"الهنود الحمر": ما قصة التمييز الذي يعانيه سكان كندا الأصليون؟

كندا

"الهنود الحمر": ما قصة التمييز الذي يعانيه سكان كندا الأصليون؟

مشاهدة

27/12/2018

أحدث تعليق تلفزيوني، العام 2017، للدكتورة سوزان ستيورات، من جامعة تورونتو، وهي المنافحة عن حقوق السكان الأصليين في كندا، ضجة وجدلاً كبيرين على المستوى الشعبي في كندا؛ حيث قالت: "من مصلحة كندا أن تظلم وتستعمر السكان الأصليين، للوصول للمصادر الطبيعية الموجودة في أراضيهم وأوطانهم التاريخية"، وأعاد هذا التصريح للأذهان تاريخاً طويلاً من الإقصاء والتهميش والاعتداء الذي تعرض له السكان الأصليون في كندا، الذين كانوا يُسمَّون "الهنود الحمر" في الماضي.
تصريح الدكتورة ستيورات:


هناك الكثير من القضايا الشائكة والمعقدة التي تربط الحكومة والدولة الكندية بالسكان الأصليين، وقد أشبع مسؤولون حكوميون وباحثون أكاديميون، وواضعو سياسات عامة كنديون، هذا الموضوع بحثاً ودراسة، وإعداداً لتقارير رسمية وتوصيات، لكن ما يزال السكان الأصليون الكنديون يعانون من صعاب ومشقات حياتية مزمنة، ولم تجد للانفراج والحلحلة سبيلاً.
مظاهرة أمام البرلمان الكندي بشأن الفتيات الهنديات المختطفات

تردّي الخدمات الصحية
ومن مصاعب الحياة التي يواجهها السكان الأصليون؛ ضعف الخدمات الصحية في مناطقهم؛ حيث يعانون في كندا من قابلية عالية للإصابة بالأمراض المختلفة، وارتفاع نسبة الموت المبكر في صفوفهم، وقد لاحظ باحثون ازدياد نسبة إصابة هؤلاء السكان بأمراض مزمنة، مثل: داء السكري وأمراض القلب، مشيرين إلى وجود علاقة وثيقة بين الدخل المتدني، والإقصاء الاجتماعي لهؤلاء الناس، وبين فرص تعرضهم للإصابة بأمراض شتى، وعند المقارنة بين أطفال السكان الأصليين وأطفال كنديين من عرقيات أخرى؛ لوحظ ارتفاع نسبة أمراض الجهاز التنفسي، والأمراض المعدية بين أطفال القبائل المسمّاة تاريخياً "الهنود الحمر".

اقرأ أيضاً: هذه الأمور تكشف عنصرية الصينيين ضد الأفارقة
وخلصت دراسات، اجتماعية ونفسية، إلى أنّ ازدحام بيوت السكان الأصليين بالقاطنين، والمعزولة في محميات خصصتها الحكومة لهم، قد لعب ذلك دوراً خطيراً في تفشي مثل هذه الأمراض. 

من مظاهرة احتجاج على خطف وقتل الهنديات الحمر

تعليم سيّئ وموجَّه

يعدّ نقص التعليم من أصعب المشكلات في العلاقة المتأزمة بين الحكومة الكندية وسكان البلاد الأصليين؛ حيث كانت هناك دائماً سياسة تجهيل لهذه القبائل من قبل أحفاد الأوروبيين المستعمرين، وفي إحصائية أجريت في العام 2011؛ وُجد أنّ 22.8% من السكان الأصليين لم يكملوا تعليمهم إلى المرحلة الثانوية.

هناك الكثير من القضايا الشائكة والمعقدة التي تربط الحكومة والدولة الكندية بالسكان الأصليين

ويعد عزوف " الهنود الحمر" عن الانخراط في مؤسسات التعليم الكندية قصة مفجعة، تمتد بين عامي 1828 و 1996؛ حيث بدأ في الثلث الأول من القرن التاسع عشر نظام تعليمي خاص بالهنود الحمر، يسمَّى "المدارس الداخلية الهندية"، ويتلخص مبدأ العمل بهذه المدارس، التي تعدّ نقطة سوداء في التاريخ الكندي، بأخذ الطفل الهندي الأحمر قسراً من أهله وتربيته في مدارس داخلية، بعيداً عن رقابة عائلته، وحرمان هؤلاء الأطفال من معرفة لغتهم الأم وإرث أجدادهم، وقد تعرض هؤلاء الأطفال للأذى البدني والجنسي طوال طفولتهم، ولقد كان للشعار التاريخي لهذه المدارس والقائل بـ: "قتل الروح الهندية في الطفل" أثر مروع ومؤذٍ في هذه المجموعة البشرية.

اقرأ أيضاً: بين الضمير والقانون في المسألة العنصرية
وقد أُجبر هؤلاء الطلاب طوال عمل هذه المدارس، لأكثر من 160 عاماً، على استخدام اللغتين الإنجليزية والفرنسية فقط، وخلق هذا النظام التعليمي القاسي أجيالاً ممسوخة نفسياً واجتماعياً؛ فلا هم قادرون على الاندماج في المجتمع الكندي من أصول أوروبية، ولا يستطيعون التواصل مع أهاليهم الأصليين وثقافتهم من جهة أخرى، كما كان له أثر في ظهور حالات من الاكتئاب المزمن في صفوف السكان الأصليين، وارتفاع نسبة استخدام المواد المخدرة، والميل نحو الانتحار، وهي سمات تميّز مجتمع الهنود الحمر إلى يومنا هذا.

عبارة من القانون الهندي الكندي وتظهر أن الهندي ادنى مرتبة من غيره!

السكن غير الملائم

يسكن من يعرفون بالهنود الحمر، في محميات على رقعة صغيرة من الأرض، ويقطنون بيوتاً صغيرة غير ملائمة للعيش في تلك المحميات، وتكون غالباً مزدحمة، ويعيش في البيت عدة عائلات معاً، وقد لوحظ أنّ لهذه البيوت المكتظة أثراً سيئاً في الأطفال وكبار السنّ؛ لأنّها بيئة غير ملائمة للعيش الكريم، وقد أدى ذلك لانخفاض العمر الافتراضي لأغلب المواطنين الكنديين من هذه المجموعة البشرية.

يعدّ نقص التعليم من أصعب المشكلات التي يعانيها سكان "الهنود الحمر" في كندا

وجعل الاكتظاظ في منازل السكان الأصليين عملية الصيانة أمراً صعباً، وقد ساهم ذلك في قصر عمر المباني، وأدّى إلى عزوف شركات التأمين عن تأمين بيوت "الهنود الحمر"، وكان لهذا الإحجام عن خدمة بيوت السكان الأصليين بُعد أمني، حيث إنّ هذه البيوت تكون بعيدة عن مراكز الدفاع المدني، وتعتمد على الأخشاب للتدفئة في شتاء كندا، وقد تسبّبت نار التدفئة في البيوت بحالات اختناق واشتعال النيران في بيوت الهنود الحمر، وخسارتهم لمبالغ كبيرة؛ لأنّ التأمين لا يشملها.
بطالة وأجور المتدنية
كان مستوى الدخول للسكان الأصليين في كندا، العام 2010، يتراوح حول 20 ألف دولار كندي، في حين كان يقدَّر دخل المواطنين الآخرين أعلى من 30 ألف دولار كندي، ومن المتوقع، وفق دراسات، ألا يصل إلى هذا المستوى إلا بعد مضي 63 عاماً من الآن، وقد عانى السكان الأصليون أيضاً من معدلات بطالة مرتفعة بين صفوفهم، بلغت نسبتها 15 %، في حين كانت في الأوساط الكندية الأخرى بحدود 7.5%. 
خطف النساء الهنديات
تعاني كثير من النساء الكنديات من السكان الأصليين، خاصة في المجتمعات القريبة من المدن، في بعض المقاطعات الكندية، من ظاهرة خطيرة هي؛ خطف نساء الهنود الحمر للأغراض الجنسية، أو لإخفائهن وقتلهنّ من قبل أفراد عصابات الجريمة المنظمة، أو من مدمنين على المخدرات، أو فئات أخرى غير معلومة للآن، وتقول الشرطة الكندية؛ إنّ 1181 فتاة هندية كندية تم اختطافهن، أو قتلهن، منذ العام 1980، في حين تقدر منظمات مستقلة العدد بحدود 4000 فتاة، وتعزو وزيرة كندية مشكلة خطف النساء من الهنود الحمر في كندا،إلى روح عنصرية وغرائزية واستعمارية ما تزال تسري في نفوس كثير من أحفاد المستعمرين الأوائل تجاه السكان الأصليين في كندا.

قوانين مجحفة
تنبع أغلب مظاهر التمييز التي تحيق بالسكان الأصليين، أو الشعب الأول في كندا، من قانون إقصائي جائر، أُقرّ العام 1876، يسمّى "القانون الهندي"، وهذا القانون هو من نظّم شؤون المدارس الداخلية الهندية في كندا، و شرعن هذا القانون التمييز ضدّ المرأة الهندية؛ حيث عدّها أدنى مرتبة من الرجال، وكذلك أجبر أفراد القبائل الأصلية على التسمّي بأسماء إنجليزية أو فرنسية، بدلاً من أسمائهم الهندية التي كانت تستخدم قبل صدور هذا القانون.

اقرأ أيضاً: سياسي سويدي يسيء للمسلمين بتصريحات عنصرية
وقد وضع هذا القانون أغلب القبائل الهندية في محميات مسيّجة، لا تصلها المياه النظيفة والخدمات، وتابعة مباشرة لمسؤول حكومي، ولا يسمح لأيّ هندي بالخروج من معسكر الاعتقال هذا من غير الحصول على موافقة من ذلك المسؤول الحكومي الكندي، وإن طال غيابه عن المحمية الهندية؛ فإنه يخسر رسمياً هويته كهندي مقيم في المحمية.

يحرّم القانون الهندي إنشاء أيّ حزب أو تجمّع سياسي للهنود الحمر أو حتى الترشح والتصويت

كما ينصّ هذا القانون على أنّ من يلتحق بالجامعة من السكان الأصليين الكنديين، يخرج من قائمة المقيمين في محمية قبيلته وعشيرته الهندية، وشجّع ذلك على تجهيل الهنود.
ويعطي "القانون الهندي" الحكومة الكندية الحقّ الكامل بنقل وترحيل أيّة قبيلة هندية، من أيّة منطقة، إذا ارتأت الحكومة شقّ طرق للسيارات أو بناء خطوط للسكك الحديدية، أو غيرها من الأعمال الحكومية.
ويحرّم القانون الهندي على الهنود الحمر إنشاء أيّ حزب أو تجمّع سياسي، أو حتى الترشح والتصويت في أيّة انتخابات كندية، وتمنع أيّ فرد من أفراد القبائل الهندية الكندية من المطالبة القانونية بأيّة تعويضات عن جرائم ضدّ أجدادهم، أو المطالبة بالتعويض عن سلب أراضيهم وأملاكهم من قبل الحكومة الكندية.

اقرأ أيضاً: العنصرية والشعوب.. حين نسخر منها سنتجاوزها
ويمنع هذا القانون على الهنود الحمر التحدث بلغتهم الأصلية في الأماكن العامة، ويحرم عليهم ممارسة طقوسهم الدينية القديمة، أو أداء رقصاتهم الشعبية داخل المدن الكندية.  
وقد تكون الطريق طويلة أمام الهنود الحمر المطالبين بإلغاء هذا القانون، ووضع اتفاقيات لاندماج قبائلهم في المجتمع الكندي، وإعطائهم حقوقاً متساوية مع غيرهم من الكنديين، وتقاسم الموارد الطبيعية بعدالة مع غيرهم في مناطق سكنهم التاريخية.

الصفحة الرئيسية