المصريون يشاهدون مباشرة كيف قفز نادر منتحراً من برج القاهرة

مصر

المصريون يشاهدون مباشرة كيف قفز نادر منتحراً من برج القاهرة

مشاهدة

02/12/2019

حالة انتحار الطالب الذي تخرج حديثاً من كلية الهندسة في مصر بتقدير جيد جداً أثارت الرأي العام في القاهرة خلال الساعات الماضية. وما ساهم في زيادة حدة التفاعل مع الحدث تصوير كاميرات المراقبة في برج القاهرة لحظة قفز الشاب من أعلى البرج، الذي يبلغ ارتفاعه 187 متراً، ليشاهد الشارع المصري للمرة الأولى بث مصور لحالة انتحار، علماّ بأنّها ليست الحالة الأولى. فبحسب تقرير منظمة الصحة العالمية عام 2019 عن معدلات الانتحار، احتلت مصر المرتبة الأولى في معدلات الانتحار في المنطقة العربية.


رسالة منسوبة لطالب كلية الهندسة في جامعة حلوان، نادر محمد جميل، أرسلها قبل رحيله إلى أحد أساتذته في الجامعة أشار خلالها إلى أنّ ضغوط الدراسة في الكلية كانت سبباً في مروره بأزمة نفسية انتهت بانتحاره، ورغم عدم تأكيد صحة الرسالة حتى اللحظة غير أنّ صديق الشاب المنتحر والذي كان مرافقاً له في لحظاته الأخيرة قال في تحقيقات النيابة إنّه خرج بصحبة صديقه للتنزه في محاولة منه لإخراجه من أزمة نفسية أصابته منذ شهور.

يموت شخص كلّ 40 ثانية منتحراً ومقابل كلّ شخص منتحر يوجد أكثر من 20 شخصاً حاولوا الانتحار

حادثة انتحار طالب كلية الهندسة أعادت للأذهان تفاصيل التقرير السنوي لليوم العالمي للصحة النفسية، الذي يوافق 10 تشرين الأول (أكتوبر)، وهو اليوم الذي تمّ فيه الإعلان عن توحيد الجهود من أجل تحسين الصحة النفسية للناس في أنحاء العالم، والموضوع الرئيس الذي وقع عليه الاختيار لإحياء هذا اليوم في العام الجاري؛ هو منع الانتحار، بعد إطلاق منظمة الصحة العالمية تقريرها السنوي، في اليوم العالمي لمنع الانتحار، أيلول (سبتمبر) من العام الجاري، والذي أشارت من خلاله إلى أنّ الانتحار هو ثاني الأسباب الرئيسة للوفاة في أوساط الشباب، ممن تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عاماً، بعد إصابات الطرق، وفي أوساط المراهقين ممن تتراوح أعمارهم ما بين 15 و19 عاماً، كان الانتحار هو ثاني الأسباب الرئيسة للوفاة بين الفتيات (بعد اعتلالات الأمومة)، وثالث الأسباب الرئيسة للوفاة لدى الفتيان (بعد إصابات الطرق والعنف بين الأفراد).

اقرأ أيضاً: هكذا علقت أليف شافاق على حوادث الانتحار في تركيا
ولفتت المنظمة إلى أنّ شخصاً يموت كلّ 40 ثانية منتحراً، ومقابل كلّ شخص منتحر يوجد أكثر من 20 شخصاً حاولوا الانتحار، ويبلغ عدد المنتحرين سنويّاً 800 ألف منتحر.
الانتحار في العالم العربي
الدكتور ياسر ثابت، مؤلّف كتاب "شهقة اليائسين: الانتحار في العالم العربي" (دار التنوير، 2012)، يرى أنّ المؤسسات الرسمية العربية تتعامل بتكتم شديد مع حالات الانتحار، ولذا فإنّ الأرقام المعلنة من قبل تلك المؤسسات يشوبها عدم الدقة، وتظلّ أقل من الأرقام الواقعية، ويمكن عزو ذلك لسببين، أولهما: عدم إبلاغ أسر المنتحرين عن إقدامهم على الانتحار خشية الوصم الاجتماعي (خاصة في حالة الإناث)، أو التأثيم الديني.
والسبب الثاني: هو خشية الجهات الرسمية من أن يشير ارتفاع معدلات الانتحار إلى مشكلات اجتماعية عميقة داخل هذا البلد أو ذاك.

كتاب "شهقة اليائسين: الانتحار في العالم العربي"
ويضيف ثابت، في تصريح لـ"حفريات": "من الأهمية بمكان الانتباه إلى حقيقتَين مهمَّتَين، أولهما: أنّ إحصاء معدلات الانتحار عددياً قد يختلف عن حسابه نسبياً (بالمقارنة مع إجمالي عدد السكان في البلد محلّ الدراسة)؛ لذا فإنّ العدد المرتفع لحالات الانتحار في بلد ذي تعداد سكاني كبير، يتضاءل إن تمّ حساب هذه الأرقام نسبياً بالمقارنة مع تعداد السكان. النقطة الثانية؛ هي أنّ الأرقام نفسها لحالات الانتحار في بلدٍ ما تضمّ المقيمين والوافدين على حدّ سواء، ولذا فإنّ بلداً، مثل قطر، يشهد ارتفاعـاً ملحوظاً في عدد معدلات الانتحار، بسبب زيادة حالات من يُقدمون على الانتحار من العمالة الآسيوية التي تعاني من ظروف معيشية قاسية، وصلت حدّ الاتهام بانتهاك حقوق الإنسان، خلال مشاركتها في مجال إنشاء ملاعب وتجهيزات كأس العالم لكرة القدم 2022".

المؤسسات الرسمية العربية تتعامل بتكتّم شديد مع حالات الانتحار لذلك فإنّ الأرقام المعلنة يشوبها عدم الدقة

ويوضح ثابت: "من هنا يمكننا فهم الأرقام والمعدلات المتصلة بملف الانتحار عربياً، بشكل أفضل وأكثر دقة، خاصة في ظلّ تباين الأرقام والمعدلات، وتغيّر أسماء الدول التي تشهد معدلات وأرقام انتحار أعلى على المستوى العربي".
وتشير إحصاءات منظمة الصحة العالمية لعام 2011، إلى أنّ البحرين (3.8) تصدّرت الدول العربية في تلك القائمة، حيث جاء ترتيبها 77، وتلتها الكويت (1.8) في المركز 92، فالأردن (1.1) في المركز 94، ثم سوريا (0.1)، وترتيبها 101، مصر (0.1) التي حلّت في المركز 102.
وفي التقرير السنوي (2014) حول الانتحار الذي تصدره منظمة الصحة العالمية، نجد أنّ السودان جاء في صدارة الدول العربية، بنسبة مرتفعة تقارب النسبة الآسيوية؛ حيث إنّه يعدّ من أعلى الدول تسجيلاً للانتحار، بـ 17.2 حالة من كلّ 100 ألف.

اقرأ أيضاً: ارتفاع معدل الانتحار بين شباب الإخوان.. لهذه الأسباب
ولفت ثابت إلى أنّه في تقرير منظمة الصحة العالمية التابعة للأمم المتحدة، في تشرين الأول (أكتوبر) 2019، تصدّرت مصر قائمة الدول العربية؛ حيث شهدت 3799 حالة انتحار في عام 2016، وتجاوز عدد الرجال المنتحرين أعداد النساء المنتحرات (3095 مقابل 704)، وحلّ السودان الثاني عربيـاً بـ 3205 حالة انتحار، ثم اليمن ثالثـاً بـ 2335 منتحراً.
أما الجزائر فجاءت في المرتبة الرابعة، بعدد حالات الانتحار، التي بلغت 1299 حالة، ثم العراق بعدد 1128 حالة، والسعودية في المرتبة الخامسة بنحو 1035 حالة، ويعدّ المغرب البلد العربي الوحيد الذي شهد ارتفاعـاً ملحوظـاً في معدلات الانتحار لدى الإناث، فقد بلغ عدد الحالات 613 حالة مقابل 400 حالة من الذكور.
أسباب الانتحار أغلبها ترجع للاكتئاب واليأس والفشل والإحباط المستمر

الانتحار شهقة اليائسين
من مصر سردت (م.س) تجربتها مع الانتحار؛ حيث أبلغت "حفريات": "قبل ستّة أعوام، عندما كنت على وشك أن أغادر عشريناتي، كان كلّ شيء رمادياً، إلى درجة أنني لم أعد أحتمل وجودي، ولم أفهمه، كنت أفاوض تفاصيل الحياة بشكل مستمر، كي يمرّ يومي، بينما أفعل ذلك كانت شجاعتي تزداد ببطء، ومعها يزداد ضعفي، أتذكّر كلّ يوم، بلا توقّف، كشريط سينما لا لون له، زواجي عندما أكملت عامي السادس عشر، وفرحتي بفستاني الأبيض، الذي كان آخر شيء أبيض يمرّ قبل أن يتحوّل كلّ شيء إلى اللون الرمادي، طفلان وأربعة عيون عسلية، وأعوام كثيرة من التفاصيل المربكة التي كانت تشعل بداخلي قناديل الارتباك والفوضى".

اقرأ أيضاً: إدمان الإنترنت ومعدلات الانتحار بين المراهقات.. هل ثمة علاقة؟
تضيف (م.س): "كنت كلّما مرّ عام أكبر فيه، يزداد غضب زوجي ورفضه؛ لأنّه كان يريد تلك الطفلة التي تزوّجها، لا المرأة التي تتشكل أمامه، بينما تتسع قراءاتها ومعرفتها، كانت مساحات غضبه تزداد أيضاً، تنتهي الخلافات دائماً بصفعة تسقطني أرضاً أو تمزيقاً للكتب التي أحبها، والتي أفسدتني كما كان يزعم الجميع، فما بين الاتّهام بأنّ هناك جنّاً رابضاً بداخلي، وتمرّدي وجنوني، كانت هناك العشرات من الاتهامات الأخرى، وكلما حاولت التخلص من هذا الزواج كنت دائماً ما أضعف أمام قسوة فقدان أطفالي ودفء وجودهم.. خوف يكبر معي ومحاولات بائسة للرحيل تنتهي بابتزاز مشاعري وأمومتي، فأعود، إلى أن صارت أفكار الانتحار تحاصرني من كلّ اتجاه".
لم تجد (م.س) سبيلاً للخلاص من زواجها المبكر في سنّ الطفولة، أو رفض الرجل الشرقي لأيّة ملامح لرأي آخر، أو تشكّل عقلية ندّية، سوى فكرة الانتحار: "كانت محاولة فاشلة لكنّها نجحت في أن تخلق بداخلي امرأة قوية غير مدعية أو كاذبة".

الانتحار في مجتمع تحكمه الشريعة

مصطفى ثابت، الباحث الشرعي بدار الإفتاء المصرية، يشير إلى أنّ الإسلام ينظر إلى قضية الانتحار من زاوية أنَّ الله تعالى كرّم النفس البشريَّة، وفضّلها على جميع خلقه من الحيوانات والنباتات والجماد، وكان أول مقاصد الشريعة الخمسة التي جاءت جميع الأديان بصيانتها والحفاظ عليها؛ حفظ النفس، وجاء قبل حفظ الدين عند بعض الفقهاء.
ويضيف في تصريح لـ"حفريات": "وأمَّا حكم الانتحار فهو ليس كفراً، لكنّه ذنب عظيم، وكبيرة من كبائر الذنوب، لعظم قدر النفس البشرية ومكانتها عند الله، فنهى سبحانه عن قتل النفس، سواء كانت نفس الغير أو نفس الإنسان، كونها وديعة الله لابن آدم، فقال سبحانه: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29]".

اقرأ أيضاً: الانتحار في العراق.. موت معلوم محاط بالكتمان!
وفي مجتمع تحكمه شريعة دينية تحرّم الانتحار، سعى ثابت لتفسير إقبال الشباب على التخلص من حياتهم متجاوزين مسألة التحريم: "أسباب الانتحار أغلبها ترجع للاكتئاب واليأس والفشل والإحباط المستمر، ومخالفة التوقعات للواقع بنسبة حادة، مما يدفع إلى انعدام الرغبة في الحياة والشعور بالعدمية وضياع المعنى وغياب الجدوى مع ملاحقة الألم الجسدي أو المعنوي أحياناً لهذا الشعور، فكلّ ذلك يُعزز الرغبة في التخلص من الحياة، وهذه الأمراض والمشاعر والآلام تختلف من إنسان لآخر، قوة وضعفاً، والفيصل في النهاية في الإقدام على قرار الانتحار هو الصبر وقوّة الإرادة وقبلهما، كما قلنا؛ وجود المعنى لدى الإنسان في حياته، وأعظم أسباب هذا المعنى هو أن يبقى للإنسان ما يحيا لأجله، كالإيمان وحسن الظنّ بالله، واحتساب الألم والمعاناة عند الله في زيادة الدرجات في الدار الآخرة"، لافتاً: "أمّا انعدام الأهلية عند المنتحر أو المصاب بمرض نفسي، فالمؤمن محاسب على أفعاله ما دام بالغاً عاقلاً مُميزاً مختاراً، أي ما دامت تصرفاته تصدر عنه بواسطة الإرادة والاختيار مع التمييز، وهل يمكن أن يكون المريض النفسي أو المكتئب قد وصل لحالة متقدمة من المرض نتج عنها اختلال في كيمياء المخ؛ حيث ينتج عنها انعدام العقل أو التمييز أو الإرادة، هذا يرجع فيه للأطباء، لكنّنا لا ننشغل بذلك؛ إذ يكون المنتحر قد أفضى لربّه، وهو، كما قلنا، مؤمن غير كافر، وأمره يعود إلى الله؛ إن شاء رحمه وإن شاء عذبه، ونحن ندعو له بالمغفرة والرحمة ما دام قد مات على الإيمان والتوحيد، وهو سبحانه أرحم وأعدل من كلّ حَكَمٍ وإنسان، وينبغي أن ننشغل أكثر بمنع حدوث الانتحار، وتقليل أسبابه، والتحذير من الوقوع فيه".

الصفحة الرئيسية