النبّاشون في مكبّات النفايات بغزة: لقمة عيش مغمّسة بالسموم

النبّاشون في مكبّات النفايات بغزة: لقمة عيش مغمّسة بالسموم


22/02/2022

منذ ساعات الفجر الأولى، ولمسافة تزيد عن أربعة كيلومترات سيراً على الأقدام، يمضي المواطن الفلسطيني عرفات السرسك (37 عاماً) يومياً، برفقة أطفاله، إلى مكبّ نفايات جحر الديك شرق مدينة غزة، وذلك لانتظار الشاحنات الكبيرة التي تفرّغ حمولتها من القمامة، للتنقيب والنبش في داخله، وتقليب محتوياته، لعلّهم يجدون مرادهم، داخل جبال من الأكوام، لتأمين المتطلبات المعيشية لعائلاتهم.

ويقول السرسك، من حيّ الشجاعية شرق مدينة غزة، والذي يعيل أسرته المكونة من عشرة أفراد وتظهر عليه ملامح باهتة، ويداه متشققتان، وملابسه بالية، لـ "حفريات": "نتيجة شحّ فرص العمل في قطاع غزة، وبعد محاولاته المتكررة للبحث عن فرصة تساعده على إعالة عائلته، قرّر منذ ما يزيد على 15 عاماً، العمل وعائلته في التنقيب والنبش عن القطع المعدنية والبلاستيكية والطعام التالف (كالخبز وبقايا الخضار والفواكه) في مكبات النفايات، بعد أن يتم فرزها وبيعها لبعض تجار الخردة ومربّي الماشية".

المواطن الفلسطيني عرفات السرسك لـ"حفريات": ما أحصل عليه من بيع قطع الخردة لا يتجاوز 25 شيكلاً يومياً (7 دولارات أمريكية)

وبحسب معطيات المركز الوطني للبيئة والتنمية؛ فإنّ قطاع غزة ينتجُ 2150 طناً يومياً من النفايات الصلبة، أكثر من نصفها يذهب لمكب "جحر الديك" شرق مدينة غزة، إذ يستقبل يومياً نحو 1200 طن، 60% من هذه الأطنان من المواد العضوية التي تبعث رائحة كريهة، و16%مواد بلاستيكية، فيما يشكّل الورق والحديد والنحاس والألومنيوم نحو 30% منها فقط.

اقرأ أيضاً: "الدولفين الجاسوس": سلاح إسرائيلي جديد لاختراق سواحل غزة

ويبلغ متوسط النفايات المنزلية في فلسطين حوالي 716 طنّاً يومياً، حوالي 12% منها هي بلاستيك، بحسب تقرير صادر عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني عام 2018.

ووفق مركز الميزان لحقوق الإنسان؛ فإنّ الحصار والحروب رفعا معدلات البطالة في صفوف القوى العاملة إلى 45%، والفقر إلى 64%، وانعدام الأمن الغذائي إلى 62.2%، في حين أنّ 80% من السكان يعتمدون حالياً على المساعدات الدولية.

الفتى أسامة يقضي مطموراً

وأوضح السرسك؛ أنًه فقد نجله أسامة (14 عاماً)، في 27 كانون الثاني (يناير) الماضي، بعد أن تمّ طمره في مكبّ نفايات جحر الديك بواسطة "عربة جرافة" كانت تعمل في المكان، أثناء النبش والتنقيب داخل المكب، وذلك لإيجاد ما يمكنه أن يسدّ رمق أسرته، والتي تعاني الأمرّين، نتيجة لظروفها المعيشية السيئة".

المواطن الفلسطيني عرفات السرسك فقد نجله أسامة (14 عاماً)، بعد أن تمّ طمره في مكبّ نفايات جحر الديك بواسطة "عربة جرافة" كانت تعمل في المكان

ولفت إلى أنّ "عمله لا يقتصر على مكب النفايات في شرق غزة، بل يتواصل بعد ساعات الظهيرة، للسير على الأقدام عشرات الكيلومترات في شوارع وطرقات مناطق واسعة من قطاع غزة، للتنقيب يدوياً في حاويات القمامة حتى ساعات المساء المتأخرة، لجمع ما بوسعهم جمعه من خردة الألمنيوم والنحاس والبلاستيك وبقايا الطعام".

وأوضح السرسك؛ "ما أحصل عليه من بيع هذه القطع لا يتجاوز 25 شيكلاً يومياً (7 دولارات أمريكية)، وهو مبلغ زهيد لا يفي بتأمين أدنى متطلبات عائلتي المعيشية، في ظلّ الوضع الاقتصادي الصعب، والارتفاع الباهظ في أسعار السلع والمنتجات الأساسية".

المنقِبون في هذه المكبات ليس لديهم الوعي الكافي لاتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية أنفسهم

وبيًن السرسك؛ أنّ "العمل في النبش داخل مكبات النفايات، لا يخلو من المخاطر الصحية التي تهدّد حياتنا، بسبب استنشاقنا الروائح الكريهة على مدار اليوم، وكذلك التعرض للعديد من الإصابات بالجروح والخدوش، وحتى الدهس والدفن داخل هذه المكبات، أثناء التنقيب داخل أكوام القمامة، إلا أنّ ذلك هو سبيلنا الوحيد للبحث عن رزقنا اليومي، وهو الأمر الذي لا يجعلنا نلتفت إلى المخاطر والمشاكل الصحية التي يمكن أن تحدث لنا مستقبلاً".

أوضاع معيشية صعبة

ولا يختلف الحال لدى الفتى محمود المنايعة (15 عاماً) من سكان مدينة غزة، والذي يشقّ يومه منذ ساعات الصباح الباكر، نحو مكب اليرموك وسط مدينة غزة، مصطحباً معه كيساً بلاستيكياً كبيراً وقضيباً معدنياً، لمساعدته في التنقيب والنبش داخل أكوام القمامة، بحثاً عن القطع المعدنية، كعبوات حليب الأطفال والكوكاكولا الفارغة، وكذلك قطع النحاس والألمنيوم والبلاستيك، أملاً في بيعها، والحصول على مبلغ زهيد، لتغطية متطلبات أسرته المعيشية".

اقرأ أيضاً: إسرائيل تسمّم وتدمّر المحاصيل الزراعية في غزة والأغوار

المنايعة، الذي ترك مقاعد الدراسة منذ أربعة أعوام، يقول لـ "حفريات"، إنّ أوضاعه المعيشية الصعبة، ومرض والده الذي أقعده على كرسي متحرك منذ ستة أعوام، دفعه لاتخاذ هذا القرار الصعب، كي يستطيع تأمين بعض مستلزمات عائلته المكوّنة من 11 فرداً، بعد أن تفاقمت أوضاعهم المعيشية، سوءاً بفعل توقف مخصصات الشؤون الاجتماعية المالية، منذ ما يزيد عن عام كامل، والتي يتم صرفها للفقراء في غزة كلّ ثلاثة أشهر، وهو الدخل الوحيد الذي تعتمد عليه الأسرة.

تنمّر وسخرية

ولفت إلى أنّه "ينتظر داخل مكب النفايات لحين وصول الشاحنات لإفراغ حمولتها، ليصبح المكان أشبه ما يكون بحلبة للمصارعة، في ظلّ تنافس الموجودين للحصول على القطع المعدنية الكبيرة، والأكثر وزناً، لتدرّ عليهم دخلاً مالياً أكبر، حيث يستمرّ في عمله لمدة تزيد عن سبع ساعات متواصلة، كي يستطيع تأمين ما بين 30 إلى 40 كيلوغراماً من المواد المعدنية والبلاستيكية".

يصبح المكان أشبه ما يكون بحلبة للمصارعة، في ظلّ تنافس الموجودين للحصول على القطع المعدنية الكبيرة، والأكثر وزناً

وتابع: "لست الوحيد الذي أعمل في هذه المهنة، ولدي شقيقان يعملان معي أيضاً في التنقيب داخل أكوام النفايات لعدة ساعات، ومن ثم يذهبان إلى المدرسة، وبعد عودتهما قبيل ساعات المساء يعودان لاستكمال العمل مجدداً للنبش والبحث في حاويات القمامة التي تتواجد على أرصفة الشوارع والطرقات"، مبيناً أنّه "إن لم يقم بعمله بشكل يومي فسوف تموت عائلته جوعاً، ولن تستطيع الإيفاء بأدنى متطلباتها المعيشية".

اقرأ أيضاً: بانوراما قطاع غزة: إعادة الإعمار أو تجديد التدمير؟

ولا يخفي الفتى المنايعة نظرة المجتمع السلبية له أثناء قيامه بجمع النفايات، وكذلك التنمر عليه والسخرية من مظهره، وهو الأمر الذي يشعره بالحرج الكبير، إلا أنّه لا سبيل أمامه دون العمل في هذه المهنة.

أمراض خطيرة

بدوره، يقول رئيس المعهد الوطني للتنمية للبيئة في غزة، د. أحمد حلس، في حديثه لـ "حفريات" إنّ "هناك مجموعة كبيرة من المخاطر والأضرار التي تصيب الأشخاص المنقبين في أكوام القمامة، في ظلّ عشوائية العمل الميداني دون الالتزام بمعايير السلامة المهنية والعامة، ما يهدّد بإصابتهم بسائر الأمراض المعدية والمرتبطة بالفيروسات والطفيليات والبكتيريا، وكذلك التلوث الحيوي والكيميائي والفيزيائي".

رئيس المعهد الوطني للتنمية للبيئة في غزة، د. أحمد حلس: هناك مجموعة كبيرة من المخاطر والأضرار التي تصيب الأشخاص المنقبين في أكوام القمامة

وبيّن حلس أنّ "المنقِبين في هذه المكبات ليست لديهم الوعي الكافي لاتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية أنفسهم، من خلال ارتداء الملابس الواقية، في ظلّ التلوث الكبير الذي يعملون في وسطه، والذي يضمّ نفايات صحية وصناعية وتجارية ومنزلية، بالإضافة إلى تعرضهم للإصابة بالجروح والخدوش، والدهس من قبل العربات الثقيلة، إضافة إلى إمكانية تعرضهم للإصابة بفعل انفجار بعض القنابل غير المتفجرة من مخلفات الحروب، وكذلك استنشاق الغازات السامة المنبعثة من هذه المكبات، بالتالي، نشر أكبر قدر ممكن من الأمراض والأوبئة بين السكان".

الخبير البيئي د. أحمد حلس لـ"حفريات": تحلل النفايات يتسبّب في حدوث انبعاث ضارة لغاز الميثان، والذي ينتج عنه اشتعال النيران في هذه المكبات، وصعوبة السيطرة عليها

وتابع أنّ البلديات في قطاع غزة، على ما يبدو، لا توجد لديها أيّة خطط للتعامل مع وضع النفايات في القطاع، "في ظلّ عدم توافر القوانين البيئية والتشريعات التي تتبنى المشاريع الصديقة للبيئة، أو التي من شأنها أن تلزم السكان بفرز النفايات، لاستغلالها والعمل على تدويرها، إلا أنّ كلّ ما يجري من مشاريع هي أعمال فردية أو تتبع لمؤسسات مستقلة، لكنّها تبقى متناثرة، دون خطة إستراتيجية وسياق وطني، ليتم دعمها بكلّ قوة ووضعها على سلم أولويات صناع القرار".

اقرأ أيضاً: "بدنا نعيش": قطاع غزة ينتفض احتجاجاً في وجه "حماس"

حلس أكّد أنّ "المكبات البدائية في قطاع غزة تعدّ من أسوأ الطرق التي استحدثها البشر منذ التاريخ، لإدارة النفايات الصلبة والتخلص منها، حيث أصبح تدوير النفايات هو الطريق الأمثل للوصول إلى ما نسبته صفر نفايات، بدلاً من مراكمتها بمئات الأطنان، والتي ينتج عنها عصارات شديدة السميّة"، موضحاً أنّ "الطن الواحد من النفايات ينتج 200 لتر عصارة سامة بعد تحلّله، وهذه العصارة تتسرّب إلى داخل التربة الزراعية، والخزان الجوفي، وتعمل على تلويث النباتات، وقتل الكائنات الحية".

البلديات في قطاع غزة لا توجد لديها أيّة خطط للتعامل مع وضع النفايات في القطاع

وأشار الخبير البيئي إلى أنّ "تحلل النفايات يتسبّب في حدوث انبعاث ضارة لغاز الميثان، والذي ينتج عنه اشتعال النيران في هذه المكبات، وصعوبة السيطرة عليها بشكل سريع، ما يؤدي إلى تلوث الهواء، وإصابة السكان الذين يقطنون على مقربة من هذه المكبات بمشكلات صحية وتنفسية خطيرة".



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات
الصفحة الرئيسية