الممثل السوري أيمن زيدان يدعو الشباب للدفاع عن أحلامهم

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
1790
عدد القراءات

2019-11-09

دعا الممثل السوري أيمن زيدان، الشباب أن يدافعوا عن أحلامهم، إن أرادوا النجاح في هذه الحياة السريعة.
وأضاف زيدان، في محاضرة نظّمها منتدى عبد الحميد شومان الثقافي في العاصمة الأردنيّة عمّان، "بقدر ما يكون حلمكم نزيهاً ستكونون أقوياء".

زيدان: الدراما السورية تعرضت لواحدة من ارتدادات الحرب بقرار مرتبط بتسويقها حيث تعرضت للانحسار وتحولت لمنتج للاستهلاك المحلي

وأكد الممثل السوري، في المحاضرة التي أدارتها الإعلامية ميس النوباني، أنّ "دور الفنان أن يبقى نبيلاً"، لافتاً إلى أنّ هذه الحماية الذاتية تشكل للفنان درعاً حقيقياً في مواجهة تحديات التغيرات الشديدة. وبيّن أنّ ذلك أقصى ما يمكن فعله؛ أي "أن لا نكون شركاء في الجانب القبيح، وأن نكون مسكونين بالرغبة في البحث عن الجمال".
واستعرض الفنان مسيرة حياته، لافتاً إلى أنّه من قرية شبه منسية، "قرية وادعة وهادئة بدروب طينية" وهو المولود لأسرة متوسطة، وسط نسيج اجتماعي بسيط.
بداية علاقته بالمهنة وإطلالته على تجربة التمثيل، تمثلت، كما قال، من خلال الذهاب إلى دور السينما وحضور الأفلام هناك، ومن ثم إعادة إنتاج ما شاهده في البيت، فـ"شغف التمثيل بدأ بعفوية بسيطة".
محاضرة نظّمها منتدى عبد الحميد شومان الثقافي في العاصمة الأردنيّة عمّان

نهاية رجل شجاع
وحول مسلسله الأبرز "نهاية رجل شجاع"، وأسباب نجاحاته الكبيرة، أكد زيدان أنّ هناك عناصر شاركت في نجاح المسلسل، حيث "شاءت مجموعة من المصادفات أن أستلم إدارة شركة كبيرة كان لديها مشروع ورغبة في أن تصنع دراما مختلفة، وتحويل الإنتاج التلفزيوني بالتجاور مع المسألة الربحية، وأن يتضمن إنتاجاً جمالياً ومعرفياً، خصوصاً أنّ الإنتاج التلفزيوني ليس معادلة اقتصادية بحتة، وإنما معادلة ثقافية أيضاً، ويمكننا عبره تقديم منجز معرفي".

هناك عناصر شاركت في نجاح مسلسل "نهاية رجل شجاع" فعندما نقوم يعمل جديد علينا البحث عن اقتراح بصري موازٍ

وقال زيدان إنه تم الاتفاق مع الراحل حنا مينة على تحويل روايته إلى مسلسل، ثم أعاد الأديب حسن يوسف صياغة السيناريو، "وبدأت رحلة البحث عن مخرج، فعندما نقوم باقتراح جديد، علينا أن نبحث عن اقتراح بصري جديد أيضاً".
وأفاد زيدان أنّ المصادفة وحدها هي التي قادت إلى المخرج نجدت إسماعيل أنزور، وذلك من خلال "سهرة تلفزيونية. تواصلنا معه، وهكذا توفرت عناصر المشوار من نص ومخرج وطاقم الممثلين".
وأكد زيدان أنّ الموسيقى حققت نجاحاً كبيراً للعمل، وكانت من توزيع الموسيقار الأردني طارق الناصر".
وأضاف "ومع بذل جهد جبار على مستوى بصري وسمعي وأدائي من خلال العمل على الممثلين، أصبح هذا العمل مشروعاً مفصلياً، حيث غيّر نمطية الصورة والمواضيع التلفزيونية من الإنتاج الكبير لمستويات الصورة والاعتماد على مفهوم اللقطة بدل المشهد".

اقرأ أيضاً: لماذا توارى "الجوكر" وراء قناع المهرج؟
ولفت الفنان السوري إلى "أننا لا نستطيع دائماً تقديم منجز تلفزيوني كما نشتهي؛ لأنّ هناك معادلة اقتصادية تحكم هذه الصناعة وشروط تسويقية أيضاً، فرحلة المسلسل التلفزيوني رحلة شاقة".
الحرب في سورية
وعن الحرب في سورية خلال الأعوام الماضية وأثرها على الدراما، قال زيدان إنّ الدراما السورية تعرضت لواحدة من ارتدادات الحرب، بقرار مرتبط بتسويقها، حيث تعرضت للانحسار، وتحولت لمنتج للاستهلاك المحلي، وبالتالي لم تعد الدراما رهاننا الاقتصادي أو المعرفي".
وكانت مديرة اللقاء ميس النوباني استعرضت مسيرة زيدان منذ بداياته، وصولاً إلى النجاحات العديدة والمتتالية التي حققها، على رأسها "أخوة التراب" بجزأيه، ومسلسل "الجوارح" الذي مثّل انطلاقة حقبة مسلسلات الفانتازيا التاريخية، إضافة للأعمال الكوميدية "يوميات مدير عام" و"يوميات جميل وهناء"، وسواها.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



ساحة التحرير ببغداد: مدرسة للحرية ومتحف مفتوح للحب والجمال

2019-11-11

لم تتحوّل ساحة التحرير، وسط بغداد، إلى ميدان للاحتجاج بصوت عالٍ فحسب؛ بل صارت جدران أبرز مبانيها، تحديداً بناية المطعم التركي (مبنى الحرية)، ونفق التحرير الرابط بين شارعَي الجمهورية والسعدون، معرضاً مفتوحاً لأحلام الجيل العراقي الجديد، الذي صاغ بيانه الشخصي حول الحرية بوصفها فناً وثقافة ومعرفة.
تحوّلت تلك المنطقة إلى مسرح حيّ منذ اندلاع الموجة الثانية من الاحتجاجات، 25 تشرين الأول (أكتوبر) 2019، ترتفع في أرجائه لوحات وبوسترات وتعبيرات تنتمي إلى ما يسميه الأستاذ في أكاديمية الفنون بجامعة واسط (جنوب شرق بغداد)، كريم طه، بـ "الرسم التفاعلي".

لجأ الفنانون، لا سيما الشباب منهم، إلى تسجيل ملاحظاتهم وتوثيق ما يحدث على الجدران الصماء الواسعة في ساحة التحرير

ويرى طه، في منشور له على صفحته على فيسبوك، أنّ "الرسم غالباً هو التعبير بالشكل والألوان عمّا يدور في خلجات النفس عند الإنسان، وهذا التعبير يتباين في أسلوبه وطريقة عرضه، كما تتحكم به ظروفه الزمانية والمكانية"، وحيث إنّ الحدث السياسي الآني للعراق يعجّ بـ "الحراك المصحوب بالحسّ الثوري المصاحب للانفعال، والعاطفة التفاعلية على المستويين؛ الفردي والجماعي، تكون النفوس فيه قد تهيأت لفتح قريحة المشاركة الجمعية، ولو بمشاركة بسيطة المستوى من المشاعر (كالفرحة أو الألم) بين المجتمعَين، ومعهم ما ييسر فعل امتداد القريحة من حدودها الفردية إلى مستوى المجموع فيتشارك بها مع المتواجدين".
لجأ الفنانون، لا سيما الشباب منهم، إلى تسجيل ملاحظاتهم، وتوثيق "ما يحدث على الجدران الصماء الواسعة في ساحة التحرير وأنفاقها التي ألهمت خيالاتهم، وحفزت مواهبهم ليجعلوها عموداً أساسياً يدخل ضمن مضمون نص الحدث الراهن، ويتفاعل بقوة مع العطاء الكبير للشباب المنتفض، وليوازي سيل عطاء الدماء، وألم الجروح، أو يواسيها على أقل تقدير، فكانت، وكما نشاهد، نتيجة عمّدت ركناً من أركان ساحة التحرير، وعكست الجانب الثقافي الذي يمتلكه المتظاهرون ومتلقو الأعمال على السواء"، كما ينهي الأستاذ كريم طه ملاحظاته.

اقرأ أيضاً: ما قصة محتجي بغداد مع "المطعم التركي" وتسميته بجبل أحد؟
وإذا كانت انتفاضة تشرين الأول (أكتوبر) العراقية قد قدّمت جيلاً جديداً في السياسة والأفكار والعمل الميداني الدقيق وشديد التنظيم، في إدامة الاحتجاج لوجستياً رغم سقوط آلاف الضحايا بين قتيل وجريح، فإنّها أيضاً برعت في تقديم خطاب فنّي يحاكي الحدث ويستلهم معانيه ويؤشر لدلالات مستقبلية كبرى، إذ يقول الفنان عقيل خريف في منشور له عبر صفحته على فيسبوك: "الثورة أفرزت جيلاً لفناني الفنّ الغرافيتي وهي تواكب الحدث، الفنّ هو أقرب إلى الأحداث، يجب على نقّاد الفنّ أن يوثّقوا ثورتنا وقراءتها، من خلال الأثر على الجدار".
ومن هنا جاءت الاستجابة، فكتب الفنان كريم سعدون على صفحته على فيسبوك: "التحرير ينتج فنّه"، عن سلسلة جداريات في نفق ساحة التحرير وقّعها الرسام الشاب باقر ماجد.
إنقاذ جدارية فائق حسن

صحيفة وإذاعة من ميدان الحرية
ولم تتوقف لغة الاحتجاج التعبيرية فنّياً عند الرسم وحسب، بل أنتجت خطابها الإعلامي الخاص، انطلاقاً من بؤرتها المكانية: ساحة التحرير، فقد أصدر المحتجون صحيفة خاصة تحمل عنوان "توك توك"، استلهاماً لاسم الدراجة الشعبية التي صارت أيقونة من أيقونات الانتفاضة، لما قدمته من وسائل عون سريعة في إسعاف الجرحى من المنتفضين ونقل إمدادات العون المختلفة.

اقرأ أيضاً: آخر علاج العراق كي إيران
ليس هذه وحسب، بل إنّ المنتفضين أطلقوا إذاعة محلية بعنوان "نريد وطن"، تغطي المنطقة التي صارت معقلهم وسط بغداد، دون أن ينسوا تركيب شبكة إنترنت تغطي المنطقة، وإنارتها بمولّد موضعي للطاقة جعلهم قادرين على إنارة المبنى الذي كان يغرق في الظلام منذ عام 2003.
وفي نفق التحرير ثمة محال تجارية ومكاتب خدمات ضمن منظور عمراني تغنّت بجماله أجيالٌ من العراقيين وضيوفهم من العرب المقيمين طوال عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، لكنّها تراجعت حدّ الانطفاء التام، فصارت بعد عام 2003 مواقع مظلمة تنطلق منها عصابات الجريمة والإدمان على المخدرات والكحول.
منذ أسبوع، انتفض الشبان للمكان وأعادوا إليه الحياة بعد أعوام من الإهمال، أضاؤوا كلّ زاوية من زواياه، ورفعوا منه تلال القمامة، كأنّهم بذلك يرسلون للحكم العراقي رسالة مفادها: "أنتم خرّبتم ونهبتم ونحن أنفقنا رغم فقرنا وعمّرنا" كما في الفيديو المرفق:

في الجهة الأخرى من المكان، حيث "ساحة الطيران"، وفيها جدارية الفنان العراقي المشهور، فائق حسن، التي كانت مغطاة بطبقة سميكة من غبار الإهمال وسخامه، فهبّ إليها شباب الانتفاضة، مزيلين تلك الطبقة المعتمة، وحاملين لذلك العمل الفني الذي يشكل جزءاً بارزاً من تاريخ العاصمة العراقية المعاصر، مصابيح تنيره ليلاً.
لوحة على جدار

منشد الثورة الجميل
ومنذ اليوم الثاني لانتفاضة تشرين العراقية، تابعنا المنشد حيدر حسن التميمي، الذي ظهر للمرة الأولى، في 2 تشرين الأول (أكتوبر) 2019، وهو ينشد نشيداً ثورياً حافظ على جماليته الغنائية واللحنية، وإن كان وسط نيران شوارع تحترق، فبدا المشهد وكأنّه مأخوذ من عمل سينمائي وليس واقعياً، يدور وسط شارع ببغداد.

أصدر المحتجون صحيفة خاصة تحمل عنوان "توك توك" استلهاماً لاسم الدراجة الشعبية التي صارت أيقونة من أيقونات الانتفاضة

بصوته وقدرته على ابتكار الألحان ولغته العربية المتماسكة، وإن كانت من نبع المراثي الحسينية التي خبرها ومارسها، أضحى التميمي، منذ أكثر من شهر، منشد الثورة الجميل، يقدم الأناشيد العميقة الصادقة من عمق المشهد من ساحة التحرير وشوارع بغداد، بل إنّه لم يتردد في توجيه نشيد يخاطب فيه القنّاص الذي صار رمزاً لآلة وحشية تقتل الشباب العراقي بلا رحمة.
هذا النمط الغنائي الرفيع لهذا المنشد الوسيم مثّل صوت الشباب العراقي الجميل الذي ملّ الذل وحكم القتلة الفاسدين، بل إنّ كلّ نبرة منه تحمل نغمة أمل، كلّ شهقة مجروحة تعني مستقبلاً مفتوحاً يرسمه هذا الجيل تحديداً لا غيره.
وفي ميدان الغناء الحماسي، ذهبت بنت عراقية، هي سارة آدم (كما تظهر في الفيديو)، إلى إنجاز نسخة محلية من الأغنية المشهورة: "?do you hear the people sing"، أو "هل سمعت الشعب يغني؟"؛ التي تكوّن محوراً مهماً في الفيلم/ المسرحية الغنائية المأخوذة عن رواية "البؤساء" لفيكتور هوغو.

اقرأ أيضاً: هل يمكن تغيير النظام في العراق؟
سارة آدم والشباب حوّلوا الأغنية المشهورة إلى نسخة عراقية؛ حيث ينشد المنتفضون، رجالاً ونساء، ومن أجيال مختلفة، لأشواق الحرية والأمل الحقيقية التي طال انتظارها.
مكتبة في نفق التحرير

كتب على رصيف الحرية
بدا القاصّ والكاتب العراقي المقيم في فنلندا حسن بلاسم في غاية السعادة، وهو يرى نسخة من أحد كتبه معروضة على رصيف ضيق في نفق التحرير، ضمن "مكتبة" أقيمت على عجل، تعرض فيها الكتب مجاناً، هنا كتب بلاسم: "كتابي "الرجل القاموس" ما يزال يجلس على رصيف الحرية في بغداد، يحلم ويفكر في بلد حرّ ومتقدم".
وضمن مدارات الكتب؛ سارعت "دار المدى" لإقامة مكتبة تقدم منشوراتها البارزة في أحد طوابق المبنى، الذي كان مظلماَ ومهجوراً ومخرباً، للقرّاء من المنتفضين مجاناً.
هنا كأنّ الجميع في لحظة عراقية فارقة يتفقون على صوغ عبارة في غاية الأهمية، عبارة تقول: "الحرية فنّ وثقافة ومعرفة".

للمشاركة:

لماذا توارى "الجوكر" وراء قناع المهرج؟

2019-11-07

تظهر جماليات الأفلام عموماً في نوعين من المتعة: بصرية وفكرية؛ وتبدو الأبرز في فيلم "الجوكر" 2019، للمخرج تود فيلكيس، هي تلك المشاعر المتضاربة التي تنتاب المشاهد حيال الفيلم وبطله: هل يتعاطف مع الجوكر أم يكرهه؟ وما هو موضوع الفيلم بالتحديد؟! وهل له موضوع واحد أم مواضيع متعددة؟! ولماذا توارى فيليكس وراء قناع المهرج؟ ولمَ اختار لبطله تلك الخلفية النفسية والطفولة المعذبة؟ وهل حالة آرثر المرضية هي سبب ثورته أم أنّ معاملة الناس القاسية له؟ وبين من يدور الصراع في الفيلم؟ بين الفقراء وأنفسهم أم بين الفقراء والأثرياء؟ وهل ما شاهدناه قصة متخيلة أم أنّ لها دلالات وبالتالي تصف واقعاً حاضراً أو تستشرف ظاهرة قادمة؟
ثلاثة أشكال للصراع
يمكن القول إنّ موضوع فيلم "الجوكر" يتألف من ثلاثة أشكال للصراع: تتمظهر بداية في شكل صراع نفسي بين التعاسة والسعادة، عكسه آرثر فليك (خواكين فينيكس) في ملامح وجهه التي مزجت الألم بالضحك؛ هو في طبقته الأولى صراع ذاتي بين آرثر والجوكر، وفي طبقته الثانية صراع اجتماعي بين الفقراء، ثم صراع طبقي بين الفقراء والأثرياء.

اقرأ أيضاً: فيلم الجوكر.. هل يعكس خللاً آخر بين جيلين؟
ذروة هذا الصراع الذي تجلّى في القتل لم يكن نتيجة تطوُّر طبيعي لأشكال هذا الصراع ولكن نتيجة تحوُّل، بالدرجة الأولى، وقد برز هذا التحول بعد أن حصل آرثر على مسدس؛ وبعد أن أطلق الشرارة الأولى تحوّل المجتمع كله إلى مهرجين وكأنّ المجتمع كان ينتظر هذه الشرارة، ينتظر مخلّصه أو بطله.

انتقام أم ثورة؟

في المشهد قبل الأخير يرسم آرثر فليك ابتسامة المهرج العريضة بدمه النازف من فمه؛ ابتسامة جديدة صادقة ماكرة لا تشبه سابقاتها المفتعلة، ثم يرقص وهو يقف على سيارة الشرطة بينما أفراد الجموع الغاضبة يمارسون العنف من حوله وهم يرتدون أقنعة المهرج التي تعكس حالة التماهي والتوحد التي بلغها المجتمع.

ولد آرثر بقلب طفل واستمر يحمل هذا القلب وتلك الابتسامة البريئة كلما قوبل بإطراء أو مديح

أصبح المهرج بعد قتله لثلاثة من الأثرياء بطلاً في عيون الآخرين، وقد كان قبل هذه الجريمة نكرة في نظر نفسه والآخر، من خلال هذا العنف اكتسب المهرج وجوده؛ إنّه زمن التهريج وثورة المهرجين، أو من أصبحوا أو أُجبروا على أن يكونوا كذلك؛ حيث يمكن للمهرج وحده أن يقتل بدم بارد ثم يرقص على دم ضحاياه، هذه قراءة أُولى ممكنة ضمن قراءات أخرى تعكس عمق الفيلم. فهناك من يرى في الجوكر حالة فردية عن فنان فاشل تحوَّل بفعل الضغوط إلى قاتل، وهذه نظرة تبتعد، برأيي، عن مضمون وجوهر الفيلم.
استثناء الجوكر لزميله القزم من القتل فيه دلالة على أنّ آرثر لا يقتل حباً في القتل أو المتعة، هو ينتقم ممن أساؤوا له بمن فيهم أمه التي خنقها في النهاية بعد أن عرف أنّها شريكة زوجها في تعذيبه وهو طفل، فهي بذلك لا تختلف عن أي شخص آخر آذاه.

الطفل أب الرجل
ثمة عبارة شهيرة في علم النفس تقول إنّ "الطفل أب الرجل"، بمعنى أنّ كل ما يختبره الطفل في طفولته سيعيشه طوال عمره، فإن عاش طفولة سعيدة سيعيش رجولة سعيدة والعكس صحيح. وآرثر تعرض لنوعين من البرمجة النفسية: العنف المادي ممثلاً بالضرب على يد زوج أمه، واللطافة ممثلة بالحث على الابتسام وباسمه "هابي/سعيد" الذي تناديه به أمه، وقد انتصرت اللطافة بداية على القسوة إلى أن حانت لحظة التحول.

اقرأ أيضاً: كيف تحول فيلم الجوكر إلى قضية أمنية في الولايات المتحدة؟
عمله الكوميدي يتطلب منه أن يبتسم دائماً، ثمة عبارة مكتوبة عند سلم الخروج تذكره بذلك: "لا تنس أن تبتسم Don't forget to smile"، لكن عند طرده من عمله يقوم آرثر بطمس كلمتين لتبقى عبارة: "لا تبتسم"، في إشارة إلى التحول الذي طرأ على شخصيته، وإلى أنّ تبسّمه في الجزء الأول من حياته لم يكن مفيداً، عندما كان آرثر تجسيداً حياً لمقولة المسيح: "من ضربك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر"، وفي الجزء الثاني أصبح تجسيداً لمقولة المسيح النقيضة: "ما جئتُ لألقي سلاماً بل سيفاً".

المهرج مزدوج: يمكن أن يعكس البراءة ويرسم الابتسامة كما يمكن أن يُتخذ أداة للتخفي وارتكاب الجرائم

ولد آرثر بقلب طفل واستمر يحمل هذا القلب وتلك الابتسامة البريئة كلما قوبل بإطراء أو مديح على الرغم من التعذيب الذي تعرض له من زوج أمه وتسبب في حالته النفسية ما أجبره على تناول الأدوية؛ لا يحدث هذا الانقلاب العنيف بعد ضربه من قبل مجموعة من الشباب حتى أدموه، ونعلم من السياق أنّه عانى كثيراً من قسوة الناس مع ذلك ظل محافظاً على هدفه في رسم الابتسامة على وجوه الناس، ولذلك اتخذ من الكوميديا طموحاً ومهنة.
يحدث الانقلاب بعد أن سلَّحه زميله في العمل بمسدس، وفي ذلك إشارة واضحة إلى أنّ المجتمع هو من يصنع المجرمين، قد يكون لدى الضحية الدافع للتنفيس عن غضبه، لكن ينقصه الوسيلة أو القوة لتحقيق ذلك، وما أن تتوفر له تلك الوسيلة ويلقى التشجيع حتى يشرع في استخدامها إلى أن تطال دائرة العنف الشخص الذي سلَّحه.
قال آرثر في لحظة دالّة إنّ الأفكار السلبية تنتابه طوال حياته، لكن تلك الأفكار السلبية لم تتحول إلى ممارسات سلبية إلا بعد أن حصل على سلاح، والطريقة التي أمسك بها آرثر المسدس واستعماله له لأول مرة في منزله تسجل لحظة مفعمة بالمفاجأة والدهشة وكأنّه طفل أمام لعبة جديدة يجهلها تماماً.
واجه آرثر هذا العالم القاسي بالضحك، حدّ أنّ ضحكه أصبح مرضاً، وبدل أن يتحول ضحكه الهستيري إلى عدوى تصيب من حوله بالسعادة يقابله الناس بالغضب والعنف، ولعل ردة الفعل هذه هي التي جعلت ضحكه أقرب إلى البكاء ومرضاً ينبه إليه الناس حتى لا يساء فهمه.

وجهان للإعلام
المقابل الموضوعي لسلاح العنف، متمثلاً في المسدس هو اللطافة، الكلمة اللطيفة التي أثنى بها مقدم البرامج موراي فرانكلين (روبرت دي نيرو) قابلها آرثر بالحضن، وبابتسامته ولغته الطفولية، وحين سخِر منه على الهواء قابل آرثر تلك السخرية برصاصة على رأسه وعلى الهواء مباشرة.

بعد جريمته الأولى تحوّل المجتمع كله إلى مهرجين وكأنه كان ينتظر هذه الشرارة ومخلّصه أو بطله

دور دي نيرو قصير ويعكس ما يمكن للإعلام القيام به: يمكنه أن يكون إيجابياً أو سلبياً، وهذا ما أظهره موراي عندما أثنى على آرثر في البداية ثم عندما سخر منه، وأثر الإعلام على الفرد هو نفس الأثر على المجتمع؛ فبإمكان الفرد أن يقود المجتمع، إن بَنَيته بنيت المجتمع وإن هدمته هدمت المجتمع.
في آخر مشهد يتم إغلاق الدائرة، نرى آرثر جالساً أمام شابة سمراء مسؤولة عن متابعة علاجه وصحته النفسية، بينما كانت المسؤولة في المشاهد السابقة امرأة متقدمة في السن، بهذا الإبدال ومن خلال هذا المشهد نعرف أنّ كل ما سبق من أحداث هي حلم يدور في رأس آرثر، في هذا النوع من الاستشراف يصبح المضمون تنبيهاً يضعنا أمام خيارين: اللطافة أو القسوة، وبهذا تصل فكرة الفيلم في أنّ الإنسان بريء مهما تعرض لأحداث قاسية ويبدأ في اللجوء إلى القسوة والعنف عندما يُسلَّح أو يعجز عن الدفاع عن نفسه بوسائل سلمية، وقناع المهرج مزدوج: يمكن أن يعكس البراءة ويرسم الابتسامة كما يمكن أن يُتخذ أداة للتخفي وارتكاب الجرائم.

للمشاركة:

شمس بلعربي: راعي الغنم الذي شق طريقه إلى هوليوود

2019-11-03

سرد المخرج المصري الراحل محمد خان في خطاباته لصديقة المصور السينمائي سعيد شيمي، معاناته في لندن لدراسة السينما، وكيف اضطر للعمل شيال من أجل توفير نفقاته، كان ذلك ولم يبلغ خان العشرين من عمره، عام 1960، وتجددت المعاناة في رحلة خان إلى بيروت في الستينيات أيضاً للعمل في مجال السينما مساعد مخرج ثالث، وكيف اضطر للسكن في غرفة بمستشفى يملكها صديق لوالده، ذلك أنّ خان لم يكن يملك أجرة السكن، غير أنّ خان يذكر في خطاباته، المنشورة عن دار الكرمة في القاهرة، كيف أنّ معاناته، لم تكن محط اهتمامه، طالما أنه مستمر في رحلته من أجل أن يصبح المخرج السينمائي محمد خان، الذي اعتبرت أفلامه في الثمانينات مؤسِسة لموجة جديدة في السينما المصرية.

اقرأ أيضاً: ممثل هوليوود العالمي سيد بدرية: أتسلق السور وأقفز دائماً
معاناة خان تكررت مع تجارب أخرى، لأشخاص عشقوا العمل في مجال السينما، وفي شمال أفريقيا، ببلدة عين تادلس التابعة لولاية مستغانم في الغرب الجزائري، كانت هناك رحلة أخرى، لشاب عمل طفلاً في رعي الغنم، غير أنه عشق الرسم، وتجاوز ظروفه الحياتية القاسية، ليحتفل ذلك العام، بتصميمه أفيشات أفلام هوليودية.
 بوستر فيلم من رسم شمس

فن الأفيش في مواجهة التكنولوجيا
عن طبيعة عمله قال بلعربي لـ"حفريات":"يتمثّل عملي الفني في رسم ملصقات الأفلام وتصميمها. وأنا كنت من عشاق السينما، واستطعت أن أمزج بين موهبتي في الرسم وبين شغفي بالسينما من خلال رسم ملصقات سينمائية راسخة في ذهني. وقد تمسكت بهذا العمل تقديراً مني له، وإيماناً بأنّ الفنانين الحقيقيين يحترمون هذه المهنة. لا أنكر أبداً أنّ هذا الفن، في خضم التكنولوجيا الرقمية، لم يعد رائجاً وأصبح حضوره مقتصراً على المتاحف وعلى هواة جمع الملصقات القديمة. لكنني عمدت إلى تطوير فكرة رسم الملصق بما ينسجم مع العصر، عبر إضافة تقنيات جديدة وعصرية، تجعله يقترب من الإبداع الذي نجده في الملصقات الحديثة في هوليوود".

اقرأ أيضاً: كيف قدّمت هوليوود العرب والمسلمين؟
ولد شمس الدين بلعربي عام 1987، إذ كان يعيش في قرية صغيرة غرب الجزائر، بعيدة عن الحضارة. "كنت أرعى الغنم مع خالي رحمه الله، وبينما كنت أمارس مهنة رعي الغنم في سن الخامسة كانت تمر بجانبي صفحات الجرائد، وكانت تجذبني الصور البراقة لنجوم السينما، فالتقط هذه الجرائد من على الأرض، وأتمعن فيها، وأرسمها بالعود في الرمال، وعندما بلغت سن السادسة انتقلت إلي المدينة، لكي أدخل إلي المدرسة، وفي المدرسة بدأ المعلمون يكتشفون موهبتي، وبدأت أعطي الأهمية لمادة الرسم أكثر من باقي المواد".
العودة إلى الشارع
بدأ المدرَسون اكتشاف موهبة الرسام المبدع، بفضل ميله اللافت إلى مادة الرسم بالمقرر المدرسي أكثر من المواد الأخرى. واضطر الفنان إلى ترك مقاعد الدراسة، بسبب فقر عائلته وعجزها عن الإنفاق على تدريسه: "خرجت إلى الشارع لامتهان حرفة تزيين المحلات التجارية وتصميم الديكورات، وهو نشاط عرف رواجاً كبيراً. غير أنّ الشارع جعلني عرضة للاستغلال من طرف تجار كانوا لا يدفعون مالاً نظير جهدي. وفي أحيان كثيرة كان بعض ميسوري الحال يساعدونني مادياً، لإعجابهم بفني".

مزج شمس بلعربي بين موهبته في الرسم وبين شغفه بالسينما من خلال رسم ملصقات سينمائية راسخة في ذهنه

وكان شمس الدين يتوجه يومياً إلى قاعات السينما بمستغانم، ليشاهد أفيشات أفلام السينما والصور الضخمة للنجوم: "بقيت على هذه الحال لسنوات، أعيش على تصميم الملصقات بينما كانت ظروف عائلتي المادية تزداد تدهوراً، وكان لزاماً علي أن أساعد والدتي للوفاء بأعباء البيت، ومع الوقت أنشأت ورشة صغيرة في الغابة المجاورة ظلت فترة طويلة مأوى بالنسبة لي، أقصده خاصة عندما أعود من السينما لأرسم ما شاهدته بالأفيشات".
غير أنّ منزل أسرة بلعربي المتواضع، مكسور السقف جزئياً، تسللت من خلاله قطرات المطر في صيف الشتاء فأفسدت لوحاته، هنا قرر البدء في إرسالها إلى شركات الإنتاج السينمائي في الخارج، على أمل أن يتحقق الحلم.
يقول  بلعربي:" أرسلت كل الرسومات إلى شركات الإنتاج السينمائية عن طريق البريد، وبدأ الناس ينعتونني بالمجنون، ولكن اتكلت على الله، لأنه هو من أعطاني هذه الموهبة، وواصلت المثابرة والعمل، ولكن مرت السنوات و لم أتلقَ أي رد".
شمس بجوار لوحة من أعماله للفنان المصري عبد الله غيث

انتصار السينما
لم يتأخر الرد أكثر من ذلك، فقد جاء اليوم الذي تلقى فيه بلعربي رسالة من منتج أرجنتيني يعمل بالشراكة مع هوليوود، أعجب بأعماله وقدمها إلى المنتج والممثل السينمائي محمد قيسي، الذي شارك النجم جان كلود فاندام بعض أفلامه في الثمانينات، ثم بدأ تلقي الطلبات من المخرجين والمنتجين، وقدم بعض ملصقات لأفلام عالمية، منها:The News  وHonor  و Garra Mortal و  Bucks of America

عاش بلعربي بعيداً عن الحضارة واضطر إلى ترك مقاعد الدراس بسبب فقر عائلته وعجزها عن الإنفاق على تدريسه

يُفضّل شمس ألا يترك بلاده، وأن يلقى الدعم الداخلي حتى يكمل ما بدأه: "أطمح إلى فتح مدرسة عربية تعلّم هذا الفن لجميع الراغبين والموهوبين، حفاظاً عليه من الإندثار، كما سبق أن اندثرت فنون أخرى جميلة ومهمة. أحب أن أساهم في تطوير مهارات الشباب وفي تعزيز مساحة الفنّ في حياتنا المثقلة بالهموم والأزمات. الفنّ هو في الأساس تربية ورسالة وجمال، وأظنّه خلاصنا من شرور هذا العالم".
وبما أنّ فن رسم أفيشات الأفلام بات أمراً نادر الوجود، فقد صار حلم بلعربي إقامة ورش لإفادة هواة هذا الفن، وإقامة متحف ومعارض لملصقات الأفلام، مطالباً القائمين على شؤون الفن في الجزائر وخصوصاً مسؤولي وزارة الثقافة تقديم تسهيلات له؛ لفتح مدرسة عالمية تستقطب كل الفئات العمرية الموهوبة، بغض النظر عن مستواهم الدراسي أو العمر أو الجنسية.

للمشاركة:



الإمارات تدعم المحتاجين في محافظة شبوة اليمنية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-12

قدمت دولة الإمارات، عبر ذراعها الإنسانية "هيئة الهلال الأحمر"، مساعدات غذائية تضم 350 سلة غذائية، تزن 28 طناً، في منطقة جول الريدة بمديرية ميفعة في محافظة شبوة اليمنية، استفاد منها 2135 فرداً من الأسر معدومة الدخل والأشد احتياجاً، وذلك في إطار جهودها الرامية لرفع المعاناة وتطبيع حياة الأسر التي تعاني أوضاعاً صعب، وفق ما نقلت وكالة "وام".

الهلال الأحمر الإماراتي قدّم مساعدات غذائية استفاد منها 2135 فرداً من الأسر معدومة الدخل والمحتاجين بشبوة

وأعرب المستفيدون، عقب تسلمهم المواد الإغاثية، عن شكرهم وتقديرهم لدولة الإمارات قيادة وحكومة وشعباً على وقفتها الأخوية في محنتهم وجهود الإغاثة المتواصلة لأبناء شبوة.

جدير بالذكر؛ أنّ هيئة الهلال الأحمر الإماراتي وزعت، منذ بداية "عام التسامح"، 33 ألفاً و24 سلة غذائية، بمعدل 1888 طناً و480 كيلوغراماً، استهدفت 157 ألفاً و125 فرداً من الأسر المحتاجة والمتضررة في محافظة شبوة.

وبلغ حجم المساعدات الإماراتية المقدمة للشعب اليمني، من نيسان (أبريل) 2015 إلى حزيران (يونيو) 2019، نحو 20.57 مليار درهم (5.59 مليارات دولار)، موزَّعة على العديد من القطاعات الخدمية والإنسانية والصحية والتعليمية والإنشائية استفاد منها 17.2 مليون يمني، يتوزّعون على 12 محافظة.

 

 

 

للمشاركة:

إسرائيل تغتال أبو العطا.. والحركات الإسلامية في غزة تتوعّد بالرد

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-12

أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي، اليوم؛ أنّه اغتال القيادي في سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، بهاء أبو العطا، وزوجته، في قصف استهدف منزله في قطاع غزة.

جيش الاحتلال الإسرائيلي يعلن اغتيال القيادي في سرايا القدس بهاء أبو العطا وزوجته

وقالت مصادر طبية في قطاع غزة: إنّ القصف الإسرائيلي أدّى إلى مقتل أبو العطا وزوجته، وإصابة 4 من أبنائهما، وفق شبكة "سي إن إن".

من جهتها، أعلنت سرايا القدس، الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، مقتل قائدها في المنطقة الشمالية، بهاء أبو العطا، وزوجته، في منزلهما بحي الشجاعية شرق قطاع غزة.

وقالت سرايا القدس، في بيان اليوم: إنّ "أبو العطا، البالغ من العمر 42 عاماً، قتل في عملية اغتيال"، معلنة "النفير العام في صفوف مقاتليها ووحداتها العسكرية المختلفة"، كما توعدت بالردّ، قائلة: "لن تكون للردّ على هذه الجريمة حدود، الاحتلال سيكون هو المسؤول عن هذا العدوان"، حسبما ورد في بيان للحركة.

من جانبها، أعلنت حركة حماس، التي تدير قطاع غزة، في بيان، أنّ "قتل أبو العطا لن يمرّ دون ردّ".

وبحسب بيان سرايا القدس، على الموقع الإلكتروني لحركة الجهاد؛ فإنّ "أبو العطا يعدّ أحد أبرز أعضاء المجلس العسكري لسرايا القدس، وتعرّض لمحاولات اغتيال عدة في أوقات سابقة".

سرايا القدس تعلن النفير العام في صفوف وحداتها العسكرية وتحمّل إسرائيل المسؤولية

من جهتها، دانت منظمة التحرير الفلسطينية، اليوم، اغتيال الكيان الصهيوني للقيادي في حركة الجهاد الإسلامي، محملة سلطات الاحتلال مسؤولية التداعيات.

وقال أمين سرّ اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، الدكتور صائب عريقات، في تصريح نقلته وسائل الإعلام الفلسطينية: "ندين بأشدّ العبارات جريمة الاغتيال الجبانة للقائد بهاء أبو العطا، القيادي في حركة الجهاد الإسلامي وزوجته وإصابة أبنائه".

وأضاف عريقات: "نحمّل سلطة الاحتلال المسؤولية الكاملة عن نتائج وتبعات هذه الجريمة النكراء".

هذا وقد أعلنت سرايا القدس استهداف مدينة تل أبيب بقذائف صاروخية، بعد فترة وجيزة من اغتيال أبو العطا.

 

 

للمشاركة:

الأردن يحبط مخططات إرهابية.. هذه أهدافها

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-12

أحبطت الأجهزة الأمنية الأردنية، مؤخراً، مخططات إرهابية كانت تستهدف عاملين في السفارتين؛ الأمريكية والإسرائيلية، إضافة إلى جنود أمريكيين متواجدين في قاعدة عسكرية في منطقة الجفر.

وخطّط متهمان لاستخدام الأسلحة النارية، أو الطعن، أو الدهس بالمركبات، لتنفيذ العمليات، لكنّ الأجهزة الأمنية حالت دون ذلك، وتمّ القبض عليهما، في نهاية تموز (يوليو) الماضي، وفق ما أوردت صحيفة "الرأي" الأردنية في عددها الصادر اليوم.

الخلية الإرهابية كانت تستهدف عاملين في السفارتَين الأمريكية والإسرائيلية وجنوداً أمريكيين في منطقة الجفر

وأحيل المتهمان إلى محكمة أمن الدولة، التي وجهت لكلّ منهما تهماً بجنايتَي؛ المؤامرة بقصد القيام بأعمال إرهابية، والترويج لأفكار جماعة إرهابية.

وأشارت لائحة الاتهام من محكمة أمن الدولة إلى أنّ آلية تنفيذ المُتْهَمَيْن لعملياتهما الإرهابية لأهدافهما تمثلت بالأسلحة النارية، أو الطعن، أو الدهس بواسطة مركبات.

 وأشارت الصحيفة إلى أنّ "محكمة أمن الدولة بدأت، الأحد الماضي، بمحاكمة المتهمَين على التهم التي أسندتها لهما النيابة".

وكانت السلطات الأردنية قد أحبطت، الشهر الماضي، مخططاً لتنظيم داعش، كان يقضي بتنفيذ عمليات إرهابية في الساحة الأردنية.

وأعلنت السلطات؛ أنّ الخلية كانت تعتزم استهداف الحراسات الأمنية أمام منزل أحد رؤساء الوزراء السابقين والاستيلاء على أسلحتهم، وذلك كما وردت في لائحة الاتهام بمحكمة أمن الدولة.

كما تشمل قائمة الأهداف: دوريات الأمن العام الموجودة بشكل ثابت على طريق (السلط - السرو)، إضافة إلى "خطف أحد رجال المخابرات وقتله بمنطقة مهجورة وحرق جثته".

وأشارت إلى أنّ الشرطة ألقت القبض على أفراد الخلية، في الأول من تموز (يوليو) الماضي.

 

للمشاركة:



موجز تاريخي لصناعة الهوية الوطنية في العراق

2019-11-11

الحقيقة التي يجب التأكيد عليها، عند النظر إلى أيّ مجتمع، سواء كان حديثاً وكامل التكوين والتبنين (صارت تحكمه علاقات بنيوية: طبقات مكتملة)، أو يتأرجح بين التقليدي والحداثي؛ هي أنّ النظام الاجتماعي عمل يُصنع ويُعاد صنعه باستمرار؛ أي إنّه، مثل كلّ عملية إنتاج، مسألة تكرارية، تأسيساً وتطويراً ونقضاً، وليس امتيازاً ميتافيزيقياً لأيّ شعب، ولا يعلو هذا النظام على شرطَي الزمن والتاريخ؛ فتأسيسه المتكرر حدث زمني بامتياز، ولا يحمل أيّة ضمانات غيبية لاستمراره كما هو.

اقرأ أيضاً: الأمة في وجه الدولة: التوحيد الوطني يبدأ من أسفل العراق
إنّ بناء الأمة، مثل كلّ فعل بشري: محض إنتاج يخضع للآليات العاملة للإنتاج في أيّ مجتمع، ولمحدّداته المادية، ولا يتمّ بمجرد وعي القادة الفذّ، وإذا كانت السلطة هي من يضع الأطر العامة لبناء الأمة، فإنّ عملية البناء يسهم فيها المجتمع ككل: من أعلى بواسطة السلطة السياسية والإنتلجنسيا التي تدعمها وتمدّها بالكوادر والخبرات والرؤى والخطاب، ومن أسفل بواسطة المجتمع المدني الذي يخضع لمحددات اجتماعية واقتصادية متشابكة، وبواسطة الناس العاديين الذين يتفاعلون مع الأفكار والسياسات إيجاباً وسلباً.

كانت خطيئة النظام الملكي أنّه لم يستجب للتحولات الاجتماعية التي أطلقها بنفسه لذا فقد جوبه بمقاومة قادة الأحزاب الأيديولوجية

إنّ المعضلة الأكثر صعوبة التي تعيشها المجتمعات العربية؛ هي نقص الاندماج الاجتماعي، الذي تتمّ ترجمته في مستويات مختلفة: رفع الإجحاف التاريخي بحقّ طائفةٍ ما، الاعتراف بالحقوق الثقافية لعرق معيّن، الحصول على حصة متناسبة من السلطة، وأخيراً التمايز عن بقية مكونات المجتمع، هذه الأشكال جميعها هي ما نسميها: التفكّك الاجتماعي، والذي يشهد العراق أكثر أشكاله حدةً وجدية عن باقي المجتمعات العربية.
وفي هذا السياق؛ هناك ضرورة لتقليص التركيز على حادثة الغزو الأمريكي للعراق (2003)، التي تهيمن على جزء معتبر من الأدبيات التي تتناول تفكّك الدولة والمجتمع في العراق؛ فهي، وإن كانت تضع يدها على أسباب جدية للمأزق العراقي (فاقم الغزو التناقضات الموروثة وخلق تناقضات كارثية أخرى)، إلا أنّها تغفل العوامل الأكثر عمقاً على المستوى التاريخي في صياغة هذا الفشل.

فاقم الغزو الأمريكي للعراق التناقضات الموروثة وخلق تناقضات كارثية أخرى
كذلك سيكون الانسياق مع الأطروحات التي ترى في الغزو فعلاً هامشياً "فتح صندوق باندورا" (بتعبير الباحث شيركو كرمانج) على مشكلات العراق المتوطنة، انسياقاً مُضلّلاً؛ فقد كان (الغزو) عاملاً ضمن عوامل أكثر فاعلية في عملية التفكّك الوطني العراقي (فحلّ الجيش واستئصال البعث كان يعني عملياً طرد السنّة من العمليات السياسية التي أعقبت الاحتلال؛ بحكم سنّية الجيش والبعث، وهو ما ضاعف حدّة الانقسام بعد الغزو وصولاً إلى الحرب الأهلية 2006/2007).

اقرأ أيضاً: آخر علاج العراق كي إيران
وفي المقابل؛ يرى باحثون آخرون (أبرزهم ميثم الجنابي وفالح عبد الجبار)؛ أنّ صدام حسين هو الذي دمّر كلّ سمات الهوية الوطنية للعراق، على اعتبار أنّه كان بلداً علمانياً يعرّف مواطنوه عن أنفسهم؛ بأنّهم عراقيون، وليس بهوياتهم العرقية والدينية.
وهذا يتناقض مع الواقع التاريخي للعراق الذي، باستثناء الشيعة في الخمسينيات والستينيات (وفي إطار الحزب الشيوعي)، لم يعرّف مواطنوه أنفسهم بأنّهم عراقيون، وبالتالي سيكون إلقاء اللوم على صدام وحده بمثابة إعفاء مسيرة التكون التاريخي للأمة من أيّ عيوب أو نواقص، لذا يتطلب فهم الوضع الحالي للدولة والأمة في العراق العودة إلى تلك الجذور وتطورها وتحولاتها.

اقرأ أيضاً: هل يمكن تغيير النظام في العراق؟
وفي سبيل الوصول لذلك؛ سيكون الحذر واجباً من السير خلف الأطروحات التي تميل إلى تضخيم دور الدولة في بناء الهوية الوطنية، مع وجوب الموازنة بين دورها ودور المجتمع المدني وإرادة الناس.

سردية اسمها العراق
ما تزال صورة العراق في بدء تأسيس الدولة، حين فرضت الإدارة الاستعمارية عليه النظام الملكي، عام 1921، بقيادة الملك فيصل بن الحسين، تتشابه، رغم التغييرات الكبرى التي عصفت بهذا البلد، مع صورته الحالية، فقد كانت الدولة الجديدة على درجة من الهشاشة؛ حيث لم يكن بإمكانها فرض سلطتها دونما عون من سلطة الاحتلال، وما تزال مقولة الملك فيصل بإمكانها أن تفسّر كثيراً من حالة العراق:
"إنّ البلاد العراقية هي من جملة البلدان التي ينقصها أهم عنصر من عناصر الحياة الاجتماعية، ذلك هو الوحدة الفكرية والملية (القومية) والدينية؛ فهي والحالة هذه مبعثرة القوى، مقسمة على بعضها، يحتاج ساستها أن يكونوا حكماء مدبرين، وفي عين الوقت أقوياء مادة ومعنى".

اقرأ أيضاً: ثورة العراقيين واللبنانيين على الأحزاب
اتصفت عملية التوحيد وبناء الأمة في العراق، في عشرينيات القرن الماضي، باتّباع سياسات تكامل طوعية وأخرى قسرية؛ فمن خلال المؤسسات الوطنية: الجيش، المدارس، البيروقراطية، المدارس، تمّ دمج شتى الأطراف العرقية والطائفية في مجتمع أكبر بواسطة الحكومة المركزية.
وكما يقول حنا بطاطو، في ثلاثية "العراق" ج 1؛ فقد ساعد تطوّر وسائل النقل والمواصلات في تقليص حالة العزلة التاريخية بين المجموعات الحضرية والريفية؛ فخرجت المدن، التي كانت منغلقة على نفسها ومكتفية ذاتياً، من عزلتها السابقة، كي تعمل وتتفاعل مع فضاء وطني ناشئ، وكذلك الأمر مع الريف، فيما جذبت السلطة القبائل نحو الاستقرار، للمرة الأولى في تاريخها، عبر توزيع الأرض على زعمائها الذين تحوّلوا من شيوخ قبائل إلى مالكين للأراضي، لتميل الوحدة الأبوية المتراصة للقبيلة إلى الانهيار التدريجي.

يرى باحثون أنّ صدام حسين هو الذي دمّر كلّ سمات الهوية الوطنية للعراق
ولعبت الدولة، من خلال سياساتها الاقتصادية، دوراً مهمّاً في التوحيد، فبوصفها مالكة للأرض؛ شرعت في توزيع الأراضي على شيوخ القبائل والقيادة العليا للجيش والبيروقراطية، كي تخلق قاعدة اجتماعية للدولة الوليدة، (الأمر نفسه أنجزه محمد علي في مصر في القرن التاسع عشر)، وبحسب فالح عبد الجبار، في "العمامة والأفندي"؛ فإنّ "رسملة" الإنتاج الاقتصادي (اقتصاد موجّه نحو السوق، وليس للاستهلاك العائلي)، ساهمت في تفكيك اقتصادات الكفاف المنعزلة، وفي إعادة ربط المناطق النائية والمنعزلة بالمركز: العاصمة.

اقرأ أيضاً: إيران مطرودة حتماً من العراق
أما الإجراءات القسرية؛ فقد تمثّلت في لجوء الدولة الوليدة في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين إلى شنّ حملات عسكرية واسعة وحاسمة ضدّ المتمردين الأكراد والآشوريين والإيزيديين والقبائل الشيعية في الجنوب، إلّا أنّ الدولة سرعان ما تحسّست كلفة هذا الإدماج القسري، لتبدأ رحلة التكامل الاقتصادي والتنموي المعزز بسياسات توحيدية قوامها توزيع السلطة الإدارية على الضباط والتجار والسادة والشيوخ مع مراعاة التوازن الإثني والطائفي، التي من خلالها استطاع النظام الملكي إعادة اللحمة بين الأجزاء النائية والمفككة وبين الدولة المركزية، ليحلّ بذلك المهمة الأساسية للدولة الوطنية: التحوّل من التشظّي الاجتماعي إلى المركزية.

اقرأ أيضاً: هل تستعين إيران بداعش لإفشال ثورة العراقيين؟!
لم يمضِ وقت طويل على عملية التكامل الوطني حتى برزت مجموعة من التناقضات في صلبها؛ إذ أدّت إلى خلق طبقات جديدة: أرستقراطية مالكي الأرض، كبار التجار، الطبقة الوسطى، نواة طبقة عمالية، فلاحين يعملون بالأجر، وفلاحين إلى شبه أقنان في أملاك السادة الجدد، وعمال هامشيين في المدن؛ لتصبح بمرور الوقت الثغرة الأكبر في جدار التوحيد الوطني هي استبعاد الطبقة الوسطى من العملية السياسية، واستبعاد الفلاحين والعمال من المنافع الاقتصادية للتنمية.

كانت خطيئة النظام الملكي؛ أنّه لم يستجب للتحولات الاجتماعية التي أطلقها بنفسه؛ لذا فقد جوبه بمقاومة عاصفة: حضرية/ ريفية، قادتها الأحزاب الأيديولوجية التي أسستها الطبقة الوسطى لتحقق مطالبها السياسية، وعلى رأسها الحزب الشيوعي العملاق. ونظراً لفقدان الحسّ السياسي لدى قادة الدولة؛ فقد استمروا في الاعتماد على بريطانيا، كداعم أكبر في مواجهة دول الجوار وتمرّدات المجتمع، في وقت كانت فيه نزعات التحرر الوطني تعبّئ المنطقة وتمهّد لقلبها رأساً على عقب.

اقرأ أيضاً: الغضب الشعبي يجبر موظفي إيران على مغادرة العراق
غير أنّ الأحزاب التي كانت بمثابة رأس الحربة في المعارضة، لم تستطع أن تترجم هيمنتها الأيديولوجية إلى سيطرة سياسية لأسباب تاريخية وسياسية معقّدة، بعضها محلّي وأكثرها عالمي، تاركة حسم مسألة السلطة لمجموعة نخبوية من الضباط المسيَّسين.
البندقية تُوحّد ولا تبني
استولى الضباط الراديكاليون على السلطة، في تموز (يوليو) 1958، ليقلبوا العلاقة بين الدولة والتشكيلات الاجتماعية رأساً على عقب؛ حيث أشرف الضباط على تدمير الطبقة الحاكمة القديمة وطبقة كبار الملاك، إلا أنّهم، في الوقت نفسه، ألغوا المؤسسات التشريعية، فاتحين الباب لمسيرة من الحكم العسكري؛ لتصبح السلطة التنفيذية صاحبة اليد الطولى في الحكم دون شريك تشريعي أو قضائي؛ ليتحول مصدر الشرعية السياسية التفويض الديمقراطي عبر صناديق الاقتراع إلى وجاهة الأيديولوجيات الشعبوية وسحرها الخاص، ومع غياب أيّ شكل من أشكال المؤسسية السياسية أصبح العنف المُركز الأداة الحاسمة للحكم، وهو ما سيكون له أبلغ وأسوأ الأثر معاً في المراحل اللاحقة من عملية بناء الأمة.

استبعاد الفلاحين والعمال من المنافع الاقتصادية للتنمية
مثل كلّ أنظمة المرحلة، مرحلة التحرر الوطني في العالم الثالث، تمكّن الزعيم عبد الكريم قاسم من تحسين وضع الطبقة الوسطى وتلبية مصالحها الاجتماعية والاقتصادية، إلا أنّه، وفق حنا بطاطو، أفرز خللاً في عمليات التكامل الوطني (بناء العراق كمجتمع سياسي)، ويفسّر بطاطو هذا الخلل في أنّ سلك الضباط (النخبة الحاكمة) كان يسيطر عليه تاريخياً الضباط العرب السنّة، بالتالي؛ جرى استبعاد الشيعة والأكراد من صيغة الحكم، وإطاحة مكتسبات تمثيل التنوع الإثني والديني للعراق، وهذا ما تفادته المرحلة الملكية، رغم عيوبها الكارثية.

اقرأ أيضاً: مصير المنطقة يتقرّر في العراق
ومثلما غيّر وصول الضباط الثوريين إلى السلطة من شكلها، فقد غيّر ظهور البترول من مضمون هذه السلطة أساساً؛ فلأنّ الدولة هي صاحبة السيطرة المطلقة على الثروة؛ فقد أصبحت، بحسب تحليل عبد الجبار، منقطعة عن عملية الإنتاج الاجتماعي للثروة، وبما أنّه جرى تحطيم كلّ المؤسسات السياسية (باستثناء مؤسسة الرئاسة، كما هو الحال في مصر الناصرية)، فلم يكن بإمكان القابضين على زمام الأمر أن يديروا المطالبات المتباينة والمتنافسة لشتى المجموعات، الإثنية والطائفية والطبقية، كما أصبح الوسيلة الوحيدة للتعبير عن التناقضات الاجتماعية/ الاقتصادية، والصراع على النفوذ والمكانة هي التآمر بين أحزاب ضالعة في العمل السرّي.

اقرأ أيضاً: لبنان للبنانيين والعراق للعراقيين
ومثل أيّة طبقة وسطى في حقبة التحرّر الوطني، دانت الطبقة الوسطى العراقية بالولاء للدولة، صاحبة الفضل في تكوينها أصلاً، وصاحبة الفضل الأكبر في صعود أفرادها الاجتماعي، وكان في ذلك مقتل العراق؛ إذ مالت كلّ أجنحتها للصراع على السيطرة على الدولة، وبقدر تبايُن الواقع الاجتماعي لهذه الطبقة بقدر ما تعددت الانقسامات الأيديولوجية والسياسية؛ بين الوطنية العراقية (التي تبنّاها الشيعة والحزب الشيوعي الذي أطر رؤاهم)، والقومية العربية (التي تبناها السنّة وضباطهم الراديكاليون)، والقومية الكردية، ثم النضالية الشيعية (بعد تضعضع الحزب الشيوعي)، ثم الأصولية السنّية أخيراً.

اقرأ أيضاً: لماذا كل هذا الاستنفار الإيراني من تظاهرات العراق ولبنان؟
تميّز عهد عبد الكريم قاسم بخفوت النزعة القبلية (وفق شيركو كرمانج)، أو على الأقل لم تُترجم سياسياً في شبكة من العلاقات تدير الدولة وتوزّع الثروة، على عكس الأخوَين عارف، اللذين جاءا من بعده؛ حيث اخترقت النزعة القبلية صفوف العسكر؛ نتيجة عجز الروابط الأيديولوجية عن إضفاء حالة من الاستقرار على الدولة، ودمج أكبر قدر ممكن من السكان في الدولة، دون أن يكونوا شركاء أصلاء في إدارتها.

تميّز عهد عبد الكريم قاسم بخفوت النزعة القبلي
وبطبيعة الحال؛ تلاشت الأسس التي تقوم عليها السلطة السياسية؛ فلا هي دولة أيديولوجية وثورة وتبشير وراديكالية، ولا هي دولة دستور ومؤسسات وتمثيل شعبي، ولا تحكمها سلالة نبيلة؛ بل حفنة من الضباط المنقسمين على أنفسهم (كما تجلى في تكرار الانقلابات العسكرية آنذاك)، فكان لا بدّ من وضع أساس جديد وصلب (ودموي إذا تطلب الأمر) للسلطة: البعث.
عشيرة التحرّر الوطني!
باستثناء موقفه المخجل من التدخّل الأجنبي لإطاحة النظام، فإنّ كنعان مكية كان أفضل من كتب عن عراق صدام، سواء في "جمهورية الخوف"، أو في "القسوة والصمت"، ومكيّة وإن لم يكن مشغولاً بقضية الهوية والأمة في العراق، إلا أنّه كان أفضل من رسم الخطوط العامة والتفصيلية للسلطوية في عهد البعث، وما يهمّ في حالتنا هذه ليس الطابع الوحشي للسلطوية الذي شغل مكية، بل اعتمادها على إستراتيجية القسر والعنف، في أقصى أشكاله، في عملية التوحيد الوطني، وعدم فتحها أفقاً آخر غير الإخضاع المسلح للأطراف والجماعات الفرعية للسلطة المركزية.

اقرأ أيضاً: لا تستخفّوا بما يجري في لبنان أو العراق
فقد اختلف النظام الشمولي البعثي اختلافاً جذرياً عن كلٍّ من النظام الملكي التقليدي (شبه الليبرالي) والأنظمة العسكرية السلطوية التي تلته، وقد جاء على هيئة مزيج غير متجانس من النزعة الاشتراكية القومية والعلاقات والمفاهيم العصبوية.

ما منع النظام البعثي من أن يكون نازياً حقيقياً هو افتقار العراق إلى طبقات اجتماعية ناضجة ومتبلورة

احتفظ الوجه الأول (الشعبوية ذات المنحى الاشتراكي) بكلّ خصائص الأنظمة الشبيهة في العالم آنذاك، ومعظمها استُوحيَ من الاتّحاد السوفييتي: حكم الحزب الواحد (الحزب القائد للدولة والمجتمع)، بالتالي؛ احتكار السياسة، ونموّ بيروقراطية الدولة، وتضخم القوات العسكرية والأمنية، ومركزة السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية بالكامل، في يد هيئة سياسية ذاتية التعيين "هيئة قيادة الثورة" (وهي شكل سياسي موروث من الخمسينيات، عمّمته مصر الناصرية)، والسيطرة على معظم ميادين الإنتاج وتوزيع الثروة، والهيمنة على الثقافة بأشكالها كافة: (التعليم، الصحافة، النشر)، وابتلاع المجتمع المدني: (النقابات العمالية والمهنية، الجمعيات، النوادي، اتحادات رجال الأعمال، الغرف التجارية) في جوف النظام، هذه العمليات جميعها هي ما أطلق عليها نزيه الأيوبي تعبير "تضخيم الدولة العربية".
لكن، وفق فالح عبد الجبار؛ فإنّ الحكم البعثي، من حيث الأيديولوجيا الشمولية والاقتصاد المركزي والوحدة الوطنية الممثلة في الزعيم، وليس في مؤسسات الدولة، والقمع المفرط ضدّ الأقليات القومية والدينية، تشابه كثيراً مع النموذج الألماني الشمولي النازي، لا أنظمة التحرر الوطني التي جاء بعد انزياحها (لم يفقد كادر بعثي واحد حياته في سبيل الاستقلال)، فيما احتفظ الوجه الآخر للنظام (حكم العشيرة) بكلّ خصائص نموذج حكم العائلة.
ما منع النظام البعثي من أن يكون نازياً حقيقياً؛ هو افتقار العراق إلى التبنين الطبقي، أو إلى طبقات اجتماعية ناضجة ومتبلورة، وإلى الملكية الخاصة والمصالح الكبرى المستقلة عن الدولة، فضلاً عن حداثة تكوين الدولة الوطنية والمجتمع الموحّد سياسياً فيه، ومن ثمّ أعطى هذا التمازج الفريد للنزعتَين؛ القبلية والجماهيرية الشعبوية، للدولة العراقية فُرادة سياسية لم يعرفها بلد آخر في العالم!

للمشاركة:

هل يمكن الحوار مع إيران ثانية دون علم الخليج؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-11

مشاري الذايدي

في نهاية الأمر؛ هل ستجلس إيران إلى طاولة المفاوضات من جديد؟ كل ما يجري اليوم هو تسابق نحو هذه الطاولة، أو قلْ الاستعداد لما قبل الطاولة.

لم يُخفِ الرئيس الأميركي دونالد ترمب هدفه من سياسة «الحدود القصوى» بالضغوط الاقتصادية والمالية والسياسية والجنائية، وهو جلب النظام الإيراني المهووس بالتوسع العقائدي إلى حلبة الواقعية السياسية، وإجباره، من خلال إنهاك اقتصاده، على ترك الخرافات السياسية والثقافية التي تحولت إلى قنابل أمنية وقلاقل أهلية في منطقة الشرق الأوسط.

تارة يقول مرشد النظام الإيراني علي خامنئي إنه ضد الجلوس مع الإدارة الأميركية، وتارة يقول رئيس جمهوريته إنه مع الجلوس وإعادة التفاوض ولكنْ لديه شروط.

المهم هو أن الكل يعلم أنه عند لحظة ما، سيعاد بناء اتفاق جديد، ينقضُ الاتفاق الخبيث الذي نسجه بالسرّ، الآفل باراك أوباما، مع ملالي طهران، في صفقة بيع فيها أمن الخليج والعرب، في مقابل تعهد سدنة إيران بعدم امتلاك السلاح النووي، وإخضاع منشآتها النووية للتفتيش الدولي، لأمد محدد أيضاً.

السعودية ودول الخليج، ما عدا قطر وسلطنة عمان ربما، تشدد على أن أي صفقة مقبلة مع إيران من قبل الاتحاد الأوروبي وأميركا وبعض كبار العالم، يجب أن يكون رأي دول الخليج حاضراً فيها.

وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، أنور قرقاش، في خطاب خلال «ملتقى أبوظبي الاستراتيجي السادس» الذي عقد مؤخراً، قال إن على إيران الجلوس إلى طاولة التفاوض مع القوى العالمية ودول الخليج، وإن إجراء محادثات جديدة مع إيران يجب ألا يتطرق إلى الملف النووي فقط؛ بل يجب أن يعالج مسألتي «الصواريخ الباليستية» و«التدخل الإقليمي»، مضيفاً أن مناقشة تلك الملفات تعني أن دول المنطقة تحتاج للمشاركة فيها.

وأضاف الدكتور قرقاش: «هذا الطريق سيكون طويلاً، وهو ما يتطلب صبراً وشجاعة».

وعليه؛ حتى لا نقع في الحفرة مرة ثانية، يجب أن يكون «فيتو» سعودي وخليجي وعربي على أي محادثات جديدة مع إيران دون الحضور فيها، ودون إهمال هذين الشرطين: الصواريخ الباليستية، والتدخل في شؤون الدول العربية... نقطة آخر السطر.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

أردوغان وإنتاج التطرف

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-11

خورشيد دلي
عندما وصل حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في تركيا عام 2002 استبشر العالم بنموذج إسلامي معتدل يوفق بين الإسلام والعلمانية والاقتصاد، ولعل أكثر من روج لهذا النموذج كان الإسلاميون ولاسيما جماعات الإخوان المسلمين في العالم العربي.   

بعد أن تمكن حزب العدالة والتنمية من توطيد أركان حكمه، وجد العالم الذي استبشر بنموذج الحزب في الحكم نفسه أمام حقيقتين:

الأولى: تحول تركيا إلى سلطة حكم حزب الواحد والرجل الواحد، وقد تجسد هذا الأمر رسميا في الانتقال من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي عام 2017 الذي قضى عمليا على تجربة التعددية وتوازن مؤسسات الحكم في البلاد.

الثانية: وهي الأخطر، وأعني هنا الاستثمار في التطرف لتحقيق أجندة داخلية وإقليمية، فعلى وقع ما سمي بثورات (الربيع العربي) تحولت تركيا الدولة الموصوفة بالعلمانية منذ تأسيسها عام 1923 إلى بيئة جاذبة للتطرف ومرتعاً للجماعات المتطرفة من مختلف بقاع العالم، وهكذا تقاطر آلاف (الجهاديين) من أصقاع العالم إلى سوريا والعراق عبر الأراضي التركية، حتى وجد العالم نفسه أمام غول داعش والنصرة وغيرها من التنظيمات الإرهابية التي مارست القتل والتدمير والخراب بطريقة فاقت كل التوقعات.

من دون شك، ما جرى لم يكن بعيدا عن علم ودعم السلطات التركية وأجهزتها، خاصة أن عشرات تقارير المنظمات الدولية وثّقت بالأدلة والوقائع والمعطيات حقيقة الدعم التركي لهذه التنظيمات، ولكن السؤال: لماذا قامت تركيا أردوغان بكل ذلك؟

في الواقع، الجواب عن هذا السؤال يختصر في أن أردوغان راهن على هذه الجماعات لإسقاط الحكومات والأنظمة في المنطقة، بغية إحداث تغير سياسي يمهد لوصول الجماعات الإخوانية إلى السلطة، كخطوة لمشروع أردوغان الذي يعتبر أن تركيا دولة مركزية ينبغي أن تقود المنطقة، وهو ينطلق في ذلك من عاملين؛ الأول: أيديولوجي له علاقة بالعثمانية الجديدة التي تقوم على إعادة إنتاج الهيمنة التركية بوسائل اقتصادية وسياسية وثقافية. الثاني: موقع تركيا في السياسة الدولية الهادفة إلى إعادة ترتيب الوضع في الشرق الأوسط من جديد.

وهكذا اندفع أردوغان وراء طموحاته الجامحة، في الداخل من خلال بناء بيئة شعبوية، استخدم من أجلها كل الشعارات القومية والدينية، وصل به الأمر إلى القول إن المسلمين هم من اكتشفوا أمريكا قبل كريستوفر كولمبوس، وأن الأتراك سيتعلمون من جديد اللغة العثمانية شاء من شاء وأبى من أبى، واتبع في كل ذلك سياسة أسلمة الدولة والمجتمع تدريجيا، وقد تبدى هذا الأمر بشكل جلي في التعليم، من خلال إحياء التعليم الديني بشكل كبير وإطلاق المجال واسعا أمام مدارس الإمام الخطيب التي تخرج فيها أردوغان وتقريبا نصف أعضاء حزب العدالة والتنمية في البرلمان التركي، ولعل للأرقام هنا دلالة كبيرة، إذ تقول الإحصائيات إن عدد طلاب مدارس إمام الخطيب ارتفع من خمسين ألفا عام 2002 عند تسلم حزب العدالة والتنمية السلطة إلى نحو أربعة ملايين طالب، ولعل الهدف الأساسي من وراء كل ذلك هو تأسيس جيل من الأيديولوجيين التابعين لأردوغان ودفعهم إلى تسلُّم مؤسسات البلاد السياسية والعسكرية والإدارية، ليقود البلاد كما يشاء، وهذا مؤشر خطر على هوية تركيا وسياساتها وخياراتها في المستقبل.

في الخارج، لا يقل الأمر خطورة؛ إذ نشر التطرف بدعم تركي تجاوز الشرق الأوسط إلى ساحات أخرى، من طرابلس الليبية والصومال في أفريقيا مرورا بأوروبا التي يهددها أردوغان يوميا بإغراقها باللاجئين، وصولا إلى معظم العمليات الإرهابية في العالم حيث لا نسمع إلا ومنفذها عاش لفترة في تركيا أو على علاقة معها، كل ذلك جعل من تركيا دولة خطرة على الأمن الإقليمي والعالمي. اليوم وبعد هزيمة داعش في العراق وسوريا، ومحاصرة جبهة النصرة باتفاقيات سوتشي، لم ينزل أردوغان بعد عن حصان الجماعات المتطرفة، إذ في كل مرحلة يحاول إعادة إنتاجها من جديد لاستخدامها في معاركه، كما يحصل اليوم في عدوانه على شرقي سوريا باسم عملية نبع السلام وإقامة منطقة آمنة هناك، إذ كشفت التقارير عن أن قسما من الذين جندوا فيما يعرف بـ (الجيش الوطني) لمحاربة الكرد في سوريا هم في الأصل كانوا من مسلحي داعش الذين هربوا من معركة الباغوز في شرقي دير الزور، بل إن سلوك هؤلاء وطريقة قتلهم للمدنيين وممارساتهم مع الأهالي والأرزاق .. كلها نسخة طبق الأصل من ممارسات داعش، وهو ما يؤكد صوابية هذه التقارير.

استخدام الجماعات المتطرفة لتحقيق أجندة سياسية قد يكون جذابا لزعيم يفكر مثل أردوغان، ولكن من يضمن عدم انتقال خطر هذه الجماعات إلى الداخل التركي؟ سؤال ربما يحيلنا إلى ما جرى بين باكستان وأفغانستان عندما حاولت الأولى الاستثمار في حركة طالبان، خاصة أن الداخل التركي بات معبأ بشعبوية أقرب إلى التطرف.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية