها مع المتواجدين".
لجأ الفنانون، لا سيما الشباب منهم، إلى تسجيل ملاحظاتهم، وتوثيق "ما يحدث على الجدران الصماء الواسعة في ساحة التحرير وأنفاقها التي ألهمت خيالاتهم، وحفزت مواهبهم ليجعلوها عموداً أساسياً يدخل ضمن مضمون نص الحدث الراهن، ويتفاعل بقوة مع العطاء الكبير للشباب المنتفض، وليوازي سيل عطاء الدماء، وألم الجروح، أو يواسيها على أقل تقدير، فكانت، وكما نشاهد، نتيجة عمّدت ركناً من أركان ساحة التحرير، وعكست الجانب الثقافي الذي يمتلكه المتظاهرون ومتلقو الأعمال على السواء"، كما ينهي الأستاذ كريم طه ملاحظاته.

اقرأ أيضاً: ما قصة محتجي بغداد مع "المطعم التركي" وتسميته بجبل أحد؟
وإذا كانت انتفاضة تشرين الأول (أكتوبر) العراقية قد قدّمت جيلاً جديداً في السياسة والأفكار والعمل الميداني الدقيق وشديد التنظيم، في إدامة الاحتجاج لوجستياً رغم سقوط آلاف الضحايا بين قتيل وجريح، فإنّها أيضاً برعت في تقديم خطاب فنّي يحاكي الحدث ويستلهم معانيه ويؤشر لدلالات مستقبلية كبرى، إذ يقول الفنان عقيل خريف في منشور له عبر صفحته على فيسبوك: "الثورة أفرزت جيلاً لفناني الفنّ الغرافيتي وهي تواكب الحدث، الفنّ هو أقرب إلى الأحداث، يجب على نقّاد الفنّ أن يوثّقوا ثورتنا وقراءتها، من خلال الأثر على الجدار".
ومن هنا جاءت الاستجابة، فكتب الفنان كريم سعدون على صفحته على فيسبوك: "التحرير ينتج فنّه"، عن سلسلة جداريات في نفق ساحة التحرير وقّعها الرسام الشاب باقر ماجد.
إنقاذ جدارية فائق حسن

صحيفة وإذاعة من ميدان الحرية
ولم تتوقف لغة الاحتجاج التعبيرية فنّياً عند الرسم وحسب، بل أنتجت خطابها الإعلامي الخاص، انطلاقاً من بؤرتها المكانية: ساحة التحرير، فقد أصدر المحتجون صحيفة خاصة تحمل عنوان "توك توك"، استلهاماً لاسم الدراجة الشعبية التي صارت أيقونة من أيقونات الانتفاضة، لما قدمته من وسائل عون سريعة في إسعاف الجرحى من المنتفضين ونقل إمدادات العون المختلفة.

اقرأ أيضاً: آخر علاج العراق كي إيران
ليس هذه وحسب، بل إنّ المنتفضين أطلقوا إذاعة محلية بعنوان "نريد وطن"، تغطي المنطقة التي صارت معقلهم وسط بغداد، دون أن ينسوا تركيب شبكة إنترنت تغطي المنطقة، وإنارتها بمولّد موضعي للطاقة جعلهم قادرين على إنارة المبنى الذي كان يغرق في الظلام منذ عام 2003.
وفي نفق التحرير ثمة محال تجارية ومكاتب خدمات ضمن منظور عمراني تغنّت بجماله أجيالٌ من العراقيين وضيوفهم من العرب المقيمين طوال عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، لكنّها تراجعت حدّ الانطفاء التام، فصارت بعد عام 2003 مواقع مظلمة تنطلق منها عصابات الجريمة والإدمان على المخدرات والكحول.
منذ أسبوع، انتفض الشبان للمكان وأعادوا إليه الحياة بعد أعوام من الإهمال، أضاؤوا كلّ زاوية من زواياه، ورفعوا منه تلال القمامة، كأنّهم بذلك يرسلون للحكم العراقي رسالة مفادها: "أنتم خرّبتم ونهبتم ونحن أنفقنا رغم فقرنا وعمّرنا" كما في الفيديو المرفق:

في الجهة الأخرى من المكان، حيث "ساحة الطيران"، وفيها جدارية الفنان العراقي المشهور، فائق حسن، التي كانت مغطاة بطبقة سميكة من غبار الإهمال وسخامه، فهبّ إليها شباب الانتفاضة، مزيلين تلك الطبقة المعتمة، وحاملين لذلك العمل الفني الذي يشكل جزءاً بارزاً من تاريخ العاصمة العراقية المعاصر، مصابيح تنيره ليلاً.
لوحة على جدار

منشد الثورة الجميل
ومنذ اليوم الثاني لانتفاضة تشرين العراقية، تابعنا المنشد حيدر حسن التميمي، الذي ظهر للمرة الأولى، في 2 تشرين الأول (أكتوبر) 2019، وهو ينشد نشيداً ثورياً حافظ على جماليته الغنائية واللحنية، وإن كان وسط نيران شوارع تحترق، فبدا المشهد وكأنّه مأخوذ من عمل سينمائي وليس واقعياً، يدور وسط شارع ببغداد.

أصدر المحتجون صحيفة خاصة تحمل عنوان "توك توك" استلهاماً لاسم الدراجة الشعبية التي صارت أيقونة من أيقونات الانتفاضة

بصوته وقدرته على ابتكار الألحان ولغته العربية المتماسكة، وإن كانت من نبع المراثي الحسينية التي خبرها ومارسها، أضحى التميمي، منذ أكثر من شهر، منشد الثورة الجميل، يقدم الأناشيد العميقة الصادقة من عمق المشهد من ساحة التحرير وشوارع بغداد، بل إنّه لم يتردد في توجيه نشيد يخاطب فيه القنّاص الذي صار رمزاً لآلة وحشية تقتل الشباب العراقي بلا رحمة.
هذا النمط الغنائي الرفيع لهذا المنشد الوسيم مثّل صوت الشباب العراقي الجميل الذي ملّ الذل وحكم القتلة الفاسدين، بل إنّ كلّ نبرة منه تحمل نغمة أمل، كلّ شهقة مجروحة تعني مستقبلاً مفتوحاً يرسمه هذا الجيل تحديداً لا غيره.
وفي ميدان الغناء الحماسي، ذهبت بنت عراقية، هي سارة آدم (كما تظهر في الفيديو)، إلى إنجاز نسخة محلية من الأغنية المشهورة: "?do you hear the people sing"، أو "هل سمعت الشعب يغني؟"؛ التي تكوّن محوراً مهماً في الفيلم/ المسرحية الغنائية المأخوذة عن رواية "البؤساء" لفيكتور هوغو.

اقرأ أيضاً: هل يمكن تغيير النظام في العراق؟
سارة آدم والشباب حوّلوا الأغنية المشهورة إلى نسخة عراقية؛ حيث ينشد المنتفضون، رجالاً ونساء، ومن أجيال مختلفة، لأشواق الحرية والأمل الحقيقية التي طال انتظارها.
مكتبة في نفق التحرير

كتب على رصيف الحرية
بدا القاصّ والكاتب العراقي المقيم في فنلندا حسن بلاسم في غاية السعادة، وهو يرى نسخة من أحد كتبه معروضة على رصيف ضيق في نفق التحرير، ضمن "مكتبة" أقيمت على عجل، تعرض فيها الكتب مجاناً، هنا كتب بلاسم: "كتابي "الرجل القاموس" ما يزال يجلس على رصيف الحرية في بغداد، يحلم ويفكر في بلد حرّ ومتقدم".
وضمن مدارات الكتب؛ سارعت "دار المدى" لإقامة مكتبة تقدم منشوراتها البارزة في أحد طوابق المبنى، الذي كان مظلماَ ومهجوراً ومخرباً، للقرّاء من المنتفضين مجاناً.
هنا كأنّ الجميع في لحظة عراقية فارقة يتفقون على صوغ عبارة في غاية الأهمية، عبارة تقول: "الحرية فنّ وثقافة ومعرفة".

للمشاركة:



الجزائريون يطالبون بإلغاء الانتخابات.. وصالح يرد

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-21

خرج مئات الجزائريين في مسيرة في العاصمة الجزائر، في وقت متأخر من مساء أمس، مطالبين بإلغاء الانتخابات رئاسية التي ستجري في 12 كانون الأول (ديسمبر) المقبل، وردّد المحتجون خلال مسيرتهم في شوارع الجزائر الرئيسة هتاف: "لا انتخابات.. لا انتخابات"، بينما تدخلت قوات الأمن لتفريقهم.

مئات الجزائريين يشاركون في مسيرة في العاصمة الجزائر ويردّدون "لا انتخابات.. لا انتخابات"

ويرفض المتظاهرون إجراء أيةّ انتخابات في ظلّ وجود الحرس القديم من النخبة الحاكمة، قائلين إنّ العملية الانتخابية لن تكون نزيهة، والرجال الخمسة الذين يتنافسون في الانتخابات مسؤولون سابقون بارزون، ولكن بعضهم أبدى معارضته لبوتفليقة في مرحلة لاحقة، أو نافسه في انتخابات سابقة، وفق ما نقلت "فرانس برس".

على صعيد آخر، قضت محكمة جزائرية، الثلاثاء، بسجن أربعة محتجين 18 شهراً، بعدما أدينوا بتهمة تعطيل حدث انتخابي، الأحد، وقالت منظمة "هيومن رايتس ووتش"، الأسبوع الماضي: إنّ اعتقال عشرات المتظاهرين في الشهور الأخيرة يهدف فيما يبدو لتقويض الحركة الاحتجاجية.

من جانبه، وجّه رئيس أركان الجيش الجزائري، الفريق أحمد قايد صالح، نداءً إلى أبناء الجزائر "المخلصين" لأداء "الواجب تجاه الوطن" في الانتخابات الرئاسية المرتقبة، في 12 كانون الأول (ديسمبر) المقبل.

 وقال قايد صالح: "الجزائر القادرة على فرز من يقودها في المرحلة المقبلة، تنادي أبناءها المخلصين، في هذه الظروف الخاصة"، وتابع: "أؤكد هنا على عبارة المخلصين، وهم كثيرون جداً عبر كافة أرجاء التراب الوطني".

صالح يوجه نداءً إلى أبناء الجزائر "المخلصين" لأداء "الواجب تجاه الوطن" في الانتخابات الرئاسية المرتقبة

وأشار إلى أنّ الجزائر "في حاجة ماسة إلى مثل هؤلاء الأبناء، فالإخلاص هو السمة المؤكدة الدالة على قوة ارتباط المواطن بوطنه".

وينظر الجيش وقائده، الفريق أحمد قايد صالح، إلى الانتخابات باعتبارها السبيل الوحيد لإعادة الأوضاع إلى طبيعتها وتهدئة الاحتجاجات.

وتنحى بوتفليقة، في نيسان (أبريل)، مع سحب الجيش دعمه وبدء السلطات في اعتقال حلفائه ومسؤولين كبار آخرين ورجال أعمال في اتهامات فساد.

 

 

للمشاركة:

وفد طبي في قطر يثير سخطاً واسعاً عبر مواقع التواصل.. لماذا؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-21

تواصل قطر مساعيها التطبيعية مع الكيان الصهيوني في مختلف القطاعات والمجالات؛ فبعد أن كانت الساحة الرياضية ذريعة للدولة القطرية للتطبيع، ها هي تستضيف وفداً طبياً إسرائيلياً مكوناً من 9 أطباء.

وبخلاف موقف السلطات في الدوحة، أبدى ناشطون قطريون عبر مواقع التواصل الاجتماعي، سخطاً واسعاً تجاه استضافة وفد طبي إسرائيلي، خلال الأيام الماضية.

ناشطون قطريون عبر مواقع التواصل يعبّرون عن سخطهم تجاه استضافة وفد طبي إسرائيلي

وقال ناشطون؛ إنّ مواصلة استضافة وفود إسرائيلية، في الوقت الذي يمارس فيه الاحتلال أفظع الجرائم بحق الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية، يعدّ أمراً مستفزاً لأيّ مواطن قطري.

وطالب ناشطون وقف التطبيع العلني مع دولة الاحتلال الاسرائيلي، قائلين إنّ هذه القضية تسيء إلى سمعة قطر على المستوى العربي.

وشارك وفد طبي إسرائيلي بمؤتمر دولي في العاصمة القطرية الدوحة، حضره مئات الأطباء من جميع أنحاء العالم.

ويضمّ الوفد المتخصص في جراحة الأطفال تسعة أطباء، وترأس الوفد الإسرائيلي الدكتورة ران شتاينبرغ، مديرة قسم جراحة الأطفال في مستشفى رمبام في حيفا، بحسب ما أورده حساب "إسرائيل بالعربية" التابع للخارجية الإسرائيلية، الأول من أمس.

ويتجاهل الإعلام القطري، كعادته، ويصمت تجاه التطبيع الذي تمارسه الدوحة مع الكيان الصهيوني الذي يرتكب يوماً بعد يوم جرائم بحقّ الفلسطينيين، وينتهك حرمة مساجدهم وكنائسهم ومنازلهم، في وقت يكيل الاتهامات لبعض الدول بالتطبيع مع إسرائيل.

 

 

للمشاركة:

أرقام صادمة.. انتهاكات الحوثيين ضدّ الأطفال

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-21

ارتكبت ميليشيات الحوثي الإرهابية 65 ألفاً و971 واقعة انتهاك ضد الطفولة، في 17 محافظة يمنية، خلال الفترة من 1 كانون الثاني (يناير) 2015 وحتى 30 آب (أغسطس) 2019.

ميليشيات الحوثي الإرهابية ارتكبت 65 ألفاً و971 واقعة انتهاك ضدّ الطفولة في اليمن

وأفادت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات، في بيان لها نشر أمس عبر وسائل إعلام متعددة، بمناسبة اليوم العالمي للطفولة 20 تشرين الثاني (نوفمبر)؛ أنّها رصدت هذه الانتهاكات الحوثية ضدّ الطفولة في اليمن، بالتعاون مع 13 منظمة دولية.

وأوضحت المنظمة الحقوقية؛ أنّ الميليشيات الحوثية قتلت خلال الفترة نفسها 3 آلاف و888 طفلاً، بشكل مباشر، وأصابت 5 آلاف و357 طفلاً، وتسبّبت بإعاقة 164 إعاقة دائمة جراء المقذوفات العشوائية على الأحياء السكنية المكتظة بالأطفال.

إلى ذلك، ذكر البيان أنّ الميليشيات قامت باختطاف 456 طفلاً، وما يزالون في سجون الميليشيا حتى اللحظة، وتسبّبت بتهجير 43 ألفاً و608 أطفال آخرين، وجنّدت نحو 12 ألفاً و341 طفلاً، وزجّت بهم في جبهات القتال المختلفة .

الحوثييون قتلوا 3 آلاف و888 طفلاً وأصابوا 5 آلاف و357 طفلاً وتسبّبت بإعاقة 164

وطالبت الشبكة المجتمع الدولي بالخروج عن صمته والتحرك الجاد لوقف تلك الانتهاكات بحق الطفولة والجرائم