النصوص الدينية لا تقتل.. التأويل الظلامي لها هو المجرم

15404
عدد القراءات

2017-11-09

منذ وقوع الهجمات في برشلونة، قيل الكثير، وما يزال الكلام مستمراً، رغم أنّ الجزء الأغلب منه يبعث على الإحباط والحزن.
يبدو من البديهي هنا التذكير بأن ليس كل المسلمين إرهابيين أو قتلة محتملين أو حتى "متورطين" في الجريمة، لكن يصبح ضرورياً معاودة فعل ذلك مرة تلو الأخرى إزاء موجة التعليقات المعادية للأجانب، التي تغرق فضاء وسائل التواصل الاجتماعي، في كل مرة تقع فيها حوادث مثل ذلك الذي شهدته برشلونة. يتضمن الرهاب الاجتماعي الحكم على الأشخاص كافة المنتمين إلى مجتمع معين فقط بسبب تشارك عامل ما يثير الكراهية أو الرفض. يشمل الأمر في الحالة التي تهمنا (معاداة الإسلام) الحكم على كل الأشخاص الذين ينتمون إلى مجموعة (أتباع الديانة الإسلامية) وانتسابهم للمجموعة المشار إليها، عوضاً عن الحكم على هؤلاء الأشخاص، تحديداً لما هم عليه أو لأفعالهم أو مميزاتهم أو عيوبهم الفردية.
تعرف أي فوبيا أو رهاب اجتماعي، كما يمكن الفهم، بأنها موقف يمس كرامة الأشخاص، لأنها لا تقيمهم على أساس ماهيتهم، بل تصدر أحكاما مسبقة، وتنسب إليهم مسؤولية أمور عدة بسبب تشاركهم في بعض الخواص التي لا علاقة لها بشخصياتهم.
يعد رهاب الإسلام انعكاساً لرهاب المسيحية الذي يمارسه "الإرهابيون الإسلاميون" الذين يرون في "المسيحي الغربي" تجسيدا منطبقاً للشر، وهذا بالطبع غير عقلاني أيضاً. يكون من الصعب بالتأكيد علينا نحن الغربيين فهم التعميم الظالم واتهامنا جميعا بالمسؤولية عن كل الشرور التي يعاني منها المسلمون في أماكن أخرى. البعض لا يعتقد قطعاً أنه من المجحف التعميم واتهام كل المسلمين بالطريقة نفسها بمسؤوليتهم عن العنف الجهادي.

يعد رهاب الإسلام انعكاساً لرهاب المسيحية الذي يمارسه "الإرهابيون الإسلاميون" الذين يرون في "المسيحي الغربي" تجسيدا منطبقاً للشر

لكن معاداة الأجانب لا تزال حاضرة بقوة بين الناس بسبب "الخوف من الآخر" والمختلف والمجهول، إنه عامل متجذر لدى البشر يمكن تجاوزه فقط بجرعات مكثفة من العقلانية والتعاطف. وليس المشهد العالمي في الوقت الحالي هو الأمثل لعكس معاداة الأجانب، بل يبدو أنه على العكس، إذ يؤدي، مع الأسف، لزيادتها بشكل مقلق. تتكفل وسائل الإعلام بتعزيزها عبر خطاب الكراهية بأكثر طريقة ممكنة تفتقر للمسؤولية.
على أنّ التأكيد الأخطر يبدو أنه "الإسلام هو المشكلة". حينما يجرى تأكيد ذلك ودون أي تأصيل، يكون هناك تأكيد متخبط لا يعي التعقيد الحقيقي للموضوع. لأنه، ما المغزى من تأكيد ذلك؟ هل الإشارة إلى أنّ الإسلام يحمل في طياته بعض الخصائص التي تجعله غير متوافق مع الديمقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان؟

إنّ البوسنة وألبانيا دول ذات تركيبة سكانية مسلمة. الوضع ذاته ينطبق على عدد من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، مثل أربيجان وقرغيزستان وطاجيكستان. لكنها دول علمانية. كانت تركيا كذلك لوقت طويل رغم أنها تمر حالياً بمرحلة تراجع تبعث على القلق.
إنّ التشديد على أنّ الإسلام كديانة يحمل بالتبعية بداخله الأصولية، وبالتالي يستحيل وصف أي دولة يعتنق أغلب مواطنيها الإسلام بأنها دولة علمانية، لهو تأكيد تفنده مباشرة الأحداث. لقد أظهر أوليفيه كاريه في مقاله (الإسلام العلماني) أنّ النصوص الكبرى للفلسفة الإسلامية السياسية، بعيداً عن إيجاد خلط بين الديني والسياسي، تعكس التميز.


يزعم البعض أن القرآن كتاب يحرض على العنف. لكن القرآن ليس هو سبب العنف، كما أن الكتاب المقدس ليس كذلك، ولا أي نص مقدس في حد ذاته، بل من يعملون على تأويله، وعلى أساس التأويلات يجدون مبرراً للقتل. النصوص لا تقتل: من يقتلون هم الأشخاص الذين يستخدمونها كذرائع خاوية لبث الرعب. يحوي القرآن نصوصاً تبدو في ظاهرها أنها تبرر استخدام العنف باسم الدين، لكن هذه النصوص موجودة أيضاً في الكتاب المقدس، ولا يستغلها أغلب المسيحيين حالياً لتبرير الحرب المقدسة.
تكمن مشكلة النصوص الدينية- كافة- في غزارة التشبيهات والأساطير واللغة الرمزية، فضلاً عن أنها خارج سياقها التاريخي المحدد تفقد معناها إذا لم يوضع تفسير وسياق منطقي لها. لكن تنشأ صعوبات لا يمكن تلافيها عند البحث عن التفسيرات الأكثر دقة، لأنها تعتمد في كثير من الحالات على "ذاتية" المفسر. ومثل أي نص مقدس آخر، فإنّ القرآن غامض بشكل كاف. الدافع الذي يمهد الطريق أمام المتشددين من كل جانب للعثور على فقرات محددة في الكتب المقدسة تمثل أساساً لا يمكن التشكيك به لترهاتهم وممراً آمناً لجرائم الكراهية التي يرتكبونها.
لكن القرآن هو الكتاب نفسه الذي يقرأه ويتبعه آلاف الأشخاص الذين لا يقتلون ولا يتفقون مع من يفعلوا ذلك. يأخذ المسلمون والمسلمات من القرآن ما يعتقدونه مناسباُ، بنفس طريقة تعامل المسيحيين مع الكتاب المقدس، فضلاً عن أن الإسلام دين تعددي ومحدود الكهنوتية تتعايش فيه عدة مدارس تفسير تختلف فيما بينها في جوانب عدة. تؤكد مقولة فارسية قديمة: "يكمن نظام العلماء في اللانظام". لكن لا وجود في المنهج الإسلامي المؤسس ما يبرر أو يحرض على العنف أو الحرب ضد أتباع الديانات الأخرى.
بالتالي لا معنى لأن نبحث في أية ورقة مقدسة أو حاجة جوهرية عن الأسباب المباشرة للعنف الدامي الذي يرتكب باسم الدين الإسلامي. هذا ليس تفسيراً، بل تفسير زائف.

يزعم البعض أن القرآن كتاب يحرض على العنف. لكن القرآن ليس هو سبب العنف، كما أن الكتاب المقدس ليس كذلك، ولا أي نص مقدس في حد ذاته

هل يمكننا القول إن المسيحية "بحد ذاتها" دين يحرض على الكراهية، لأن عدد القتلى على أيدي الكنيسة يقدر بالآلاف على مدار التاريخ؟ كان النازيون الذين أبادوا ملايين اليهود بمعسكرات الاعتقال مسيحيين، كذلك باسم الدين، لأن هدفهم كان القضاء على الشعب المسؤول عن مقتل المسيح. لقد وصل الأمر بهتلر أن صرح "أنا على يقين بأنني أعمل كممثل لخالقنا. بمكافحة اليهود فإنني أنفذ إرادة الرب". ننسى أحياناً أنّ أوروبا المسيحية كانت على وشك الاندثار بسبب الحروب الدينية التي ضربت القارة في القرنين السادس عشر والسابع عشر.
شُنت الحروب الصليبية لنشر المسيحية أيضاً استناداً إلى تصور عسكري صرف. وفي الوقت الراهن، فإنّ فصول العنف بين الهندوس والمسلمين متكررة في الهند. اليهودية في تأويلاتها الأكثر تشدداً ليست أقل عنفاً، ويؤكد ذلك دولة (إسرائيل) القائمة على فكرة عرقية مركزية. حتى البوذيون المسالمون يهمشون ويرتكبون المذابح بحق آخرين، والدليل على ذلك ما تعانيه أقلية الروهينجا التي تعتنق الإسلام في ميانمار.
تجنح وجنحت كل الديانات دائماً حتمياً نحو التطرف. لكن ما يحدد الفارق بينها هو السياق الاجتماعي والثقافي الذي يحدث فيه. تؤكد الأديان باستمرار أنها متوافقة مع الأنظمة الاجتماعية التي تدخل فيها. هي مثل أنظمة حية، تولد وتنمو وتموت، وعلى مدار تطورها تمر بتغيرات عديدة بدءاً من الأصولية وحتى الانفتاح والعكس.
حينما تنزع السطوة السياسية عن دين ما، لا يكون ثمة بديل أمامها سوى تقليص قدراتها العنفية لمحاولة التأقلم على السياق الجديد. هذا بالضبط ما حدث في أوروبا خلال القرن الثامن عشر بظهور التنوير وانتشار الفكر الديمقراطي العالمي القائم على الحرية والمساواة بين جميع المواطنين. تطلّب هذا الفكر فصل السلطة السياسية عن السلطة الدينية، ونشأت أخلاقيات مدنية جديدة، وجرى تحرير التعليم من قمع المنهج الديني. وإذا كان أحدهم قد تساءل في القرن السادس عشر على ضوء المشهد الأوربي عما إن كان قادراً على استيعاب الديانة المسيحية بمعايير السلام والاحترام، لاعتبر هذا غير قابل للتصديق. لكن ومنذ اللحظة ذاتها التي نزعت فيها السلطة من الكنيسة وحرمت من امتيازاتها التي دأبت على جمعها، أجبرت على التحول والاستجابة للاحتياجات والمطالب الجديدة من قبل مفهوم المواطنة والعلمنة، حيث لم يعد الدين يلعب دوراً مهيمناً. وكان المجلس الثاني للفاتيكان هو نهاية هذه العملية.
قد يحدث الأمر عينه في الدول الإسلامية وباقي أماكن العالم، حيث توجد ديانات أخرى. يعتمد ذلك على عوامل التطور التاريخي والاجتماعي.

إنّ ظروف الحياة في الدول الإسلامية حالياً قد يكون سببها في جانب منها، الجمود الاجتماعي الذي يجلبه الدين نفسه، لكن الانتشار والفورة التي تشهدها الأصولية الدينية تعزى من جانبها لاعتبارات تاريخية أخرى. فقد شهد القرن العشرون نشوء حركة قوية داخل الإسلام دفعت باتجاه العلمانية والأفكار التنويرية. فقد لاحق عبد الناصر في مصر، على سبيل المثال، النواة الصلبة للإخوان المسلمين، الذين وصفهم بـ"عقول رجعية" كانوا يريدون العودة لـ"عصور الجهل". دافعت هذه الحركة أيضاً عن حرية المرأة وانتقدت إجبارها على ارتداء الحجاب. كانت القومية العربية أيدولوجية مواتية لتحرير شعوب المغرب العربي والشرق الأوسط واستقت جانباً كبيراً من أفكارها من مبادئ الاشتراكية الهادفة لإحداث تقدم كبير لدولها. لكن هذا السعي من أجل الحرية والتنمية تراجع لأن الولايات المتحدة وأوروبا دأبتا على مكافحته، نظراً لأنها لم تكن تريد دولاً إسلامية متفتحة ومستقلة، بل شعوباً مستضعفة وتابعة كي تستطيع بسهولة مد هيمنتها ما بعد- الاستعمارية.
يفعل القتلة الذين يزرعون القنابل ويطعنون أو يدهسون أشخاصاً بإرادتهم الحرة ودون إجبار من قبل أحد على ذلك. لذا فإنهم مسؤولون بالكامل عن الأفعال التي يرتكبونها. لكن هذا لا يعني أنه بوسعنا تحليل الأسباب السياسية والاقتصادية والثقافية للإرهاب الإسلامي كظاهرة اجتماعية، ونظراً لوجود بعد اجتماعي له فإنه يتميز بطبيعة خاصة مقارنة بأغلب التصرفات الفردية. تتماشى المسؤولية الفردية عن الأفعال مع التفسير السببي للأحداث الاجتماعية.
يقول الفيلسوف المادي ماريو بانجي "تجتذب الجماعات الإرهابية عادة أناساً من أصول مختلفة وهي طريقة للضعفاء لإشباع احتياجات متعددة منها المادي (موارد طبيعية أو مناصب عمل)، والسياسي (النظام الاجتماعي)، والثقافي (الديني على وجه الخصوص). وبالطبع كل حملة ضد الإرهاب تبوء بالفشل لا تفعل شيئاً للتعامل مع الشكاوى الحقيقية، يكون لها مفعول في أفضل الحالات، على المدى القصير وعلى حساب الحريات المدنية.
وبشكل عام، تتطلب المشكلات المنهجية حلولاً منهجية طويلة المدى، وليس إجراءات قطاعية محدودة الرؤية، ينشأ العنف المجتمعي بالأساس من حواجز نحن/هم. لذا فإن أفضل تناول لهذه المشكلة هو "رفع العوائق".
لم يخرج الإرهابيون الإسلاميون من اللاشيء. يخرجون من أحياء الضواحي حول المدن الكبرى حيث يشجع الفقر والفشل التعليمي على الجريمة وصعوبة اندماج الشباب في المجتمع. أو من المساجد الأصولية الممولة من قبل بعض الدول، التي تنشر الفكر السلفي، أو مراكز التجنيد التي يفتتحها تنظيم (داعش).
ومن أين يأتي (داعش)؟ لقد زودت الإدارة الأمريكية نفسها بالسلاح تلك الميليشيات التي تشكل التنظيم بغرض زعزعة استقرار المنطقة. كان سبب حرب العراق في 2003 هو التدخل الأمريكي بدعم حكومتي بريطانيا وإسبانيا، ما أدى لانهيار الدولة بالكامل وحولها إلى مكان مليء بالحقد والكراهية، البيئة المثالية لبروز الجماعات المتطرفة التي تنقلب الآن على المصالح الغربية.

يعتمد تطور الإسلام في العالم الراهن على العلاقة بين القوى الحاضرة والمستقبلية. يوجد اليوم قطاع من المسلمين المعتدلين الذين يدافعون عن حقوق الإنسان ويعادون الهمجية. يتبنون الأفكار الأكثر تقدمية في الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، يعانون في أوساطهم الملاحقة وتوابع الرعب ولديهم بالكاد بصيص أمل لتحقيق تغيير في بلدانهم لأنهم لا يحظون حتى بدعم الدول الغربية. هؤلاء المسلمون الذين يرغبون في العيش بسلام وحرية، هم أول ضحايا التطرف الإسلامي حيث ينتشر. لذا فإنهم يفرون من الجحيم في أراضيهم إلى أماكن أكثر أماناً على حيواتهم، ثم يجدون في النهاية عدم التفهم والرفض أيضاً في الدول المضيفة.
لكن سواء أكانت العلاقة بين القوى مواتية أم لا للأوساط المعتدلة المتبنية للتنوير والناقدين لكل دولة إسلامية، سيعتمد الأمر برمته على تحركات دول الغرب، إذا كانوا قادرين على التحرك. ولا تزال هذه العلاقة حتى الآن، وفقا لما نعلمه، لا تصب في صالح هذه القطاعات على الإطلاق. وستظل كذلك طالما أن السياسة الدولية التي تحركها الولايات المتحدة وحلفاؤها هي الخبل الإجرامي كما هي حالياً.

ما الذي يمكن فعله لمعاكسة الآلية الحالية التي تغذي التطرف الديني والإرهاب المصاحب له؟ سأعدّد فقط بعض الأشياء:
*توجيه دعوة لوقف إطلاق النار على جميع جبهات الاقتتال في سوريا، باستثناء تلك التي يجري القتال فيها ضد (داعش).
*قطع مصادر تمويل وتموين الجماعات الإرهابية.
*القضاء على شبكات التجنيد والتأصيل.
*دعم جهود الأوساط الأكثر تقدمية وتنويراً وديمقراطية في دول العالم الإسلامي.
*سحب كل أنواع الدعم لهذه الحكومات التي تغذي وتمول نشر الأصولية الدينية والإرهاب الجهادي.
*حماية اللاجئين.
*الاستضافة الطوعية للمهاجرين القادمين من الدول العربية ودفع أنشطة اللقاء والتفاهم والتبادل بيننا وبينهم، بهدف عزل الإرهابيين كيلا يشعر أي مهاجر بالعزلة أو تلقيه معاملة غير عادلة، ما قد يخلق لديه ميلاً للانضمام إليهم.
*مكافحة الجهل وعدم المساواة سواء في الدول الإسلامية أو الغربية.

*البحث عن حل عادل يمر عبر التفاوض للنزاع الفلسطيني- الإسرائيلي والضغط على الجانبين للتوصل له.
*السعي نحو صور للطاقة البديلة للبترول تسمح بالحد، بشكل فعال، من اعتماد القوى الغربية على دول العالم العربي، بغية إعادة ترسيم العلاقات بين القوى وتقويض نفوذ الأنظمة الأصولية التي تثري الآن من "الذهب الأسود".

هذه ضمن إجراءات يمكننا الشروع في اتخاذها اعتباراً من الآن في إطار استراتيجية فعالة لمكافحة الإرهاب الجهادي على المدى البعيد. لكنها بالطبع إجراءات من شأنها المساس بمصالح مراكز قوى كبرى لا تريد للوضع الراهن أن يتغير.

مقال لأندريس أويرجو ريبيليون منشور في صحيفة دياريوكولاتينو الإسبانية

اقرأ المزيد...
الوسوم:



ما سر منح إسرائيل تراخيص بناء للفلسطينيين في المناطق "ج"؟‎

2019-08-25

ترجمة: إسماعيل حسن


في سابقة هي الأولى من نوعها؛ صادق المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغَّر على منح الفلسطينيين تصاريح محدودة لبناء منازل في المناطق المصنفة "ج"، والتي تقع تحت السيادة الإدارية والأمنية الكاملة لإسرائيل، بحسب اتفاقية أوسلو التي أُبرمت بين الجانب الفلسطيني والإسرائيلي عام 1993، المناطق المصنفة "ج" تأتي في أعقاب تقسيم مساحة الضفة الغربية إلى ثلاث مناطق؛ حيث جاءت المنطقة "أ"، والتي تخضع لسيطرة السلطة الفلسطينية الكاملة، وتليها المنطقة المصنفة "ب"، التي تخضع للسيطرة المدنية من قبل السلطة والسيطرة الأمنية للجانب الإسرائيلي، أما المناطق "ج"؛ فهي خاضعة للسيادة الإسرائيلية بشكل كامل، والتي تمثّل ما مساحته 60% من مساحة الضفة الغربية، وتعدّ من أكبر المساحات بحسب التقسيم.

عبّر رؤساء مجالس مستوطنات إسرائيل عن رفضهم التام لمقترح رئيس الوزراء
خطة البناء المفاجئة، التي بادر رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، بمنحها بالتزامن مع وصول مستشار الرئيس الأمريكي، جاريد كوشنير، إلى إسرائيل، والتي تأتي في إطار الاستعدادات التي تبذلها الإدارة الأمريكية لنشر تفاصيل خطة السلام المعروفة بـ "صفقة القرن"، خلال الأشهر القادمة، لم تلقَ ترحيباً من قبل الداخل الإسرائيلي؛ حيث عبّر رؤساء مجالس مستوطنات إسرائيل، عن رفضهم التام لمقترح رئيس الوزراء بمنح الفلسطينيين تسهيلات بناء في مناطق خاضعة للسيادة الإسرائيلية، مطالبين المجلس المصغر بالتراجع العاجل عن ما تمّ إصداره والضرب بيدٍ من حديد على الفلسطينيين، والعمل على توسيع بناء المستوطنات في الضفة الغربية وغور الأردن، دون شروط مسبقة.

ما تحاول إسرائيل الآن تعزيزه يأتي ضمن رؤية تكاملية أوجدتها في أعقاب شروعها بإقامة الجدار الفاصل

بالنسبة إلى إسرائيل؛ تعدّ المناطق "ج" مخزوناً إستراتيجياً ثميناً يشكّل نقطة انطلاق نحو إقامة الدولة اليهودية على كافة أراضي الضفة الغربية، إلى جانب ذلك، وأكثر، احتواؤها على مخزون من الثروات الطبيعية؛ حيث توجد فيها آبار نفط وغاز، إضافة إلى وجود مياه جوفية عذبة يستفيد منها الفلسطينيون، بما نسبته 20%، بينما تسيطر إسرائيل على الحصة المتبقية وتبيع من المياه للفلسطينيين وتصدّر منها إلى العديد من البلدان، منها؛ العربية والأوروبية، أيضاً تشكّل المنطقة نقطة التقاء مركزية للعبور إلى المنطقتيْن "أ" و"ب"؛ حيث إنّ حركة تنقّل الفلسطينيين للمناطق المذكورة تتمّ عبر المنطقة "ج"، وبإمكان جندي إسرائيلي عرقلة حركة تنقّل الفلسطينيين إلى تلك المناطق، إضافة إلى أنّ البحر الميّت، بمكوناته السياحية والطبيعية من الأملاح وغيرها، يقع في نطاق حدود المنطقة "ج"؛ لذلك تحاول إسرائيل منح تسهيلات في تلك المناطق لفتح مجال لبناء المزيد من الوحدات الاستيطانية في باقي مدن الضفة الغربية، تحت مسمَّى تسهيلات متبادلة، والتي لربما تواجه رفضاً من قبل القيادة الفلسطينية في أعقاب فرض الهيمنة الإسرائيلية الكاملة على مدن الضفة، في وقت تأتي هذه المبادرة بعد حملة هدم شرسة نفذتها السلطات الإسرائيلية بحقّ منازل المقدسيين في مدن وأحياء مدينة القدس، والتي رافقها ضرب عصب الاقتصاد الفلسطيني هناك، من خلال هدم 80 منشأة صناعية، ورفع نسبة الضرائب على المقدسيين؛ لإجبارهم على ترك منازلهم وإخلاء المدينة المقدسة، وبسط السيطرة الإسرائيلية الكاملة عليها.

الفلسطينيون بدؤوا فعلياً في طرق أبواب الانفتاح الاقتصادي مع بلدان عربية
في خضمّ ذلك؛ نجد أنّ القاسم المشترك في اشتداد حدّة الصراع: أنّ الفلسطينيين بدؤوا فعلياً في طرق أبواب الانفتاح الاقتصادي مع بلدان عربية، وذلك في إطار الانفكاك الاقتصادي مع إسرائيل والقائم على نوايا السلطة الفلسطينية؛ بإلغاء بروتوكول باريس، الموقَّع عام 1994، بين الجانبين، والقائم على تبعية الاقتصاد الفلسطيني لإسرائيل، فمحاولات الانفكاك والبحث عن بدائل أخرى منذ فترة طويلة، وصلت إلى جهود مثمرة من تفاهمات هذا الشأن؛ حيث وقعت السلطة اتفاقاً مع الأردن، يقوم على إنشاء منطقة تجارية لوجستية بين الجانبين لتبادل البضائع والسلع، إضافة إلى حذو السلطة نحو شراء الوقود والغاز الطبيعي من العراق، بدلاً من الجانب الإسرائيلي.

اقرأ أيضاً: سلفيت.. مدينة الزيتون الفلسطينية يبتلعها الاستيطان الإسرائيلي
الانفكاك الحاد، في وجهة نظر الشارع الإسرائيلي، دفع بالإدارة الأمريكية الى إقناع نتنياهو، بفتح باب التسهيلات مع الفلسطينيين، من أجل كبح جماح التعنّت الفلسطيني، والذي قد يتطوّر لاحقاً بوصوله لانهيار التنسيق الأمني، والذي تلوّح به السلطة، مهددةً بتوقفه، تزامناً مع استمرار حجز أموال الضرائب وتواصل بناء آلاف الوحدات الاستيطانية في الضفة الغربية.

لاندو: يهدف نتنياهو من الإجراء ضمان الحصول على حصانة بمعسكر اليمين المتطرف تحول دون تقديمه لجلسة المحاكمة بتهم الفساد

سياسيون إسرائيليون يفسرون بالقول إنّ إسرائيل اختارت أن تكون في فلسطين التاريخية دولة واحدة لليهود؛ وذلك بتخلّيها نهائياً عن مبدأ حلّ الدولتين، بتقسيمها للأراضي وفق ما تراه مناسباً لها، فيما يرى الساسة أيضاً أنّ هناك رغبة جامحة هاجمت رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، للمصادقة على بناء وحدات سكنية للفلسطينيين؛ فهو لم يكن بإمكانه ضبط نفسه حتى يجتمع الكابينت قبيل زيارة صهر الرئيس الأمريكي، وكان قد طلب الاتصال هاتفياً مع الأعضاء، وتمّت المصادقة بالإجماع عبر الهاتف، ونوّه الساسة إلى أنّه لم تكن هناك رغبة جامحة لدى نتنياهو فقط؛ بل أيضاً بصورة مدهشة عند كلّ وزراء الكابينت؛ إذ صوّتوا مع الخطة بمن فيهم وزراء اليمين المتطرف، في وقت صمّم فيه نتنياهو على أن يكون كلّ أعضاء الكابينت موقّعين على المصادقة؛ وذلك كي لا يخطر ببال أحدهم التلويح خلال حملته الانتخابية، بأنّ نتنياهو يحبّ العرب ويصادق لهم على البناء في مناطق "ج"، متسائلين: ماذا كان سيحدث لو أنّ كابنيت حكومة اليسار هو الذي قام بذلك، رغم أنّ الحكومة القائمة ما تزال انتقالية؟!

اقرأ أيضاً: هل سعت الحركة الصهيونية لاستيطان شرق الأردن؟
لا شكّ في أنّ إسرائيل تحرص بشكل كبير على تعزيز رؤيتها الإستراتيجية في تحقيق أعلى كثافة سكانية لها على الأرض الفلسطينية، من خلال المشاريع الاستيطانية، ولتعزيز هذا التوجّه؛ كان خيار إسرائيل وضع تقسيمة المناطق وفق ما جاء في الاتفاق، ما يعني أنّ تعزيز إسرائيل لوجودها في المناطق "ج" هو ليس وليد اللحظة، وما تحاول إسرائيل الآن تعزيزه من خلال منح الفلسطينيين البناء في المناطق "ج"، يأتي ضمن رؤية تكاملية أوجدتها في أعقاب شروعها بإقامة الجدار الفاصل، وضمّها مئات آلاف الدونمات من أراضي الضفة واعتبارها جزءاً من الأراضي الإسرائيلية.

نتنياهو يريد ائتلافاً مستقراً يمكّنه من الاستجابة لـ "صفقة القرن"
المعلّق السياسي، ألون ديفيد، رأى في إعلان رئاسة الوزراء منح تراخيص لبناء 715 منزلاً للفلسطينيين؛ إنما هو في المقام الأول دعاية موجَّهة إلى أوروبا لامتصاص الغضب في أعقاب هدم السلطات الإسرائيلية لمنازل المواطنين ومحالهم التجارية في قرية وادي الحمص بالقدس، إضافة إلى نية رئيس الوزراء توسيع بناء الوحدات الاستيطانية في تلك المناطق، قائلاً: "في حال كان هذا هو الوضع، فإنّ فوزاً حاسماً لنتنياهو في انتخابات أيلول (سبتمبر) المقبل، يمكن أن يضعه في وضع غير بسيط، نتنياهو يريد ائتلافاً مستقراً يمكّنه من الاستجابة لـ "صفقة القرن"، المعروضة عليه من قبل إدارة ترامب، الصديقة جداً؛ حيث يتم منع رفضها تحت أيّ سبب".

ديفيد: الهدف من التراخيص هو دعاية موجَّهة لأوروبا لامتصاص الغضب في أعقاب هدم السلطات الإسرائيلية لمنازل المواطنين ومحالهم التجارية بالقدس

المراسلة السياسية في صحيفة "هآرتس"، نوعى لاندو، أبرزت (بحسب مصادر حكومية حصلت عليها)؛ أنّ نتنياهو يهدف من الإجراء الذي أقدم عليه، ضمان الحصول على حصانة في معسكر اليمين المتطرف، تحول دون تقديمه لجلسة المحاكمة، المقرَّر الاستماع إلى أقواله فيها في الأول من تشرين الأول (أكتوبر) المقبل، وما يسعى إليه نتنياهو بشكل أكبر؛ شطب لوائح تهم الفساد الموجهة إليه في أكثر من قضية، مقابل الضمّ المتدرج للضفة، وتقليص مساحات الأراضي الواقعة تحت السيطرة الفلسطينية، والعمل على السحب المتدرّج للسيادة التي تتمتع بها السلطة على بعض المناطق، والتضييق عليها بمنعها من المشاركة في المخططات المستقبلية؛ بفرض السيادة الإسرائيلية على أرض الواقع، وضمان عدم إخلاء أيّ مستوطن من منزله، كما حصل سابقاً من إجلاء جموع المستوطنين من قطاع غزة، بعد قرار الانسحاب الذي أصدره رئيس الوزراء الراحل آنذاك، آرئيل شارون.


المصدر: صحيفة "هآرتس" العبرية

للمشاركة:

المرتزقة.. هكذا غيّر بضع مئات مسار التاريخ العالمي للأبد

2019-08-21

ترجمة: علي نوار


يُعدّ المرتزقة مفتاحاً أساسياً من أجل فهم سير أحداث التاريخ العالمي؛ فقد كان حضورهم قوياً في مئات الحرب، ولطالما كانوا عنصراً حاسماً في ترجمة النفوذ الاقتصادي والمادي لسطوة عسكرية، وما يزالون موجودين اليوم، لكن بمسمّيات مختلفة، مثل؛ الشركات العسكرية الخاصة للأمن، إلّا أنّ الصورة السائدة عن المرتزقة؛ هي تلك التي ترتبط في الأذهان بالنمط التقليدي للمقاتل الذي يخوض المعارك الحربية مقابل الحصول على المال، والحاضر على وجه الخصوص في قارة إفريقيا.

يكمن الدور الإستراتيجي للمرتزقة في تغييرهم شكل التاريخ العالمي للأبد رغم عدم تجاوز أعدادهم لبضع مئات من الأفراد

ظهرت شخصية المرتزق في التاريخ منذ آلاف الأعوام، رغم أنّ أهمية دوره كانت تعتمد كثيراً على الحقبة والسياق المحيط بمجريات الأمور، ومن أولى الوقائع التي أمكن فيها توثيق وجود المرتزقة تبرز خلال الحروب الفارسية اليونانية بين العامين 492 و478 قبل الميلاد، حين تعاقدت الإمبراطورية الفارسية مع مرتزقة يونانيين من أجل غزو إسبرطة، ورغم ضمّهم كجنود من الدرجة السفلى في الترتيب العسكري، إلّا أنّهم كانوا يتميّزون بمهاراتهم القيادية وتقديم المشورة للقوات النظامية، وصولاً إلى شغل مناصب رفيعة في القيادة العليا للجيش؛ بل وحتى الالتحاق بأطقم الحراسات الخاصة للزعماء.
بالمثل؛ كان هناك مرتزقة أثناء الحروب البونية بين إمبراطوريتَي روما وقرطاجة، خاصة في صفوف الجيش القرطاجي الذي كان يضمّ في صفوفه مقاتلين من جميع شواطئ البحر المتوسط، أغلبهم ليبيون وفرنسيون ويونانيون، ومن شبه جزيرة إيبيريا.

اقرأ أيضاً: لماذا وصفت حركة النجباء الجيش العراقي بـ "المرتزقة"؟

وعلى مدار العصور الوسطى؛ كان للمرتزقة دور كبير في الحروب بين الممالك المتناحرة المختلفة، وظهرت أولى الشركات الضخمة للمرتزقة، شركات كانت في بعض الحالات تفوق جيوش الملوك، أو أمراء الإقطاع؛ ففي إيطاليا كان زعماء المرتزقة (كوندوتييري)، مثل الشركة البيضاء، بقيادة الإنجليزي جون هوكوود، أداة عسكرية رئيسة في الحروب بين الدويلات الإيطالية المتنازعة.
وفي شبه جزيرة إيبيريا؛ استند الوجود العربي في جزء منه إلى القوة العسكرية التي تمتّعت بها (الحرس الأسود)، وهي وحدة تشكّلت من المرتزقة والعبيد الوافدين من وسط إفريقيا، أما في إمبراطورية بيزنطية؛ فقد كانت هناك (الشركة الكتالونية الكبرى)، بقيادة الإيطالي الألماني روجر دي فلور، التي اُستعين بها في قتال العثمانيين، وهو مصير "الحرس الفارانجي" نفسه، الذي كان يضمّ مقاتلين إسكندنافيين ينحدرون من شعب الفايكنج.

على مدار العصور الوسطى؛ كان للمرتزقة دور كبير في الحروب بين الممالك المتناحرة المختلفة

ويمكن بسهولة ملاحظة أنّ أبرز مميزات المرتزقة؛ سهولة حركتهم على المستوى العالمي، ومثلما هو الحال لدى المرتزقة المعاصرين، كان نظراؤهم السابقون يقدّمون خدماتهم لمن يدفع أكثر، بغضّ النظر عمّا إذا كان ذلك يعني الانخراط في صفوف الطرف الذي كان يقاتلونه من قبل، ولعل الفارس الإسباني، القشتالي رودريجو دياث (إل سيد كامبيادور)؛ هو خير تجسيد لهذا الجانب المتناقض لدى المرتزقة؛ حيث قاتل إلى جوار العرب، وكذلك في صفوف المسيحيين بإسبانيا، خلال القرن الحادي عشر، وسواء كان يقاتل بالقوس والأسهم أو بأحدث الأسلحة، من أجل أباطرة أو شركات خاصة، ستظلّ شخصية المرتزق هي نفسها دوماً على مرّ التاريخ: فالمرتزق لا يقاتل من أجل الأخلاق أو القيم، ولا حتى من أجل أفكار ومعتقدات؛ بل من أجل المال وحده.

الفنزويلي ولد الشاكال أو الثعلب المعرفوف باسم إليتش راميريث كان المرتزق الأشهر في القرن العشرين

ويتضّمن قرار الاستعانة بالمرتزقة مميزات عديدة، لا تقتصر فقط على ميدان المعركة؛ فمن جانب، يعني ذلك تقليص الفترة الزمنية والموارد المالية اللازمة لتدريب الجنود، فالمرتزقة يتمتّعون بالفعل بتأهيل عسكري على أرفع مستوى، وعلى جانب آخر، يمكّن المواطنين العاديين من التركيز على أعمال إنتاجية وتوفير الإمدادات من الموارد خلال زمن الحرب، وهو ما قد يكون عاملاً حاسماً إذا طال أمد المعركة، بيد أنّ المقابل المادي المرتفع الذي يتقاضاه المرتزقة أدّى في أغلب الأحيان إلى أنّهم يتّخذون الجانب الأقوى، أو الذي يحظى بموارد أضخم، وهو ما أسفر عن ظهور حالات الهيمنة المطلقة.
واختصاراً، بوسعنا القول: إنّ هذا بالضبط كان دورهم على مدار التاريخ؛ ترجمة القوة الاقتصادية الهائلة إلى قوة عسكرية كاسحة؛ لذا فإنّ ما قدّمه فيلم "الساموراي السبعة"، عام 1954، والذي يقاتل فيه مرتزقة الساموراي لمساعدة إحدى القرى بلا مقابل يُذكر من هجمات العصابات، لا يعدو سوى كونه محض خيال.

لكنّ أهمية المرتزقة أخذت في التراجع نتيجة صعود نموذج الدول التي تقوم على مبدأ السيادة الوطنية وقصر حقّ استخدام القوة المسلحة على الدولة المركزية وحدها، التي تهتمّ ببناء جيش وطني دائم، وهو شيء يتعارض تماماً مع فكرة المرتزق، وترسّخت هذه العملية أكثر مع اندلاع الثورة الفرنسية، والتي بدأ بعدها أغلب المرتزقة في الاتجاه نحو الالتحاق بالجيوش الوطنية، إلّا أنّ شخصية المرتزقة لم تندثر تماماً، على الرغم من أنّها لن تعاود لعب الدور المهم ذاته حتى الحرب الباردة.

اقرأ أيضاً: مرتزقة.. نزوح.. كوليرا.. آخر تطورات الساحة الليبية

خلال الحرب الباردة؛ رفعت مستعمرات أوروبية كثيرة السلاح من أجل نيل استقلاليتها السياسية والاقتصادية، ورغم أنّ الحكومات الأوروبية انتهى بها الأمر لقبول منح مستعمراتها الاستقلال السياسي، إلّا أنّ ثراء هذه المستعمرات بالموارد، خاصة الإفريقية منها، دفع الدول الأوروبية للتحفّظ في إعطائها الاستقلال الاقتصادي، كما أنّه في خضمّ ذروة الخلاف العالمي مع الاتحاد السوفييتي، لم تكن النخب الغربية مستعدة لمشاهدة ممتلكاتها السابقة تحكمها أنظمة اشتراكية لا تكتفي بتقويض مصالحها الاقتصادية والجيوسياسية والعسكرية بصورة كبيرة فحسب، بل وأيضاً تجعل ميزان الحرب الباردة يميل لصالح الكفة السوفييتية.
كان كثيرون، وعلى رأسهم وزير الخارجية الأمريكي السابق، هنري كيسينجر، يتخوّفون من صعود الاشتراكية في هذه الدول والذي من شأنه أن يحدث "تأثير دومينو" في باقي أنحاء قارة إفريقيا، ولتلافي وقوع ذلك؛ جرى اتّخاذ جميع الإجراءات اللازمة، بما فيها شراء المرتزقة، وكان هؤلاء في غالبيتهم من العسكريين الأوروبيين المخضرمين، الذين أصبحوا بلا عمل، عقب حقبة إعلان الاستقلال خلال عقدي الستينيات والسبعينيات، وهي الفترة التي شهدت نهاية الحروب الاستعمارية في إفريقيا وآسيا، وبات هؤلاء العسكريون سريعاً محط أنظار الحكومات الإفريقية الوليدة، وكذلك حلفاؤها وأعداؤها، الذين كانوا يرون فيهم أداة ناجزة لتسوية النزاعات القائمة وتعزيز نفوذهم، كان هؤلاء المرتزقة يعرفون طبوغرافية المنطقة جيّداً، ويتوفّرون على معدّات وتأهيل يفوق عدداً كبيراً من الجيوش المحلية.
مرتزقة برتغاليون مع عصابات في شمال أنغولا عام 1975

الكونغو البلجيكية
تأثّرت الكثير من الدول جراء ممارسات المرتزقة، لكن هناك دولة تأتي على رأس القائمة؛ نظراً إلى أهميتها وعدد المرتزقة الذين نشطوا على أراضيها؛ إنّها جمهورية الكونغو الديمقراطية، المستعمرة البلجيكية السابقة؛ ففي أعقاب إعلان استقلالها، عام 1960، شهدت الكونغو قيام حكومة مؤقّتة ذات توجّهات شيوعية بقيادة رئيس الوزراء باتريس لومومبا، وكانت شركة (اتحاد التعدين في كاتانجا العليا) تتحكّم في قدر كبير من ثروات البلاد، وتخشى فقدان ممتلكاتها، لا سيما في منطقة كاتانجا، الأغنى بالثروات في الكونغو وأحد أكبر مناجم النحاس واليورانيوم في العالم، لكنّ الجيش البلجيكي كان قد غادر أراضي البلد الإفريقي فور استقلاله، وحلّ قبل رحيله جانباً كبيراً من الجيش الكونغولي؛ لذا فقد كانت الشركة في حاجة لطلب المساعدة من مكان آخر.

تراجعت أهمية المرتزقة لصعود نموذج الدول القائمة على مبدأ السيادة الوطنية وقصر حقّ استخدام القوة المسلحة على الدولة المركزية

وفي محاولة منها لحماية مصالحها؛ خطّط "اتحاد التعدين في كاتانجا العليا، وبعد شهرين فحسب من استقلال الكونغو، لانتزاع انفصال منطقة كاتانجا عن باقي أراضي البلاد، وهي المحاولة التي قادها الجنرال مواز تشومب؛ بهدف الحفاظ على أعمال الشركة. ولضمان نجاح العملية، تعاقدت الشركة البلجيكية مع كتائب من المرتزقة الذين كانوا يدعمون الجنرال تشومب، ومن بينهم بعض "المرتزقة" الأشهر في القرن العشرين، مثل: بوب دونارد، وجان شرام، ومايكل هوار (ماد مايك)، وكان دونارد قائداً لوحدة مظليين ومرتزقة فرنسيين، بينما كان تحت إمرة الإيرلندي ماد مايك عدد لا بأس به من المرتزقة الجنوب إفريقيين.

بدأ العمل بتدريب الجنود الكونغوليين؛ تمهيداً للدفع بهم في مواجهة تلك المجموعات المعارضة للانفصال، ورغم أنّه لم يكن يتكوّن سوى من 100 مرتزق تقريباً، وحوالي 2000 جندي كونغولي، لكنّ جيش تشومب تمكّن من تحقيق أقصى استفادة من عتاده وتدريبه كي يسيطر، شيئاً فشيئاً على أراض، وقد تسبّبت الفظائع التي ارتكبها المرتزقة في حصولهم على لقب (الرهيبين)، وهو الاسم الذي سيظلّ مرتبطاً باسم دونار طوال حياته.

وجّه لوموموبا عدّة دعوات لمنظمة الأمم المتحدة من أجل إيقاف المذابح الدائرة، لكنّه لم ينجح في وقفها فعلاً إلّا بعد طلبه المساعدة من الاتحاد السوفييتي حينها فقط، وهرع المجتمع الدولي لمساعدته والتدخّل، وخوفاً من التحاق الكونغو نهائياً بالمعسكر السوفييتي، دخلت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية "سي آي إيه" الساحة وخطّطت لانقلاب عسكري نفّذه الجنرال موبوتو سيسي سيكو، قائد الجيش الكونغولي، للإطاحة بلومومبا من السلطة.
كان الأمريكيون والبلجيكيون لديهم المصالح نفسها في المنطقة، منذ أواخر القرن التاسع عشر؛ لذا لم يكن من الصعب التوصّل لتحالف تكتيكي بينهم، وقد كانت القنبلة النووية الأمريكية التي أٌلقيت على مدينة هيروشيما اليابانية مُصنّعة من يورانيوم استخرجته (اتحاد التعدين في كاتانجا العليا) من مناجم هذا الإقليم، وفي محاولة لتقريب المواقف مع الانفصاليين، بعث موبوتو بلومومبا إلى كاتانجا؛ حيث أطلق الجنرال تشومب وحلفاؤه النار عليه دون أدنى تردّد.

اقرأ أيضاً: لماذا انقلب أمراء الحرب في سوريا إلى مرتزقة تقودهم تركيا؟

أدّى مقتل لومومبا إلى اندلاع ثورة في كافة أرجاء البلاد، والتي أُطلق عليها اسم "ثورة سيمبا"، والتي تطّلبت الكثير من العمل بالنسبة للمرتزقة الذين كانوا ينتشرون في نقاط مختلفة من الكونغو- خاصة الكتيبة الخامسة، بقيادة ماد مايك، التي التحقت بالجيش الكونغولي بعد مواجهتها له في السابق.
تقلّد تشومب لاحقاً، عام 1964، منصب رئيس الوزراء، رغم أنّه لم يستمر إلّا عاماً واحداً قبل أن يستأثر موبوتو بالسلطة، واتّضح فيما بعد أنّ العسكريين لم يكونوا وحدهم الذين يتمتّعون بالدعم الخارجي، فقد كان ثوار (سيمبا) أيضاً يحظون بالدعم بواسطة جنود كوبيين، كان يقودهم تشي جيفارا بنفسه، بيد أنّ قوة المرتزقة والجيش كانت أكبر من أن يتمكّن المتمرّدون من مجابهتها، ليقرّروا الاستسلام أخيراً، عام 1967، مع وصول رئيس جديد لسدة الحكم، وقرّر موبوتو طرد المرتزقة خارج الكونغو، وغيّر اسم البلاد إلى زائير، وعمل على خصخصة (اتحاد التعدين في كاتانجا العليا) وظلّ على قمة السلطة حتى 1997، ما سمح له بتكوين واحدة من أضخم ثروات القرن العشرين، وأن يتحوّل لنموذج للديكتاتور الإفريقي.
غلاف كتاب السيرة الذاتية لمرتزق الكونغو ماد مايك

إفريقيا تسير على خطى الكونغو
بعد الحرب في الكونغو، كان المرتزق الأكثر نشاطاً هو الفرنسي بوب دونار، ضابط الاستخبارات الفرنسية السابق الذي وصل الأمر به لأن يؤكّد خلال محاكمته؛ أنّه "عندما تعجز الاستخبارات عن تنفيذ مهام سرية من نوع خاص، فإنّها تلجأ لهياكل موازية، كانت هذه هي حالة بوب دونار"، لكنّ الفرنسيين لم يكونوا الوحيدين الذين تعاقدوا معه؛ فبعد الخروج من الكونغو، قاتل دونار في اليمن إلى جانب القوات البريطانية من أجل إعادة النظام الملكي إلى الحكم (1962-1967)، كما انخرط دونار في جبهات القتال بدول مثل نيجريا وأنجولا وبنين وتشاد، لكنّ الأثر الأعمق الذي تركه كان في جزر القمر، أسّس دونار في هذه الدولة معسكر التدريب الخاص به، ونفّذ أربع انقلابات، وحكم البلاد من وراء الستار عشرات الأعوام، وأخيراً توفَّى دونار بهدوء، عام 2007، على فراشه بمنزله في بوردو، بعد أن أمضى أربعة أشهر فحسب داخل السجن.

أما ماد مايك؛ فقد آثر التقاعد إثر انتهاء حرب الكونغو، إلّا أنّه عاد لارتداء بزته العسكرية مرة أخرى في أواخر السبعينيات، كي ينفّذ انقلاباً فاشلاً في سيشل، مدفوعاً من قبل حكومة جنوب أفريقيا أثناء حقبة الفصل العنصري (أبارتايد)، وبعد فشل هذا الانقلاب عاد إلى جنوب إفريقيا؛ حيث أتمّ 100 عام من العمر عام 2019، ولا يزال يعيش هناك، قاتل مايك المجنون ودونار من أجل المال، مثلهما في ذلك مثل زملائهم، لكن هناك استثناء وحيداً في القرن العشرين، يستلزم تسليط الضوء عليه ها هنا.

قصة كارلوس الـ (شاكال)
ولد الـ (شاكال)، أو (الثعلب)، باسم إليتش راميريث، كان هذا الفنزويلي، بلا شكّ، المرتزق الأشهر في القرن العشرين، ولعلّ السبب في ذلك؛ هو أنّ قصته لم تكن تقليدية على الإطلاق، فقد نشط خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات؛ حين كان مسؤولاً عن عدد من الاعتداءات وعمليات الاختطاف، لكنّ العنصر المميّز في قصة الثعلب هو أنّه لم يكن مرتزقاً ولا إرهابياً؛ بل "يمتهن الثورة".
كان والد إليتش عضواً في الحزب الشيوعي الفنزويلي، وشعر منذ صغره بانجذاب نحو النضال المناهض للإمبريالية ضدّ القوى الاستعمارية الأوروبية، خاصّة القضية الفلسطينية، درس في موسكو، وتحديداً بنفس الجامعة التي تخرّج فيها باتريس لومومبا، وعام 1970؛ انضمّ إلى الجناح المسلّح من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وهي فصيل ماركسي يشكّل جزءاً من منظمة التحرير الفلسطينية إلى جوار تيارات أخرى، مثل حركة فتح، وقد نفّذ لصالحها عدداً من العمليات التي دخلت التاريخ بسبب درجة الاندفاع فيها ومدى التأثير الذي أحدثته.

بوب دونار مع الحرس الرئاسي لجزر القمر

وتأتي على رأس هذه العمليات؛ واقعة الاختطاف التي شهدتها قمة الدول المنتجة للبترول في العاصمة النمساوية فيينا، عام 1975؛ حين أقدم الثعلب وخمسة رجال آخرين على اختطاف عدد من وزراء عدة دول وشخصيات بارزة في المنظمة لمدة تزيد عن ثلاثة أيام، لم تكن هذه العملية، التي يُعتقد أنّ كلّاً من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وحكومة العقيد الليبي الراحل، معمر القذافي، وحركة فتح، يقفون وراء التخطيط لها، عشوائية على الإطلاق؛ حيث نجح الخاطفون في الهروب مع رهائنهم على متن طائرة وتركوهم قبل دفع الفدية المطلوبة في دول مناصرة للقضية الفلسطينية، كانت هذه العملية ومهمات وعمليات اختطاف وإرهاب أخرى تستهدف تمويل المنظمة ومهاجمة الأهداف الإستراتيجية بهدف الضغط على الحكومات الأجنبية كي تقبل طلبات الجبهة الفلسطينية وحلفائها.

لكن، وفي عام 1976؛ قرّر الثعلب ترك الجبهة الفلسطينية؛ بسبب الخلافات الداخلية التي بدأت تضرب المنظمة، ليؤسّس برفقة خمسة أشخاص آخرين (منظمة الثوريين العالميين)، وكانت هذه المنظمة تهتمّ بتوفير الدعم العسكري لأيّ نضال ترى أنّه ثوري، واستهلّت عملياتها بالتعاون مع (جماعة الجيش الأحمر)، التي كانت تحمل في بداياتها اسم "بادر ماينهوف)، في ألمانيا الغربية، والتي شنّت عدة هجمات في البلاد، خلال الفترة بين عامَي 1970 و1990، ويمكن القول إنّ جماعة الجيش الأحمر كانت في واقع الأمر وحدة من المرتزقة اليساريين.

لكنّ منظمة "الثوريين العالميين"، لم تذهب بعيداً، لا سيما مع فقدان الثعلب لدعم حلفائه القدامى، ومع شعوره بأنّه كوّن عداوات كثيرة، اختفى الشاكال لفترة طويلة من الوقت تنقّل خلالها بين دول مثل سوريا والسودان؛ حيث أُلقي القبض عليه أخيراً من قبل السلطات الفرنسية، عام 1994، ورغم أنّ الدوافع وراء عملياته كانت أيديولوجية بالأساس، لكنّ الفنزويلي لم يكن يقوم بها مجاناً بكلّ تأكيد، فقد تبيّن تقاضيه مبالغ مالية هائلة مقابلها، كان الثعلب الفنزويلي مرتزقاً ربما، لكنّه يختلف عن البقية.

كارلوس  في صورة حديثة وهو يقضي حالياً عقوبة السجن مدى الحياة في فرنسا

نشاط المرتزقة بين السبعينيات والثمانينيات
أدّت الكفاءة التي أظهرها المرتزقة خلال حرب الكونغو إلى رفع أسهمهم، الأمر الذي نتج عنه حتى ظهور وكالات متخصّصة في التعاقد معهم، والتي تعُد نواة فكرة الشركات العسكرية الخاصة للأمن في الوقت الحالي، مثل شركة "سيكيورتي أدفايزوري سرفيسز" البريطانية، التي أرسلت مئات المرتزقة إلى حربَي أنجولا وروديسيا، ولعب المرتزقة دوراً كبيراً في أنجولا، خلال المرحلة الأولى من الحرب؛ فبعد الاستقلال، عام 1975، تنازعت ثلاث جبهات السيطرة في البلد الإفريقي، بعد أن كانت متّحدة في السابق أمام المحتل البرتغالي؛ وكان الصراع على أشدّه بين الحركة الشعبية لتحرير أنجولا ذات التوجّهات الماركسية اللينينية، وحركة الاتحاد الوطني من أجل الاستقلال الشامل لأنجولا والجبهة الوطنية لتحرير أنجولا ذات الأفكار الرأسمالية والمعادية للشيوعية.

جمهورية الكونغو الديمقراطية المستعمرة البلجيكية السابقة تأتي على رأس قائمة الدول التي تأثرت بممارسات المرتزقة

ولدى وصول الحركة الشعبية لتحرير أنجولا إلى السلطة، رأت كيف رفعت المنظمتان الأخريان السلاح في وجه حكومتها، فلجأت الجبهة الوطنية لتحرير أنجولا، المدعومة من قبل وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية إلى زائير التي يتعيّن على رئيسها، موبوتو، ردّ الدين نظير المساعدة التي تلقّاها مسبقاً، بينما انتقل الاتحاد الوطني من أجل الاستقلال الشامل لأنجولا إلى الشطر الجنوبي من البلاد، لتندلع حرب أهلية دامت 30 عاماً (1975-2002)، كما قاد بوب دونار، الذي عمل لصالح "سي آي إيه" وحدة من مرتزقة الاتحاد الوطني من أجل الاستقلال الشامل لأنجولا، فيما دعّمت فرقة أخرى بقيادة العقيد كالان، وهو مرتزق بريطاني من أصول قبرصية، الجبهة الوطنية لتحرير أنجولا.
أٌلقي القبض على كالان، برفقة 12 مرتزقاً آخرين، وصدر بحقّه حكم بالإعدام، خلال ما تُعرف باسم (محاكمات لواندا) التي كان لها صدى عالمي وقتذاك؛ نظراً إلى أنّها كانت المرة الأولى التي تحاكم فيها حكومة إفريقية مرتزقة عالميين.
وبرّر رئيس أنجولا، المنتمي للحركة الشعبية لتحرير أنجولا، أجوستينيو نيتو، هذا الحكم؛ بأنّه "يصبّ في صالح جميع شعوب العالم ضدّ الأشخاص الذين تستعين بهم القوى الإمبريالية لتنفيذ اعتداءات مرتزقة جديدة".

كان نيتو، بالتأكيد، يقصد النزاع الذي كانت تعاني منه ناميبيا في الفترة نفسها؛ وهو الصراع المرتبط بشكل وطيد بالحرب في أنجولا، وكذلك روديسيا الجنوبية، أو زيمبابوي الحالية؛ حيث نشط مرتزقة مشهورون آخرون، مثل الأمريكي روبرت ماكينزي، أو تدخّلات المرتزقة في دول مثل بنين وأوغندا وتوجو وغينيا الاستوائية، وفي السياق نفسه؛ تبرز الحرب الأهلية في نيجيريا، بين عامَي 1967 و1970؛ بسبب الدموية الشديدة التي اتّسمت بها؛ حيث راح ضحيّتها مليونا قتيل، وعدد من المرتزقة الذين انخرطوا فيها، والذين قاتلوا إلى جانب قوات إقليم بيافرا، والذين أرسلت فرنسا السواد الأعظم منهم.
تركت هذه الحروب جروحاً لا تندمل في البلاد التي عانت ويلاتها، جراحاً غيّرت للأبد المسار السياسي والاقتصادي والاجتماعي لهذه الدول.

يحيط بشخصية المرتزقة في القرن العشرين قدر هائل من الجدل، وهناك كمّ لا بأس به من الأساطير، رغم أنّ كلّ ذلك لا ينفي الدور الحاسم الذي لعبوه؛ فقد كان المرتزقة أداة رئيسة لضمان أن يكون الوضع القائم بعد استقلال المستعمرات القديمة متوافقاً مع المصالح الغربية، وهو ما نعرّفه اليوم بالكولونيالية الجديدة، وحتى في النزاعات التي لم ينتصر فيها المرتزقة، مثل أنجولا وزيمبابوي، حالت الخسائر والتضحيات الجسيمة التي تعرّض لها أعداؤهم دون تمكينهم من السيطرة الكاملة ليضطّروا للاستجابة للكثير من المطالب الغربية.

كانت لذلك الوضع تبعاته المباشرة على الحرب الباردة، التي لم تكن "باردة" للغاية في إفريقيا؛ فمع إجهاض تطلّعات بعض الدول نحو النموذج الاشتراكي في حروب الاستقلال، تسنّى كذلك انضمامها للكتلة السوفييتية؛ ففي حال حدوث عكس ذلك، كان مسار التاريخ ليتغيّر على نحو جذري تماماً: فمن يعلم ما كان ليحدث إذا حصل الاتحاد السوفييتي على الدعم الكافي لمنع انهياره عام 1989، أو حتى توفّره على قوات كافية لإلحاق الهزيمة بالكتلة الغربية.
إنّ الدور الإستراتيجي للمرتزقة يكمن في أنّه رغم عدم تجاوز أعدادهم لبضع مئات من الأفراد، لكنّهم تمكّنوا من تغيير شكل التاريخ العالمي للأبد.


المصدر:

مقال عن المرتزقة ودورهم على مرّ التاريخ في النزاعات التي خاضوها، للباحث لويس مارتينيث، نشر بموقع مؤسسة (الأوردن مونديال) الإسبانية للأبحاث

رابط: https://bit.ly/2P4NK4f

للمشاركة:

ما هي نقاط التشابه والاختلاف بين الإرهاب الأبيض و "القاعدة" و"داعش"؟

2019-08-20

ترجمة: علي نوار


لاحظ كثير من الأكاديميين المتخصصين في دراسة الإرهاب، قواسم مشتركة، بصورة تدعو للقلق بين صعود تنظيم داعش والإرهاب القومي الأبيض، الذي أسفر عن وجهه مؤخراً في مذبحة الباسو، بولاية تكساس الأمريكية.

يقول الخبير المرموق في هذا المجال الأكاديمي، ويل ماكانتس: "أوجه التشابه مذهلة إلى حدّ بعيد"، فضلاً عن أنّه تمكن ملاحظتها أكثر وأكثر في كلّ اعتداء جديد.

لاحظ كثير من المتخصصين بدراسة الإرهاب قواسم مشتركة بصورة تدعو للقلق بين صعود تنظيم داعش والإرهاب القومي الأبيض

ويتّفق الخبراء في أنّ وجود ملامح تشابه ليست من قبيل الصدفة؛ فإرهاب القوميين ذوي البشرة البيضاء يتتبّع المسار التصاعدي نفسه الذي مرّ به التيار الجهادي وتنظيم داعش قبل أعوام، الأمر الذي يسهم كثيراً في فهم أسباب وقوع هجمات الإرهاب القومي الأبيض وتكرارها وكثرة عدد ضحاياها.
ففي الحالتين؛ توجد أيديولوجيا كوارثية تتنبأ وتسعى لصدام بين الحضارات ستقضي على العالم، هناك أعمال عنف استعراضية وعشوائية بلا تمييز ستفضي نحو المعركة النهائية، والتي لا تكون نتيجتها غالباً سوى اهتمام لحظي بمنفّذ الحادث لعدة دقائق وشعوره بالسطوة.

فظائع ارتكبها تنظيم داعش الإرهابي على المستوى العالمي
وهناك أشخاص ينخرطون في هذا النوع من الإرهاب بمحض إرادتهم؛ حيث يرتادون مواقع مختبئة في الجانب المظلم من شبكة الإنترنت؛ حيث يبحثون عن المحتوى الذي يحث على التطرّف من تلقاء أنفسهم، وبالنسبة إلى هؤلاء المجنّدين؛ فإنّ الأيديولوجيا التي يُروّج لها ليست سوى وسيلة للتعبير عن التيار الذي يؤمنون به، والذي يتمحور حول الكراهية والعنف.

اقرأ أيضاً: دولة جديدة تصنّف حزب الله منظمة إرهابية مثل داعش والقاعدة.. ما هي؟!
لكنّ الفوارق بين تنظيم داعش والقوميين ودعاة تفوّق العرق الأبيض، الذين يروّجون لفكرة أنّ الأشخاص ذوي البشرة البيضاء يجب أن تكون لهم الهيمنة السياسية والاقتصادية بشكل كامل، ما تزال كثيرة؛ فقد حاول زعماء تنظيم الجماعة الإرهابية توظيف حماسة أتباعها من أجل خلق حكومة ودولة ذات عمر قصير، بينما لا يحظى القوميون البيض بقيادة رسمية بالدرجة المطلوبة.
يقول جي إم بيرجر، مؤلّف كتاب "التطرّف"، وعضو مجموعة "فوكس-بول" للأبحاث: "أعتقد أنّ كثيرين ممّن يعملون على ملفات التطرف عبر الإنترنت، تنبّؤوا بحدوث هذا الوضع"، في إشارة إلى أوجه التشابه بين الحركات المتطرفة على اختلافها.

هناك أشخاص ينخرطون في صفوف الإرهاب بمحض إرادتهم حيث يرتادون مواقع مختبئة في الجانب المظلم من شبكة الإنترنت

وإذا نظرنا للوراء قليلاً، فيمكننا بسهولة رصد نقاط التشابه الواضحة.
أدّت الفظائع التي ارتكبها تنظيم داعش الإرهابي على المستوى العالمي، إلى ظهور متطرّفين ينظرون إلى المسلمين كافة على أنّهم العدو.
وأسهمت سلسلة من التغيّرات العالمية، خاصة تنامي دور شبكات التواصل الاجتماعي، في تسهيل سعي أيّة قضية إرهابية لا مركزية نحو ارتكاب أعمال عنف على أوسع نطاق ممكن، وبلا أدنى منطق.

ويوضح بيرجر: "من الناحية الهيكلية، لا أهمية إذا كان هؤلاء المتطرفون جهاديين أو قوميين بيض".

ومع تفشّي هذا العنف تتولّد دائرة مفرغة من التطرف اللانهائي تسفر عن اجتذاب مزيد من الأشخاص، ويبدأ الأمر في الوصول إلى درجة مرعبة؛ حيث يؤدّي كلّ هجوم إلى الترويج أكثر وأكثر للأصولية والأيدولوجية الكوارثية على الإنترنت، ما ينتج عنه بالتبعية مزيد من الاعتداءات.

ضباط أفغان مع أشخاص متهمين بالتخطيط لشن هجمات على قوات الأمن
ولعلّ الدروس المستفادة من تنظيم داعش تثير قدراً كبيراً من القلق، فيستحيل عملياً القضاء على مجموعة يحرّكها مثل هذا النوع من الأفكار، وتتغلغل في شبكات التواصل الاجتماعي بصورة لا مركزية، كما أنّه ليس من السهل على الإطلاق الوقاية من الهجمات حين تجعل أيديولوجية الشخص الذي يرتكبها أيّ هدف "جيداً"، وعندما لا يتطلّب الأمر مجهوداً كبيراً لتجنيد شخص ما، علاوة على أنّه من أجل توجيه الناس نحو شنّ هجمات لا يستلزم أحياناً سوى منتدى نقاش على شبكة الإنترنت.

اقرأ أيضاً: لماذا تحولت "القاعدة" إلى نمط الاندماج؟
وعاد بيرجر ليحذّر من أنّ التغيّرات العالمية التي أثرّت وسمحت بظهور داعش تسارعت وتيرتها، مثل انتشار الشبكات الاجتماعية، حيث قال: "حين تفتح مجالاً فسيحاً وجديداً للتواصل، يتحوّل على الفور إلى ناقل للعدوى".
أنماط جديدة من الإرهاب
لقد انبثقت العدمية الغالبة بصورة كبيرة على الإرهاب العالمي في الحقبة الحالية من المستنقع الطائفي بالعراق المحتل من قبل الولايات المتحدة.
استغلّ أبو مصعب الزرقاوي، حالة الفوضى الناجمة عن الغزو الأمريكي ليسقط القتلى في صفوف القوات المحتلة، والمسلمين العراقيين على حدّ سواء؛ ونشر وبثّ مقاطع فيديو للمذابح التي ارتكبها.
كان أبرز تنظيم إرهابي في تلك الفترة "القاعدة" قد قتل مدنيين، لكن بذريعة دينية، وبأهداف واضحة، على رأسها إجبار الولايات المتحدة على الانسحاب من الشرق الأوسط، إلّا أنّ الزرقاوي بدا أنّ لديه دوافع أخرى، خلافاً للأعمال الوحشية؛ حيث كان يبحث عن الشهرة وعن أيديولوجيا تتمحور حول نهاية العالم، لم يتمكّن مطلقاً من إعلائها.

مثلما فعل تنظيم داعش وفّرت مواقع التواصل الاجتماعي مساحة للمتطرّفين البيض يبثّون عبرها مقاطع الفيديو التي تخصّهم

وجّه تنظيم "القاعدة" في البداية انتقاداتها للزرقاوي؛ خشية أن يتسبّب في إبعاد المسلمين عن القضية، وأن يحدث نوعاً من تشتيت الأهداف التي كان التيار الجهادي يعمل في سبيلها وقتذاك.
لكنّ الأمر لم ينجح وتزايدت شعبية الزرقاوي بين المنخرطين في صفوف الجهاديين، ما دفع تنظيم القاعدة فيما بعد إلى منحه الحرية في شنّ حربه باسم التنظيم، وحين قُتل الرجل، وُلد التنظيم من جديد لكن باسم "داعش".

وقد تسبّب صعود ذلك التنظيم في نشأة منظور جديد فيما يخصّ الإرهاب، وهو ما يمنحنا خيطاً يمكن بواسطته التعرّف إلى العوامل المحدّدة لأهداف تيار القومية البيضاء، والذي يرتكب أفراده أعمال إرهابية، لا سيما أنّ الأخير تظهر عليه أفكار وممارسات الإرهاب الإسلاموي نفسها.
لا يولد أغلب الإرهابيين وبداخلهم الرغبة في القتل؛ بل يجري إعدادهم لذلك، نفّذت جماعات إرهابية أخرى هذا التأهيل عن طريق استغلال التطلّعات السياسية أو مشاعر الكراهية التي يكنّها أفرادها، إلّا أنّ الزرقاوي توصّل إلى طريقة يخرج بها الرغبة في القتل من البداية.

اقرأ أيضاً: هل أعاد تنظيم القاعدة بناء نفسه؟

فمع الغزو الأمريكي للعراق؛ انقلب العالم رأساً على عقب بالنسبة إلى كثير من الأشخاص في الشرق الأوسط، وبدلاً من العمل على إعادة الأمور لطبيعتها، صدّر الزرقاوي، ومن بعده تنظيم داعش، تفسيراً يقول: العالم يقترب من المعركة النهائية الكوارثية بين المسلمين والكفار.
وبهذه الحُجّة، برّر التنظيم هجمات لم يكن من الممكن تمريرها بطريقة أخرى، مثل قتل عشرات من المسلمين الآخرين الذين كانوا يرتادون مراكز تجارية، بداعي أنّ ذلك يسهم في تسريع وصول نهاية العالم، التي وردت في النبوءات القديمة.

ونظراً إلى أنّ التخطيط وتنفيذ هذه الهجمات كان أمراً يسيراً للغاية، فقد كان بوسع أيّ شخص القيام به، والشعور بالتالي بأنّه "جندي يخدم القضية".
بعبارة أخرى؛ ترسّخت أيديولوجيا يمكن بموجبها لأي شخص أن يقتل من أجل التنظيم، حتى لو لم يكن فرداً رسمياً فيه، وأنّ القتل هو الهدف الأهم، وبالتالي اكتسب العنف زخماً من تلقاء نفسه.

ويعتقد قطاع من الخبراء أنّ الشيء نفسه هو ما يحدث الآن مع عناصر الحركات القومية المتعصّبة التي تروّج لتفوّق العرق الأبيض والتي ظهرت على المستوى العالمي.

حرب عرقية عالمية النطاق
لقد شوهدت بوضوح هذه المكوّنات الفكرية وممارسات التجنيد ونشر الفكر الأصولي لدى تنظيم داعش، أثناء مرحلة صعوده، ويتكرّر الأمر بحذافيره تقريباً مع إرهاب تفوّق العرق الأبيض.
ووفق المؤمنين بهذه الأفكار؛ فإنّ العالم خرج عن مساره الصائب، ويتوجّه نحو حرب عرقية بين الأشخاص البيض والملوّنين.

اقرأ أيضاً: تركيا تواصل تصدير الإرهاب وتعيد زراعة "القاعدة" في اليمن
فعلى سبيل المثال؛ توجد رواية فرنسية غريبة صدرت عام 1973، بعنوان "حقل القديسين"، للكاتب رونو كامو، والتي أضحت كتاب نبوءات بالنسبة إلى كثير من القوميين البيض، فالرواية تصف محاولة الأجانب من غير ذوي البشرة البيضاء السيطرة على الأوروبيين الذين يدافعون عن أنفسهم بحرب إبادة عرقية.
وقد دأب مرتكبو هجمات الباسو في الولايات المتحدة وكرايست تشيرش في نيوزلندا على التحذير، عبر منشورات يكتبونها، من هذه الحرب المقبلة، ولا يتوقّف الترديد بأنّ هذه الاعتداءات كانت بهدف إحداث أكبر قدر ممكن من العنف العرقي كي تأتي المعركة الأخيرة في أقرب وقت.

تؤكّد الأستاذة في جامعة دبلن الإيرلندية، ماورا كونواي، الخبيرة في شؤون الإرهاب؛ أنّه من أجل نشر الأصولية يتطلّب الأمر ما هو أكثر من مجرّد مجتمع يتبنّى أفكاراً مماثلة؛ فالتحرّكات المناهضة للتغيّرات السكّانية والاجتماعية ليست بمستحدثة، لكن انتشار الشبكات الاجتماعية أسهم في وجود أشخاص من ذوي البشرة البيضاء في موضع المتلقّي للخطاب الأصولي الرافض لهذه التغيّرات.

ومثلما فعل تنظيم داعش الإرهابي، وفّرت مواقع التواصل الاجتماعي مساحة للمتطرّفين البيض يبثّون عبرها مقاطع الفيديو التي تخصّهم، والتي يظهِرون فيها أعمالهم، بنيّة أن يصبحوا من المشاهير وبطريقة يسير معها التغذّي على العنف بشكل متبادل.

الناس في حالة حداد بالقرب من متجر وول مارت حيث قتل 22 شخصاً
وفي كتابه "التطرّف"؛ الصادر عام 2015، يبرز بيرجر أنّ "تنظيم داعش كان أول جماعة تلجأ لهذه التكتيكات من أجل الانتشار عبر الشبكات الاجتماعية، لكنّه لن يكون الأخير".
ورغم أنّهما يبدوان كالماء والزيت، عالمان متناقضان ومعاديان، إلّا أنّ التحليل الفاحص للإرهاب العنصري الذي يمارسه دعاة تفوّق العرق الأبيض، والإرهاب الجهادي الذي يمارسه الإسلامويون الأصوليون، يظهر أنّهما يشتركان في جوانب عدة، تتجاوز مجرّد القتل العشوائي للمدنيين باسم الأفكار.
والناتج؛ أنّ أجهزة الأمن والخبراء يصبحون بصدد التهديدات نفسها، لا سيما مع ميل هذين القطبين نحو الأفكار الكوارثية وصدام الحضارات وفكرة التضحية بالنفس، والاستشهاد من أجل القضية، ودخول الفردوس، ودعوتهما لشنّ الهجمات العنيفة من أجل البقاء في المعركة الكبرى المقبلة.

اقرأ أيضاً: قصة تنظيم القاعدة في جزيرة العرب
لذلك؛ يتحدّث دعاة تفوّق العرق الأبيض عن "إبادة للبيض" أو "تغيير هائل" بدأ مطلع العقد الماضي، مثل رواية كامو الدستوبية، أو رواية الفرنسي أيضاً جان راسبيل، التي يصف فيها دمار الحضارة الغربية نتيجة وصول المهاجرين من العالم الفقير، وعلى الجانب الآخر؛ يتجاوز الهوس الجهادي فكرة تحرير الأراضي الإسلامية من سيطرة "الكفار"، وصولاً إلى استرداد الأمجاد الغابرة لحضارتهم.
ولعلّ الجزئية الأخطر في هذا الصدد؛ هو أنّ الجانبين يمتلكان ساحات معارك يصقلان فيها مهاراتهم وأساليبهم القتالية، فقد خاض الأصوليون الإسلامويون معارك دامية في أفغانستان خلال عقد الثمانينيات، ثمّ حروب البلقان خلال التسعينيات، قبل أن ينتقلوا لجبهات القتال في سوريا خلال الأعوام الماضية، على الناحية الأخرى؛ اشترك المؤمنون بتفوّق العرق الأبيض في النزاع الأوكراني منذ بدايته، الذي التحق به 17 ألف مقاتل أجنبي، يحملون جنسيات 50 دولة، طبقاً للباحث كاسبر ريكافيك، بينهم الكثير من النازيين الجدد، وقد كشف منفّذ هجوم كرايست تشيرش؛ أنّه سبق له القتال في نيوزلندا، وهي الحالة نفسها لأربعة أفراد جرى تقديمهم للمحاكمة عقب مشاركتهم في مسيرة عنصرية بمدينة شارلوتسفيل في ولاية فرجينيا الأمريكية، عام 2017.

بيد أنّ الفارق الأبرز، ربما، بين الطرفين؛ هو الرؤية التي يُنظر بها إليهما من قبل قوات الأمن ووسائل الإعلام، فحينما يفجّر شاب مسلم نفسه يوصف على الفور بالإرهابي، ويُنسب إلى داعش أو القاعدة، أما عندما يرتكب شاب أبيض ومسيحي مذبحة، فيكون التأنّي هو سيّد الموقف ويوصف بأنّه مضّطرب أو تفاحة فاسدة.


المصادر:

مقارنة بين صعود الإرهاب الأبيض والإرهاب الأصولي، للصحفي ماكس فيشر، نُشر بالنسخة الإسبانية من جريدة "نيويورك تايمز" الأمريكية

رابط: https://nyti.ms/2yP2U2t

مقال في الموضوع نفسه للصحفي ريكاردو مير، نُشر بجريدة "البريوديكو" الإسبانية
رابط:
https://bit.ly/2H9Yckr

للمشاركة:



الإماراتي المنصوري يواصل استعداداته لرحلة الفضاء

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-25

ينطلق الإماراتي، هزاع المنصوري، إلى محطة الفضاء الدولية، في رحلة مقررة في 25 من أيلول (سبتمبر) المقبل.

ويأتي ذلك ضمن "برنامج الإمارات لرواد الفضاء"؛ الذي أطلقه الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، والشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، عام 2017، بهدف تدريب وإعداد فريق من رواد الفضاء الإماراتيين، وإرسالهم إلى الفضاء للقيام بمهام علمية مختلفة.

شهر يفصل الإمارات عن الانطلاق إلى محطة الفضاء الدولية ضمن برنامج الإمارات لرواد الفضاء

وسيكون هزاع المنصوري أول رائد فضاء عربي تستقبله محطة الفضاء الدولية، وسيقوم بتقديم جولة تعريفية مصورة باللغة العربية للمحطة؛ يوضح فيها مكونات المحطة والأجهزة والمعدات الموجودة على متنها، كما سيقوم بتصوير كوكب الأرض والتفاعل مع المحطات الأرضية، ونقل المعلومات والتجارب، إضافة إلى توثيق الحياة اليومية لرواد الفضاء على متن المحطة.

وكان مركز محمد بن راشد للفضاء قد أعلن اختياره هزاع المنصوري ليكون رائد الفضاء الأساسي في مَهمة الانطلاق إلى محطة الفضاء الدولية، كما أعلن المركز اختيار سلطان النيادي بديلاً له في المهمة نفسها.

وسيقضي هزاع المنصوري ثمانية أيام على متن محطة الفضاء الدولية، ضمن بعثة فضاء روسية، وستحمله مركبة "سويوز إم إس 15"، التي ستنطلق من محطة "بايكونور" الفضائية في كازاخستان.

وقال سلطان النيادي، عبر حسابه الرسمي في تويتر: "مع اقتراب موعد مهمة هزاع المنصوري تتسارع وتيرة العمل في مركز "يوري غاغارين"، يجري الطاقم الرئيس والطاقم الاحتياطي العديد من التجارب الطبية لمقارنة النتائج قبل وبعد المهمة".

ويتواصل التجهيز لهذه المهمة التاريخية بشكل حثيث، في كلّ اتجاه، وفي مقدمتها تلك التدريبات النوعية التي يحصل عليها رائدا الفضاء هزاع المنصوري وسلطان النيادي، والتي يكون جزء منها، خاصّاً بكيفية المكوث في المحطة، إلى جانب تدريبات أخرى تتعلق بكيفية النجاة في حال "الهبوط الاضطراري" في حالات شديدة الصعوبة، مثل البرد القارص أو المياه.

ومن تلك التدريبات القاسية كانت كيفية تعلم البقاء على قيد الحياة في درجة حرارة متدنية، تصل لـ 10 درجات تحت الصفر، وذلك في إحدى غابات شمال شرق العاصمة الروسية، موسكو، وتهدف هذه التجربة القاسية إلى تزويد رواد الفضاء بعدد من المهارات التي تمكنهم من البقاء لـ 3 أيام، على الأقل، في بيئة بالغة القسوة، في حال انحراف كبسولة الهبوط عن مسارها واضطرارها للهبوط في مناطق أو غابات غير مأهولة شديدة البرودة، وذلك باستخدام معدات وأجهزة موجودة على متن الكبسولة.

وتعلّم المنصوري والنيادي خلال التدريبات كيفية الخروج من الكبسولة بطريقة صحيحة، وبناء مأوى آمن لهما، فضلاً عن مهارات الإسعافات الأولية، والتعامل مع الضغوط، وإدارة الموارد المتاحة في البيئة المحيطة، والتواصل مع فرق البحث والإنقاذ من حيث الإشارات المرئية كالمشعل الحراري والاتصال اللاسلكي؛ حيث تمّت تسمية الفريق باسم "زايد"، ليستخدمه الأفراد للتواصل.

وتدرّب المنصوري والنيادي أيضاً على ارتداء بدلة الفضاء "سوكول"، التي يبلغ وزنها 10 كيلوغرامات، في غضون 25 ــ 30 ثانية فقط، فيما يلتقطان خلال هذه المدة القصيرة لوحاً يزن 50 كيلوغراماً، وذلك لمحاكاة التعامل مع المعدات والأدوات في بيئة العمل في محطة الفضاء الدولية، علماً أنّه تمّ أخذ مقاسات تفصيلية لأجسامهما، حتى يتم تصميم بدلة "سوكول"، وكرسي رائد الفضاء في مركبة "السويوز"، وهو إجراء ضروري لضمان السلامة، فيما شملت التدريبات المكثفة أيضاً التواجد بغرفة الضغط التي تحاكي الارتفاع عن سطح البحر بـ 5 و10 كيلومترات، الأمر الذي يؤدي إلى انخفاض الضغط الجوي ونسب الأوكسجين عن المعدلات الطبيعية.

 

للمشاركة:

التحالف يعترض طائرة حوثية مسيَّرة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-25

صرّح المتحدث الرسمي باسم قوات تحالف دعم الشرعية في اليمن، العقيد الركن تركي المالكي، بأنّ قوات التحالف تمكّنت، صباح اليوم، من اعتراض وإسقاط طائرة بدون طيار (مسيّرة) أطلقتها الميليشيا الحوثية الإرهابية المدعومة من إيران من (صنعاء) باتجاه الأعيان المدنية بخميس مشيط.

التحالف يسقط طائرة بدون طيار أطلقتها الميليشيا الحوثية الإرهابية باتجاه خميس مشيط

وأوضح العقيد المالكي، في تصريح نقلته وكالة "واس"؛ أنّ "جميع محاولات الميليشيا الحوثية الإرهابية، المدعومة من إيران، إطلاق الطائرات بدون طيار مصيرها الفشل، وأنّ التحالف يتّخذ كافة الإجراءات العملياتية، وأفضل ممارسات قواعد الاشتباك للتعامل مع هذه الطائرات لحماية المدنيين"، مشيراً إلى أنّ "المحاولات الإرهابية المتكررة تعبّر عن حالة اليأس لدى الميليشيا الإرهابية، وتؤكد إجرام وكلاء إيران بالمنطقة ومن يقف وراءها".

 وشدّد على أنّ استمرار إيران في تبنيها للنجاحات الوهمية عبر إعلامها المضلل، يؤكّد حجم الخسائر التي تتلقاها وحالة السخط الشعبي تجاهها.

وأكّد المتحدث باسم قوات التحالف؛ استمرار قيادة القوات المشتركة للتحالف بتنفيذ الإجراءات الرادعة ضدّ هذه الميليشيا الإرهابية، لتحييد وتدمير هذه القدرات، وبكلّ صرامة، وبما يتوافق مع القانون الدولي الإنساني وقواعده العرفية.

إلى ذلك؛ تصدّى أبناء القبائل اليمنية، أمس، لهجوم شنته ميليشيا الحوثي الانقلابية على القرى الريفية في المناطق الحدودية بين محافظتي إب والضالع وسط اليمن.

القبائل اليمنية تصدّ هجوماً شنّته ميليشيا الحوثي على القرى الريفية في المناطق الحدودية بين إب والضالع

ونجح مقاتلون من قبيلة "بيت الصباري" في كسر الهجوم الحوثي، الذي استهدف اجتياح قرية "خربة الصباري" وعدد من القرى المجاورة، التابعة لمديرية النادرة جنوبي إب، بعد اشتباكات عنيفة أجبرت الانقلابيين على الفرار واللجوء للتمركز في المرتفعات المحيطة، وفق "العين" الإخبارية.

وتقع القرية على خط تعزيزات ميليشيا الحوثي القادمة من مدينة إب إلى جبهات مديرية قعطبة، شمال محافظة الضالع، أهمها مناطق التماس "هجار" و"شليل" و"بيت الشوكي".

ويتّهم أهالي القرى، ميليشيا الحوثي بنهب وسرقة ممتلكاتهم تحت ذرائع وتهم ملفقة.

 

 

للمشاركة:

سقطة لمذيعة في الجزيرة تثير زوبعة!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-25

أثارت مذيعة قناة "الجزيرة" القطرية، غادة عويس، زوبعة، بعد نشرها تغريدة دعت فيها لعودة اليهود إلى المدينة المنورة، وإنشاء وطن هناك بدلاً من فلسطين، الأمر الذي أثار موجة غضب على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر".

وأطلق نشطاء هاشتاغ "#غادة_عويس_تتطاول_على_مدينة_الرسول"، شارك فيه مغرّدون من المحيط للخليج، من بينهم قطريون، أعربوا عن رفضهم الإساءة للمدينة المنورة، منتقدين المذيعة، وفق ما أوردت صحيفة "العين" الإخبارية.

المذيعة غادة عويس تدعو اليهود لاتخاذ المدينة المنورة دولة لهم بدلاً من فلسطين

وكانت غادة عويس قد نشرت تصويراً جوياً لحصن مرحب في خيبر بالمدينة المنورة، وغرّدت قائلة: "تصوير جوي لحصن مرحب في خيبر في السعودية، وكان مقراً لليهود! ألا ينبغي أن يعودوا إلى هناك بدل فلسطين؟".

وسرعان ما أتت ردود المغردين مستهجنة دعوة عويس، وكان من أبرزها؛ ردّ الأمير السعودي عبد الرحمن بن مساعد، الذي غرد بآية قرآنية تعكس إدراك العالم الإسلامي لعداوة التنظيم وإعلامييه على المقدسات الإسلامية، مستنكرين الدعوة لاحتلال المدينة المنورة.

نشطاء يدشنون هاشتاغ "غادة عويس تتطاول على مدينة الرسول" رفضاً لإساءتها

وقال الأمير في تغريدته: "صفقة قرن غادة عويس استبدال احتلال القدس والمسجد الأقصى، ثالث مسجد تُشدّ إليه الرِّحال، باحتلال المدينة المنورة وثاني الحرمين الشريفين، سبحان القائل: {قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ}".

وغرّد الصحفي الموريتاني والمحكّم الإعلامي الدولي، بادو ولد محمد فال، قائلاً: "حين يعشش الحقد ويفرخ في قلب سيدة باعت آخرتها بدنيا غيرها، حينها تلاحقها اللعنات لتوقع بخط يمينها وبشهادة ملايين البشر على سوء طويتها وسواد نيتها، متمنية عودة اليهود لمملكة التوحيد وبلاد الحرمين، دون حصن مرحب أسود تأكل أكباد الطامعين، كما تأكل النار قلوب الحاقدين".

قطاع كبير من المغردين حذروا من تغريدة عويس، مرجّحين أنّها قد تعكس توجه قناة الجزيرة.

 

 

 

للمشاركة:



"ألف عنوان وعنوان" توثق تاريخ الإمارات بـ4 كتب جديدة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-25

قدّمت مبادرة "ألف عنوان وعنوان" 4 كتب جديدة من الإصدارات التي دعمتها في مرحلتها الثانية، تتضمن إبداعات أدبية في حقول متنوعة منها في الرواية والقصة والتاريخ والقضايا المجتمعية، لتواصل جهودها الرامية إلى إثراء المكتبة العربية بمضامين قيّمة ومعارف جديدة.

وفتحت المبادرة من خلال عناوينها الـ4 الجديدة نافذة على الأدب والمؤلفات التي تروي تاريخ الإمارات، وتعالج القضايا المجتمعية؛ حيث دعمت كتابا بعنوان "زايد مئة عام من المجد" للكاتب محمد عمر الهاشمي، وكتاب "أهلا بكبار المواطنين" للمؤلفة شيماء المزروعي، وكتاب "الجيش الإماراتي في الشعر النبطي"، للمؤلف إبراهيم أحمد ملحم، وكتاب "كلنا فنانون"، من تأليف شمع خان، ترجمة الكاتبة فاطمة شرف الدين.

تاريخ عريق

في كتاب "زايد مئة عام من المجد" يجمع الكاتب الإماراتي محمد عمر الهاشمي، باقة مختارة من المقالات التي تتغنى بحب الوطن من زوايا متعددة وقلب واحد تنطلق من رؤية حكيمة تركها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، في نفوس أبناء الوطن، لتبقى بمثابة الرسالة المشرقة التي تعبر عن صورة الوطن للأجيال القادمة.

أهلا بكبار المواطنين

ويأتي كتاب "أهلا بكبار المواطنين" للكاتبة شيماء المزروعي ترسيخا للمصطلح الذي اعتمدته السياسة الوطنية لكبار المواطنين، والذي يناقش في مضمونه الأبعاد الإنسانية لهذا المسمى وقيمه الأخلاقية إلى جانب مناقشة العديد من المواضيع التي تختص بالمجتمع المحلي الإماراتي، وتعزز المعرفة بقضايا المواطنين.

الجيش الإماراتي في الشعر النبطي

ويلقي كتاب "الجيش الإماراتي في الشعر النبطي" -لمؤلفه إبراهيم أحمد ملحم- الضوء على حجم البطولات التي قدمها الجيش الإماراتي من خلال قصائد للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، إلى جانب إبراز الجماليات التي تتعلق بطرح الشعر لعلاقة التضحيات التي قدمها الجيش الإماراتي ودوره في الدفاع عن قضايا الأمة العربية العادلة؛ حيث يقدم الكتاب مجموعة متنوعة من القصائد التي تشيد ببطولات الشهداء وتتغنى بها.

كلنا فنانون

ويؤكد كتاب "كلنا فنانون"، للمؤلفة شمع خان، وترجمة الكاتبة فاطمة شرف الدين، أن كل الأطفال في العالم شغوفون بالفنون والحرف اليدوية؛ حيث تطرح الكاتبة قصة ملهمة تقود الصغار إلى الانتظام في مجموعات والقيام بعدد من الأنشطة الفنية التي تهدف إلى تطوير خبراتهم ومهاراتهم وتمكنهم من الإبحار في خيالهم بشكل كبير وإبداعي.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

قِدْر قطب الذي فار على القصيمي وكتابه

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-25

علي العميم

لكتاب علي شلش «التمرد على الأدب: دراسة في تجربة سيد قطب» مزايا عديدة لا تتوفر حتى في الدراسات الجيدة المعمولة عنه. ومن هذه المزايا كشفه الباهر أن عبد الله القصيمي وكتابه «هذه هي الأغلال» تسبب في مجافاة سيد قطب لأستاذه عباس محمود العقاد، وتسبب في انصرافه عن الأدب إلى الكتابة الإسلامية وحدها، والتحول إلى اتجاه إسلامي أصولي.
يقلل شريف يونس في كتابه «سيد قطب والأصولية الإسلامية» من أهمية هذا الكشف الباهر، وسأردّ عليه حينما أعود إلى مناقشته مناقشة ختامية بعد أن أفرغ من مناقشة سليمان الخراشي.
ولأن القصيمي وكتابه كان لهما دور مفصلي في حياة سيد قطب، الذي يعود فضل الكشف عنه لعلي شلش، فسأقدم ملحوظات أخرى على معركة سيد قطب مع القصيمي وكتابه.
هذه المعركة هي آخر معركة صنعها سيد قطب. وقد حاول بعدها أن يصنع معركة حينما كان رئيس تحرير مجلة «العالم العربي» مع شيوخ الأدب في مصر، أو ما يسميه علي شلش «الحكومة الأدبية» بمقاله «بدء المعركة: الضمير الأدبي في مصر: شبان وشيوخ»، وهو المقال الذي كان امتداداً لمقال من مقالاته عن القصيمي، وهو مقال «غفلة النقد في مصر»، لكن هذه المعركة بدأت وانتهت عنده فقط، ولم تتم سلسلة مقالاته فيها التي وعد القراء بها، لأن صاحب المجلة يوسف شحاته (كما مرَّ بنا في مقالات سابقة) أقاله من رئاسة التحرير مباشرة بعد نشره لذلك المقال السفيه.
وقد بدأت المعركة وانتهت عنده فقط، لأن شيوخ الأدب ترفعوا عن الرد عليه، مثلما فعلوا مع مقاله السابق عنهم، ولأن شبان الأدب لم يعلقوا عليه، لا بالتأييد ولا بالاعتراض ولا بالتحفظ.
في معركته مع القصيمي وكتابه، لأول مرة يبين عن توجهه الإسلامي المحافظ، وهو التوجه الذي قبل أن يصنع معركته مع القصيمي وكتابه، كان حريصاً أشد الحرص على عدم إظهاره في كتاباته! بل أكثر من هذا أنه كان حريصاً فيها على عدم إظهار أنه متدين على نحو ما، وأنه محافظ ثقافياً وفكرياً، كان حريصاً على هذا حتى أمام أصدقائه الحميمين!
هذه الملحوظة تشير إلى اعتلال وخلل في شخصيته، وإلى عمق المأزق النفسي الذي كان يعيشه قبل جهره بإسلاميته.
إن هناك أدباء ومثقفين من مصر ومن خارجها من ذوي التوجه الإسلامي المحافظ كانوا يصدعون بتوجههم الإسلامي المحافظ ولا يسرُّونه كما كان يفعل سيد قطب، بسبب أن الأطروحة العلمانية وفهمها المتحرر للدين والسياسة والأدب والثقافة والمجتمع والحياة كانت هي المهيمنة في مجتمع الأدباء في مصر وفي بعض بلدان الشرق العربي، في المنتصف الأول من القرن الماضي. وكان لهؤلاء حضور وإسهام في الحياة الأدبية والثقافية في مصر. وكانوا يحظون بتقدير واحترام وتثمين عند مخالفيهم في توجههم. فهؤلاء على النقيض من سيد قطب لم يدخل في روعهم أن المعالنة بتوجههم الإسلامي المحافظ ستخفض من قيمتهم الشخصية، وستقلل من شأنهم الأدبي والثقافي والعلمي.
وهناك أدباء بعيدون عن التصنيف السابق كانت لهم آراء جريئة في تحررها الديني والثقافي والاجتماعي لم يقل سيد قطب بمثلها ولا بما هو دونها بكثير، إلا أنهم مع هذا كانوا يفسحون في بعض كتاباتهم المجال للتعبير عن تدفق نوازعهم الإيمانية الإسلامية، ولا يترددون في إظهار الحماس في الدفاع عن الإسلام، حينما تستوجب مناسبة إظهار ذلك.
يتوفر أكثر من شاهد على ذلك. وتجنباً للإطالة سآتي بشاهد واحد.
هذا الشاهد هو دريني خشبة. دريني خشبة أديب ومترجم عنايته الأساسية كانت منصبة على المسرح الأوروبي والمسرح اليوناني وأساطير اليونانيين وملاحمهم. دريني خشبة كان من جيل سيد قطب، وكان صديقه وزميله في وزارة المعارف.
هذا الرجل مع أن محل عنايته الأساسية الموضوع الذي ذكرته، لما قرأ كتاب الشاعر معروف الرصافي «رسائل التعليقات»، الذي هو عبارة عن تعليقات على ثلاثة كتب هي: كتابا زكي مبارك «التصوف الإسلامي» و«النثر الفني في القرن الرابع الهجري»، وكتاب المستشرق الإيطالي كايتاني «التاريخ الإسلامي»، هاجم الكتاب بمجموعة من المقالات، لأنه رأى في التعليقات على الكتاب الثاني زندقة وإلحاداً، في حين رأى أن التعليقات على الكتاب الأول والكتاب الثالث تعليقات من وجهة تُعدّ إسلامية بحتة.
وإذا كان سيد قطب قد تكلف في مقاله الأول عن القصيمي التظاهر بشدة إيمانه بحرية الفكر مع أنه كان يبطن خلاف ذلك، فإن دريني خشبة لم يتكلف التظاهر بخلاف ما يؤمن به حقيقة وصدقاً. ففي مقال من تلك المقالات أوضح أن لحرية الفكر عنده حدوداً، وعرض حرية الفكر للمناقشة والمجادلة.
في الفترة الزمنية التي أتحدث عنها كانت تُنشر مقالات في بعض المجلات الثقافية في مصر فيها مساس بالدين. وثمة كتب تصدر في مصر لا تخلو من التعبير عن آراء هي مخالفة للفهم التقليدي والمتعارف عليه للدين. وتتضمن آراء فكرية جريئة إزاء الدين. ومع هذا لم يسبق لسيد قطب أن تعرض لهذه وتلك بالمناقشة والنقد لكي لا يُفهم أنه ينطوي على نزعة دينية!
هذه الصورة المغلوطة التي أنشأها عن نفسه، هي التي دفعت صديقه الذي لم يذكر اسمه إلى أن يزوره في بيته بصحبة عبد الله القصيمي ليطلبا منه العون في الدفاع عن الكتاب، بعد أن شنّت حملة دينية سلفية عليه وعلى كتابه في مصر وفي السعودية. وكان القصيمي قبل هذه الزيارة قد أهداه الكتاب، ربما على أمل أن يكتب عنه، كما تفعل طائفة من المؤلفين. فلقد اشتهر سيد قطب بالكتابة عن الأعمال الجديدة.
إن كان القصيمي أهداه كتابه من أجل ذلك الغرض، فلقد أخطأ، إذ إنه لو تحرى عنه من خلال عارفيه والمتابعين لكتاباته، فسيعلمونه أنه لا يكتب إلا عن الكتب الأدبية وكتب التراجم والكتب المتعلقة بتاريخ الإسلام السياسي في صدره الأول، وكتابه هو خارج هذه المجالات. وإن كان أهداه كتابه ليقرأه بوصفه أديباً ومثقفاً فليس ثمة خطأ في هذا الفعل.
كتاب القصيمي ليس فيه زندقة والحاد، وإنما هو كتاب تجديد في الدين إلى حد الثورية. وهو من الصنف الذي يقبله الدينيون التجديديون والتحرريون والمنفتحون. ومع هذا فار قِدْر سيد قطب على الكتاب وعلى صاحبه.
فار قِدْر سيد قطب على الكتاب وعلى صاحبه، ليس لأن صديق سيد قطب زاره في بيته صحبة القصيمي ليطلبا المعونة في الدفاع عن الكتاب، فبلا شك أن طلباً كهذا، وقد قُدّم تحت دعوى الدفاع عن حرية الفكر أحرجه، لأنه في داخله لا يقر الدفاع عن كتاب من ذلك الصنف، وفي الوقت نفسه لا يجد في نفسه الشجاعة بمصارحتهما بأنه ليس مع حرية الفكر إلى الحد الذي ذهب القصيمي إليه في كتابه.
وفار قِدْره، ليس لأن ما جاء في الكتاب استفز آيديولوجيته الدينية المستترة، فهو قد روض عقله على تحمل الآراء والأفكار المستفزة لفحوى آيديولوجيته الدينية المستمرة، بدليل أنه قبل معركته مع القصيمي وكتابه لم يخطّ يوماً سطراً في الاحتجاج على آراء علمانية جداً تتعلق بالدين وقضاياه وشؤونه.
وإنما فار قِدْره لأن العقاد خص كتاب القصيمي بمراجعة فيها إطراء وثناء على الكتاب وعلى صاحبه.
فار قِدْره على القصيمي وعلى كتابه لأنه كان ينتظر منذ مدة طويلة أن يحوز هو وكتاب من كتبه على تقريظ من العقاد. ومع أنه في حدود سنة أو أقل كان قد طلب من العقاد أن يكتب مقدمة كتابه «التصوير الفني في القرآن» ولم يستجب العقاد لطلبه، إلا أنه لم ييأس من أن ساعة التقريظ آتية، ثم يفاجأ بالعقاد يقرظ كتاباً لشخص ليس هو من تلاميذه، ولا تجمعه به صحبة شخصية أو معرفة عامة، وليس هو اسماً أدبياً أو فكرياً معروفاً لدى شيوخ الأدب وشُبَّانه في مصر.
الملحوظة الثالثة على هذه المعركة أنه للسبب السالف كان يجب أن يوجه حنقه وحقده إلى العقاد لا إلى القصيمي وكتابه. فالعقاد هو الذي لم يعترف علانية به كشاعر وكناقد أدبي متميز، كما يرى هو نفسه.
الملحوظة الرابعة أنه في مقاله «غفلة النقد في مصر» الذي هو أحد مقالات معركته مع القصيمي وكتابه، كان يجب أن يحصر نقده في العقاد ويسميه باسمه، لا أن يحشر كبار النقاد المصريين والنقد الأدبي في مصر في نقده. فكبار النقاد المصريين إذا ما استثنيا العقاد، والنقد المصري، ليس لهما في قضية القصيمي وكتابه ناقة ولا جمل. إنه حشرهما في نقده ليعوّم نقده للعقاد ويلمزه من بعيد. وقد فعل ذلك أيضاً في خاتمة المقال الذي سبق هذا المقال، وهو مقال «من مفارقات التفكير: الأستاذ إسماعيل مظهر وكتاب الأغلال»، وإن كان على نحو ألطف. ففي هذا الخاتمة قال: «وبدلاً من أن ينبه النقاد الكبار إلى هذا الاتجاه المريب يؤخذون بالدعاوى المفتعلة، ويبذلون إعجابهم المطلق للكتاب وصاحب الكتاب!». وكان يقصد العقاد بهذا الكلام.
لقد لجأ سيد قطب إلى هذا الأسلوب الملتوي في النقد لسببين، هما: أنه يخشى العقاد ويهابه، وأنه كان ناقماً على النقاد الكبار أو شيوخ الأدب، لأنهم مثل العقاد لم ينعموا عليه حتى بقطرة مدح وثناء. وللحديث بقية.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

الجزائر ونهاية المرحلة الانتقالية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-25

خيرالله خيرالله

قبل ستة اشهر، بدأ الحراك الشعبي في الجزائر. اثبت الجزائريون، مع استمرار هذا الحراك للأسبوع السادس والعشرين، انّهم تعلّموا شيئا من تجربة ما عرف بـ"سنوات الجمر" التي امتدت بين 1988 و1998 والتي اسفرت عن سقوط آلاف الضحايا. سقطت الضحايا في ظلّ إصرار المتطرفين الإسلاميين، الذين تربوا في عهد هواري بومدين، على الاستيلاء على السلطة من جهة وفي ظلّ إصرار المؤسسة العسكرية بأجهزتها على اجتثاث الإرهاب واستئصاله بحجة مكافحة الإرهاب، من جهة أخرى.

ما يحمل على التفاؤل محافظة الجزائريين على هدوئهم وانضباطهم على الرغم من غياب خريطة طريق تؤدي في نهاية المطاف الى تغيير طبيعة النظام القائم على تحكّم المؤسسة العسكرية بمفاصل السلطة. ما يمكن ان يثير بعض التفاؤل أيضا هو ظهور ضباط جدد وضعوا نفسهم خلف الستار. هؤلاء ضبّاط اقلّ جشعا الى السلطة والثروة من معظم الضباط السابقين الذين كانوا يشكلون امتدادا لعهد هواري بومدين الذي بدأ في العام 1965. هذا العهد، الذي لم ينته بعد والذي حاول عبدالعزيز بوتفليقة استنساخه عبر ارتداء عباءة من كان يشرف على رعايته مذ كان وزيرا شابا للخارجية. في النهاية، ان الانتهاء من عهد بومدين ونظامه القمعي هو هدف الذين ينزلون الى الشارع كلّ يوم جمعة منذ ستة وعشرين أسبوعا.

حقق الحراك الشعبي في الجزائر الكثير حتّى الآن. كان الحراك، بدعم خفي من الجيش طبعا، وراء افشال محاولة إعادة انتخاب المقعد عبدالعزيز بوتفليقة لولاية خامسة وذلك كي يبقى افراد الحلقة الضيّقة المحيطة به في السلطة، يمارسون ما بين ما يمارسونه صلاحيات رئيس الجمهورية.

لم تعد لبوتفليقة بعد صيف العام 2013 أي علاقة بما يدور فعلا في البلد. بدأ يفقد قدراته العقلية منذ تعرضه لجلطة في الدماغ صيف ذلك العام. على الرغم من ذلك كلّه، أي على الرغم من انّه كان مجرد رئيس صوري، اتجه افراد الحلقة الضيقة الى تمكينه من الحصول على ولاية خامسة في 2019، علما انّه لو خضع لفحص طبي في 2014، لما كان سمح له وقتذاك بولاية رابعة.

بفضل الحراك الشعبي، تحرّكت المؤسسة العسكرية ممثلة برئيس الأركان احمد قايد صالح، الذي تجاوز الثمانين من العمر، من اجل وضع نهاية لمهزلة عانت منها الجزائر طويلا.

منذ اجبار بوتفليقة على الاستقالة، تعاني الجزائر من مأزق سياسي واجتماعي واقتصادي، هو في الواقع مأزق نظام لا يستطيع تجديد نفسه. مأزق الجزائر هو مأزق الحراك الشعبي والمؤسسة العسكرية في آن. من إيجابيات المرحلة انّ الشارع لم يفلت من السيطرة بعد وذلك على الرغم من ان الشعارات التي بدأ يطلقها الحراك تبدّلت وصارت اكثر جذرية، فيما يحلم عدد لا بأس به من الضباط بانتخاب رئيس جديد يؤمن استمرار النظام القديم مع بعض التغييرات الشكلية.

تمرّ الجزائر حاليا بمرحلة انتقالية تتميّز بغياب القواسم المشتركة بين الحراك الشعبي والمؤسسة العسكرية. لكنّه لا يزال هناك امل بالخروج من المأزق الذي يعبّر عنه بقاء الرئيس المؤقت عبدالقادر بن صالح في موقع الرئاسة في غياب القدرة على انتخاب رئيس جديد.

من يخرج الجزائر من المرحلة الانتقالية؟ لا يوجد الى الآن ما يشير الى اختراق ذي طابع دراماتيكي في المستقبل القريب. مثل هذا الجمود يؤثر في المدى الطويل على استقرار الوضع الداخلي، خصوصا ان ليس ما يشير الى ان الحكومة الجزائرية قادرة على التعاطي مع المشاكل القائمة، وهي مشاكل قابلة للتفاقم على كل صعيد بدءا بمشكلة الامازيغ الذين يعانون من تمييز عنصري حقيقي وانتهاء بقدرة الجزائر على الاعتراف بانّها طرف مباشر في قضية الصحراء المغربية، على سبيل المثال وليس الحصر. هذا يعني انّ ما يسمّى "بوليساريو" ليس سوى أداة تستخدم من المؤسسة العسكرية لابتزاز المغرب ولا شيء آخر غير ذلك.

فوق ذلك كلّه، ان الجزائر تعاني من ازمة اقتصادية عميقة تهدد بثورة شعبية في ايّ لحظة. هناك شبه كبير بين الوضع القائم حاليا والوضع الذي ساد في خريف العام 1988 عندما حصلت انتفاضة شعبية على النظام الذي كان على رأسه وقتذاك الشاذلي بن جديد، ممثل المؤسسة العسكرية لا اكثر ولا اقلّ، بصفة كونه اكبر كبار الضباط سنّا في المؤسسة.

لا يقتصر فشل النظام في الجزائر على العجز عن تجديد نفسه في أي مجال كان فحسب، بل ان الفشل الأكبر هو فشل اقتصادي. ما تسبب بثورة 1988 كان هبوط أسعار النفط في تلك المرحلة التي توقفت فيها الحرب العراقية – الايرانية التي استمرّت ثماني سنوات بسبب العناد الايراني. اكتشفت الجزائر فجأة انّها أسيرة سعر النفط والغاز. لم يسمح النظام للبلد باستغلال ثروات البلد، علما انّها كثيرة، خصوصا ان في استطاعة الجزائر جذب ملايين السيّاح في السنة نظرا الى انّها احد اجمل البلدان المطلة على المتوسط، إضافة الى امتلاك جبال ومناطق صحراوية ذات جمال اخّاذ. هذا بعض مما تمتلك الجزائر من ثروات رفضت تطويرها في وقت يتدهور النظام التعليمي فيها بشكل ملموس ولا يوجد من يريد معالجة هذه الآفة الخطيرة.

من المفترض ان تنتهي المرحلة الانتقالية في اقرب وقت بعد إقرار دستور جديد وعصري ينهي العقد التي عانى منها البلد طويلا، أي منذ الاستقلال. في مقدّم هذه العقد الدور الجزائري على الصعيدين الإقليمي والعربي. المؤسف انّ ليس لدى الجزائر من نموذج تقدّمه لا في شمال افريقيا ولا في افريقيا نفسها ولا على الصعيد العربي. هناك فشل جزائري علي كلّ صعيد يعبّر عنه مثلان حيّان. الاوّل ان عبدالعزيز بوتفليقة حكم البلد بين 2013 و2019 وهو لا يستطيع توجيه كلمة الى شعبه يطمئنه فيها الى انّه لا يزال قادرا على استخدام قدراته العقلية. امّا المثل الآخر، فهو استمرار اغلاق الحدود بين المغرب والجزائر منذ ربع قرن، أي منذ العام 1994 تحديدا. ما هذا العجز عن اتخاذ أي قرار في شأن الحدود على الرغم من كلّ المبادرات المغربية من اجل حصول تقارب بين البلدين اللذين تجمع بينهما مصالح كثيرة فضلا عن العلاقات بين شعبين يمتلكان تاريخا مشتركا في النضال من اجل الاستقلال.

متى تنتهي المرحلة الانتقالية في الجزائر؟ هل تنتهي قبل هبوب عواصف داخلية على بلد يعاني من عقد عدّة وقنابل موقوتة كثيرة؟ من سيجمع بين مطالب الحراك الشعبي مع المحافظة على دور ما للمؤسسة العسكرية الجزائرية التي تبقى ضمانة للاستقرار... ولكن ضمن حدود معيّنة يحددها الدستور؟.

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية