المنهج الخفي في المدارس وتلقين التطرف

المنهج الخفي في المدارس وتلقين التطرف

مشاهدة

23/06/2021

يُعرف المنهج الخفي (Hidden Curriculum)، وهو خلاف المنهج الرسمي (Formal Curriculum) بأنّه جميع العمليات التعليمية والتربوية التي لا تكون ضمن المنهاج الرسمي الدراسي المخطط له من المدرسة، أو من وزارة التربية، ويتعرض له الطالب من خلال تعامله مع معلميه، أو زملائه، أو الإداريين بالمدرسة، أو من خلال أيّ نشاط غير منهجي تقدمه المدرسة.

ويكون هذا المنهج الخفي، أو المستتر، مؤثراً بالإيجاب، أو بالسلب في تكوين شخصية التلميذ؛ بل ويترك أثراً بعيد المدى في شخصية هذا الطالب؛ حيث تظهر تبعاته بعد أن يكبر الطفل، ويتخرج من المدرسة، وفي حياته العملية طوال عمره.

وقد عملت أغلب الحركات السياسية في العالم على هذا المنهج الخفي، لتجنيد الأتباع الجدد لتنظيماتهم من طلاب المدارس وخاصة الثانوية منها، وذلك عن طريق استخدام المعلم، أو بعض الزملاء من طلاب البيئة المدرسية والصفّية، للحديث مع الطالب المستهدف وإقناعه بأهداف تنظيمهم السياسية، أو الاجتماعية، والتدرج في مراحل الاستقطاب والجذب، والاستمالة، إلى أن يصل الشخص المستهدف إلى درجة يجد أنّه من الضروري أن ينضم لهذا الفكر، أو الحزب، أو الجماعة، وذلك بسبب أنّه تشرّب من أقرانه، أو من معلمه المحبوب، أفكاراً جديدة، وقناعات أصبحت راسخة؛ لأنّها جاءت من معلمه الموثوق أو صديق الدراسة العزيز.

قد يغذّي المنهج الخفي الطالب بالنزعات القبلية أو العصبية ويكون سبباً في تعلّمه عادات مرفوضة اجتماعياً

وقد يغذّي المنهج الخفي الذي يتلقاه الطالب من مدرّسه، أو زميله بالمدرسة، أو من أحد الإداريين بالمدرسة، النزعات القبلية والإقليمية أو العصبية، وقد يكون هذا المنهج الخفي سبباً في تعلّم الطالب عادات مرفوضة اجتماعياً؛ من تدخين، وتعاطي للمخدرات، أو تعاطي أغذية، أو أشربة ضارّة بجسم وعقل الطفل الذي يتناولها.

لكن من أخطر الأدوار التي يلعبها المنهج الخفي؛ أن ينشر أفكاراً غريبة، مثل عبادة الشيطان، أو أن يحثّ على التطرف الديني، واستخدام السلاح لمواجهة الدولة والمجتمع، أو إكراه الناس بقوة السلاح على الاعتقاد بما يعتقد به حامل هذا الفكر المتطرف.

وسنفصّل هنا كيفية استخدام الحركات الإسلامية المتطرفة للمنهج الخفي بالمدارس، عن طريق معلميهم وشبابهم، لاستقطاب أتباع جدد، أو لتشكيل فكر مؤازر لحركاتهم، وتوجهاتهم بين مجتمع الطلاب الذين سيصبحون رجال ونساء المستقبل.

التحق أغلب الأعضاء المنضوين في الحركات الإسلامية المتشددة بهذا الفكر، أو هذه الجماعات، أثناء دراستهم بالمدارس، خاصة في نهاية المرحلة الأساسية، أو في المرحلة الثانوية تحديداً، بسبب استهدافهم من زملاء دراسة، أو من خلال معلم، أو إداري جاء لهذا المنصب ليقترب من الأجيال الجديدة، ولتجنيد أكبر عدد من الأتباع الجدد ممّن هم في مرحلة التشكل والتكوين المدرسي.

يمحّص الطالب المُجنِّد، أو المعلم المُستقطِب الطلبة الجدد في المدرسة، ويصنفوهم حسب مستوى قابليتهم للانضمام لفكر الإخوان المسلمين أو الحركات السلفية، ومن ثم يقومون باختيار طالب بعينه، ومن ثم يحيكون خطة متدرجة لاستقطابه واستمالته، إلى أن يصلوا به إلى الاقتناع بأفكارهم، ومن ثم ضمّه لصفوف التنظيم الإخواني أو السلفي.

غالباً ما يقدم التلميذ أو المعلم الإخوانيان مغريات كثيرة للطالب المستهدف الذي يتم استدراجه كي يقع في حبائلهم

ويعمل المنهج الخفي هنا على كمية المعلومات، والتوجيهات غير المتسقة مع المنهاج المدرسي الرسمي، والتي تثير غضب الطالب المستهدف من قضايا، سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية معينة، ومن ثم تقديم حلول وهمية خداعة، يتم غرسها في ذهن الطفل المراد ضمه للتنظيم، وبعد ذلك يتم تقديم منشورات سياسية، وكتب معينة، أو مواقع إلكترونية، ليبدأ العضو المقترح بقراءة تلك المواد الدعائية، وتشرّبها حسب خطة يضعها التلميذ الإخواني المُجنِّد أو المعلم المُغوي.

وغالباً ما يقدم التلميذ أو المعلم الإخوانيان مغريات كثيرة للطالب المستهدف، الذي يتم استدراجه كي يقع في حبائلهم؛ حيث يتم دعوته لرحلات، أو نشاطات غير مدرسية، ويتم الكذب عليه بأنّها برعاية المسجد أو الجمعية الخيرية بالمنطقة، وهذه النشاطات، المليئة بالألعاب والمسابقات، والحفلات، والرياضة، والطعام المجاني، والمخيمات الكشفية، تقدَّم بلا أيّ مقابل مادي لطالب ما يزال يتلقى مصروفه اليومي من والديه، وهنا يحسّ هذا الطالب بأنّ هؤلاء القوم يمتازون بالكرم والسخاء، وهي صفات تجذب الشباب، وتزيد ثقتهم بمن يدعوهم لهذا الفكر، ومن ثم ينخرطون تدريجياً في سلك التنظيم.

لو سألت كثيراً من الشباب الإخواني، أو السلفي، عن العمر الذي التحقوا أثناءه بالتنظيم المتشدّد، لأجمع أغلبهم على أنّ ذلك تمّ في المرحلة المدرسية الثانوية؛ أي من عمر 15 – 18 عاماً، وغالباً ما يحاول كثير من المعلمين السلفيين والإخوان أن يتواجدوا بكثرة في المدارس الثانوية، التي يتشكل أثناءها فكر وشخصية الطالب قبل التحاقه بالجامعة، ويتم هنا تجنيد كثير من الطلاب في صفوف هذه التنظيمات السلفية، عن طريق معلمين احترفوا دسّ السمّ في الدسم، واحترفوا أيضاً تقديم المنهج الخفي الذي لا يستطيع مراقبته مدير المدرسة، أو وزارة التربية والتعليم، ويكون الطلاب في غرفة صفية مغلقة، وأمامهم أستاذ أتقن فنّ التلاعب بالمشاعر الإنسانية، وآليات غرس الكراهية للحضارة الحديثة، وإظهار أنّ تنظيمه يمتلك الحقيقة المطلقة، وأنّهم هم الفئة الناجية من بين أمة المسلمين، ممّا ينتج عنه التحاق العديد من الشباب بهذه التنظيمات رغبة بمكاسب دنيوية مزعومة، أو نجاة بعد الموت من النار، التي ذكر أهوالها المعلم، والموت، والنار، والتخويف منهما أداة إخوانية ناجحة لاستقطاب كثير من الشباب المسلم إلى صفوف الجماعة.

كثير من الشباب الإخواني التحقوا  بالتنظيم  في المرحلة المدرسية الثانوية أي من عمر 15 – 18 عاماً

ولمواجهة خطر المنهج الخفي، وقدرته الهائلة على نشر التطرف، وتجنيد الطلاب في الصفوف المدرسية، يجب أن يكون هناك تواصل دائم بين مدير المدرسة، والطلبة وسؤالهم عن المادة العلمية التي تقدَّم لهم أثناء الحصة الصفية، كما يمكن استخدام التكنولوجيا الحديثة، من كاميرات وأدوات تسجيل، لتوثيق سلوك المعلم الذي يثبت أنّه يحاول أن يبث الكراهية، والتطرف أثناء تعليمه للطلاب، ومن الأساليب أيضاً، يمكن عقد دورات تدريبية لمدراء المدارس، والإداريين بالمدرسة والمعلمين، والطلبة، وتعليمهم جميعاً على كيفية حماية بيئتهم الصفية والمدرسية، من أيّ منهج خفيّ يغرس الغلوّ والتزمّت والكراهية للناس، أو يحثّ على ممارسة العنف في نفوس وسلوكات الناشئين من الطلبة.

إنّ الحيطة والحذر من دور المنهج الخفي الذي يستخدمه في المدرسة كلّ من المعلم المتطرف، أو الطالب المتزمّت لجذب وتجنيد أتباع جدد في تنظيماتهم، لهما أمر ضروريّ ومهم جداً، لأيّة دولة تخطط لحماية أمنها ومستقبل شعبها ورفاهيته، وكي تحمي أطفالها الذين هم آباء وأمهات المستقبل، من أيّ ماكر، أو عابث، يستخدم البيئة المدرسية للوصول إلى عقول وقلوب هؤلاء الشباب اليانعين واستهوائهم، ومن ثمّ جعلهم أداة تدمير تعمل ضدّ أنفسهم أولاً، ومن ثمّ ضدّ دولهم ومجتمعاتهم ثانياً.

الصفحة الرئيسية