الناصريّة.. اللحظة المصرية للعروبة

4192
عدد القراءات

2019-06-02

تعود نشأة التيار القومي الناصريّ في العالم العربي إلى انقلاب/ثورة 23 تموز (يوليو) 1952، الذي نجح على إثره تنظيم "الضباط الأحرار" في الوصول إلى السلطة في مصر، وإنهاء الملكية وتأسيس الجمهوريّة المصريّة، وإلغاء معاهدة 1936 مع الإنجليز، وحَكَم "مجلس قيادة الثورة" البلاد أربعة أعوام قبل اختيار "جمال عبد الناصر" رئيساً للجمهورية المصرية عام 1956، واستمر في منصبه حتى وفاته عام 1970، وإليه يُنسب هذا التيّار.

نظر الضباط الأحرار إلى هزيمة 48 باعتبارها هزيمة مذلّة جاءت كنتيجة لفساد القصر والنخبة المصريّة الحاكمة

ظهر تنظيم "الضُبّاط الأحرار" في سياق المرحلة المتأخرة من العصر الاستعماريّ في المنطقة، وبالتحديد في فترة الحرب العالميّة الثانية (1939-1945) حين تصاعدت الحركات الوطنيّة والاستقلاليّة في البلدان الواقعة تحت الحكم الاستعماريّ، وهو ما شهده عدد من البلدان العربيّة أيضاً، وشرع التنظيم في ضم الضباط المؤمنين بوجوب العمل على تخليص مصر من التبعيّة لبريطانيا، وتصاعد نشاطه في أعقاب هزيمة حرب فلسطين عام 1948 التي نُظر إليها باعتبارها هزيمة مذلّة جاءت كنتيجة لفساد القصر (السراي) والنخبة المصريّة الحاكمة.
وكانت المؤسسات العسكريّة الحديثة إحدى أهم حواضن هذه الحركات في البلدان العربيّة، وهو ما ظهر جلياً في حالتي العراق وسوريا، مع ظهور عدد من المحاولات الانقلابيّة التي سعت لتأسيس حكم ثوري مستقلّ تنتهي معه علاقة التبعيّة للاستعمار.
تجاوز الإطار القُطري
بدأ حكم الثورة برئاسة محمد نجيب الذي أجبر على الاستقالة عقب أزمة مارس 1954 ليتولى جمال عبد الناصر حكم البلاد، وسرعان ما بدأ اسمه بالبروز بعد إشرافه على المفاوضات التي انتهت بجلاء القوات البريطانيّة من قناة السويس عام 1954، ثم وقوع محاولة اغتياله من قِبل جماعة الإخوان المسلمين في ميدان المنشيّة بالإسكندريّة في العام ذاته.

قادة تنظيم الضُباط الأحرار بعد انقلاب 1952 يتوسطهم محمد نجيب

وفي العام نفسه، انطلقت ثورة التحرير في الجزائر وبادرت القاهرة على الفَوْر بتقديم الدعم والإسناد لها، لتبدأ الثورة باكتساب طابع إقليمي-عربي متجاوز لحدود القُطر المصريّ، وترافق ذلك مع تبنّي خطاب يؤكد على تحرير فلسطين، وتولّت إذاعة "صوت العرب" التي أشرف مجلس قيادة الثورة على تأسيسها عام 1953 وانتشرت سريعاً حول العالم العربي، مهمة إيصال خطاب وشعارات عبد الناصر والثورة إلى الشعوب العربيّة، فبدأ عبد الناصر باكتساب شعبيّة وتأييد عربي واسع.

أحمد سعيد المذيع الأشهر في "صوت العرب"

كما كان عبد الناصر من ضمن القادة المؤسسين لحركة عدم الانحياز إلى جانب الزعماء: "جوزيف تيتو"، و"سوكارنو" و"جواهر لال نهرو" في مؤتمر "باندونغ" (إندونيسيا 1955)، وهي حركة حاوت إحداث تغيير هام على مستوى السياسة العالمية بعد انطلاق الحرب الباردة بين المعسكرين: الشرقي والغربي؛ فجاءت الحركة لتنأى بكتلة دول آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية عن هذه الاستقطاب.

اقرأ أيضاً: كيف تحول حزب البعث في العراق من الأيديولوجيا إلى العائلة؟
وفي موازاة ذلك قاد عبد الناصر حملة تحريض ضد "حلف بغداد" الذي رعته بريطانيا وخططت له الولايات المتحدة الأمريكية في مواجهة تمدد الاتحاد السوفيتي، وتعزيز الهيمنة الأمريكية في المنطقة؛ واستجاب الشارع العربي لخطب ودعاية عبد الناصر ضد المشروع وعمّت المظاهرات شوارع المدن في الأردن وفلسطين وسوريا ولبنان رافضةً الانضمام للحلف، وهو ما عزز من حضور الناصريّة وتبلورها على المستوى العربي وأكسبها بعداً إقليمياً.

عبدالناصر إلى جوار نهرو وتيتو في باندونغ

وفي عام 1956 وبعد إيقاف الولايات المتحدة قرض البنك الدولي لتمويل بناء السد العالي، في أعقاب التصدي لحلف بغداد وعقد صفقة الأسلحة التشيكية، قرر عبد الناصر بتأميم قناة السويس ونقل ملكيتها من الشركة الأجنبية المالكة إلى الدولة المصرية، بغرض توفير التمويل اللازم للمشروع.

اعتبرت الشعوب العربية فشل العدوان بمثابة صمود أمام قوى الاستعمار وانتصار عليها

أرادت بريطانيا عقاب عبد الناصر على سيطرته على القناة الهامّة بالنسبة إلى مصالحها، وانضمت لها فرنسا التي أرادت الانتقام من دعمه لثورة الجزائر، في حين وجدت إسرائيل فرصة سانحة لتدمير القوات المصريّة في سيناء التي كانت ترى فيها تهديداً لها، وبذلك كان "العدوان الثلاثي" على مصر في تشرين الأول (أكتوبر) 1956، وعلى إثر المقاومة المصريّة للقوات المعتدية في بورسعيد والقناة تحركت عواصم العالم منددةً بالاعتداء، وهددت موسكو بضرب العواصم الثلاث (لندن، وباريس، وتل أبيب) بالقنابل النووية، فأدى الضغط الدولي إلى وقف العدوان.
اعتبرت الجماهير العربية فشل العدوان بمثابة صمود أمام قوى الاستعمار وانتصار عليها، وهو ما أكسب عبد الناصر شعبيّة هائلة وتأييد واسع في أوساط الإنتلجنيسيا العربيّة، واندفعت حركات وتنظيمات عديدة لإعلان المساندة والولاء لعبد الناصر، لتتبلور بذلك الناصريّة باعتبارها تيار تحرري عام يجمع المشرق والمغرب.

العدوان الثلاثي كما صوّره الرسام الإنجليزي "جراهام كوتون"

انحسار الناصرية
عام 1958 جاءت الخطوة الأهم في مسيرة الناصرية مع إعلان الوحدة مع سوريا، والتي انتهت بعد ثلاثة أعوام مع وقوع الانقلاب بسوريا في الثامن والعشرين من آذار (مارس) 1961، وفي العام نفسه، اندلعت ثورة "الضباط الأحرار" في اليمن الشمالي على حكم المملكة المتوكّليّة، وسارع عبد الناصر لإرسال السلاح والقوات المصرية لدعم الثوّار، فوصل عدد الجنود المصريين المُرسَلين إلى نحو سبعين ألف جندي خلال خمس سنوات، في حين تولّت المملكة العربية السعودية دعم الإمام البدر، لتتبلور بذلك حالة "الحرب العربية الباردة"، وثنائيّة الدول التقدميّة (الجمهوريات) في مواجهة الدول الرجعية (الممالك) وهي إحدى مرتكزات الخطاب الناصريّ.

كانت مرحلة حكم السادات بمثابة ارتداد تام عن الناصريّة

لم تؤثر تجربة الانفصال بشكل حاسم على شعبية عبد الناصر، إلا أنّ الهزيمة الأكبر للناصريّة جاءت مع هزيمة حزيران عام 1967، حيث تلقت كل وعودها ضربة قاضية، حاول عبد الناصر لملمة الأوراق واستعادة المبادرة عبر إطلاق حرب الاستنزاف و"إزالة آثار العدوان"، والترحيب بانقلاب القذافي في ليبيا، وانقلاب النميري في السودان، وإطلاق مشروع للوحدة مع السودان وليبيا، إلّا أنّ المنيّة عاجلت عبدالناصر عام 1970 لتكون نهاية مرحلة من "الناصريّة"، تجلت فيها باعتبارها مشروعاً رسمياً لدولة كبيرة ذات مركزية وتأثير كبير في المحيط العربي.
عند وفاة عبد الناصر كان أنور السادات نائبه، وهو من المنتسبين لتنظيم الضباط الأحرار منذ تأسيسه ومن ثم كان عضواً في مجلس قيادة الثورة، وبمجرد استلامه السلطة أعلن انتسابه للمسار الناصريّ، وخلال السنوات الثلاثة الأولى من حكمه بدا وكأنه يسير على خط ناصر مع الإعداد لحرب تحرير سيناء، وبدت حرب 1973 كاستمرار لمرحلة "إزالة آثار العدوان" الناصريّة.

اقرأ أيضاً: حزب البعث السوري: تجربة خمسة عقود من الحكم.. ما أبرز التحولات؟
إلّا أنّ التحوّلات بدأت مباشرة بعد تلك الحرب مع توجه السادات نحو التقارب نحو الولايات المتحدة الأمريكية، والتراجع التدريجي عن شعارات وعبد الناصر وسياساته، فطرد الخبراء السوفييت. وطرح "ورقة أكتوبر" التي تمهد للانفتاح الاقتصادي على الرأسمالية العالمية، وألغى قانون الإصلاح الزراعي، وحلّ الاتحاد الاشتراكي، وبلغ الانقضاض على الناصرية ذروته مع زيارته للقدس المحتلّة عام 1977، وتوقيع اتفاقية "كامب ديفيد" للسلام مع "إسرائيل" عام 1978.
ناصريّة في المعارضة
خلال مرحلة السبعينيات، بدأ التيار الناصريّ يتشكّل في أُطُر جديدة بعد نهاية التجربة على مستوى الحكم والدولة، وبرز كُتّاب ومفكّرون يعلنون تبنّي الناصريّة كعصمت سيف الدولة ومحمد حسنين هيكل. بالإضافة إلى تشكّل "نوادي الفكر الناصريّ" في الجامعات، وخلال تلك المرحلة استمر نشاط تنظيم "الطليعة العربية"، الذي أسسه عبد الناصر عام 1965 خلال عهد السادات وحتى منتصف الثمانينات.

اقرأ أيضاً: حزب الوسط المصري إذ يدور في فلك جماعات الإسلام السياسي
خلال عهد الرئيس الأسبق، حسني مبارك، تأسس حزبان عبّرا عن التيار الناصريّ في مصر، أولهما "الحزب العربي الديمقراطي الناصري" 1992، وأسسه فريد عبد الكريم بالاشتراك مع ضياء الدين داوود، والفريق محمد فوزي، وزير الحربية في عهد جمال عبد الناصر. وتبنى الحزب الخطوط العريضة لمبادئ وشعارات ثورة يوليو، وأضاف إليها مقاومة مفرزات عهد السادات، بالإضافة إلى تبني المطالبة بالديمقراطية والحريّات.
وكان الحزب الناصري الآخر، هو "الكرامة" الذي تأسس عام 1997 ولم يحصل على ترخيصه إلا بعد ثورة 25 يناير 2011، وترأس الحزب حمدين صباحي عضو مجلس الشعب في الفترة (2000-2010)، والمرشح الرئاسي في انتخابات الرئاسية عامي 2012، وكان أحد أبرز المرشحين إلى جانب محمد مرسي وأحمد شفيق وعبد المنعم أبو الفتوح، وخالد علي، وكما ترشح في انتخابات 2014 الرئاسية أيضاً.

حمدين صبّاحي أحد أبرز المرشحين في انتخابات الرئاسية العام 2012

الناصريّة عربياً
1- العراق
كانت تجربة الضباط الأحرار سابقة للظهور في العراق؛ حيث ظهرت أول محاولة انقلابيّة تحرريّة في فترة مبكّرة عام 1936 (محاولة بكر صدقي الانقلابية)، ثم محاولة رشيد عالي الكيلاني عام 1941. وأخذت التجربة بُعداً تنظيمياً مع تأسيس تنظيم "الضباط الوطنيون" 1949، وكان من أبرز مؤسسيه: عبد الكريم قاسم، وعبد الوهاب الشوّاف، والأخوين عبد السلام وعبد الرحمن عارف، وناظم الطبقجلي، وأحمد حسن البكر.

كانت الناصريّة حاضرة بشكل واسع على المستوى الشعبي في الأردن

نشط "الضباط الوطنيون" في أعقاب النكبة؛ حيث سادت بين الضباط حالة من التذمّر ورغبة في تحميل مسؤولية الهزيمة للطبقة الحاكمة، وتحديداً الأسرة الحاكمة والمحيطين بها، وفي مقدمتهم نوري السعيد، والوصيّ على العرش عبد الإله. وتضاعف هذا التذمر مع تشكيل "حلف بغداد" الذي رعاه نوري السعيد، رئيس الوزراء العراقي آنذاك متحالفاً والذي رأى فيه "الضباط الوطنيّون" عنواناً للتبعية والارتهان لقوى الاستعمار. وحدث الانفجار بعد حرب السويس (العدوان الثلاثي) عام 1956، حين كان نوري السعيد، رئيس الوزراء العراقي آنذاك متحالفاً مع بريطانيا.
فقام التنظيم بانقلاب "14 تموز" عام 1958 بقيادة عبد الكريم قاسم، حاملاً نفس أهداف وشعارات ثورة "23 يوليو"؛ وبادر عبد الناصر إلى دعم وتأييد الانقلاب، قبل أن يحدث الخلاف بين الثورتين مع اختيار قاسم التحالف مع الحزب الشيوعي والتوجه نحو التقارب مع الاتحاد السوفيتي، خلافاً للتوجهات القوميّة وسياسة عدم الانحياز التي كان يتبناها عبد الناصر.

اقرأ أيضاً: كيف حفّز حزب النور سلفيي الدول العربية على العمل الحزبي؟
وبلغ الصدام بينهما ذروته في عام 1959 مع التمرد الفاشل لعبد الوهاب الشوّاف في الموصل على عبد الكريم، بدعم من عبد الناصر. وبعد قيام عبد السلام عارف بانقلاب آذار (مارس) عام 1963 عاد التيار الناصري للحكم في العراق وأُعلن عن التوجه لتأسيس مشروع وحدة ثلاثي يجمع مصر والعراق وسوريا في جمهورية واحدة، واستمر هذا الاتجاه في عهد عبد الرحمن عارف.

عبد الكريم قاسم وإلى جانبه عبدالسلام عارف بعد استلام الحكم

2- الأردن
بعد ثورة 23 يوليو تأسس في الأردن تنظيم حمل اسم "الضباط الأحرار" أيضاً، وذلك ضمن الأجواء المتذمّرة من علاقة التبعية مع بريطانيا التي هندستها المعاهدة الأردنية/البريطانية عام 1928، ووضع التنظيم تعريب قيادة الجيش وإلغاء المعاهدة في مقدمة أهدافه، وعلى الرغم من أنّ الملك حسين بادر عام 1956 إلى تحقيق مطلب تعريب قيادة الجيش، في ظل صعود الاتجاه القومي الناصري، إلا أن التنظيم نفّذ تحركاً عسكرياً في 13 نيسان (أبريل) 1957 بقيادة قائده علي أبو نوار بهدف محاصرة العاصمة عمّان إلا أنه جرى التصدي للمحاولة؛ واعتقل عدد من أفراد التنظيم، وهرب الآخرون شمالاً إلى سوريا.

اقرأ أيضاً: حزب التحرير: الخلافة الإسلامية والأسطورة المهدوية
وفي عام 1967 تأسس في الأردن تنظيم "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين"، والتي انبثقت عن "حركة القوميين العرب" ذات التوجّه الناصريّ، قبل أن تخرج نهائياً من الأردن بعد مواجهات بين الجيش الأردني وفصائل منظمة التحرير في أحداث أيلول عام 1970 وأحداث جرش وعجلون عام 1971، بعد صراع على استلام الحكم في البلاد.

الملك حسين يخطب في قوات الجيش وبجانبه معن أبو نوّار

3- لبنان
في أعقاب العدوان الثلاثي (1956) على مصر أعيد إطلاق "حركة القوميين العرب" التي كانت قد تأسست عام 1951 في لبنان، ونشطت الحركة في عدد من الدول العربية الأخرى، وبادر أعضاؤها بالمشاركة في المواجهات إلى خاضتها الناصريّة كما حدث في الثورة اليمنية عام 1962.
وظهرت حالة عامة من التأييد لجمال عبد الناصر في لبنان مع الثورة على كميل شمعون عام 1958، وكان أول حزب لبناني يعلن تبنّيه النهج والتوجّه الناصريّ "اتحاد قوى الشعب العامل" الذي أسسه كمال شاتيلا عام 1965. وبعد اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 انخرط الحزب في المواجهات ضمن صفوف ما عُرف بـ "الحركة الوطنية اللبنانية" في مواجهة اليمين اللبناني. وكان للحزب قوات خاصة قوامها ألف مقاتل باسم "ناصر"، قبل أن يتخلّى الحزب لاحقاً عن السلاح ويوجّه نشاطه نحو العمل الاجتماعي والنشاط السياسي السلمي.

كانت الثورة الجزائريّة منذ انطلاقها على علاقة وطيدة بالقاهرة وكانت تتلقى الدعم المباشر منها

وفي عام 1984 نُفي المؤسس خارج البلاد، ولم يعد إلى لبنان إلا في عام 2000، وبعد اغتيال الحريري وإعادة تبلور المشهد السياسي في لبنان، اختار الحزب عام 2005 الانضمام إلى محور قوى "8 آذار".
وفي عام 1967، تأسست حركة الناصريين المستقلين المعروفة بـ"المرابطون"، وكانت حركة سياسية عسكرية أسسها إبراهيم قليلات، الذي كان قد شارك ضمن صفوف المقاومة في حرب السويس عام 1956، وفي الثورة ضد كميل شمعون عام 1958. وبعد اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، شاركت الحركة كذلك ضمن صفوف "الحركة الوطنية"، واشتهرت بعد مشاركتها البارزة في معركة الفنادق ببيروت (1975-1976)، وكان للحركة علاقة وطيدة بحركة "فتح" الفلسطينية. واشتهرت الحركة بإذاعتها، إذاعة "صوت لبنان العربي".
وفي عام 1984، بعد خروج فصائل منظمة التحرير بعامين، تم تصفية الحركة عسكرياً. وفي عام 2001 أعلنت الحركة عن متابعة العمل السياسي العلني، ولا زالت ناشطة حتى اليوم.

اقرأ أيضاً: التجربة الحزبية عند الإخوان المسلمين: التنظير والعمل السياسي
وعام 1973 أسس معروف سعد تنظيم "الناصري اللبناني" إلا أنه اغتيل عام 1975، ليخلفه على قيادة التنظيم نجله مصطفى سعد. وانضم التنظيم خلال الحرب الأهلية اللبنانية إلى صفوف الحركة الوطنية وشارك في المعارك. ولا زالت الحركة ناشطة حتى اليوم، ويرأسها حالياً "أسامة سعد"، نجل معروف سعد الآخر.

مقاتلة من اليمين اللبناني في معركة الفنادق برزت فيها حركة الناصريين المستقلين

4- اليمن
في اليمن، جاء الظهور الأول للتيار الناصريّ كذلك ضمن صفوف المؤسسة العسكرية، وذلك في اليمن الشمالي؛ حيث تأسس تنظيم باسم "الضباط الأحرار"، عام 1961، وفي عام 1962 قاد ثورة "26 سبتمبر" ضد الحكم المتوكلي في البلدان. وكان من أبرز قادة التنظيم، اللواء علي عبد الغني، والملازم أول حسين الغفاري. وفي ذات الوقت كان تنظيم "الطليعة العربية" في القاهرة يستقطب الطلاب اليمنيين هناك.

اقرأ أيضاً: الأحزاب الكردية: صراعات وأحلام تنتظر التغيرات الدولية
وفي جنوب اليمن، كانت قد انطلقت حركة تحرير جنوب اليمن بقيادة الجبهة القومية للتحرير، وكانت الحركة مقرّبة من جمال عبد الناصر وتتلقى الدعم منه، وانتهت بتحقيق جلاء القوات البريطانية عام 1967 وتأسيس "جمهورية اليمن الجنوبيّة الشعبيّة"، برئاسة "قحطان الشعبي"، وتولى الحزب الاشتراكي قيادة البلدان والذي توجَه نحو الأيديولوجيا الشيوعية مبتعداً عن التوجّه الناصريّ. وخلال حركة التحرير كان التيار الأقرب للناصريّة قد أعلن انشقاقه عن الجبهة القومية بعد وقوع خلافات بينها وبين عبد الناصر وأعلن في عام 1966 عن تأسيس التنظيم الشعبي للقوى الثورية، والذي أعلن عن تبنيه للناصريّة. وبعد الاستقلال خاض التنظيم صراعاً مع الحزب الاشتراكي الحاكم، ما دفع العديد من أفراده للانتقال إلى اليمن الشمالي. وكانت جمهورية اليمن الجنوبية قد التزمت بتوفير الدعم لجبهة تحرير ظفار في حربها مع سلطنة عُمان، وهي الحرب/الثورة التي كانت تأتي في سياق المواجهة بين المعسكرين: التقدمي/الرجعي، كما كان يوصف آنذاك.

اقرأ أيضاً: الأحزاب العربية: خيبات الفرص الضائعة
وبعد قيام الوحدة اليمنية عام 1990، وإعلان التعددية السياسية والقبول بترخيص الأحزاب، أعلنت جماعة من التنظيم الشعبي استئناف العمل كحزب سياسي تحت اسم "التنظيم الشعبي لجبهة التحرير اليمنيّة". وفي ذات الفترة أيضاً، أعلن التنظيم الناصري الذي كان يُمارس النشاط الرسمي سرياً عن خروجه للعلن وتأسيس حزب باسم "التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري"، شارك في الانتخابات النيابية منذ عام 1993، كما أعلن عن تأسيس أحزاب ناصريّة أخرى في ذات الفترة، فتأسس "الحزب الناصريّ الديمقراطي" وحزب "التنظيم الشعبي الناصريّ" عام 1995.

عبد الحكيم عامر (قائد الجيش المصري) في صنعاء يشارك في إدارة المعارك ضد قوات الإمام

5- المغرب العربي
في ليبيا تأسست حركة "الوحدويون الأحرار" بين صفوف الضُبّاط عام 1964، بقيادة معمّر القذافي، وتبنّت منذ تأسيسها المبادئ والتوجّهات الناصريّة. وفي الأول من أيلول (سبتمبر) 1969 نفذت الحركة انقلاباً عسكريّاً على حكم السنوسيين، وأنهت عهد الملكية وأسست الجمهورية الليبية، ومنذ اليوم الأول اتجه القذافي للتقارب مع عبد الناصر، وشارك في الاجتماع الثلاثي مع عبد الناصر والنميّري والذي جرى فيه الإعلان عن إطلاق مشروع تأسيس جمهورية عربية موحّدة تجمع البلدان الثلاث.
أما في تونس، فقد اختار الصالح بن يوسف، زعيم التيار اليوسفيّ داخل الحزب "الحرّ الدستوريّ" اللجوء إلى القاهرة والاستقرار فيها والتقرّب من عبد الناصر، وبعد اغتياله شُيّع ودفن فيها، وكان التيار اليوسفيّ معارضاً لاتفاقيات الاستقلال مع فرنسا، وكان يدعو لإقامة وحدة مغاربيّة تجمع تونس مع سائر أقطار المغرب العربيّ.

اقرأ أيضاً: الأحزاب الدينية المصرية بعد ثورة يناير: متى تتجاوز مربع الشعارات؟
وفي الجزائر، كانت الثورة الجزائريّة منذ انطلاقها على علاقة وطيدة بالقاهرة وكانت تتلقى الدعم المباشر منها، وبعد الاستقلال تولّى رئاسة الجمهوريّة الجزائريّة "أحمد بن بيلا" وثيق الصلة بعبد الناصر، وتبعه "هواري بومدين" الذي طبقّ ذات السياسات الناصريّة المتعلقة بالتأميم وتطبيق نموذج "اشتراكيّة الدولة".

عبدالناصر متوسطاً النميري والقذافي في أعقاب نجاح الثورتين في السودان وليبيا

اقرأ المزيد...

الوسوم:



الناصريّة.. اللحظة المصرية للعروبة

عدد القراءات

2019-06-02

تعود نشأة التيار القومي الناصريّ في العالم العربي إلى انقلاب/ثورة 23 تموز (يوليو) 1952، الذي نجح على إثره تنظيم "الضباط الأحرار" في الوصول إلى السلطة في مصر، وإنهاء الملكية وتأسيس الجمهوريّة المصريّة، وإلغاء معاهدة 1936 مع الإنجليز، وحَكَم "مجلس قيادة الثورة" البلاد أربعة أعوام قبل اختيار "جمال عبد الناصر" رئيساً للجمهورية المصرية عام 1956، واستمر في منصبه حتى وفاته عام 1970، وإليه يُنسب هذا التيّار.

نظر الضباط الأحرار إلى هزيمة 48 باعتبارها هزيمة مذلّة جاءت كنتيجة لفساد القصر والنخبة المصريّة الحاكمة

ظهر تنظيم "الضُبّاط الأحرار" في سياق المرحلة المتأخرة من العصر الاستعماريّ في المنطقة، وبالتحديد في فترة الحرب العالميّة الثانية (1939-1945) حين تصاعدت الحركات الوطنيّة والاستقلاليّة في البلدان الواقعة تحت الحكم الاستعماريّ، وهو ما شهده عدد من البلدان العربيّة أيضاً، وشرع التنظيم في ضم الضباط المؤمنين بوجوب العمل على تخليص مصر من التبعيّة لبريطانيا، وتصاعد نشاطه في أعقاب هزيمة حرب فلسطين عام 1948 التي نُظر إليها باعتبارها هزيمة مذلّة جاءت كنتيجة لفساد القصر (السراي) والنخبة المصريّة الحاكمة.
وكانت المؤسسات العسكريّة الحديثة إحدى أهم حواضن هذه الحركات في البلدان العربيّة، وهو ما ظهر جلياً في حالتي العراق وسوريا، مع ظهور عدد من المحاولات الانقلابيّة التي سعت لتأسيس حكم ثوري مستقلّ تنتهي معه علاقة التبعيّة للاستعمار.
تجاوز الإطار القُطري
بدأ حكم الثورة برئاسة محمد نجيب الذي أجبر على الاستقالة عقب أزمة مارس 1954 ليتولى جمال عبد الناصر حكم البلاد، وسرعان ما بدأ اسمه بالبروز بعد إشرافه على المفاوضات التي انتهت بجلاء القوات البريطانيّة من قناة السويس عام 1954، ثم وقوع محاولة اغتياله من قِبل جماعة الإخوان المسلمين في ميدان المنشيّة بالإسكندريّة في العام ذاته.

قادة تنظيم الضُباط الأحرار بعد انقلاب 1952 يتوسطهم محمد نجيب

وفي العام نفسه، انطلقت ثورة التحرير في الجزائر وبادرت القاهرة على الفَوْر بتقديم الدعم والإسناد لها، لتبدأ الثورة باكتساب طابع إقليمي-عربي متجاوز لحدود القُطر المصريّ، وترافق ذلك مع تبنّي خطاب يؤكد على تحرير فلسطين، وتولّت إذاعة "صوت العرب" التي أشرف مجلس قيادة الثورة على تأسيسها عام 1953 وانتشرت سريعاً حول العالم العربي، مهمة إيصال خطاب وشعارات عبد الناصر والثورة إلى الشعوب العربيّة، فبدأ عبد الناصر باكتساب شعبيّة وتأييد عربي واسع.

أحمد سعيد المذيع الأشهر في "صوت العرب"

كما كان عبد الناصر من ضمن القادة المؤسسين لحركة عدم الانحياز إلى جانب الزعماء: "جوزيف تيتو"، و"سوكارنو" و"جواهر لال نهرو" في مؤتمر "باندونغ" (إندونيسيا 1955)، وهي حركة حاوت إحداث تغيير هام على مستوى السياسة العالمية بعد انطلاق الحرب الباردة بين المعسكرين: الشرقي والغربي؛ فجاءت الحركة لتنأى بكتلة دول آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية عن هذه الاستقطاب.

اقرأ أيضاً: كيف تحول حزب البعث في العراق من الأيديولوجيا إلى العائلة؟
وفي موازاة ذلك قاد عبد الناصر حملة تحريض ضد "حلف بغداد" الذي رعته بريطانيا وخططت له الولايات المتحدة الأمريكية في مواجهة تمدد الاتحاد السوفيتي، وتعزيز الهيمنة الأمريكية في المنطقة؛ واستجاب الشارع العربي لخطب ودعاية عبد الناصر ضد المشروع وعمّت المظاهرات شوارع المدن في الأردن وفلسطين وسوريا ولبنان رافضةً الانضمام للحلف، وهو ما عزز من حضور الناصريّة وتبلورها على المستوى العربي وأكسبها بعداً إقليمياً.

عبدالناصر إلى جوار نهرو وتيتو في باندونغ

وفي عام 1956 وبعد إيقاف الولايات المتحدة قرض البنك الدولي لتمويل بناء السد العالي، في أعقاب التصدي لحلف بغداد وعقد صفقة الأسلحة التشيكية، قرر عبد الناصر بتأميم قناة السويس ونقل ملكيتها من الشركة الأجنبية المالكة إلى الدولة المصرية، بغرض توفير التمويل اللازم للمشروع.

اعتبرت الشعوب العربية فشل العدوان بمثابة صمود أمام قوى الاستعمار وانتصار عليها

أرادت بريطانيا عقاب عبد الناصر على سيطرته على القناة الهامّة بالنسبة إلى مصالحها، وانضمت لها فرنسا التي أرادت الانتقام من دعمه لثورة الجزائر، في حين وجدت إسرائيل فرصة سانحة لتدمير القوات المصريّة في سيناء التي كانت ترى فيها تهديداً لها، وبذلك كان "العدوان الثلاثي" على مصر في تشرين الأول (أكتوبر) 1956، وعلى إثر المقاومة المصريّة للقوات المعتدية في بورسعيد والقناة تحركت عواصم العالم منددةً بالاعتداء، وهددت موسكو بضرب العواصم الثلاث (لندن، وباريس، وتل أبيب) بالقنابل النووية، فأدى الضغط الدولي إلى وقف العدوان.
اعتبرت الجماهير العربية فشل العدوان بمثابة صمود أمام قوى الاستعمار وانتصار عليها، وهو ما أكسب عبد الناصر شعبيّة هائلة وتأييد واسع في أوساط الإنتلجنيسيا العربيّة، واندفعت حركات وتنظيمات عديدة لإعلان المساندة والولاء لعبد الناصر، لتتبلور بذلك الناصريّة باعتبارها تيار تحرري عام يجمع المشرق والمغرب.

العدوان الثلاثي كما صوّره الرسام الإنجليزي "جراهام كوتون"

انحسار الناصرية
عام 1958 جاءت الخطوة الأهم في مسيرة الناصرية مع إعلان الوحدة مع سوريا، والتي انتهت بعد ثلاثة أعوام مع وقوع الانقلاب بسوريا في الثامن والعشرين من آذار (مارس) 1961، وفي العام نفسه، اندلعت ثورة "الضباط الأحرار" في اليمن الشمالي على حكم المملكة المتوكّليّة، وسارع عبد الناصر لإرسال السلاح والقوات المصرية لدعم الثوّار، فوصل عدد الجنود المصريين المُرسَلين إلى نحو سبعين ألف جندي خلال خمس سنوات، في حين تولّت المملكة العربية السعودية دعم الإمام البدر، لتتبلور بذلك حالة "الحرب العربية الباردة"، وثنائيّة الدول التقدميّة (الجمهوريات) في مواجهة الدول الرجعية (الممالك) وهي إحدى مرتكزات الخطاب الناصريّ.

كانت مرحلة حكم السادات بمثابة ارتداد تام عن الناصريّة

لم تؤثر تجربة الانفصال بشكل حاسم على شعبية عبد الناصر، إلا أنّ الهزيمة الأكبر للناصريّة جاءت مع هزيمة حزيران عام 1967، حيث تلقت كل وعودها ضربة قاضية، حاول عبد الناصر لملمة الأوراق واستعادة المبادرة عبر إطلاق حرب الاستنزاف و"إزالة آثار العدوان"، والترحيب بانقلاب القذافي في ليبيا، وانقلاب النميري في السودان، وإطلاق مشروع للوحدة مع السودان وليبيا، إلّا أنّ المنيّة عاجلت عبدالناصر عام 1970 لتكون نهاية مرحلة من "الناصريّة"، تجلت فيها باعتبارها مشروعاً رسمياً لدولة كبيرة ذات مركزية وتأثير كبير في المحيط العربي.
عند وفاة عبد الناصر كان أنور السادات نائبه، وهو من المنتسبين لتنظيم الضباط الأحرار منذ تأسيسه ومن ثم كان عضواً في مجلس قيادة الثورة، وبمجرد استلامه السلطة أعلن انتسابه للمسار الناصريّ، وخلال السنوات الثلاثة الأولى من حكمه بدا وكأنه يسير على خط ناصر مع الإعداد لحرب تحرير سيناء، وبدت حرب 1973 كاستمرار لمرحلة "إزالة آثار العدوان" الناصريّة.

اقرأ أيضاً: حزب البعث السوري: تجربة خمسة عقود من الحكم.. ما أبرز التحولات؟
إلّا أنّ التحوّلات بدأت مباشرة بعد تلك الحرب مع توجه السادات نحو التقارب نحو الولايات المتحدة الأمريكية، والتراجع التدريجي عن شعارات وعبد الناصر وسياساته، فطرد الخبراء السوفييت. وطرح "ورقة أكتوبر" التي تمهد للانفتاح الاقتصادي على الرأسمالية العالمية، وألغى قانون الإصلاح الزراعي، وحلّ الاتحاد الاشتراكي، وبلغ الانقضاض على الناصرية ذروته مع زيارته للقدس المحتلّة عام 1977، وتوقيع اتفاقية "كامب ديفيد" للسلام مع "إسرائيل" عام 1978.
ناصريّة في المعارضة
خلال مرحلة السبعينيات، بدأ التيار الناصريّ يتشكّل في أُطُر جديدة بعد نهاية التجربة على مستوى الحكم والدولة، وبرز كُتّاب ومفكّرون يعلنون تبنّي الناصريّة كعصمت سيف الدولة ومحمد حسنين هيكل. بالإضافة إلى تشكّل "نوادي الفكر الناصريّ" في الجامعات، وخلال تلك المرحلة استمر نشاط تنظيم "الطليعة العربية"، الذي أسسه عبد الناصر عام 1965 خلال عهد السادات وحتى منتصف الثمانينات.

اقرأ أيضاً: حزب الوسط المصري إذ يدور في فلك جماعات الإسلام السياسي
خلال عهد الرئيس الأسبق، حسني مبارك، تأسس حزبان عبّرا عن التيار الناصريّ في مصر، أولهما "الحزب العربي الديمقراطي الناصري" 1992، وأسسه فريد عبد الكريم بالاشتراك مع ضياء الدين داوود، والفريق محمد فوزي، وزير الحربية في عهد جمال عبد الناصر. وتبنى الحزب الخطوط العريضة لمبادئ وشعارات ثورة يوليو، وأضاف إليها مقاومة مفرزات عهد السادات، بالإضافة إلى تبني المطالبة بالديمقراطية والحريّات.
وكان الحزب الناصري الآخر، هو "الكرامة" الذي تأسس عام 1997 ولم يحصل على ترخيصه إلا بعد ثورة 25 يناير 2011، وترأس الحزب حمدين صباحي عضو مجلس الشعب في الفترة (2000-2010)، والمرشح الرئاسي في انتخابات الرئاسية عامي 2012، وكان أحد أبرز المرشحين إلى جانب محمد مرسي وأحمد شفيق وعبد المنعم أبو الفتوح، وخالد علي، وكما ترشح في انتخابات 2014 الرئاسية أيضاً.

حمدين صبّاحي أحد أبرز المرشحين في انتخابات الرئاسية العام 2012

الناصريّة عربياً
1- العراق
كانت تجربة الضباط الأحرار سابقة للظهور في العراق؛ حيث ظهرت أول محاولة انقلابيّة تحرريّة في فترة مبكّرة عام 1936 (محاولة بكر صدقي الانقلابية)، ثم محاولة رشيد عالي الكيلاني عام 1941. وأخذت التجربة بُعداً تنظيمياً مع تأسيس تنظيم "الضباط الوطنيون" 1949، وكان من أبرز مؤسسيه: عبد الكريم قاسم، وعبد الوهاب الشوّاف، والأخوين عبد السلام وعبد الرحمن عارف، وناظم الطبقجلي، وأحمد حسن البكر.

كانت الناصريّة حاضرة بشكل واسع على المستوى الشعبي في الأردن

نشط "الضباط الوطنيون" في أعقاب النكبة؛ حيث سادت بين الضباط حالة من التذمّر ورغبة في تحميل مسؤولية الهزيمة للطبقة الحاكمة، وتحديداً الأسرة الحاكمة والمحيطين بها، وفي مقدمتهم نوري السعيد، والوصيّ على العرش عبد الإله. وتضاعف هذا التذمر مع تشكيل "حلف بغداد" الذي رعاه نوري السعيد، رئيس الوزراء العراقي آنذاك متحالفاً والذي رأى فيه "الضباط الوطنيّون" عنواناً للتبعية والارتهان لقوى الاستعمار. وحدث الانفجار بعد حرب السويس (العدوان الثلاثي) عام 1956، حين كان نوري السعيد، رئيس الوزراء العراقي آنذاك متحالفاً مع بريطانيا.
فقام التنظيم بانقلاب "14 تموز" عام 1958 بقيادة عبد الكريم قاسم، حاملاً نفس أهداف وشعارات ثورة "23 يوليو"؛ وبادر عبد الناصر إلى دعم وتأييد الانقلاب، قبل أن يحدث الخلاف بين الثورتين مع اختيار قاسم التحالف مع الحزب الشيوعي والتوجه نحو التقارب مع الاتحاد السوفيتي، خلافاً للتوجهات القوميّة وسياسة عدم الانحياز التي كان يتبناها عبد الناصر.

اقرأ أيضاً: كيف حفّز حزب النور سلفيي الدول العربية على العمل الحزبي؟
وبلغ الصدام بينهما ذروته في عام 1959 مع التمرد الفاشل لعبد الوهاب الشوّاف في الموصل على عبد الكريم، بدعم من عبد الناصر. وبعد قيام عبد السلام عارف بانقلاب آذار (مارس) عام 1963 عاد التيار الناصري للحكم في العراق وأُعلن عن التوجه لتأسيس مشروع وحدة ثلاثي يجمع مصر والعراق وسوريا في جمهورية واحدة، واستمر هذا الاتجاه في عهد عبد الرحمن عارف.

عبد الكريم قاسم وإلى جانبه عبدالسلام عارف بعد استلام الحكم

2- الأردن
بعد ثورة 23 يوليو تأسس في الأردن تنظيم حمل اسم "الضباط الأحرار" أيضاً، وذلك ضمن الأجواء المتذمّرة من علاقة التبعية مع بريطانيا التي هندستها المعاهدة الأردنية/البريطانية عام 1928، ووضع التنظيم تعريب قيادة الجيش وإلغاء المعاهدة في مقدمة أهدافه، وعلى الرغم من أنّ الملك حسين بادر عام 1956 إلى تحقيق مطلب تعريب قيادة الجيش، في ظل صعود الاتجاه القومي الناصري، إلا أن التنظيم نفّذ تحركاً عسكرياً في 13 نيسان (أبريل) 1957 بقيادة قائده علي أبو نوار بهدف محاصرة العاصمة عمّان إلا أنه جرى التصدي للمحاولة؛ واعتقل عدد من أفراد التنظيم، وهرب الآخرون شمالاً إلى سوريا.

اقرأ أيضاً: حزب التحرير: الخلافة الإسلامية والأسطورة المهدوية
وفي عام 1967 تأسس في الأردن تنظيم "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين"، والتي انبثقت عن "حركة القوميين العرب" ذات التوجّه الناصريّ، قبل أن تخرج نهائياً من الأردن بعد مواجهات بين الجيش الأردني وفصائل منظمة التحرير في أحداث أيلول عام 1970 وأحداث جرش وعجلون عام 1971، بعد صراع على استلام الحكم في البلاد.

الملك حسين يخطب في قوات الجيش وبجانبه معن أبو نوّار

3- لبنان
في أعقاب العدوان الثلاثي (1956) على مصر أعيد إطلاق "حركة القوميين العرب" التي كانت قد تأسست عام 1951 في لبنان، ونشطت الحركة في عدد من الدول العربية الأخرى، وبادر أعضاؤها بالمشاركة في المواجهات إلى خاضتها الناصريّة كما حدث في الثورة اليمنية عام 1962.
وظهرت حالة عامة من التأييد لجمال عبد الناصر في لبنان مع الثورة على كميل شمعون عام 1958، وكان أول حزب لبناني يعلن تبنّيه النهج والتوجّه الناصريّ "اتحاد قوى الشعب العامل" الذي أسسه كمال شاتيلا عام 1965. وبعد اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 انخرط الحزب في المواجهات ضمن صفوف ما عُرف بـ "الحركة الوطنية اللبنانية" في مواجهة اليمين اللبناني. وكان للحزب قوات خاصة قوامها ألف مقاتل باسم "ناصر"، قبل أن يتخلّى الحزب لاحقاً عن السلاح ويوجّه نشاطه نحو العمل الاجتماعي والنشاط السياسي السلمي.

كانت الثورة الجزائريّة منذ انطلاقها على علاقة وطيدة بالقاهرة وكانت تتلقى الدعم المباشر منها

وفي عام 1984 نُفي المؤسس خارج البلاد، ولم يعد إلى لبنان إلا في عام 2000، وبعد اغتيال الحريري وإعادة تبلور المشهد السياسي في لبنان، اختار الحزب عام 2005 الانضمام إلى محور قوى "8 آذار".
وفي عام 1967، تأسست حركة الناصريين المستقلين المعروفة بـ"المرابطون"، وكانت حركة سياسية عسكرية أسسها إبراهيم قليلات، الذي كان قد شارك ضمن صفوف المقاومة في حرب السويس عام 1956، وفي الثورة ضد كميل شمعون عام 1958. وبعد اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، شاركت الحركة كذلك ضمن صفوف "الحركة الوطنية"، واشتهرت بعد مشاركتها البارزة في معركة الفنادق ببيروت (1975-1976)، وكان للحركة علاقة وطيدة بحركة "فتح" الفلسطينية. واشتهرت الحركة بإذاعتها، إذاعة "صوت لبنان العربي".
وفي عام 1984، بعد خروج فصائل منظمة التحرير بعامين، تم تصفية الحركة عسكرياً. وفي عام 2001 أعلنت الحركة عن متابعة العمل السياسي العلني، ولا زالت ناشطة حتى اليوم.

اقرأ أيضاً: التجربة الحزبية عند الإخوان المسلمين: التنظير والعمل السياسي
وعام 1973 أسس معروف سعد تنظيم "الناصري اللبناني" إلا أنه اغتيل عام 1975، ليخلفه على قيادة التنظيم نجله مصطفى سعد. وانضم التنظيم خلال الحرب الأهلية اللبنانية إلى صفوف الحركة الوطنية وشارك في المعارك. ولا زالت الحركة ناشطة حتى اليوم، ويرأسها حالياً "أسامة سعد"، نجل معروف سعد الآخر.

مقاتلة من اليمين اللبناني في معركة الفنادق برزت فيها حركة الناصريين المستقلين

4- اليمن
في اليمن، جاء الظهور الأول للتيار الناصريّ كذلك ضمن صفوف المؤسسة العسكرية، وذلك في اليمن الشمالي؛ حيث تأسس تنظيم باسم "الضباط الأحرار"، عام 1961، وفي عام 1962 قاد ثورة "26 سبتمبر" ضد الحكم المتوكلي في البلدان. وكان من أبرز قادة التنظيم، اللواء علي عبد الغني، والملازم أول حسين الغفاري. وفي ذات الوقت كان تنظيم "الطليعة العربية" في القاهرة يستقطب الطلاب اليمنيين هناك.

اقرأ أيضاً: الأحزاب الكردية: صراعات وأحلام تنتظر التغيرات الدولية
وفي جنوب اليمن، كانت قد انطلقت حركة تحرير جنوب اليمن بقيادة الجبهة القومية للتحرير، وكانت الحركة مقرّبة من جمال عبد الناصر وتتلقى الدعم منه، وانتهت بتحقيق جلاء القوات البريطانية عام 1967 وتأسيس "جمهورية اليمن الجنوبيّة الشعبيّة"، برئاسة "قحطان الشعبي"، وتولى الحزب الاشتراكي قيادة البلدان والذي توجَه نحو الأيديولوجيا الشيوعية مبتعداً عن التوجّه الناصريّ. وخلال حركة التحرير كان التيار الأقرب للناصريّة قد أعلن انشقاقه عن الجبهة القومية بعد وقوع خلافات بينها وبين عبد الناصر وأعلن في عام 1966 عن تأسيس التنظيم الشعبي للقوى الثورية، والذي أعلن عن تبنيه للناصريّة. وبعد الاستقلال خاض التنظيم صراعاً مع الحزب الاشتراكي الحاكم، ما دفع العديد من أفراده للانتقال إلى اليمن الشمالي. وكانت جمهورية اليمن الجنوبية قد التزمت بتوفير الدعم لجبهة تحرير ظفار في حربها مع سلطنة عُمان، وهي الحرب/الثورة التي كانت تأتي في سياق المواجهة بين المعسكرين: التقدمي/الرجعي، كما كان يوصف آنذاك.

اقرأ أيضاً: الأحزاب العربية: خيبات الفرص الضائعة
وبعد قيام الوحدة اليمنية عام 1990، وإعلان التعددية السياسية والقبول بترخيص الأحزاب، أعلنت جماعة من التنظيم الشعبي استئناف العمل كحزب سياسي تحت اسم "التنظيم الشعبي لجبهة التحرير اليمنيّة". وفي ذات الفترة أيضاً، أعلن التنظيم الناصري الذي كان يُمارس النشاط الرسمي سرياً عن خروجه للعلن وتأسيس حزب باسم "التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري"، شارك في الانتخابات النيابية منذ عام 1993، كما أعلن عن تأسيس أحزاب ناصريّة أخرى في ذات الفترة، فتأسس "الحزب الناصريّ الديمقراطي" وحزب "التنظيم الشعبي الناصريّ" عام 1995.

عبد الحكيم عامر (قائد الجيش المصري) في صنعاء يشارك في إدارة المعارك ضد قوات الإمام

5- المغرب العربي
في ليبيا تأسست حركة "الوحدويون الأحرار" بين صفوف الضُبّاط عام 1964، بقيادة معمّر القذافي، وتبنّت منذ تأسيسها المبادئ والتوجّهات الناصريّة. وفي الأول من أيلول (سبتمبر) 1969 نفذت الحركة انقلاباً عسكريّاً على حكم السنوسيين، وأنهت عهد الملكية وأسست الجمهورية الليبية، ومنذ اليوم الأول اتجه القذافي للتقارب مع عبد الناصر، وشارك في الاجتماع الثلاثي مع عبد الناصر والنميّري والذي جرى فيه الإعلان عن إطلاق مشروع تأسيس جمهورية عربية موحّدة تجمع البلدان الثلاث.
أما في تونس، فقد اختار الصالح بن يوسف، زعيم التيار اليوسفيّ داخل الحزب "الحرّ الدستوريّ" اللجوء إلى القاهرة والاستقرار فيها والتقرّب من عبد الناصر، وبعد اغتياله شُيّع ودفن فيها، وكان التيار اليوسفيّ معارضاً لاتفاقيات الاستقلال مع فرنسا، وكان يدعو لإقامة وحدة مغاربيّة تجمع تونس مع سائر أقطار المغرب العربيّ.

اقرأ أيضاً: الأحزاب الدينية المصرية بعد ثورة يناير: متى تتجاوز مربع الشعارات؟
وفي الجزائر، كانت الثورة الجزائريّة منذ انطلاقها على علاقة وطيدة بالقاهرة وكانت تتلقى الدعم المباشر منها، وبعد الاستقلال تولّى رئاسة الجمهوريّة الجزائريّة "أحمد بن بيلا" وثيق الصلة بعبد الناصر، وتبعه "هواري بومدين" الذي طبقّ ذات السياسات الناصريّة المتعلقة بالتأميم وتطبيق نموذج "اشتراكيّة الدولة".

عبدالناصر متوسطاً النميري والقذافي في أعقاب نجاح الثورتين في السودان وليبيا