النيران تلتهم أجساد العراقيين: اتهامات لقوى سياسية بافتعال حريق الناصرية

النيران تلتهم أجساد العراقيين: اتهامات لقوى سياسية بافتعال حريق الناصرية

مشاهدة

15/07/2021

لكثرةِ ما مرَّت بهِ البلاد من حوادث مروّعة في السنين الماضية، وإعلان الحكومات السابقة والحالية سعيها إلى كشف المقصّرين والمتسبّبين بها، عبر تشكيل لجان تحقيق، بات العراقيون ينظرون إلى أي إجراء حكومي، بهذا الخصوص، بنظرةٍ تهكّمٍ ومحاولةٍ للتسويفِ والنجاةِ من طوق المساءلة فيما بعد، وسط اتهامات لقوى سياسية بالتسبب في الحوادث وإشعالها. 
ويقول المحلل السياسي، مجتبى الخالدي لـ"حفريات" إنّ "الشعب العراقي فقد ثقته ليس في الحكومةِ فقط، بل في مجمل النظام، نتيجة عجز الأخير عن خدمتهِ والدفاع عن مصالحهِ أو الحفاظ على الواقع الموجود"، مبيناً أنّ "الأمور تذهب نحو الأسوأ والأسوأ، والكوارث تتناسل، كأننا نعيش في غابة لا في بلد فيه مؤسسات ودولة". 

استنفار شعبي لمحاولة إنقاذ الضحايا من الحريق الذي التهم مركزاً لعزل مرضى كورونا في ذي قار
ولم تمضِ أربعٌ وعشرونَ ساعة على نشوبِ حريقٍ في مبنى وزارة الصحة العراقية في العاصمة بغداد، حتى اندلع حريق آخر  في مشفى خاص لمرضى كورونا بمحافظة ذي قار، في جنوب البلاد، الحريق الذي هزَّ مشاعر العراقيين وزادهم غضباً وألماً وهم يرونَ عبرَ كاميرات السوشيال ميديا، كيفية احتراق أجساد الراقدين في البنايةِ المشتعلةِ هناك. 
الحريق اندلع في مركز النقاء لعزل مصابي كورونا في مستشفى الحسين التعليمي في مدينة الناصرية، عاصمة محافظة ذي قار (360كم جنوب بغداد)، وهو واحد من أربعة مراكز مخصصة لمرضى كورونا في المستشفى، ما أدّى إلى مصرع أكثر من 92 شخصاً على الأقل، وفق آخر إحصائية مساء أمس الأربعاء، فيما إصيب أكثر من 100 آخرين.
استعادةً لفاجعةٍ مشابهة
الحدث  كان استعادةً لفاجعةٍ مشابهة، حصلت في نيسان (أبريل) الماضي، عندما احترق مستشفى ابن الخطيب البغدادي، وقضى على 92 مصاباً، وأدّى إلى استقالة وزير الصحةِ حينها.

وعود رئيس الوزراء العراقي بالكشف عن المتسببين تقابل السخرية والاستهجان لكثرتها.. وهيئة النزاهة تعتقل 13 مسؤولاً على خلفية تحذيراتها السابقة من نشوب حريق في مستشفيات ذي قار 


وتوعّدت الحكومة العراقية، آنذاك، بمحاسبة المقصرين والكشف عن المتسببين بالحادث عبر تشكيل لجان تحقيقية، في حين أصدرت قراراً باعتقال 13 مسؤولاً محلياً إثر الحادث، ليستخفّ عراقيون بتلك القرارات الحكومية، معتبرينَ أنّها محاولة لتسويف القضية، كما يحصل في كلّ مرة.
واتّخذ رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، عدة قرارات إدارية تضمّنت سحب يد مسؤولين وإحالتهم للقضاء، فيما توعّد المتسببين بالحادث.
ويعلق الخالدي لـ "حفريات" على إجراءات الحكومة العراقية: "وعود الكاظمي بمحاسبة المقصرين عبر التحقيق والتقصّي، يرى كثيرون أنّهُ طوق نجاة الفاسدين في مختلف الدوائر الحكومية التي تحكمها أحزاباً سياسية لا الدولة العراقية"، متسائلاً: "أين نتائج التحقيق في كارثة قريبة حلّت على البلاد هي حريق مستشفى ابن الخطيب في العاصمة بغداد، في شهر نيسان الماضي؟". 

سحب يد مدير صحة ذي قار
وفي تفاصيل متابعة حادث الإثنين، وفور وقوعه، توجّه فريق حكومي رفيع المستوى إلى محافظة ذي قار، ضمَّ مجموعة من الوزراء والقادة الأمنيين لمتابعة الإجراءات ميدانياً، وقد أمرَ الكاظمي، بسحب يد مدير صحة المحافظة، ومدير المستشفى المحترق، ومدير الدفاع المدني، واحتجازهم وإخضاعهم للتحقيق، وتوجيه مختلف الوزارات بإرسال مساعدات طبية وإغاثية عاجلة إلى ذي قار، واعتبار ضحايا الحادث شهداء، وإنجاز معاملاتهم فورياً، وتسفير الجرحى الذين حالاتهم حرجة إلى خارج العراق، وإعلان الحداد الرسمي على أرواح "شهداء" الحادثة.

الكاظمي ومسؤولون عراقيون يقرأون الفاتحة قبيل بدء الاجتماع الطارئ بشأن فاجعة ذي قار
واتّهم الكاظمي جهات سياسية بعرقلة عمل حكومته، قائلاً: "والله إنّ وطنيتنا لا تتقبّل فكرة أن يتعمّد العراقي قتل أخيه من أجل هدف سياسي، ولعنة الله على كلّ منفعة أو منصب تجعل الإنسان يستهتر ويستخفّ بدم أخيه، ولعنة الله على كلّ منفعة سياسية أو مادية تسخط  الإنسان لتجعله أداة، ليفجّر أبراج الكهرباء من أجل إثبات وجهة نظره، وإفشال العاملين من أجل وطنهم"، مشدّداً على "عدم التسامح مع الفاسدين أو المتلاعبين بأرواح المواطنين، أياً كانت صفاتهم أو انتماءاتهم".

اقرأ أيضاً: العراق: حريق مستشفى الحسين يشعل مظاهرات "ذي قار" مجدداً ضد الفساد

ويعزو المحلل العراقي الخالدي اتهامات الحكومة لأطراف سياسية بافتعال الحوادث إلى "محاولة الكاظمي لتخفيف الضغط على فشل كادره الوظيفي عبر اتهام الخصوم السياسيين والمناوئين له"، مبيناً أنّ "ما قالهُ أمر غير مستبعد، لكنّ المواطن يرى أنّ الحكومة هي المسؤولة عن كلّ شيء، وهذا هو الصحيح". 
تحذيرات سابقة لم يؤخذ بها
ومنذ نيسان (أبريل) الماضي، تلقّت إدارة محافظة ذي قار، تحذيرات من هيئة النزاهة الاتحادية عن إمكانية نشوب حوادث على غرار ما حصل في مستشفى ابن الخطيب في بغداد، وفيما طالبت الدائرة باتخاذ التدابير اللازمة لمنع تكرار حادث الحريق، توعّدت الهيئة بمحاسبة كلّ اللجان المؤلفة لتدقيق الإجراءات الأمنية والوقائية التي يثبت عدم اتخاذها إجراءات السلامة اللازمة.

الطبيب العراقي حيد سليمان لـ "حفريات":  ربما يكون حادث مستشفى الحسين التعليمي بفعل فاعل من جهة مناوئة، وهكذا فإنّ حياة العراقيين مجرد ألعوبة للمتخالفين سياسيين


تلك التحذيرات التي لم تلقَ أذناً مصغية من قبل الجهات المحلية المسؤولة، وأدّت إلى نشوب الكارثة في مستشفى الحسين التعليمي في ذي قار، دفعت هيئة النزاهة إلى إصدار أوامرِ قبض بحقّ عددٍ من المسؤولين في دائر صحة محافظة، موضحةً أنّ الأوامر الصادرة جاءت نتيجة تحرياتها وتقصيها لحادث حريق مركز العزل الصحي في المستشفى. 
أوامر قبضٍ وتحرٍّ
وذكرت دائرة التحقيقات في الهيئة، بحسب بيان لها، أنّها "شكّلت فريقاً تحقيقياً في واقعة حريق مركز العزل الصحي في مستشفى الحسين التعليمي، وعلى ضوء المحضر المعدّ من قبل الفريق والنتائج المتحصلة فيه، أصدر قاضي التحقيق المختص بالنظر في قضايا النزاهة في ذي قار أوامر قبضٍ وتحرٍّ، وفق أحكام المادة (340) من قانون العقوبات، بحقّ عددٍ من المسؤولين في القطاع الصحي بالمحافظة".

اقرأ أيضاً: كردستان العراق تحبط مخططات إرهابية لداعش خلال عيد الأضحى... اعترافات
وتابعت الدائرة؛ بأنّ "أوامر القبض شملت كلاً من المدير العام لصحة المحافظة وثلاثةٍ من الأطباء الذين تعاقبوا على إدارة مستشفى الحسين التعليمي، وكذلك عدد من المهندسين والموظفين، ليكون العدد الكلي للذين شملهم الأمر (13) متهماً".
من جهةٍ أخرى، اتّهم أطباء في وزارة الصحة العراقية، تياراً سياسياً عرقلَ تطوير المستشفيات، خشية الانتفاع السياسي للجهة المسيطرة على الوزارة، مؤكدين اتخاذ عدة إجراءات وقائية بعد سلسلة الحرائق السابقة. 

مجموعة شباب يصورون اشتعال الحرائق في مستشفى الحسين التعليمي في ذي قار
ويقول الطبيب حيدر سلمان لـ"حفريات"؛ إنّ "الوزارة ركّزت على ثلاث نقاط  للوقاية، هي: بناء منظومات حريق ومراقبتها بشكل مستمر، ومراقبة إجراءات السلامة مرّتين يومياً كأقلّ تقدير، كما تمّ منع الحركة لغير المخولين ضمن ردهات العزل منعاً لحركة المرافقين". 
وفيما يتعلّق بالواقع الخدمي الصحي المتردي، أوضح سلمان؛ "للأسف هناك تيار محدّد منع إكمال المستشفيات التركية، وحتى الألمانية، وتسليمها، خوفاً من أن تجيّر لجهة معينة، وبقي الحال على ما هو عليه منذ عام 2014 وحتى الآن، وربما يكون الحادث أصلاً بفعل فاعل من جهة مناوئة كذلك، وهكذا فإنّ حياة العراقيين مجرد ألعوبة للمتخالفين سياسيين".

اقرأ أيضاً: العراق: حصيلة ضحايا مستشفى الحسين بالناصرية... والكشف عن المسببات
واختتم حديثه بأنّ "الحادث يعدّ إهمالاً بكلّ معنى الكلمة، ويجب التحقيق بشكل مكثف حتى مع عمال الخدمة ومسؤولي الصيانة والمدراء صعوداً، كما يجب أخذ العبر لعدم تكرار حوادث كهذه في أماكن أخرى".
وكان رئيس الحكومة العراقية لفت، خلال الاجتماع الحكومي الطارئ الذي عقده،  إلى أنّ حادث الإثنين يؤشّر إلى وجود خلل بنيويّ في الهيكلية الإدارية للدولة العراقية؛ حيث إنّ تشخيص الأخطاء لا يتم توظيفه ولا متابعته، ويذهب المواطنون ضحايا"، موضحاً أنّ "الحاجة صارت ملحّة لإطلاق عملية إصلاح إداري شامل، وأهم خطوات الإصلاح أن نفصل العمل الإداري عن النفوذ السياسي". 
وأكّد الكاظمي؛ أنّ "نتائج التحقيق العادل الذي فتحناه، سيقودنا إلى معرفة المقصرين المباشرين، ولا أتمنى أن يكون في أيّة مرحلة من مراحل التقصير وجود تعمّد".

الصفحة الرئيسية