النظام الإيراني.. وسقطت ورقة التوت

النظام الإيراني.. وسقطت ورقة التوت

مشاهدة

19/01/2020

مها محمد الشريف

حالة ارتباك فاضحة ظهر بها النظام الإيراني، بعد مقتل الإرهابي قاسم سليماني، العقل المدبر لأنشطة إيران في الشرق الأوسط، ووزير خارجيتها الفعلي، والقائد للحروب في المنطقة.
ما مِنْ شك في أن علاقة التفاعل بين الأحداث المشار إليها هنا، تفسر إلى حد كبير تهالك هذا النظام، وكيف حول دولة إيران لهذا المستوى المنحدر من التخلف على كافة الأصعدة. فمن فشل ذريع في تنظيم جنازة كانت سبباً في مقتل 50 مشاركاً فيها بمدينته كرمان، إلى صواريخ خاطئة برد مسرحي على أميركا، الذي كانت حصيلته إسقاط الطائرة المدنية الأوكرانية، الذي ذهب ضحيته 176 شخصاً كانوا على متنها، ثم محاولتهم إخفاء الجريمة.
وتجاهل هذا النظام قدرة الأقمار الصناعية وتقنيات الاتصال، متوهماً أنه يستطيع إخفاء الحقائق. فقد كشف نور النهار هذه الجريمة بكل سهولة، ثم تباينت واختلفت الروايات، وتخبطوا في بياناتهم حول إسقاطها رغم اعترافهم. وبلا أدنى شك فقد سقطت ورقة التوت عن نظام الملالي، نظام ينطوي على كثير من شرور الإرهاب والكراهية والانفعالات المدمرة، وفظائع واسعة النطاق.
قال أحمد العسكري، عضو مجلس محافظة كركوك: «إن ثقة الشعب الإيراني بالحكومة الإيرانية متزعزعة أصلاً؛ لكن ربما كانت الطريقة التي قتل بها قاسم سليماني قد أعادت بعض الزخم للثورة الإيرانية، أو لنظام الولي الفقيه الذي حاول تضخيمها والاستفادة منها؛ إلا أنَّ الإجراءات السياسية والأمنية التي اتخذها هذا النظام قد أثرت سلباً على إدامة الزخم في استمرارية الثورة الإسلامية في إيران».
ومن أشد أسباب هذه السياسة بروز خطورة الميل إلى الحروب بالوكالة، ومضاعفة فرق الجنود من المتشردين والمرتزقة لاستغلالها، وتعميق البؤس في الداخل لكسر الشعب، ورغم الكذب في البداية بقولهم أن الصواريخ التي ضربوا بها قاعدة عين الأسد قتلت 80 جندياً أميركياً، وكيف طبل وزمر إعلامهم لذلك، ثم نفى مسؤولون إيرانيون هذه الأرقام، وقالوا لم نستهدف الجنود الأميركان؛ بل المعدات العسكرية، مما يظهر أن هذا النظام بدأت تنفضح كل أكاذيبه.
ما حدث كان علامة على إخفاء المعلومات، وحالة الارتباك والمظاهرات وطلب تنحية المرشد هي بمثابة غاية تنتقل فيها إيران إلى وضع الثورة المضادة لسطوة الملالي، فهو نظام مهلهل ومتهالك، أنهك بلداً كبيراً ودمره وعزله عن العالم، ويعيش الشعب حالات متقلبة من مصيبة إلى مصيبة أخرى.
حادثة الطائرة المنكوبة ستترتب عليها تعويضات ضخمة وخسائر كبيرة على كل الأصعدة مثل عدم طيران بعض الخطوط في الأجواء الإيرانية، وعلى سبيل المثال أوكرانيا التي ألغت بشكل نهائي الطيران فوق إيران بعد حادثة الطائرة المنكوبة، مما يعني أن البلد متهالك مدمر والأحداث كشفت كيف أنه ضعيف ومتخلف. هي فقط دولة تصدر الإرهاب والقتل.
لعل الصدمة الكبرى في تاريخها هي إسقاط الطائرة الأوكرانية بالخطأ، ليواجه النظام الإيراني ضغوطاً دولية ومحلية متزايدة، تطالب بإقالة مسؤولين كبار بالبلاد، بعد الاعتراف بالمسؤولية عن إسقاط طائرة ركاب أوكرانية، فالحكومة الإيرانية في مأزق في كلتا الحالتين. في الداخل خرج آلاف من الإيرانيين في احتجاجات مطالبين بمحاكمة المسؤولين ومن تستر عليهم؛ خصوصاً أن إعلان الجيش إسقاط الطائرة «من دون قصد» كان قد سبقه نفي للمسؤولية، والقول بأنها سقطت بسبب خلل فني. فهل فقد الإيرانيون الثقة بحكومتهم بعد هذه الحادثة؟ ولم يتوقف الأمر عند المظاهرات وحسب؛ بل صدر بيان ثلاثي مشترك عن الرئيس الفرنسي والمستشارة الألمانية ورئيس الوزراء البريطاني، متضمناً تحذيراً واضحاً للمسؤولين في طهران، وأن البلدان الأوروبية الثلاثة «لم يعد بيديها أوراق ضغط ذات معنى» لحمل إيران على وقف تحللها من الاتفاق، والعواصم الثلاث ترفض «القراءة الإيرانية» للبند 36، الذي تتخذه طهران ذريعة وحجة للخروج من الاتفاق، من غير أن تقول ذلك علناً.
ثمة علاقة سببية متبادلة بين الكوارث الكبرى التي صنعتها إيران في المنطقة، وبين نمط نزوعها للثورة وإراقة الدماء، والعروض المسرحية التي تقدمها كل يوم للعالم، والمقالات التي امتلأت بها الصحف من المنظرين السياسيين، فهل يحكم على مرشدها بتجرع السم؟

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

الصفحة الرئيسية