المهلّب بن أبي صفرة: كاسر شوكة الخوارج

15046
عدد القراءات

2018-06-07

يصر التاريخ أن يحضر بوقائعه ورموزه، في حاضر العرب، ويتجلى في أسمائهم وأحيائهم وشوارعهم، دون أن يعوا مراده ودروسه؛ بل يمضون وراءه لاهثين دون توقف أو رويّة وفحص، أو استراق لحظة سكون للتأمل والتدبر.

أطلقت قطر اسم "قطري بن الفجاءة" على أحد شوارعها الرئيسة، وعلى إحدى مكتباتها المهمة، بدعوى أنه ابن تلك الرقعة من العالم، فتسمَّى باسمها، وإليها يُنسب على أكثر الآراء شيوعاً، لكنه مع ذلك كان رأساً للخوارج الأزارقة، وأشد قادتهم غلوّاً وتوغلاً في الدماء، رغم أنه الفارس الشاعر الشجاع، كما أخبرت كتب التراث.

إذا افتخرت قطر بزعيم الخوارج، حتى إن امتلك تراثاً رائعاً من الشعر والأدب، فعلى جارتها الإمارات أن تفتخر بمن كسر شوكته، وأزال دولته في خراسان، وهو المهلب بن أبي صفرة، المنسوب إلى "دبا"، على الأرجح، الذي امتلك مع فروسيته تراثاً من الخطب البليغة، وعلماً في الفقه، وروايات في الحديث، وهو الغازي الذي بسط ملك بني أمية حتى بلاد ما وراء النهر.

أطلقت قطر اسم"قطري بن الفجاءة"على أحد شوارعها بدعوى أنه ابن تلك الرقعة من العالم

فضيلة احترام الأعداء

نذر المهلب بن أبي صفرة (8-82هـ)، حياته لتخليص الأمة من الخوارج، وكان يتعبد إلى الله بقتالهم؛ إذ إنّه كان يعدّهم أخطر على الأمة من الروم المتربصين بثغور الدولة الإسلامية، فما يزال بهم حتى استأصل شأفتهم بعد 19 عاماً من الحروب، فانتهى به الحال إلى القضاء على "قطري بن الفجاءة".

جثا المهلب عند جثة ابن الفجاءة، فانتابته نوبة من بكاء، ثم انخرط قائلاً: إنّك، والله، القائد والفارس الذي يفخر المرء بعدائه له، وإنّني أردتك في مواجهة لا أن تُقتَل غيلة هكذا.

نذر المهلب بن أبي صفرة حياته للتخلص من الخوارج وكان يتعبد إلى الله بقتالهم

أخذ المهلب يردّد أبياتاً من قصيدة "قطري": "أقول لها وقد طارت شعاعاً... من الأبطال ويحك لن تراعي... فإنّكِ لو سألتِ بقاء يومٍ... على الأجل الذي لك لم تطاعي... فصبراً في مجال الموت صبراً... فما نيل الخلود بمستطاعِ... ولا ثوب البقاء بثوب عزّ... فيطوى عن أخي الخنع اليراع... سبيل الموت غاية كلّ حيّ... فداعيه لأهل الأرض داعي... ومن لا يعتبط يسأم ويهرم... وتسلمه المنون إلى انقطاع... وما للمرء خير في حياة... إذا ما عُدَّ من سقط المَتاع)، توقف الرجل عند الشطر الأخير معلقاً "لم تكن –والله- من سقط المتاع".

ولم يكن قطري يخشى أحداً، إلا أنّه كان يعظم من قدر خصمه، فيقول عن المهلب: إن أخذتم بطرف ثوب أخذ بطرفه الآخر، يمده إذا أرسلتموه ويرسله إذا مددتموه، ولا يبدؤكم إلا أن تبدؤوه، لا أن يرى فرصة فينتهزها، فهو الليث المبرّ والثعلب الروّاغ والبلاء المقيم".. كانا خصمين لدودين إلا أنّهما تحلّيا بفضيلة احترام الأعداء.

اقرأ أيضاً: تراثُ قتل وذبح وفتن أم تراث حب؟

ذات يوم أغار جيش الأزارقة حتى تاخم مداخل البصرة، ولم يكن المهلب قد استعدّ بعد أن انصرف عنه الناس، فخرج وحده ممتطياً فرسه في مواجهة جيش الخوارج، وطلب من قطري أن يعود أدراجه، وإلا دخل على جثته، وهو الأعزل من السلاح، فما كان من زعيم الخوارج إلا أن انسحب بجيشه.

في مواجهة صاعقة الشجاعة

برع الخوارج في ارتجال أشعار الموت وحبه والحث عليه، والزهد في الدنيا وكراهيتها، كما تفعل الجماعات الإسلاموية الخارجة على دولها ومجتمعاتها في هذه الآونة، فالأشعار والأهازيج والأناشيد تلهب الوجدان، وتشحذه في اتجاه التخلص من الحياة والهرولة في اتجاه الجنان الموعودة!

أما قطري، فلا يُعرف عن ظروف النشأة الأولى له شيء كثير، ذلك أنّ كتب التاريخ لم تلتفت إليه إلا بعد أن ذاع صيته وصار رأساً من رؤوس الخوارج، وواحداً من أبرز فرسانهم وشعرائهم في حقبة متقدمة من حياته؛ فقد كان كما يقول ابن كثير: "من الفرسان الشجعان المذكورين المشهورين".

اقرأ أيضاً: هل اللغة العربية في طريقها للانقراض؟

وقال صاحب كتاب "سنا المهتدي" في وصفه: "كان طامة كبرى، وصاعقة من صواعق الدنيا في الشجاعة والقوة، وله مع المهالبة وقائع مدهشة، وكان عربياً مقيماً مغرماً، وسيداً عزيزاً، وشعره في الحماسة كثير".

كان قطري رمزاً للفتك والبطش والقوة التي لا تعرف الحدود، وثمة وقائع كثيرة ترويها كتب الأدب والتاريخ تشهد بجسارته وشدة بأسه.

واستمر الصراع بين قطري والأمويين، يرسلون إليه الجيوش، وهو صلب يستعصي عليهم بما أوتي من قوة وجسارة، غير أنه ما لبث أن هزم مرة هزيمة قاسية، على يد المهلب، فدبّ الخلاف بعدها بين الأزارقة، وانقسموا على قطري حتى ضعف أمره وانتهى بمقتله في معركة.

إرادة لا تلين

كان المهلب، وهو الفارس المغوار والفقيه المحدث، سابراً لأعماق خصمه، متلمساً لعلّته ومرضه، فهو مع إرادته الحديدية التي لا تلين في محوه، كان يدرك أنّه ليس مجرد قاتل وقاطع طريق؛ بل إنّ هؤلاء الخوارج ما خرجوا على الدولة والمجتمع إلا بتأويلات من النص المقدس، قد تكون "سائغة" لشريحة من الناس، فضلّوا وأضلّوا، تمكّن الرجل من فهم العقلية الخارجية ولم يسفه منها، وإلا لم يكن بمقدوره القضاء عليها.

كانت للمهلب عقيدة واضحة في القضاء على هؤلاء حتى يتسنى للدولة إكمال مشروعها التوسعي وحماية حدودها، وأنّ الخوارج أشبه بالسوس التي تنخر في عظام هذه الأمة، وهو الذي شارك في معركة القادسية شاباً يافعاً، ثم كان أحد قادة علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، بحسب إحدى الروايات، فشهد حالة الانشطار الكبرى للدولة، وكيف كان الخوارج سبباً فيها، وقتلهم بعد ذلك للإمام علي.

لم يكن قطري بن الفجاءة يخشى أحداً إلا أنّه كان يعظم من قدر خصمه المهلب

لن يجدي الصخب والضوضاء الإعلامية، التي تسطّح شخصية الإرهابي بأنّه لا همّ له إلا الذبح وسفك الدماء، طالما لم يكن هناك من يقترب من هذه الحالة حدّ الملامسة والمكاشفة والصدمة.

لقد كان الفقهاء الأوائل أكثر فهماً ومقاربة لتلك الحالة؛ إذ إنّهم فرقوا بين هؤلاء الخارجين بتأويلات يمكن اعتبارها مقنعة لعدد من الناس، وبين قطّاع الطرق والمجرمين واللصوص؛ ففي الحالة الأولى اشترطوا قبل قتالهم إرسال فقيه حكيم إلى هؤلاء الخارجين، يحظى لديهم ببعض الثقة، ويمتلك القدرة على الحوار ودفع الحجج في مواجهتهم، ونصحهم حتى إذا فشل لا يبدؤوا بقتال إلا إذا بدؤوه هم.

قال عبد الله بن الزبير عن المهلب: "هذا سيد أهل العراق"

سيد أهل العراق

عندما قدم الحجاج إلى العراق، أجبر أهل الكوفة والبصرة على الالتحاق بالمهلب للقتال ضد الخوارج، وتوعدهم بالقتل وهدم الدار وانتهاب الأموال، فزحفوا في اتجاه خراسان للانضمام لجيش المهلب، إلا أنّهم فروا مجدداً، وانشقوا عنه، وشعروا ساعتها بأنّهم سيقاتلون لنصرة عبد الملك بن مروان.

وعندما هاجم جيش شبيب الشيباني "الخوارج الشيبانية"، حاولت غزالة زوجته قتل الحجاج في منزله بالكوفة، وقيل إنّها واجهته فهرب منها، متذرعاً بأنه لن يقاتل امرأة، فنظم الشاعر عمران بن حطان هذه الأبيات:

"أسد عليّ وفي الحروب نعامة... ربداء تجفل من صفير الصافر... هلا برزت إلى الغزالة في الوغى... بل كان قلبك في جناحي طائر... صدعت غزالة قلبه بفوارس... تركت مدابره كأمس الدابر".

كان المهلب وهو الفارس المغوار والفقيه المحدث سابراً لأعماق خصمه متلمساً لنقاط ضعفه

أما المهلب فقد انتصر عليهم وكسر شوكتهم، وتتحدث كتب التراث عن أنّ علامات الشجاعة والذكاء قد ظهرت عليه صبياً، فيروى أنّ والده ذهب يوماً مع عشرة من أبنائه إلى الخليفة عمر بن الخطاب، وكان المهلب أحدهم، فأعجب الخليفة بذكائه وتقواه، وقال لوالده: هذا سيد ولدك.

وكان بليغاً حكيماً في آرائه، له كلمات لطيفة وإشارات مليحة، ومن ذلك أنه حين حضره الموت، دعا إليه ابنه حبيباً، ومن حضره من ولده، ودعا بسهام فحزمت ثم قال: "أفتراكم كاسريها مجتمعة؟ قالوا: لا، قال: فهكذا الجماعة، فأوصيكم بتقوى الله وصلة الرحم، فإنّ صلة الرحم تنسئ في الأجل، وتثري المال، وتكثر العدد، وأنهاكم عن القطيعة فإنّ القطيعة تعقب النار، وتورث الذلة والقلة، فتحابوا وأجمعوا أمركم، ولا تختلفوا، وتباروا تجتمع أموركم".

وقد أثنى عليه عدد من الصحابة، لما وجدوا فيه من كريم الخلال فقد قال عبد الله بن الزبير عن المهلب: "هذا سيد أهل العراق".

اقرأ المزيد...

الوسوم: