المولوية والتنورة.. احتفالية العشق الإلهي

4174
عدد القراءات

2018-12-11

ينصت راقصو المولوية للموسيقى، يندمجون في مشاعر روحية، ويستغرقون في وجد كامل، ثم يبتعدون عن العالم المادي؛ في رحلة روحية تبدأ بالدوران، حتى تنتهي للوصول إلى الكمال، فلا يفنون أبداً، كما قال جلال الدين الرومي: "لا يفنى في الله مَنْ لا يعرف قوة الرقص".

اقرأ أيضاً: تعرف على أبرز الطرق الصوفية في مصر

المولوية، أو التنورة، كما يطلقون عليها في مصر؛ هي رقص صوفي، يعتبره ممارسوه نوعاً من أنواع الذِّكْر، يكون بالدوران حول النفس والتأمل؛ بهدف الوصول إلى الكمال المنشود.

رأى الرومي أنّ الموسيقى الروحية والرقص سبيل للوصول إلى الله

في حضرة جلال الدين

المولوية؛ رقص وفنّ خاص، ابتدعه جلال الدين الرومي، رجل الدين المتصوف صاحب العديد من المؤلفات في التصوف والشعر، أبرزها: "معارف بهاء ولد"، وهو من أصل فارسي، ولد في السادس من ربيع الأول العام 604 هجرية، الموافق للعام 1207 ميلادية.

انتشرت المولوية في شمال إفريقيا وتركيا وعرفها المصريون باسم "رقصة الدراويش"، أو "رقصة التنورة"

كان الرومي يرى أنّ الموسيقى الروحية والشعر والرقص سبيل للوصول إلى الله، عن طريق التركيز والدوران حول مركز الدائرة لساعات طويلة، يقف فيها أحد الشيوخ، فيأخذهم ذلك التيه والإصغاء إلى الوجد الإلهي.

حين يستشعر الراقصون أنّهم أصبحوا مركز الكون، يواصلون الدوران حتى يتخلصوا من الحسّ والشعور، فلا يعرفون إلا الله في وجد لا ينتهي، كما يقولون.

رأى الرومي أنّ الموسيقى هي رسائل العشاق بأصوات الانقطاع عن الأصل، والحنين إلى الاتصال والرجوع إلى حضرة الذات المقدسة، التي يختفي فيها كلّ عنوان وتشخيص وتسمية، وأنّها اللغة العابرة للأكوان، التي من خلالها تتحدث كلّ الكائنات الوجودية، في تناغم وتناسق وانسجام وتفاهم، وتتفق على عهود التواصل؛ لإصدار النغمات عشقاً للمحبوب الأول.

اقرأ أيضاً: الصوفية في السنغال.. روحية افترست التطرف

تحدث الرومي عن نماذج مدهشة للعشق الكوني والإلهي؛ عبر ثلاثيته، الطقسية والسلوكية، المتمثلة في الموسيقى، والغناء، والرقص، وجسّدها بطقس رمزي وكوني كبير، يعبّر عن مراحل تكوين الاتحاد، وتراتبية الفناء للجسد والروح والنفس، وعلاقتهما بالطبيعة والحياة والكون؛ فالموسيقى كونها رسائل صوتية كونية تظهر شيفرات وأسرار الروح ورموز النفس وحنين الوجدان في عالم المعنى الإلهي.

جلال الدين الرومي

اتحاد وفناء

إنّ الموسيقى، بحسب تعبير الرومي، هي الجاذبة لكل صوت ونغم وهمسة وحسرة ونفس متقطع، لم تتوقف لحظة واحدة في هذا الوجود؛ فلكل حقيقة إيقاعها الوجودي ونغماتها الكونية في هذا الكون اللامتناهي، وفي تحولات أدوار الحياة عليه، وتطوّرها ونضوجها وفنائها، ليست إلا عبارة عن معزوفات كونية هائلة وصوت واحد، وفي حال توقف الموسيقى الكونية عن العزف وإطلاق أصواتها، يحلّ العدم والظلام، فكلّ معزوفات الموسيقى تتجسد في كل الأحياء كحقائق وجودية وقيمية، وترى سريان المعنى الإلهي في الوجود ولا تفارقه أبداً؛ لأنّهما أغنية واحدة في فم الوجود.

رأى الرومي أنّ الموسيقى رسائل العشاق بأصوات الانقطاع عن الأصل وحنين الرجوع إلى حضرة الذات المقدسة

يقول الرومي، من خلال رسائله في الموسيقى: إنّ الرقص والدوران هما كمال الصوت الإلهي المقدس، وحينما يتّحد الجسد الراقص مع الموسيقى يتم التعبير عن عملية اكتمال ختم الرسائل ونثرها في هذا الكون؛ فالجسد يدور مثل أيّ كوكب حول شمس وجوده، وفي دورانه تختفي سماته وملامحه وعناوينه، ولا ترى حدوده أبداً إلا حضور نور الحقّ، ونار الخلق تلتف حوله، وهو التعبير الحقيقي عن النور الأول للإنسان؛ فدوران الجسد مع الموسيقى هو اتحاد وفناء كلّ حقائق الإنسان ودورانها مع الكون في تناسق وتناغم كلّي، لأنّها أصل واحد، وإطلاق صوت المنشد يعبّر عن توحّد الإيقاع وبثّ ولادة وتجديد المعاني والأسرار والحقائق في هذا الكون، كلّ هذه الفعاليات، المقصودة بعناية، تعبر عن احتفالية كبرى لتوزيع رسائل الحبّ والوصال والمعرفة والرغبة في الخلود، لكلّ الوجود، من خلال توزيع العاشق رسالته الكونية في كلمة واحدة فقط هي: "أحبك في كلّ كون".

المولوية والتنورة.. طريق واحد

انتشرت المولوية في شمال إفريقيا وتركيا، وعلى الطريق نفسها عرفها المصريون باسم "رقصة الدراويش"، أو "رقصة التنورة"، والأخيرة فنّ خاص أكسبه المصريون طابعاً خاصاً؛ حيث جعلوه مختلفاً عن نكهته الصوفية، وأعطوه طابعاً استعراضياً أكثر من الطابع الروحاني الديني.

اقرأ أيضاً: الطرق الصوفية في تركيا.. عبادة أم سياسة؟

يقول مدير مركز الغوري، محمود عيسى، في تصريح صحفي نشرته "اليوم السابع": "رقصة التنورة تختلف عن رقصة المولوية، من حيث الطقوس، فالمصريون أكسبوا الرقصة طابعاً خاصاً مختلفاً عن الطقوس التي يقوم بها الأتراك في رقصتهم؛ حيث لا بدّ من أن يتواجد شيخ ويأخذوا منه البركة".

ضريح جلال الدين الرومي في قونيا

ويضيف عيسى: تعكس التنورة تصوراً فلسفياً يتغذى من الطريقة المولوية التي أنشأها جلال الدين الرومي، لكنّها لم تأخذ الطقوس التي تشمل وجود الشيخ والبخور والطفل الصغير، كما أنّها أدخلت الأذكار التي تقولها الطرق الصوفية مُجتمعة.

"التنورة كلمة معرَّبة من الفارسية، تسمى "الدرع الواسعة" في السريانية، وفي الإغريقية "الذي يلبس جلداً طويلاً"، وفق الباحث سعد فاروق، في تصريحات نقلتها "اليوم السابع" المصرية، حيث يشير إلى أنّها رقصة مصرية ذات أصول صوفية تعتمد على الحركات الدائرية؛ حيث إنّها تفسير للحسّ الإسلامى الصوفي الذي له أساس فلسفي، بأنّ الحركة في الكون تبدأ من نقطة، وتنتهي عند النقطة ذاتها، أما الغناء المصاحب؛ فهو الدعاء إلى الله ومديح النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، وبعض الأغاني والمواويل عن موضوعات شعبية، حول الصداقة والسلام والكرم والمحبة.

حين يستشعر الراقصون أنّهم أصبحوا مركز الكون يواصلون الدوران حتى يتخلصوا من الحسّ والشعور فلا يعرفون إلا الله

تؤدَّى التنورة بشكل جماعي بحركات دائرية، تبدأ من نقطة وتنتهي عند النقطة ذاتها، وتكون الرقصة مصحوبة بالدعاء أوالذكر أو المديح أو المواويل الشعبية، مع نقرات الدفوف، ووجود الفانوس والألوان المزركشة.

ويرتدي راقص التنورة "اللفّيف" تنورتين أو ثلاثاً، استلهمت ألوانها من الأعلام والبيارق الخاصة بالطرق الصوفية، ويصل وزن الواحدة إلى حوالي ثمانية كيلوغرامات، أما "السبتة" أو الحزام الذي يرتديه على نصفه الأعلى فيهدف إلى شدّ ظهر الراقص وهو يدور، بينما يتّسع الجلباب من الأسفل ليعطي الشكل الدائري طرفه عند الجانب الأيسر.

يرتدي الراقص تنورتين أو ثلاثاً استلهمت ألوانها من الأعلام الخاصة بالطرق الصوفية

المولوية والتنورة في شكلها الصوفي وليس الاستعراضي تعبير عن اتحاد وفناء تكوينات عبّر عنها الرومي بقوله: الموسيقى والناي مع فناء الكون ورسائل الإنسان من أجل الالتحاق بالأصل يساوي أنّ الموسيقى لغة الله.

اقرأ المزيد...

الوسوم: