المستشار محمد سمير: التيار الإسلامي استثمر المرأة في السياسة بطريقة فظيعة

صورة منى يسري
صحافية وكاتبة مصرية
2306
عدد القراءات

2019-05-19

أجرت الحوار: منى يسري


قال المستشار، الدكتور محمد سمير: إنّ التيار الإسلامي استثمر المرأة في السياسة بطريقة فظيعة. فالمرأة كانت، بالنسبة إليهم، جسر للوصول إلى مقاعد البرلمان، وهي لحظة تاريخية طال انتظارها، خاصة من جماعة الإخوان المسلمين.

فعالية قانون التحرش تستلزم العمل على جبهتين؛ المجتمع الذي يدرك ماهية التحرش وآليات مكافحته، والسلطة التنفيذية التي تنفذ القانون

وأوضح نائب رئيس هيئة النيابة الإدارية، والمتحدث الرسمي باسمها، في حوار مع "حفريات" أنّ "تيارات الإسلام السياسي، استخدمت النساء كأدوات للصعود على الساحة السياسية، دون أيّ اعتراف، حتى ولو ضمني، بفعالية المشاركة النسائية، وأهمية وجود المرأة على الساحة السياسية، خاصة بعد التضحيات التي قدمتها النساء في عملية الحراك آنذاك".
ويشغل الدكتور محمد سمير منصب أستاذ النظم السياسية بجامعة "دراك" بالولايات المتحدة الأمريكية، وهو باحث في القانون الدستوري المقارن، كما يشغل منصب أستاذ زائر لقسم العلاقات الدولية، ومحاضر في القانون الدستوري لقضايا النوع الاجتماعي في العديد من الجامعات المصرية والدولية.

هنا نصّ الحوار:

تيارات الإسلام السياسي، استخدمت النساء كأدوات للصعود على الساحة السياسية

هل ترى أنّ حراك يناير فتح أبواب مشاركة النساء في الحياة السياسية؟
بالطبع نعم، وخلال عام 2011 شاهدنا انفراجة كبيرة في المشاركة السياسية للنساء، ونتيجة لمشاركة المرأة بكثافة، وحضورها داخل عملية الحراك، باختلاف الطبقات الحاضرة، سواء على المستوى الاجتماعي أو الطبقي، بدت الصورة مثالية للوهلة الأولى، ومنحت تلك الصورة لمسة تقدمية لحراك المصريات في يناير، ومنه أدركت القيادات الحزبية أنّ هناك لاعباً جديداً في الساحة السياسية، يمكن الاستفادة منه، وتولدت نزعات براغماتية، كان على رأسها ما شوهد من قبل تيارات الإسلام السياسي، التي استغلت النساء بشكل كبير، للحصول على أصوات إضافية.

موقعة الصناديق

امتثالاً لمفهوم السمع والطاعة
حسناً، دعني أسأل عن أولى مظاهر تلك المشاركة الفعالة بعد انقضاء فترات التظاهر والاعتصام.

كان استفتاء التاسع عشر من آذار (مارس)، والمختص بالفصل بين تعديل الدستور و الانتخابات الرئاسية، الاختبار الأول لتواجد النساء ومدى فعاليتهنّ في عملية ما بعد التمرد،  والذي رأينا فيه كيف حشدت قوى الإسلام السياسي أنصارها للمشاركة بنعم، وذلك لظنّ الإخوان المسلمين، أنّ تعديل الدستور قبل الرئيس، سيمنحهم أغلبية في البرلمان، تمكّنهم من تشكيل حكومة، وبالتالي السيطرة على زمام السلطة، وهو ما حدث بالفعل. في تلك الأيام ظهرت النساء بكثافة عالية جداً، استخدمت فيها تيارات الإسلام السياسي أذرعها الإعلامية لحثّ النساء على المشاركة بنعم، وهو ما يضمن أن تسير الأسرة بأكملها على نهج المرأة، من بين هؤلاء النساء؛ كانت المشاركات الفاعلات في حراك يناير، واللاتي شاركن عن وعي حقيقي، والكثيرات كنّ من نساء التيار الإسلامي، المشاركات امتثالاً لمفهوم السمع والطاعة، وقد استخدم الإسلامويون في هذا الشقّ، فزاعة تعديل المادة الثانية من الدستور، والمختصة بأنّ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع، وقامت حرب إعلامية حامية الوطيس بين قطبي نعم ولا، وقد شاركت بنفسي في عملية تنظيم كلّ الانتخابات والاستفتاءات التي جرت منذ 2011، وحتى التعديلات الدستورية الأخيرة، ورأيت مدى حدة الاستقطاب السياسي الذي مورس ضدّ الشعب بأكمله، وكانت حدّته في أول استفتاء بعد انتهاء اعتصام الثمانية عشر يوماً، وبدخولنا إلى مرحلة الانتخابات البرلمانية، قلّت حدّة الاستقطاب قليلاً، وتمّ استخدام صفّين من النساء، بعضهنّ أُدرجن على قوائم الترشح للدخول إلى البرلمان، وأخريات، وهنّ الأغلبية، كنّ بين صفوف الناخبات، وهو ما عزز مظاهر المشاركة بشكل كبير.

استخدام المرأة

إذاً، كيف كانت مشاهداتك لمشاركات النساء سواء الناخبات أم المرشحات، وكيف كانت آلياتها؟
لنبدأ الحديث عن المرشحات، فقبل 2011 كانت الانتخابات تجري وفق التشريعات الخاصة بكوتة المرأة على القوائم الانتخابية، أو بالتعيين المباشر، لكن بدأت مظاهر جديدة لناخبات ما بعد الثورة، فبدأنا في رؤية لافتات تنادي: انتخبوا زوجة فلان، مرفقة بصورة امرأة منقبة، أو صورة زهور، وفي بعض الحالات وضعت صورة الزوج، وهو ما كان جديداً على المشهد السياسي المصري، والذي عكس تقبّل مثل هذا الإجراء من قبل تيارات الإسلام السياسي على مضض؛ فالمرأة كانت، بالنسبة إليهم، جسر  للوصول إلى مقاعد البرلمان، وهي لحظة تاريخية طال انتظارها، خاصة  من جماعة الإخوان المسلمين، وهو أيضاً انعكاس لامتهان النساء، باعتبارهنّ إنساناً غير كامل المواطنة، ولكن الضرورات تبيح المحظورات، فمن دون هؤلاء المرشحات، لن تُقبل القائمة، ولن يتحقق الشكل القانوني المطلوب، وكان هذا من جانب التيارات السلفية، والأكثر أصولية، أما جماعة الإخوان، فلديها من القياديات، كوادر تمّ إعدادهنّ خصيصاً لتلك اللحظة، ودفع الإخوان بالعديد من المرشحات لتلك المهمة، ولم يكن لديهم هذا الشكل الغريب من التحفظ على صور النساء، أو أسمائهن، نظراً لخضوع تلك القيادات النسائية لسلطة مكتب الإرشاد، والذي ينفذ أمره على الجميع، دون الاستناد إلى ضرورات الواقع، والظروف الموضوعية للحظة الراهنة.

اقرأ أيضاً: كيف تستخدم التنظيمات الإرهابية المرأة كسلاح سري؟

أمّا الناخبات فالأغلبية الساحقة منهن كن خاضعات لتوجيهات الإعلام، ولن نستطيع الجزم بأنّ الاختيارات الانتخابية تمّت عن وعي، وقد سمعت من داخل اللجان آنذاك مبررات واهية ومتشابهة من ناخبات كثيرات صوّتن بنعم، امتثالاً لتوجيهات الإسلام السياسي، الذي يتمنون فوزه بالانتخابات، ليحلّ حكم الشريعة، وتلك كانت بضاعتهم الرائجة، التي أجادوا تسويقها للبسطاء من المصريين، وهم الأغلبية بلا شكّ. 
2012 دخلت النساء إلى البرلمان في خضمّ الحراك السياسي المصري، هل مثّل ذلك فارقاً وانعكاساً بالإيجاب على قضايا المرأة التي طال تهميشها؟

بالطبع لا، فقضايا المرأة كانت، وما تزال، آخر اهتمامات النظم السياسية، سواء كانت إسلامية أو غير، وفي مجتمعاتنا العربية خير شاهد ودليل على ذلك، فالعبرة ليست بدخول النساء معترك السياسة، لكنّ التساؤل يظل مطروحاً: كم امرأة من هؤلاء نستطيع الجزم بأنّها تملك ما يكفي من الوعي لقضايا النوع الاجتماعي، وتمثل الصوت الحقيقي للأغلبية الساحقة من نساء مصر المهمشات؟ بل على العكس؛ فهؤلاء المتوّجات على عرش البرلمان، كنّ الأكثر راديكالية، ولم يتعدَّ دورهنّ أكثر من المحافظة على الطابع الأبوي الذكوري للنظام السياسي، سواء نساء التيار الإسلامي، أو غيرهنّ.

الدستور يُغيّب النساء

بمجرد نجاح الحراك تهمش المرأة بحقوقها جانباً

وماذا عن عملية صياغة الدستور؟ هل شاركت البرلمانيات في أيّة قوانين تدعم حقوق النساء، أو مناقشات لهيكلة القوانين العائقة لعملية المساواة؟

نأتي لعملية صياغة الدستور، والتي تشبث الإخوان للرمق الأخير فيها، بالحرص على صياغته لخدمة مصالحهم السياسية، وتطبيق رؤاهم الاجتماعية، هنا تشكلت الجمعية التأسيسية الأولى، ثم انحلت بحكم قضائي؛ بسبب أنّ أعضاءها كانوا نواباً برلمانيين، ثم تشكلت الجمعية التأسيسية الثانية لصياغة دستور جديد للبلاد، وهنا تمكن الإخوان من المراوغة، بعدما قدّم بعض الأعضاء استقالتهم لمجلس النواب، والتحقوا بالجمعية التأسيسية، وفي هذه الجمعية تجلى منهج النسوية داخل المفهوم الأيديولوجي لتيارات الإسلام السياسي، وهنا وجب استدعاء التجربة الإيرانية، لما فيها من تشابه مع تجربتنا آنذاك؛ حيث بدأت الثورة في إيران كانتفاضة احتجاجية، شارك بها كافة أطياف الشعب، وبمجرد انقضاض الإسلامويين عليها، ثم شروعهم في إدارة حوار سياسي خاص بالحريات والحقوق الاجتماعية الخاصة بالنساء والأقليات، ضرب الخميني وأتباعه بكلام الثوار عرض الحائط، محتجين بأنّه ليس وقتاً مناسباً لمناقشة مثل تلك القضايا الفرعية، وهو دائماً ما يحدث؛ أن تضحّي النساء ويقدّم كل غالٍ ونفيس في خضمّ العملية الثورية، وبمجرد نجاح الحراك تهمش المرأة بحقوقها جانباً، وهو ما سمعتُه بنفسي من أحد برلمانيي الإخوان، حين دارت مناقشة حول التشريعات الخاصة بحقوق النساء بقوانين الأحوال الشخصية، قائلاً: ليس وقته، يستتب لنا الحكم ثُمّ قميص عثمان، والحقيقة أنّ كلّ التيارات السياسية الإسلامية وغيرها، تشاركت في هذا الإثم العظيم، وهو إغفال تشريعات منصفة للنساء، فالمرأة بالنسبة إليهم جميعاً؛ وسيلة للوصول إلى المبتغى، وهو سدة الحكم، فجميعهم يعدّون نزول المرأة للعمل والمشاركة في المجال العام، منافسة لا يستطيع المشاركة فيها، إذاً فالحلّ أن يصبح دور المرأة تربية النشء لا غير.

من هذه المناقشات التي دارت، ألم تكن هناك ردود من البرلمانيات عليها، خاصة أنّ دورهنّ الأول في البرلمان هو تمثيل النساء والبحث عن تشريعات تدعم حياة أفضل لهنّ؟

هذا مفترض، أمّا الواقع فمختلف، وأذكر لكِ واقعة دارت فيها العديد من السجالات، وهي مختصة بالمادة العاشرة من الدستور، والتي تنصّ على حماية مبادئ وتقاليد الأسرة المصرية، وقد صيغت بعبارات فضفاضة، تجعل القارئ يتساءل عن ماهية تقاليد الأسرة المصرية، فالأسر تختلف من بيئة لأخرى ومن طبقة لأخرى؛ لذا فإنّ مثل هذا القانون لا يوضح أيّة أخلاق يستهدف الحفاظ عليها، ولا أيّة أسرة تحديداً يستهدفها، ودعيني أذكر واقعة أخرى دارت حين فُتح نقاش خاص بمادة الحقّ في حرية الجسد، لتعترض نائبة شهيرة من تيارات الإسلام السياسي آنذاك، مصرحةً: بأنّها تريد إلغاء تجريم ختان الإناث، فكيف توافق على الحقّ في حرية الجسد؟! تكررت مرة أخرى أثناء مناقشة المادة الخاصة بحظر الاتجار بالبشر، لتعترض النائبة نفسها، مطالبة بصياغة وتحديد المادة لـ "حظر تجارة الجنس"، وهذا لأنّ أحد بنود الاتجار بالبشر، طبقاً لتعريف المنظمة الدولية للهجرة، يشتمل على زواج القاصرات، وهو ما اعترض بشأنه كلّ ممثلي تيارات الإسلام السياسي، بلا استثناء، مبرهنين بأحاديث وآيات، وقصة النبي محمد، صلى الله عليه وسلّم، مع أم المؤمنين، عائشة، قائلين: "أتريدون تحريم ما أحلّه الله!"،  في انعكاس واضح بأنّ هؤلاء القوم، يغطون في غياهب التاريخ، متغيبين عن اللحظة التاريخية التي تعيشها مصر آنذاك.

إذاً، ماذا كان مصير التشريعات التي أقرتها سوزان مبارك في تعديلات 2007، والتي اعترف الكثير بأنّها كانت الأكثر تقدمية؟

من وجهة نظري؛ قوانين المرأة التي أقرتها سوزان مبارك، إضافة إلى مشروع القراءة للجميع، كانا أهم إنجازين على مدى 30 عاماً، ولكن تذمّرت كلّ النائبات من تلك القوانين، لأنّها صدرت من زوجة الرئيس المخلوع، ولنضرب مثالاً آخر خلال حديث دار لمناقشة قوانين عمل المرأة؛ حيث صرّح أحد النواب علناً، أمام الجميع قائلاً: "الست لما نزلت الشغل مبقاش حد عارف يلمها"، وهو كلام ليس بغريب على مجتمعنا، فالرجل يطمح للسيطرة على المرأة عن طريق تبعيتها الاقتصادية له، ودون تلك التبعية ستصبح الزوجة نداً لزوجها، وهو ما يتنافى مع مبدأ طاعة الزوجة لزوجها في الإٍسلام، أو حتى مفهوم الرجولة بطابعها الشرقي، وتلك كانت مبرراتهم الواهية، وهو ما قيل صراحة داخل الجمعية التأسيسية، وأراه خزياً وعاراً اجتماعياً، ووصماً على جبين الثورة التي أتت بهؤلاء إلى سدة الحكم؛ بل إنّ النساء الإسلاميات وقتها، عمدن إلى تشويه قيادات الحركة النسوية من اليسار والتيار المدني، عن طريق اتهامهم باتباع الولايات المتحدة الأمريكية والغرب، والمفارقة العجيبة؛ أنّ أول من استنجد بهم الإسلامويون، عقب الإطاحة بالرئيس مرسي في 2013، كانت أمريكا التي يتبعونها فيما يطابق أهواءهم ومصالحهم الشخصية فقط، ويتراشقون تهمة الخيانة مع كلّ المختلفين معهم.

السقوط المدوي

فتاة التحرير، التي زارها الرئيس السيسي في المستشفى

على ذكر يوليو 2013، وقد أمضت مصر عاماً كاملاً في مرحلة انتقالية صعبة بعد خروجها من ثورتين؛ هل يمكن القول إنّه ثمّة مكتسبات تشريعية للنساء، وإذا وجدت فهل تعززت أم تقهقرت؟

بعد تسلم رئيس المحكمة الدستورية العليا، المستشار عدلي منصور، زمام السلطة، تم تعطيل العمل بالدستور، ثم جاء، للمرة الأولى في تاريخ التشريع المصري، توصيف واضح لقانون التحرش؛ ففي السابق، تم إدراج واقعة التحرش في سياق جرائم هتك العرض، بينما صدر القانون الخاص بتفعيل أيّ سلوك ينتهك خصوصية الأنثى، سواء بالكلمة، أو بالنظرة، أو الإيماءة، وما شابه ذلك، يندرج تحت بند التحرش الذي يعاقب عليه القانون، وطبعاً إذا ذُكِرَ التحرُش في مصر، فحدّث ولا حرج؛ حيث ترتفع المعدلات بشكل كبير، وقد أدرك المجتمع فداحة تلك الظاهرة، في الحوادث المتتالية التي وقعت في ميدان التحرير، أشهرها كانت فتاة التحرير، التي زارها الرئيس السيسي في المستشفى، وكانت تلك الوقعة، سبباً رئيساً في تفعيل هذا القانون.

شروق الانتصار

قدّمت التعديلات الدستورية، عام 2014، هدية للنساء في مصر

بالانتقال إلى دستور 2014، نتساءل: كيف حضرت قوانين المرأة في تلك المرحلة، خاصة في ظلّ وجود معطيات عززت حضور النساء على الساحات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية؟

قدّمت التعديلات الدستورية، عام 2014، هدية للنساء في مصر، تمثلت في تفعيل المادة 11، والتي تقتضي بتجريم التمييز ضدّ النساء، وتقضي بمساواتهن في كافة المجالات جنباً إلى جنب مع الرجال، اشتملت تلك المساواة على حقّ النساء في الترشح للوظائف القضائية، وهو ما بدأ بالتفعيل، خاصة بعد التعديلات الدستورية الأخيرة، كما تم تعطيل العديد من البنود القانونية، التي تمتهن المرأة وتضع على عاتقها تحمل مسؤولية ما يسمى بمنظومة أخلاق الأسرة المصرية، وكلّ تلك الخطوات هي إرهاصات لحقوق قانونية أكبر يتم العمل عليها، مستقبلاً للنساء.
لكن، حتى الآن لم نرَ تراجعاً واضحاً في نسب التحرش، أو حتى نسبة أكبر من النساء في المناصب القضائية، هل يرجع ذلك إلى عدم فاعلية القوانين الموضوعة؟

سنّ القوانين والتشريعات هي عملية تغيير فوقي، تفرض نوعاً من القوة لإنفاذ القانون حتى لو تعارض مع العرف الاجتماعي السائد، وهو ما يحدث الآن مع كلا القانونَيْن، ودعينا نتحدث عن التحرش؛ لأنّ فعالية قانون التحرش تستلزم العمل على جبهتين؛ المجتمع الذي يدرك ماهية التحرش وآليات مكافحته، والسلطة التنفيذية التي تفرد مساحات آمنة ومتاحة وسهلة الوصول حتى يتم إنفاذ القانون من خلالها، الأمر نفسه مع قضية تفعيل تمكين النساء من مناصب القضاء، الذي يتطلب شجاعة من المرأة نفسها، التي تؤمن بقدرتها على ممارسة حقها في الحصول على منصب قضائي، دون وضعها في قوالب اجتماعية تسخر من عملها الذي يغلب عليه الطابع الذكوري، وهو أحد أهم الأسباب لعزوف الكثيرات عن اقتحام مجال القضاء؛ لذلك بإمكاني القول: إنّنا نعمل الآن، بعد التعديلات الأخيرة، في ظلّ حماية الأرضية القانونية، وإن طال الزمن أو قصر، فإنّ القانون سينتصر، ويفرض نفسه على المجتمع الذي بدوره يتغيّر في ظل التقلبات المحلية والإقليمية والعالمية.

اقرأ المزيد...

الوسوم:



المستشار محمد سمير: التيار الإسلامي استثمر المرأة في السياسة بطريقة فظيعة

صورة منى يسري
صحافية وكاتبة مصرية
عدد القراءات

2019-05-19

أجرت الحوار: منى يسري


قال المستشار، الدكتور محمد سمير: إنّ التيار الإسلامي استثمر المرأة في السياسة بطريقة فظيعة. فالمرأة كانت، بالنسبة إليهم، جسر للوصول إلى مقاعد البرلمان، وهي لحظة تاريخية طال انتظارها، خاصة من جماعة الإخوان المسلمين.

فعالية قانون التحرش تستلزم العمل على جبهتين؛ المجتمع الذي يدرك ماهية التحرش وآليات مكافحته، والسلطة التنفيذية التي تنفذ القانون

وأوضح نائب رئيس هيئة النيابة الإدارية، والمتحدث الرسمي باسمها، في حوار مع "حفريات" أنّ "تيارات الإسلام السياسي، استخدمت النساء كأدوات للصعود على الساحة السياسية، دون أيّ اعتراف، حتى ولو ضمني، بفعالية المشاركة النسائية، وأهمية وجود المرأة على الساحة السياسية، خاصة بعد التضحيات التي قدمتها النساء في عملية الحراك آنذاك".
ويشغل الدكتور محمد سمير منصب أستاذ النظم السياسية بجامعة "دراك" بالولايات المتحدة الأمريكية، وهو باحث في القانون الدستوري المقارن، كما يشغل منصب أستاذ زائر لقسم العلاقات الدولية، ومحاضر في القانون الدستوري لقضايا النوع الاجتماعي في العديد من الجامعات المصرية والدولية.

هنا نصّ الحوار:

تيارات الإسلام السياسي، استخدمت النساء كأدوات للصعود على الساحة السياسية

هل ترى أنّ حراك يناير فتح أبواب مشاركة النساء في الحياة السياسية؟
بالطبع نعم، وخلال عام 2011 شاهدنا انفراجة كبيرة في المشاركة السياسية للنساء، ونتيجة لمشاركة المرأة بكثافة، وحضورها داخل عملية الحراك، باختلاف الطبقات الحاضرة، سواء على المستوى الاجتماعي أو الطبقي، بدت الصورة مثالية للوهلة الأولى، ومنحت تلك الصورة لمسة تقدمية لحراك المصريات في يناير، ومنه أدركت القيادات الحزبية أنّ هناك لاعباً جديداً في الساحة السياسية، يمكن الاستفادة منه، وتولدت نزعات براغماتية، كان على رأسها ما شوهد من قبل تيارات الإسلام السياسي، التي استغلت النساء بشكل كبير، للحصول على أصوات إضافية.

موقعة الصناديق

امتثالاً لمفهوم السمع والطاعة
حسناً، دعني أسأل عن أولى مظاهر تلك المشاركة الفعالة بعد انقضاء فترات التظاهر والاعتصام.

كان استفتاء التاسع عشر من آذار (مارس)، والمختص بالفصل بين تعديل الدستور و الانتخابات الرئاسية، الاختبار الأول لتواجد النساء ومدى فعاليتهنّ في عملية ما بعد التمرد،  والذي رأينا فيه كيف حشدت قوى الإسلام السياسي أنصارها للمشاركة بنعم، وذلك لظنّ الإخوان المسلمين، أنّ تعديل الدستور قبل الرئيس، سيمنحهم أغلبية في البرلمان، تمكّنهم من تشكيل حكومة، وبالتالي السيطرة على زمام السلطة، وهو ما حدث بالفعل. في تلك الأيام ظهرت النساء بكثافة عالية جداً، استخدمت فيها تيارات الإسلام السياسي أذرعها الإعلامية لحثّ النساء على المشاركة بنعم، وهو ما يضمن أن تسير الأسرة بأكملها على نهج المرأة، من بين هؤلاء النساء؛ كانت المشاركات الفاعلات في حراك يناير، واللاتي شاركن عن وعي حقيقي، والكثيرات كنّ من نساء التيار الإسلامي، المشاركات امتثالاً لمفهوم السمع والطاعة، وقد استخدم الإسلامويون في هذا الشقّ، فزاعة تعديل المادة الثانية من الدستور، والمختصة بأنّ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع، وقامت حرب إعلامية حامية الوطيس بين قطبي نعم ولا، وقد شاركت بنفسي في عملية تنظيم كلّ الانتخابات والاستفتاءات التي جرت منذ 2011، وحتى التعديلات الدستورية الأخيرة، ورأيت مدى حدة الاستقطاب السياسي الذي مورس ضدّ الشعب بأكمله، وكانت حدّته في أول استفتاء بعد انتهاء اعتصام الثمانية عشر يوماً، وبدخولنا إلى مرحلة الانتخابات البرلمانية، قلّت حدّة الاستقطاب قليلاً، وتمّ استخدام صفّين من النساء، بعضهنّ أُدرجن على قوائم الترشح للدخول إلى البرلمان، وأخريات، وهنّ الأغلبية، كنّ بين صفوف الناخبات، وهو ما عزز مظاهر المشاركة بشكل كبير.

استخدام المرأة

إذاً، كيف كانت مشاهداتك لمشاركات النساء سواء الناخبات أم المرشحات، وكيف كانت آلياتها؟
لنبدأ الحديث عن المرشحات، فقبل 2011 كانت الانتخابات تجري وفق التشريعات الخاصة بكوتة المرأة على القوائم الانتخابية، أو بالتعيين المباشر، لكن بدأت مظاهر جديدة لناخبات ما بعد الثورة، فبدأنا في رؤية لافتات تنادي: انتخبوا زوجة فلان، مرفقة بصورة امرأة منقبة، أو صورة زهور، وفي بعض الحالات وضعت صورة الزوج، وهو ما كان جديداً على المشهد السياسي المصري، والذي عكس تقبّل مثل هذا الإجراء من قبل تيارات الإسلام السياسي على مضض؛ فالمرأة كانت، بالنسبة إليهم، جسر  للوصول إلى مقاعد البرلمان، وهي لحظة تاريخية طال انتظارها، خاصة  من جماعة الإخوان المسلمين، وهو أيضاً انعكاس لامتهان النساء، باعتبارهنّ إنساناً غير كامل المواطنة، ولكن الضرورات تبيح المحظورات، فمن دون هؤلاء المرشحات، لن تُقبل القائمة، ولن يتحقق الشكل القانوني المطلوب، وكان هذا من جانب التيارات السلفية، والأكثر أصولية، أما جماعة الإخوان، فلديها من القياديات، كوادر تمّ إعدادهنّ خصيصاً لتلك اللحظة، ودفع الإخوان بالعديد من المرشحات لتلك المهمة، ولم يكن لديهم هذا الشكل الغريب من التحفظ على صور النساء، أو أسمائهن، نظراً لخضوع تلك القيادات النسائية لسلطة مكتب الإرشاد، والذي ينفذ أمره على الجميع، دون الاستناد إلى ضرورات الواقع، والظروف الموضوعية للحظة الراهنة.

اقرأ أيضاً: كيف تستخدم التنظيمات الإرهابية المرأة كسلاح سري؟

أمّا الناخبات فالأغلبية الساحقة منهن كن خاضعات لتوجيهات الإعلام، ولن نستطيع الجزم بأنّ الاختيارات الانتخابية تمّت عن وعي، وقد سمعت من داخل اللجان آنذاك مبررات واهية ومتشابهة من ناخبات كثيرات صوّتن بنعم، امتثالاً لتوجيهات الإسلام السياسي، الذي يتمنون فوزه بالانتخابات، ليحلّ حكم الشريعة، وتلك كانت بضاعتهم الرائجة، التي أجادوا تسويقها للبسطاء من المصريين، وهم الأغلبية بلا شكّ. 
2012 دخلت النساء إلى البرلمان في خضمّ الحراك السياسي المصري، هل مثّل ذلك فارقاً وانعكاساً بالإيجاب على قضايا المرأة التي طال تهميشها؟

بالطبع لا، فقضايا المرأة كانت، وما تزال، آخر اهتمامات النظم السياسية، سواء كانت إسلامية أو غير، وفي مجتمعاتنا العربية خير شاهد ودليل على ذلك، فالعبرة ليست بدخول النساء معترك السياسة، لكنّ التساؤل يظل مطروحاً: كم امرأة من هؤلاء نستطيع الجزم بأنّها تملك ما يكفي من الوعي لقضايا النوع الاجتماعي، وتمثل الصوت الحقيقي للأغلبية الساحقة من نساء مصر المهمشات؟ بل على العكس؛ فهؤلاء المتوّجات على عرش البرلمان، كنّ الأكثر راديكالية، ولم يتعدَّ دورهنّ أكثر من المحافظة على الطابع الأبوي الذكوري للنظام السياسي، سواء نساء التيار الإسلامي، أو غيرهنّ.

الدستور يُغيّب النساء

بمجرد نجاح الحراك تهمش المرأة بحقوقها جانباً

وماذا عن عملية صياغة الدستور؟ هل شاركت البرلمانيات في أيّة قوانين تدعم حقوق النساء، أو مناقشات لهيكلة القوانين العائقة لعملية المساواة؟

نأتي لعملية صياغة الدستور، والتي تشبث الإخوان للرمق الأخير فيها، بالحرص على صياغته لخدمة مصالحهم السياسية، وتطبيق رؤاهم الاجتماعية، هنا تشكلت الجمعية التأسيسية الأولى، ثم انحلت بحكم قضائي؛ بسبب أنّ أعضاءها كانوا نواباً برلمانيين، ثم تشكلت الجمعية التأسيسية الثانية لصياغة دستور جديد للبلاد، وهنا تمكن الإخوان من المراوغة، بعدما قدّم بعض الأعضاء استقالتهم لمجلس النواب، والتحقوا بالجمعية التأسيسية، وفي هذه الجمعية تجلى منهج النسوية داخل المفهوم الأيديولوجي لتيارات الإسلام السياسي، وهنا وجب استدعاء التجربة الإيرانية، لما فيها من تشابه مع تجربتنا آنذاك؛ حيث بدأت الثورة في إيران كانتفاضة احتجاجية، شارك بها كافة أطياف الشعب، وبمجرد انقضاض الإسلامويين عليها، ثم شروعهم في إدارة حوار سياسي خاص بالحريات والحقوق الاجتماعية الخاصة بالنساء والأقليات، ضرب الخميني وأتباعه بكلام الثوار عرض الحائط، محتجين بأنّه ليس وقتاً مناسباً لمناقشة مثل تلك القضايا الفرعية، وهو دائماً ما يحدث؛ أن تضحّي النساء ويقدّم كل غالٍ ونفيس في خضمّ العملية الثورية، وبمجرد نجاح الحراك تهمش المرأة بحقوقها جانباً، وهو ما سمعتُه بنفسي من أحد برلمانيي الإخوان، حين دارت مناقشة حول التشريعات الخاصة بحقوق النساء بقوانين الأحوال الشخصية، قائلاً: ليس وقته، يستتب لنا الحكم ثُمّ قميص عثمان، والحقيقة أنّ كلّ التيارات السياسية الإسلامية وغيرها، تشاركت في هذا الإثم العظيم، وهو إغفال تشريعات منصفة للنساء، فالمرأة بالنسبة إليهم جميعاً؛ وسيلة للوصول إلى المبتغى، وهو سدة الحكم، فجميعهم يعدّون نزول المرأة للعمل والمشاركة في المجال العام، منافسة لا يستطيع المشاركة فيها، إذاً فالحلّ أن يصبح دور المرأة تربية النشء لا غير.

من هذه المناقشات التي دارت، ألم تكن هناك ردود من البرلمانيات عليها، خاصة أنّ دورهنّ الأول في البرلمان هو تمثيل النساء والبحث عن تشريعات تدعم حياة أفضل لهنّ؟

هذا مفترض، أمّا الواقع فمختلف، وأذكر لكِ واقعة دارت فيها العديد من السجالات، وهي مختصة بالمادة العاشرة من الدستور، والتي تنصّ على حماية مبادئ وتقاليد الأسرة المصرية، وقد صيغت بعبارات فضفاضة، تجعل القارئ يتساءل عن ماهية تقاليد الأسرة المصرية، فالأسر تختلف من بيئة لأخرى ومن طبقة لأخرى؛ لذا فإنّ مثل هذا القانون لا يوضح أيّة أخلاق يستهدف الحفاظ عليها، ولا أيّة أسرة تحديداً يستهدفها، ودعيني أذكر واقعة أخرى دارت حين فُتح نقاش خاص بمادة الحقّ في حرية الجسد، لتعترض نائبة شهيرة من تيارات الإسلام السياسي آنذاك، مصرحةً: بأنّها تريد إلغاء تجريم ختان الإناث، فكيف توافق على الحقّ في حرية الجسد؟! تكررت مرة أخرى أثناء مناقشة المادة الخاصة بحظر الاتجار بالبشر، لتعترض النائبة نفسها، مطالبة بصياغة وتحديد المادة لـ "حظر تجارة الجنس"، وهذا لأنّ أحد بنود الاتجار بالبشر، طبقاً لتعريف المنظمة الدولية للهجرة، يشتمل على زواج القاصرات، وهو ما اعترض بشأنه كلّ ممثلي تيارات الإسلام السياسي، بلا استثناء، مبرهنين بأحاديث وآيات، وقصة النبي محمد، صلى الله عليه وسلّم، مع أم المؤمنين، عائشة، قائلين: "أتريدون تحريم ما أحلّه الله!"،  في انعكاس واضح بأنّ هؤلاء القوم، يغطون في غياهب التاريخ، متغيبين عن اللحظة التاريخية التي تعيشها مصر آنذاك.

إذاً، ماذا كان مصير التشريعات التي أقرتها سوزان مبارك في تعديلات 2007، والتي اعترف الكثير بأنّها كانت الأكثر تقدمية؟

من وجهة نظري؛ قوانين المرأة التي أقرتها سوزان مبارك، إضافة إلى مشروع القراءة للجميع، كانا أهم إنجازين على مدى 30 عاماً، ولكن تذمّرت كلّ النائبات من تلك القوانين، لأنّها صدرت من زوجة الرئيس المخلوع، ولنضرب مثالاً آخر خلال حديث دار لمناقشة قوانين عمل المرأة؛ حيث صرّح أحد النواب علناً، أمام الجميع قائلاً: "الست لما نزلت الشغل مبقاش حد عارف يلمها"، وهو كلام ليس بغريب على مجتمعنا، فالرجل يطمح للسيطرة على المرأة عن طريق تبعيتها الاقتصادية له، ودون تلك التبعية ستصبح الزوجة نداً لزوجها، وهو ما يتنافى مع مبدأ طاعة الزوجة لزوجها في الإٍسلام، أو حتى مفهوم الرجولة بطابعها الشرقي، وتلك كانت مبرراتهم الواهية، وهو ما قيل صراحة داخل الجمعية التأسيسية، وأراه خزياً وعاراً اجتماعياً، ووصماً على جبين الثورة التي أتت بهؤلاء إلى سدة الحكم؛ بل إنّ النساء الإسلاميات وقتها، عمدن إلى تشويه قيادات الحركة النسوية من اليسار والتيار المدني، عن طريق اتهامهم باتباع الولايات المتحدة الأمريكية والغرب، والمفارقة العجيبة؛ أنّ أول من استنجد بهم الإسلامويون، عقب الإطاحة بالرئيس مرسي في 2013، كانت أمريكا التي يتبعونها فيما يطابق أهواءهم ومصالحهم الشخصية فقط، ويتراشقون تهمة الخيانة مع كلّ المختلفين معهم.

السقوط المدوي

فتاة التحرير، التي زارها الرئيس السيسي في المستشفى

على ذكر يوليو 2013، وقد أمضت مصر عاماً كاملاً في مرحلة انتقالية صعبة بعد خروجها من ثورتين؛ هل يمكن القول إنّه ثمّة مكتسبات تشريعية للنساء، وإذا وجدت فهل تعززت أم تقهقرت؟

بعد تسلم رئيس المحكمة الدستورية العليا، المستشار عدلي منصور، زمام السلطة، تم تعطيل العمل بالدستور، ثم جاء، للمرة الأولى في تاريخ التشريع المصري، توصيف واضح لقانون التحرش؛ ففي السابق، تم إدراج واقعة التحرش في سياق جرائم هتك العرض، بينما صدر القانون الخاص بتفعيل أيّ سلوك ينتهك خصوصية الأنثى، سواء بالكلمة، أو بالنظرة، أو الإيماءة، وما شابه ذلك، يندرج تحت بند التحرش الذي يعاقب عليه القانون، وطبعاً إذا ذُكِرَ التحرُش في مصر، فحدّث ولا حرج؛ حيث ترتفع المعدلات بشكل كبير، وقد أدرك المجتمع فداحة تلك الظاهرة، في الحوادث المتتالية التي وقعت في ميدان التحرير، أشهرها كانت فتاة التحرير، التي زارها الرئيس السيسي في المستشفى، وكانت تلك الوقعة، سبباً رئيساً في تفعيل هذا القانون.

شروق الانتصار

قدّمت التعديلات الدستورية، عام 2014، هدية للنساء في مصر

بالانتقال إلى دستور 2014، نتساءل: كيف حضرت قوانين المرأة في تلك المرحلة، خاصة في ظلّ وجود معطيات عززت حضور النساء على الساحات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية؟

قدّمت التعديلات الدستورية، عام 2014، هدية للنساء في مصر، تمثلت في تفعيل المادة 11، والتي تقتضي بتجريم التمييز ضدّ النساء، وتقضي بمساواتهن في كافة المجالات جنباً إلى جنب مع الرجال، اشتملت تلك المساواة على حقّ النساء في الترشح للوظائف القضائية، وهو ما بدأ بالتفعيل، خاصة بعد التعديلات الدستورية الأخيرة، كما تم تعطيل العديد من البنود القانونية، التي تمتهن المرأة وتضع على عاتقها تحمل مسؤولية ما يسمى بمنظومة أخلاق الأسرة المصرية، وكلّ تلك الخطوات هي إرهاصات لحقوق قانونية أكبر يتم العمل عليها، مستقبلاً للنساء.
لكن، حتى الآن لم نرَ تراجعاً واضحاً في نسب التحرش، أو حتى نسبة أكبر من النساء في المناصب القضائية، هل يرجع ذلك إلى عدم فاعلية القوانين الموضوعة؟

سنّ القوانين والتشريعات هي عملية تغيير فوقي، تفرض نوعاً من القوة لإنفاذ القانون حتى لو تعارض مع العرف الاجتماعي السائد، وهو ما يحدث الآن مع كلا القانونَيْن، ودعينا نتحدث عن التحرش؛ لأنّ فعالية قانون التحرش تستلزم العمل على جبهتين؛ المجتمع الذي يدرك ماهية التحرش وآليات مكافحته، والسلطة التنفيذية التي تفرد مساحات آمنة ومتاحة وسهلة الوصول حتى يتم إنفاذ القانون من خلالها، الأمر نفسه مع قضية تفعيل تمكين النساء من مناصب القضاء، الذي يتطلب شجاعة من المرأة نفسها، التي تؤمن بقدرتها على ممارسة حقها في الحصول على منصب قضائي، دون وضعها في قوالب اجتماعية تسخر من عملها الذي يغلب عليه الطابع الذكوري، وهو أحد أهم الأسباب لعزوف الكثيرات عن اقتحام مجال القضاء؛ لذلك بإمكاني القول: إنّنا نعمل الآن، بعد التعديلات الأخيرة، في ظلّ حماية الأرضية القانونية، وإن طال الزمن أو قصر، فإنّ القانون سينتصر، ويفرض نفسه على المجتمع الذي بدوره يتغيّر في ظل التقلبات المحلية والإقليمية والعالمية.