الهجمات الانتحارية..هل تحسم الفتاوى الصراعَ الأيديولوجي؟

الهجمات الانتحارية..هل تحسم الفتاوى الصراعَ الأيديولوجي؟

مشاهدة

29/01/2018

يبدو أنّ باكستان تتّخذ إجراءات فعّالة ضدّ أيديولوجيا الإسلامويّة الراديكاليّة بعد أن اتّهم دونالد ترامب إسلام آباد بلعب "دور مزدوج" في عمليّة مكافحة الإرهاب، وحذّر من أنّه سيتعيّن عليها بذل المزيد من الجهود إذا ما أرادت الحفاظ على المساعدات الأمريكيّة. وفي منتصف كانون الثاني (يناير) 2018، أصدر أكثر من 1,800 من العلماء المسلمين في باكستان فتوى ضدّ الجهاد والتفجيرات الانتحاريّة.

وينصّ هذا القرار الدينيّ القانونيّ على أنّ "التفجيرات الانتحاريّة 'محرّمة' وتنتهك التعاليم الإسلاميّة الرئيسة". ومن جانبه، قال الرّئيس الباكستانيّ، مأمون حسين، في احتفال رسميّ إنّ "هذه الفتوى توفّر قاعدة قويّة لاستقرار مجتمع إسلاميّ معتدل". وكان قد عَمِل على إخراج هذه الفتوى 30 من العلماء، وأيّد موقفهم 1,829 من الشخصيّات الدينيّة الإسلاميّة البارزة، كما ورد في موقع قناة العربيّة.

فتاوى متعدّدة ضدّ التفجيرات الانتحاريّة

باعتباري باحثاً يعمل على تحليل عمليّة الرّدكلة للأيديولوجيا الإسلاميّة وأنشطة الجماعات السلفيّة الجهاديّة في آسيا الوسطى والشرق الأوسط، أودّ أن أشدّد على أنّ هذا الإجراء الذي اتّخذته السلطات الباكستانيّة قد وافق عليه العديد من العلماء المسلمين المعتدلين في المنطقة. ويُذكَر أنّ الرئيس الأفغانيّ، أشرف غني، فقط هو الذي قام بانتقاد الفتوى المكافحة للإرهاب الصادرة عن علماء الدّين في باكستان، قائلاً إنّه كان ينبغي على فتوى مكافحة الإرهاب أن تغطّي العالم الإسلاميّ بأسره، بما فيه بلاده.

الدعوة إلى الجهاد تمثّل السلاح الأيديولوجيّ الذي تمتلكه الجماعات الإرهابيّة

كذلك، تجدر الإشارة إلى أنّ لاهوتيّين ومُفْتين وعلماء في العالم الإسلاميّ قد أصدروا سابقاً توجيهات أو فتاوى إسلاميّة مماثلة ضدّ التفجيرات الانتحاريّة التي تستخدمها الجماعات الإرهابيّة. على سبيل المثال، في عام 2010، أصدر واعظ إسلاميّ بارز، هو أستاذ اللاهوت د. محمد طاهر القادريّ، فتوى عالميّة ضدّ التفجيرات الانتحاريّة. ففي كتابه "فتوى في الإرهاب والتفجيرات الانتحاريّة"، الذي صدر باللغة الإنجليزيّة في لندن، نظمَ حججاً لاهوتيّة تستند إلى آيات القرآن الكريم ضدّ قتل المدنيّين وضدّ التفجيرات الانتحاريّة. وقدّم دحضاً لاهوتياً مفصّلاً لكلّ حجّة استخدمت من جانب المجنّدين المتأثّرين بفكر تنظيم القاعدة. في ذلك الوقت، قال طاهر القادريّ إنّ حُكْمَه المؤلّف من 600 صفحة، المعروف بالفتوى، يفكّك تماماً الأيديولوجيا العنيفة للقاعدة. للأسف، بعد 8 أعوام، علينا أن نعترف بأنّ الوعود التي قطعها القادريّ لم يتم الوفاء بها. ففتواه لم تدمّر الأيديولوجيا الراديكاليّة للقاعدة، التي تواصل النجاح في تجنيد المزيد من المؤيّدين في أنحاء العالم كافّة، وتواصل أيضاً استخدام التفجيرات الانتحاريّة.

وفي عام 2014، أصدرت هيئة العلماء في المملكة العربيّة السعوديّة فتوى جديدة، أو حكماً قانونياً، معلنة أنّ الإرهاب "جريمة بشعة" بموجب الشريعة الإسلاميّة من أجل تقويض شرعيّة متمرّدي داعش في العراق وسوريا وتثبيط الدّعم الموجّه للمتطرّفين.

وفي عام 2013، أثار علماء مسلمون من أفغانستان ومصر مسألة إصدار فتوى تحظر التفجيرات الانتحاريّة، التي يستخدمها مسلحو حركة طالبان بنشاط.

وفي آذار (مارس) 2015، أصدرت الإدارة الروحيّة لمسلمي روسيا أيضاً فتوى ضدّ داعش، جاء فيها أنّ التأسيس لخلافة يعدّ أمراً محرّماً دون موافقة جميع مسلمي العالم واعتماد الشورى. لقد أشار العلماء الروس إلى أنّ الإسلام يَحظُر إعلان الخلافة دون اعتماد إجراء "الشورى" من جانب جميع مسلمي العالم. ويعتبر إعلان الخلافة دون هذا الإجراء فتنة. وقد صدرت فتاوى مماثلة من جانب علماء مسلمين في أوزبكستان وطاجيكستان والهند ودول أخرى ضدّ استخدام القاعدة وداعش للانتحاريّين.

الأثر المحدود للعلماء المعتدلين

إلّا أنّ كفاءة التوجيه أو الفتوى الإسلاميّة ضدّ الجهاد الصادرة من جانب المفتين والعلماء في العالم الإسلاميّ ما تزال منخفضة. وبسبب أساليبهم في مواجهة أيديولوجيا الراديكاليّة الإسلاميّة وطرق الفتوى، فإنّ التفسيرات المقدّمة للنّاس ليست كافية لإقناعهم. وخلافاً لهم، يستخدم الرّاديكاليون الإسلاميّون وسائل التواصل الاجتماعيّ بكفاءة ويعامِلون مختلف فئات النّاس بالتّمام.

ومن السذاجة أن نعتقد أنّه إذا أصدر علماء الدّين فتوى ضدّ تنظيمي القاعدة وداعش، فإنّ أيديولوجيا الراديكاليّة الإسلاميّة سيتم نزع الشرعية عنها، فيما سيضع مؤيّدوها السلاح ويكفوا عن استخدام التفجيرات الانتحاريّة.

من السذاجة الاعتقاد أنّ صدور فتوى ضدّ تنظيمي القاعدة وداعش، سينزع الشرعية عن أيديولوجيا الراديكاليّة الإسلاميّة 

لقد جادلتُ دائماً بأنّ أيديولوجيا الإسلامويّة الراديكاليّة، التي تسمح باستخدام التفجيرات الانتحاريّة "ضدّ الصليبيّين واليهود وغيرهم من أعداء الإسلام"، قبل كل شيء، يجب أن تكافح من قِبل الدول الإسلاميّة والعلماء البارزين والمفتين المكرّسين الذين يعرفون جيداً نظريّة وممارسة الدّين الإسلاميّ. ومع ذلك، فإنّ انفجار الأيديولوجيا العنيفة للراديكاليّة الإسلاميّة والاستخدام النَشِط للانتحاريّين في سوريا والعراق وأفغانستان وباكستان في العام الماضي يُثبِت خسارة الدول الإسلاميّة وعلمائها بشكل كبير أمام المجموعات عبر-الوطنية، كالقاعدة وطالبان وداعش، في الصراع الأيديولوجيّ. إنّ سقوط ما يسمّى بالدولة الإسلاميّة في العراق وسوريا لا يعني أنّ الأيديولوجيا السلفيّة المتشدّدة قد تعرّضت للتركيع في هذه البلدان وتوقّفت التفجيرات الانتحاريّة. ففي مقابل ذلك، ازداد نشاط مؤيّدي تنظيم الدولة الإسلاميّة بشكل ملحوظ في وسائل التواصل الاجتماعيّ؛ حيث يقومون بالدعوة إلى الجهاد ضدّ الولايات المتحدة وروسيا وإسرائيل ودول أخرى في الغرب.

والدعوة إلى الجهاد تمثّل السلاح الأيديولوجيّ الذي تمتلكه الجماعات الإرهابيّة. وفي الإسلام المعتدل التقليديّ، لا يقع الجهاد بين الأركان الخمسة للإيمان، ويُفهَم على أنّه حرب دفاعية ضدّ المضايقات التي يتعرَض لها المسلمون. لكنّ الراديكاليّين الإسلامويّين يحاولون جعل الجهاد ركناً سادساً في العلوم الإسلاميّة، بعد الشهادة والصلاة والزكاة والصيام والحج.

ينظر السلفيون إلى الجهاد، في المقام الأوّل، باعتباره كفاحاً مسلحاً، مركّزين على الجانب الهجوميّ للحرب المقدّسة. ويعلِنون المشاركة في الجهاد كواجب مقدّس لكلّ مسلم حقيقيّ. وقد طوّر أيديولوجيّو الراديكاليّة الإسلامويّة، سيّد قطب وعبد السلام فرج وأيمن الظواهريّ، إستراتيجيّة الجهاد وتكتيكاته للعالم الحديث، مؤكّدين على أساليب استخدام الانتحاريّين.

وفي وسائل التواصل الاجتماعيّ، تدعو الجماعات الإرهابيّة في آسيا الوسطى، كتيبة التوحيد والجهاد والحزب الإسلاميّ التركستانيّ وكتيبة الإمام البخاريّ، المسلمين إلى الانضمام إلى الجهاد في الشام والدّفاع عن الإسلام عوضاً عن الجلوس في المنزل. وهم يدّعون أنّه فقط بعد الإطاحة بالكفّار واستعادة وحدة جميع المسلمين (الأمّة)، كما كان الحال في العصر الذهبيّ للخلافة، يمكن إقامة علاقات سلميّة داخل الأمّة.

القرآن باعتباره مصدراً للحقيقة في الصراع الأيديولوجيّ

للدِّفاع عن مواقفهما الخاصّة، يلتمس كلا الطّرفين - العلماء البارزين للإسلام المعتدل وقادة الجماعات الإسلامويّة الرّاديكاليّة - الآيات القرآنيّة والأحاديث. ففي فتاواهم، يدّعي العلماء والمفتون في باكستان وروسيا وأوزبكستان وطاجيكستان، فضلاً عن اللاهوتي البارز طاهر القادريّ، أنّ الإسلام لا علاقة له بالإرهاب، وأنّ القرآن لا يسمح بالانتحار عن طريق القنابل. وللبرهنة على ذلك، يُشير مؤلّفو هذه الفتاوى إلى الآية 29 من سورة النّساء: "ولا تقتلوا أنفسكم إنّ الله كان بكم رحيماً".

من ناحية ثانية، يشير أيديولوجيّو الإسلامويّة الرّاديكاليّة إلى الآيتين 169 و1670 من سورة آل عمران، بغرض تجنيد المزيد من الانتحاريّين وحضّهم على ارتكاب أعمال العنف والإرهاب: "ولا تحسبنّ الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون. فَرِحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألّا خوف عليهم ولا هم يحزنون".

لا يقع الجهاد بين الأركان الخمسة للإيمان، ويُفهَم على أنّه حرب دفاعية ضدّ المضايقات التي يتعرَض لها المسلمون

وقد أصبح زعيم تنظيم القاعدة، أيمن الظواهريّ، من أبرز منظّري الإرهاب الانتحاريّ عبر تضبيب الخط الفاصل بين الانتحار والاستشهاد في خطابه. ففي مقالات مثل "الجهاد والاستشهاد وقتل الأبرياء"، مثلاً، يفرّق الظواهري بين الانتحار والاستشهاد على أساس النيّة: أن ينهي المرء حياته "نتيجة للاكتئاب واليأس" فذلك هو الانتحار، لكن أن ينهي المرء حياته "لخدمة الإسلام" فذلك هو الاستشهاد. وقال الظواهري إنّ "وفاة شهيد ليست نهاية للجهاد، بل دعوة واضحة لشهود الحقيقة. فالاستشهاد جاء لصبّ الوقود على نار الغضب المشتعلة في قلوب قوّاته ضدّ الصليبيين". ويذهب إلى القول بأنّ أيّ شخص ينضمّ إلى الأمم المتحدة ليس مسلماً حقيقياً، واصفاً هؤلاء بأنّهم أتباع الصليبيّين.

وينعت الظواهريّ حكومات الدول الإسلاميّة بخونة الإسلام. وحتى يجعل أفكاره أشدّ وقعاً وبرهاناً، يشير إلى الآية 60 من سورة النّساء، حيث يلخّص الله، عن طريق رسوله محمّد، العلاقة بين الكفّار والمسلمين كما مُثِّل عليها بوضوح من جانب إبراهيم، عندما قال: "قد كانت لكم أسوة حسنة فِي إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنّا برآء منكم وممّا تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتّى تؤمنوا باللّه وحده".

المستقبل الضبابيّ للفتوى

وهكذا، وكما أظهر التحليل، فإنّ كفاءة الفتاوى ضدّ التفجيرات الانتحاريّة، الصادرة عن علماء دين بارزين ورجال دين مسلمين في باكستان وروسيا والهند وبعض دول وسط آسيا، ما تزال منخفضة. وبكل بساطة، ما يزال تأثير الفتاوى على الجماعات الإرهابيّة للقاعدة وداعش وفروعهما في آسيا الوسطى وكتائب التوحيد والجهاد والحزب الإسلاميّ التركستانيّ وكتيبة الإمام البخاري منخفضاً جداً. ولا تنظر الجماعات الإسلاميّة المتطرّفة إلى مؤلّفي هذه الفتاوى على أنّهم سلطات ذات شأن في الشريعة الإسلاميّة.

وفضلاً عن ذلك، فإنّهم يعتقدون أنّ هذه الفتاوى قد صدرت بأمر من حكومات الدول الإسلاميّة، التي يعتبرونها مرتدّة. ووفقاً للإسلام، يعاقب على الرّدة بالقتل. فقد قال النبيّ: "من بدّل دينه، فاقتلوه"، كما جاء في صحيح البخاري [52: 260]. لذلك، لا تعترف ولا تقبل الجماعات الإرهابيّة، كالقاعدة وداعش وطالبان، الفتاوى الصادرة ضدّ التفجيرات الانتحاريّة من جانب القادة الروحيّين للإسلام المعتدل. كما تمتلك الجماعات الإسلاميّة الراديكاليّة إرشاداتها الخاصّة فيما يتعلّق بالشؤون الدينيّة وتتّبع وصاياها الخاصّة. وهذه علامة أخرى تؤكّد أنّ الإسلام الراديكاليّ لا يقبل مبادئ المجتمع الحديث والنظام القانونيّ الديمقراطيّ.

أهميّة الفتاوى في تفكيك التطرف

ومع ذلك، ومن وجهة نظري، تمتلك الفتاوى ضدّ التفجيرات الانتحاريّة التي تستخدمها المنظّمات الإرهابيّة تأثيراً إيجابيّاً على الصراع ضدّ أيديولوجيا الرّاديكالية الإسلامويّة لعدّة أسباب.

أولاً، إنّ الجانب الإيجابيّ للفتاوى الصادرة هو تأثيرها على الإدراك العام. فعلى الرغم من أنّها لا يمكن أن تلقن ضربة مدمّرة لفكر الجماعات الإرهابيّة، فإنّ هذه المبادرة التي يقوم بها علماء الدين في باكستان يمكن أن تمنع بطريقة ما تجنيد المزيد من الجهاديّين.

ثانياً، تسهم الفتاوى بطريقة ما في المناقشات العامّة بين قادة الإسلام المعتدل التقليديّ والجهاديّين العنيفين، الأمر الذي يمكن أن يؤدّي إلى تنقيح التفسيرات المتناقضة لبعض العناصر المهمّة في العلوم الإسلاميّة.

ثالثاً، بعد إصدار هذه الفتاوى، يدرك العالم الإسلاميّ تدريجياً أنّ المجتمع الإسلاميّ في العالم يلعب دوراً حاسماً ومحدداً في الصراع ضدّ أيديولوجيا الإسلام الراديكاليّ وتدمير الجماعات الجهاديّة. وتقع مسؤوليّة تدمير الجماعات الإرهابيّة الإسلامويّة والأيديولوجيا الجهاديّة على عاتق حكومات الدول الإسلاميّة.

يمكننا أن نقول حرفياً إنّ الحضارة الإسلامية الحاليّة تمرّ بنقطة حاسمة وعصيبة في تاريخها ومصير هذه الحضارة يعتمد بشكل مباشر على قدرتها على التعامل مع الأيديولوجيا الراديكاليّة لداعش والقاعدة والجماعات الجهاديّة الأخرى.

أوران بوتوبيكوف، مودرن دبلوماسي

الصفحة الرئيسية