الهوية السلمية لثورة السودانيين تسحر العالم

الهوية السلمية لثورة السودانيين تسحر العالم
3272
عدد القراءات

2019-05-15

خرجت الثورة السودانية من رحم الآلام،  من حدود قصوى تستوي فيها خيارات العيش بين الحياة والموت. ولهذه الناحية، سيكون من الظلم لهذه الثورة  مقارنة  لحظة اندلاعها بأي لحظة من لحظات ثورات الربيع العربي.

اقرأ أيضاً: إطاحة البشير تعرقل "مسلسل أردوغان" في السودان؟
لقد تعذر على السودانيين، قبيل اندلاع هذه الثورة، مطلق العيش. فحين لا يمكنك أن تسحب من راتبك إلا جزءاً يسيراً جداً بأمر البنك (متوسط الدخل السنوي للفرد في السودان بحسب تقرير الأمم المتحدة للعام الماضي 2631 دولاراً) جزءُ لا يكاد يجزئ احتياجات يومين أو ثلاثة، عطفاً على التدمير الذي طال المزاج العام للسودانيين جرّاء الخطايا التي سممت حياتهم خلال ثلاثين سنة: تم فيها تقسيم الوطن، وإشعال حرب أهلية في دارفور،  وتدمير هياكل البنى  التحتية. ووفق شروط كهذه ستكون الثورة هي العاصم الوحيد من مرحلة الانحلال الأخير والفوضى وتحويل المجتمع إلى عصابات.

احتجاجات السودانيين أحدثت فرقاً هائلاً في اختبار معنى الوطن  الذي اختطفه نظام الإنقاذ العسكري لثلاثين عاماً

هكذا انطلقت الثورة في 19 كانون الأول (ديسمبر) من العام الماضي 2018، وعلى مدى 4 أشهر من الحراك الثوري المستمر والتظاهر تحت راية تجمع المهنيين السودانيين، استطاعت أخيراً في يوم 11 نيسان (أبريل) الماضي؛ الإطاحة بالبشير عبر انقلاب نائبه، ثم الإطاحة بهذا الأخير خلال 24 ساعة تحت ضغط الثوار الذين اعتصموا في مبنى القيادة العامة لقوات الشعب المسلحة بالملايين منذ يوم السادس من الشهر الماضي ليستلم السلطة الفريق أول عبد الفتاح البرهان المفتش العام السابق  للقوات المسلحة.
على خلفية حياة كالتي عاشها السودانيون تحت هجير نظام الإنقاذ لثلاثين عاماً من البؤس، أصبح الشك لدى الثوار ممزوجاً باليقين حيال مطالبهم العادلة، لهذا ظل اعتصامهم مستمراً بمئات الآلاف، وأحياناً بالملايين، أمام مبنى القيادة حتى كتابة هذه السطور.
الثوار، من خلال التزامهم بخط تجمع المهنيين وقوى إعلان الحرية والتغيير كممثل وحيد لتطلعاتهم، أصبحوا أكثر إدراكاً لطبيعة استحقاقات الثورة،  وهو ما جعلهم أكثر تماسكاً بضرورة مواصلة الاعتصام،  وتمسكاً بمضمون وثيقة إعلان الحرية والتغيير التي تضمنت مطالبهم العادلة (وهي وثيقة وقعت عليها أغلب الأحزاب والقوى السياسية الحية، وتبناها تجمع المهنيين.)

اقرأ أيضاً: التداعيات الإقليمية لسقوط الإسلام السياسي في السودان
الهوية السلمية لثورة السودانيين لقيت أصداءً واسعة الانتشار في الصحافة الغربية، ولاسيما الصحافة البريطانية والأمريكية، وبدا معسكر الاعتصام أمام مقر القيادة العامة للقوات المسلحة في الخرطوم (حيث يعتصم مئات الالاف منذ السادس من نيسان "أبريل" 2019)،  مزاراً لبعض الدبلوماسيين الأوروبيين والسفراء والهيئات ومراسلي الصحف العالمية والعربية وقنوات التلفزة. ونشطت بعض الهيئات والشخصيات السياسية في التعبير عن تضامنها مع السودانيين وإعجابا بثورتهم السلمية، كالقائم بالأعمال البريطاني (الذي رسم علم السودان على خده تضامناً مع الثورة)، والسفيرة الهولندية، كما أقام الاتحاد الأوربي مائدة إفطار رمضاني في ميدان الاعتصام، وكذلك شاركت السفارة السعودية في الخرطوم بتقديم وجبات إفطار رمضاني في ساحة الاعتصام .

اقرأ أيضاً: بعد التظاهرات.. هل يشهد السودان عصياناً مدنياً؟
لقد كان ذلك التفاعل الكبير مع الثورة السودانية؛ من أصداء تأثير الصحافة الغربية وقنوات التلفزة العالمية إلى جانب القنوات الفضائية العربية،  لاسيما  من خلال النماذج ملهمة في ثورة السودانيين، مثل الشابة السودانية "آلاء صلاح" التي بدا قوامها المهيب، وهي تنشد هتافات الحرية، شبيهاً في بعض حركاته بقوام "تمثال الحرية"!
أما الإعلام العربي، ولاسيما قنواته الشهيرة ؛ فقد ظل  يسجل تغطيات خجولة ليوميات الثورة منذ اندلاعها في يوم 19 كانون الثاني (ديسمبر) 2018م. ولم يتحرك ذلك الإعلام إلا بعد أن أصبح للثورة السودانية أصداء في الصحافة الغربية.

اقرأ أيضاً: أي مستقبل لإسلاميي السودان؟
أحد منظري الربيع العربي، ظل اهتمامه بالجزائر، التي تزامن حراكها الاحتجاجي مع الثورة السودانية، غالباً في برنامج تلفزيوني؛ إذ خصص 10 دقائق للسودان، في الوقت الذي كان فيه أكثر من مليوني سوداني يتظاهرون في  شوارع الخرطوم! وبدا هذا الرجل كما لو أنه  يتخفف من تركيز  وعيه العروبي في المسألة السودانية (العروبة الثقافية يستوي السودان في صيرورتها التاريخية مع بقية الدول العربية) ظل ينطق اسم الجزائر وهو يقصد السودان، أكثر من مرة، فيما لم يصححه المذيع حتى! وسنكون أكثر احساناً بالظن إذا قدَّرنا، أن ما حمله على ذلك؛ أجندة اصطفاف سياسي لدويلة خليجية؛ تجنباً للوقوع في قول ما لا يجب أن يقال بصورة يستحق القول فيها أكثر  مما قيل!

قوى إعلان الحرية والتغيير اليوم هي أكثر قدرة على الاستجابة لتحد أقل خطورة وأمامها أوراق كثيرة للضغط

يحتشد المعتصمون أمام مبنى القيادة العامة بمئات الآلاف تأييداً لمقترحات قوى إعلان الحرية والتغيير،  ومن أجل التسريع بإنفاذها.
لقد أدرك المعتصمون،  ومن ورائهم الشعب السوداني، أنّ الاعتصام أمام مبنى القيادة العامة للقوات المسلحة هو ملاذهم الحقيقي الذي لم يكن، فقط، خاصية فعالة للتسريع بنتائج الثورة،  بل كان كذلك الآلية الوحيدة لتجديد المطالب في وجه أي سلطة لا تلبي مطالب الثوار.
قوى إعلان الحرية والتغيير، اليوم، هي أكثر قدرة على الاستجابة لتحد أقل خطورة، وأمامها أوراق كثيرة للضغط؛ كالإضراب العام والعصيان المدني، في وجه المجلس العسكري (الذي اعترف بقوى الحرية والتغيير كجهة وحيدة لتمثيل الشعب في المرحلة الانتقالية).
الكرة الآن في ملعب المجلس العسكري الانتقالي لتدبير  إجماع ينقل البلاد من حالة السيولة إلى الاستقرار بالشراكة مع قوى إعلان الحرية والتغيير. فما رشح من الاجتماعات التي عقدت بينهما حتى الآن يبشر  بالاطمئنان إلى توافق حسم 75 في المائة من مواد الخلاف وتبقى القليل.
لقد أبدع الشعب السوداني من خلال فعاليات الاعتصام تعبيرات كثيرة؛ فنية وثقافية وغنائية وخطابية ومسرحية، في لحظة ثورية كان من أهم تجلياتها في نفوس الشباب: شعور جميل بامتلاك الوطن، وهو شعور أحدث فرقاً هائلاً في اختبار معنى الوطن  الذي اختطفه نظام الإنقاذ العسكري لثلاثين عاماً.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



كيف يسيطر رجال الدين على العامة؟

2020-02-25

لا شك أنّ رجال الدين يمثلون سلطة في العالم الإسلامي، على امتداد تاريخه، وهي سلطة على عقول وقلوب الناس، وعلى أدق تفاصيل حياتهم اليومية، وهي كذلك سلطة موازية للسلطة المدنية التي هي سلطة الدولة، فمن أين حصلوا على هذه السلطة؟ وكيف تكونت؟ وما هي عناصرها وآليات عملها؟
يسيطر البعض على العامة بابتكار مصطلح "رجال الدين"، وهم لا يفضلون هذا الاسم لدلالاته السلبية التي يعرفونها جيداً، ولذلك يفضلون اسم "علماء الدين"، لكن المعنى واحد.

اقرأ أيضاً: ما سر عداء رجال الدين للفلسفة والمنطق؟
إنّهم يحاولون إخفاء ما يحوزون عليه من سلطة تجعل منهم كهنوتاً داخل الدين والمجتمع المسلم بالتخفي تحت كلمة "علماء"، وهي الكلمة المخففة التي تدل على أنّ الدين علم مثله مثل أي علم آخر، ولما كان علماً فهو في حاجة إلى "علماء"؛ أي فئة متخصصة فيه تستبعد غيرها وتحتكر المعرفة الدينية ونتاجها الذي هو الفتوى والتفسير. وإلحاق العلم والتخصص والأهلية بفئةٍ ما يسحب من غيرها على نحو تلقائي أي قدرة على القول أو الرأي الديني، ويجعل المعرفة الدينية حكراً في أيدي هذه الفئة وحدها.

إلحاق العلم والتخصص والأهلية بفئةٍ يسحب من غيرها تلقائياً أي قدرة على القول أو الرأي

قد تكون هذه السيطرة مفهومة في عصور سابقة، نظراً لانتشار الأمية وندرة التعليم الذي كان قاصرة على أعداد معدودة من أعضاء الطبقات الموسرة؛ حيث كان رجل الدين هو المتعلم وسط محيط أمّيّ، والممتلك لناصية العلوم الدينية التي أساسها اللغة والتفسير والفقه.
لكن غير المفهوم هو استمرار سيطرة رجال الدين في عصر الحداثة وبعد انتشار التعليم وشيوع الثقافة وإتاحة المعرفة الدينية في المجال العام من خلال الطباعة وامتلاء المكتبات بالكتب التراثية وغيرها؛ فليس هناك أي شيء يمنع المثقف من التبحر في المعارف الدينية بمجرد قراءته للكتب التراثية، وما "علماء الدين" سوى أشخاص قرأوا ودرسوا نفس هذه الكتب المنتشرة والمتاحة للجميع الآن، لكن لم تسهم هذه الظواهر الجديدة في كسر احتكار رجال الدين للمعرفة الدينية؛ لأنّ سلطتهم معترف بها اجتماعياً، بل وسياسياً من الدولة، ونظراً لتقديم أنفسهم على أنّهم حماة الدين والقائمين عليه، الأوصياء عليه وعلى الناس، وحفظة التراث الديني وحملة الدين الممثلون له المتحدثون بإسمه.

اقرأ أيضاً: هل بمقدور البشر معرفة شؤون العقيدة بمعزل عن رجال الدين؟
كل هذه التوصيفات تجعل منهم كهنوتاً لا شك فيه، وهو ليس كهنوتاً وظيفياً تراتبياً مثلما نجد في المسيحية الكاثوليكية أو الأرثوذكسية، بل كهنوت يجد أساسه من النصوص التراثية، تلك النصوص التي تكون ملكية خاصة لهم من حيث التفسير والتوظيف الفقهي؛ أي من حيث الحراسة والحماية والاحتكار.
يستند رجال الدين على بعض العناصر لتدعيم سلطتهم، وهي الحاضرة بوضوح في النص القرآني، ومنها: السمع والطاعة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، صحيح أنّ هذين المبدأين عبارة عن وصيتين قرآنيتين، إلا أنّهما في السياق القرآني لا يعنيان أبداً تكوين فئة خاصة من الناس تتولى فرض السمع والطاعة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ إنّ الدلالة القرآنية أن يكونا عامَّين شائعين بين المسلمين، والخطورة هي في احتكارهما في أيدي فئة ما، تفرض السمع والطاعة لها، وتتولى هي وحدها الأمر والنهي.

إنّهم يحاولون إخفاء ما يحوزون عليه من سلطة تجعل منهم كهنوتاً بالتخفي تحت كلمة "علماء"

واللافت للنظر أنّ الآية الكريمة التي ورد فيها الأمر الصريح بالطاعة لا تدل أبداً على طاعة رجال دين، فهي تقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} (النساء 59).
الآية توصي بطاعة الله ورسوله وأولي الأمر، وأولو الأمر هم الحكام، مما يعني أنّ رجال الدين ليس لهم وضع في هذه الوصية، وتوصية الآية بطاعة أولي الأمر نابعة من حال عرب شبه الجزيرة وقت الدعوة المحمدية، فهم لم يكونوا خاضعين لسلطة دولة مركزية، ولم يجمعهم نظام سياسي واحد، وعودتهم حياتهم في الصحراء على عدم الانقياد لأحد، وكان هذا طبيعياً فيهم نظراً لافتقادهم حياة الاستقرار وعيشهم في حالة من التنقل الدائم في الصحاري؛ وقد قال عنهم ابن خلدون إنّهم "أصعب الأمم انقياداً بعضهم لبعض، للغلظة والأنفة، وبُعد الهمة والمنافسة في الرئاسة؛ فقلما تجتمع أهواؤهم" بسبب "التحاسد والتنافس".

اقرأ أيضاً: العلمانية.. عندما ينصح بطرس البستاني بإبعاد رجال الدين عن العمل في السياسة
وبذلك كانت اللّبنة الأولى في النظام السياسي الذي يمكن أن ينشأ فيهم هي الطاعة لأولى الأمر، ولم يكن من الممكن أن تنشأ فيهم هذه الطاعة إلا بأمر ديني صريح ومباشر في القرآن نفسه؛ إذن الطاعة في القرآن هي لأولى الأمر من الحكام المدنيين لافتقاد العرب لسلطة جامعة ونظام سياسي معترف به ومستقر؛ ولم تكن أبداً طاعة لما سوف يُسمى بعد ذلك برجال/ علماء الدين.
لكن يعمل رجال الدين على نقل الوصية القرآنية بالطاعة لأولي الأمر المدنيين إليهم هم أنفسهم كقائمين على الدين، ونقل الوصية القرآنية بالسمع والطاعة إلى سمع وطاعة لأوامر رجال الدين، وهذا ما يمثل نقلاً غير مشروع لمبدأ الطاعة من مجاله الأصلي إلى مجال آخر غريب عنه، ولم يكن مقصوداً في النص القرآني وهو مجال السلطة الدينية لرجال/ علماء الدين.

اقرأ أيضاً: صنع الله إبراهيم لـ"حفريات": رجال الدين لا يحلون المشكلات بل يفاقمونها
وعلاوة على ذلك فإنّ رجال/ علماء الدين يستغلون مبدأ الترغيب والترهيب كآلية للسيطرة على العامة، الموظف في الأصل لأهداف معينة في النص القرآني كلها أخلاقية، منها التنبيه والتحذير من فعل السيئات، والتشجيع والتحبيب على فعل الخيرات. فهم يقلدون الطرائق القرآنية ويوظفونها لبث الطمع والخوف في نفوس الناس، وهما من الانفعالات البشرية البدائية البعيدة عن التعقل والتوسط والاعتدال.
كما يتم استغلال الشعور الأصلي بالخطيئة وعقدة الذنب والخوف من الوقوع في المحظور والرغبة الأصلية في نيل الرضا والرحمة والمغفرة، أو الخلاص، فيصير الوعد بهذه الأشياء وضمانها حكراً في يد رجال/ علماء الدين، ويتعاملون معها على أنّهم هم وحدهم المسؤولون عن توزيعها على الناس.

غير مفهوم استمرار سيطرة رجال الدين في عصر الحداثة وبعد انتشار التعليم وشيوع الثقافة وإتاحة المعرفة الدينية

ويحول توزيع الوعد والضمان بالخلاص، أو الرحمة والمغفرة وتخليص الناس من عقدة الذنب وإيلام الضمير، إلى "سلع دينية"، وهي كما قال عالم الاجتماعي الفرنسي بيير بورديو (1930 – 2002)، سلعاً رمزية تصنع "رأس مال رمزي" Symbolic Capital، يكون حكراً في يد فئة حصرية مغلقة على نفسها تتولى إنتاجه وتوزيعه. وبذلك يصير رجال الدين هم حَمَلة رأس المال الديني، الرمزي في طبيعته، المحتكرين له والمالكين الحصريين، القائمين وحدهم على إنتاجه وتوزيعه، ويشكلون سلطة ثانية موازية للسلطة المدنية، منافِسَة لها ومنازٍعَة، مما يهيئ لكل احتمالات الصدام معها. وغالباً ما تكون السلطة السياسية المدنية ضعيفة تجاه تلك السلطة الموازية لرجال الدين، نظراً لسيطرتهم على العامة، طالما ظلوا "عامة" غير قادرة على التفكير لنفسها والاستقلال برأيها وبالقدرة على تنظيم شؤونها لشخصية بنفسها.
إنّ مجرد وجود فئة تدعي لنفسها التخصص في الدين وتحتكر لنفسها إنتاج المعرفة الدينية على نحو حصري وسري وإقصائي لمن سواها، هو الذي يخلق فئة من العامة العاجزة المعتمدة في أدق شؤون حياتها على من يحتكر توزيع السلع الدينية، أهمها الفتوى والوعد بالخلاص.
لكن التفقه في الدين ليس في حاجة إلى متخصصين، فيكفي أن نقرأ وندرس الكتب التي درسوها وادعوا منها أنّهم متخصصون، التخصص أو بالأحرى الإيهام به واستغلاله، والمتاجرة به هو احتكار للدين وسيطرة على العامة، وهو ما يشكل عقبة أمام بناء أي شخصية مستقلة.

للمشاركة:

هل نحن أمام إيران جديدة بعد الانتخابات البرلمانية؟

صورة عمر الرداد
كاتب وخبير أمني أردني
2020-02-24

انتخابات بطعم الهزيمة للثورة الإسلامية وللمشروع الإيراني برمّته، عكستها نسبة المشاركة الأقل في تاريخ الانتخابات الإيرانية منذ انطلاق الثورة قبل أربعين عاماً، والمشكوك أصلاً أنّها وصلت "42%"، حسب إعلان وزير الداخلية الإيراني، والذي بررها بأسباب مرتبطة بـ "الأحوال الجوية التي شهدتها إيران يوم الانتخابات، وانتشار فيروس كورونا، وتحطم الطائرة الأوكرانية"، فيما قال خامنئي، عبر حسابه الرسمي على تويتر: "مارست الوسائل الإعلامية الأجنبية ضخها الإعلامي السلبي منذ عدة أشهر وكثفته مع اقتراب موعد الانتخابات ولم يتوانوا خلال اليومين الأخيرين عن استغلال أدنى فرصة وتحججوا بمرض وفيروس من أجل ثني الناس عن المشاركة في الانتخابات".

يواجه مشروع الثورة الإسلامية في إيران مأزقاً حقيقياً إذ يطرح عمق أزمة الإسلام السياسي بنسخته الشيعية وتساؤلات حول مستقبله

ما سبق ذرائع لكنها تجانب الحقائق التي تقول مخرجاتها إنّ مشروع الثورة الإسلامية في إيران يواجه مأزقاً حقيقياً، وصل ذروته، ويطرح عمق أزمة الإسلام السياسي بنسخته الشيعية، ويطرح تساؤلات جادة وعميقه حول مستقبله.
لا يمكن اليوم للمحللين والمعنيين بالشأن الإيراني أن يتعاملوا مع رواية وزير الداخلية الإيراني ولا حتى تصريحات المرشد إلا بوصفها منفصلة عن الواقع؛ فانخفاض نسبة الاقتراع كانت تحدياً معروفاً يدركه المرشد الأعلى للثورة ومعه رئيس الجمهورية، اللذان نزلا بثقلهما لمخاطبة الشارع باستعطاف غير مسبوق، وبخطاب يخلط بين الديني والوطني لدفع الغالبية من الناخبين للإدلاء بأصواتهم، فيما كان تمديد الاقتراع لساعتين إضافيتين يؤكد أنّ التمديد جاء لتجاوز عتبة الـ "40%" للاقتراع، في الوقت الذي لم يكن قرار التمديد بسبب طوابير الناخبين الطويلة أمام مراكز الاقتراع.
تدرك القيادة الإيرانية بشقيها؛ الإصلاحي والمتشدد، أنّ العقوبات الاقتصادية وتداعياتها فعلت فعلها لدى الناخب الإيراني في ظل عجز عن مواجهة آثار العقوبات المعروفة، وخاصة الانتفاضة التي أعقبت قرار زيادة أسعار البنزين، وربما أخطأت في الاعتقاد بأنّ شعبية القيادة الايرانية ما زالت عالية بعد رد الفعل الشعبي "المبرمج" في أعقاب مقتل قائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني، تلك الشعبية التي ذهبت أدراج الرياح بعد يومين من دفن سليماني، إثر حادثة الطائرة الأوكرانية التي أعقبتها بمظاهرات عارمة نفّذها طلبة الجامعات الإيرانية، كما تدرك القيادة الإيرانية أنّ مشروعها الإقليمي القائم على مذهبية مرفوضة شعبياً في المنطقة، يترنّح في بغداد وبيروت ودمشق وصنعاء، وأنّ دلالات هذا الترنح ورسائله "غير المشفرة" ترد من بغداد، أقرب العواصم لطهران، رافضة مقولات المظلومية من قواعد محسوبة على المرشد الأعلى مذهبياً.

اقرأ أيضاً: المحافظون المتشددون يسيطرون على البرلمان الإيراني.. ما هو مستقبل روحاني؟

نسبة الاقتراع المتدنية تشكل ضربة موجعة للقيادة الإيرانية، التي أرادت أن ترسل رسالة للعالم بأنّ هناك ثقة وقبولاً شعبياً للنظام الإيراني بالداخل، وفوز المتشددين بأكثر من ثلثي مقاعد البرلمان "190 مقعداً من أصل 290" فيما فاز الإصلاحيون بـ "16" مقعداً، وهو ما  يعني أنّ الانتخابات كانت بدائرة مغلقة بين المتشددين، وهو ما يطرح تساؤلات حول حقيقة تمثيل النظام الإيراني للشعب الإيراني.

تدرك القيادة الإيرانية أنّ مشروعها الإقليمي القائم على مذهبية مرفوضة شعبياً في المنطقة يترنّح في بغداد وبيروت ودمشق وصنعاء

لقد طرحت الانتخابات الإيرانية وبصورة واضحة الإسلام السياسي بنسخته الشيعية، الذي لم يتعرض لامتحان حقيقي كما هو اليوم، في الوقت الذي تعرض فيه الإسلام السياسي بنسخته السنّية لامتحانات صعبة في؛ السودان ومصر والمغرب العربي، فيما امتحانه الأصعب تعيشه تركيا، تثبت اليوم أن لا فرق بين الإسلام السياسي بنسختيه؛ شيعية كانت أم سنّية، وأنّ الإسلام السياسي غير قادر على استيعاب المكونات السياسية الوطنية ومنحها فرصاً في إطار تعددية واسعة، وأنّه لا يستطيع أن يعمل إلا في إطار الاستحواذ الكامل على السلطة وإقصاء الآخر حتى لو كان قريباً منه، وهو ما تم مع التيار الإصلاحي، بقيادة رئيس الجمهورية حسن روحاني، فرغم خلافاته مع المرشد إلا أنّه الأقرب له، رغم المرونة المزعومة التي كان يبديها في محطات مفصلية، فقد قدم غطاءات للحرس الثوري الإيراني أمام العالم، وللتذكير فإنّ روحاني هو صاحب مقولة: "إن طهران تسيطر على أربع عواصم عربية وليس المرشد الأعلى للثورة".

اقرأ أيضاً: ثوران البرلمان الإيراني الجديد
وإذا كانت إيران قادرة ولو بصورة محدودة أن تتواصل مع العالم الخارجي من خلال صيغة "حسن روحاني وجواد ظريف" وإرسال رسالة بأنّ هناك تياراً في إيران يمكن التفاهم معه، وتقدم من خلال وزراء إصلاحيين خطاب تهدئة للشارع الإيراني المنتفض، بوعود تخفف من حدة احتقانه، فكيف سيكون الحال اليوم بخطاب منفرد يقوده المرشد الأعلى وأعوانه، خطاب لطالما قدم الإيرانيون إجابات عليه منذ أواخر عام 2017، وكيف سيتعاطى العالم مع خطاب إيراني متشدد، مع مزيد من العقوبات الأمريكية والمزيد من العزلة الدولية لإيران؟ الإجابات واسعة ومتعددة على تلك التساؤلات وغيرها، إلا أنّ المؤكد أنّنا على أبواب إيران جديدة عنوانها التكيف مع التحولات الدولية العميقة، وليس مواجهتها والتصدي لها.

للمشاركة:

كيف نجعل من متلازمة داون متلازمة محبة؟

2020-02-24

متلازمة داون، التي تصيب نسبة قليلة من الأفراد وهم أجنة، وتسمى أيضاً "التثالث الصبغي"؛ وهي متلازمة صبغوية أو جينية المنشأ، تنتج عن تغيّر في الكروموسومات؛ حيث يتسبب وجود نسخة إضافية من كروموسوم 21 أو جزء منه في الخلايا، بتغيّر في المورثات، حسب ما جاء في الموسوعة الحرة؛ ويكيبيديا. وتتسم الحالة بوجود تغيّرات كبيرة أو صغيرة في بنية الجسم، وكثيراً ما تترافق مع ضعف في القدرات الذهنية.

اقرأ أيضاً: "هدف".. مطعم مغربي يدعم ذوي الاحتياجات الخاصة
ولا يمتلك أفراد هذه الفئة المهمشة في بعض المجتمعات، كالمجتمع السوري، على سبيل المثال، إلاّ بعض الخصائص الفطرية، التي تظهر على سلوكهم مع الأفراد الأصحاء، ومع الأفراد المصابين مثلهم؛ مثل "الحب" والنقاء والصفاء.
وقبل أن أتجه إلى جمعية "أنا أستطيع"، التي تضم مجموعة متفاوتة الأعمار من أطفال وشبان مصابين بمتلازمة داون، في محافظة السويداء السورية؛ كنت أحسب أنّ "الحب" يحتاج إلى ذكاء ليصبح "فناً"، حسب رأي إريك فروم، لكنني أيقنت أنّه يحتاج إلى رعاية واهتمام، كما لاحظت في تلك الجمعية.

كنت أحسب أنّ الحب يحتاج إلى ذكاء ليصبح فناً لكنني أيقنت أنه يحتاج إلى رعاية واهتمام

تعدّدت أنواع الحب، وتعددت الأحاديث عنه واختلفت مقاربات الفلاسفة والمفكرين لـ "الحب اللاهوتي" و"الحب العذري" و"الحب الحسي"، الذي أصبح عيد الحب موسوماً به عند بعض المجتمعات، أما تلك الفئة فإنّ أفرادها لا ينشدون عيداً للحب؛ بل ينشدون عالماً يسوده الحب النقي، المجرد من كل ما يوصف به وكل ما ينسب إليه من أنواع وأنماط، إنهم ينشدون أن يقابلوا بابتسامة تشبه ابتسامتهم، ونظرة مهتمة، بريئة من أمراض التمييز والتباهي والتعالي والتعصب التي يتصف بها كثير من الأفراد العاديين.
لعلّ مبعث الحب الذي يغمر أرواحهم البريئة ويفيض عنها ابتسامات عذبة، أنّهم لا يعرفون الكذب، ولا يستطيع أحدنا أن يكذب عليهم؛ لأنهم يفهمون العالم والناس بحواسهم وفطرتهم، لذلك يمكن أن نتعلم منهم أنّ الحب لا يحتاج إلى ذكاء ليصبح فناً، بل يحتاج إلى صدق، ولا بأس بالذكاء.

اقرأ أيضاً: بمناسبة اليوم العالمي لمتلازمة داون.. شاهد كيف تحتفل أمهات بأطفالهن المصابين
تبعث السيدة "حياة"، التي أسست جمعية "أنا أستطيع"، في كل لحظة، الحياة والحب في قلوب أفراد يعتبرهم المجتمع مرضى "غير عاديين"، وينظر إليهم بازدراء وقسوة، علّمتهم الأعمال اليدوية؛ كصناعة الإكسسوارات النسائية بالخرز والإبرة والخيط، رغم أنّ جميع من في الجمعية ذكور تتراوح أعمارهم بين 10 و20 عاماً، وعلمتهم صناعة ذوات حرة ومستقلة عن التبعية الاقتصادية، كي لا يكونوا عالة على ذويهم وعلى المجتمع الذي يعتبرهم كذلك.
وتساعد الجمعية هذه الفئة، التي تعاني من أشد أنواع الإقصاء؛ ابتداءً من المجتمع وانتهاءً بالمؤسسات الحكومية؛ كمؤسسة التربية والتعليم، ومؤسسات الرعاية الاجتماعية، والتأهيل الذهني والنفسي، في تحقيق الاندماج في الحياة الاجتماعية على أدنى تقدير؛ فالجمعية قائمة على التبرعات من المجتمع الأهلي والأقارب والأصدقاء.    
تلك الفئة، صاحبة الكروموسوم الزائد في جيناتها، الذي يبدو أنّه يمنحها الابتسامة الدائمة والحب الفطري، الذي لا يعرف التفريق بين إنسان أبيض وآخر أسود، ولا يعرف التفريق بين مسلم أو مسيحي، ولا يعرف التعصب السياسي أو الديني أو الاجتماعي، مع هذا كله فهي فئة تعاني من الإقصاء وأقصى درجات التهميش من قبل المجتمع والدولة.

ليس غريباً أن تكون متلازمة داون مهمشة ومقصيّة في مجتمعات تعاني من الجهل والمرض والتخلف والصراعات

ليس غريباً أن تكون متلازمة داون مهمشة ومقصيّة في مجتمعات تعاني من الجهل والمرض والتخلف، والصراعات السياسية والدينية والاجتماعية، وتعاني أيضاً من نزاعات مسلحة تتآكل خلالها البنى الاجتماعية والبنى التحتية للدولة. هذه العوامل تتسبب في تهميش الأفراد الفاعلين والفاعلات، والمتفاعلين والمتفاعلات، في المجتمع، وتقضي على كل أشكال الحب والتواصل الإنساني؛ ليحل محلها الدفاع البدائي عن النفس من أجل البقاء، فكيف لا تُهمش فئة ساكنة لا تجيد الفعل أو التفاعل في المجتمع.
لكنّ السيدة "حياة"، تجاوزت كل هذا التهميش وعملت على بناء القدرات الذهنية لتلك الفئة وإدماجها في المجتمع والمؤسسة التربوية والتعليمية، لتصبح فئة فاعلة، تجيد العمل والرقص والآداب العامة؛ كإلقاء التحية وآداب الطريق وآداب الطعام واللعب، وتجيد التواصل مع الآخرين، والأهم من ذلك أنّها أصبحت فئة مُنتِجة تستطيع أن تعتمد على ذاتها في الحياة العامة.

اقرأ أيضاً: الإعاقة الحركية لا تمنع ممارسة الكاراتيه في غزة
قبل 6 أعوام، صادقت اليابان على اتفاقية "حقوق الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة"، بعد أن أصدرت قانوناً يحمي هؤلاء الأشخاص، ويعاقب كل من ينظر إليهم نظرة ساخرة أو يعنّفهم جسدياً ونفسياً، كما جهزت لهم تسهيلات في الأماكن العامة، والطرقات ووسائل النقل، وأحدثت مراكز للتنمية الذهنية والتأهيل النفسي، ممّا جعلهم يندمجون في المجتمع بشكل طبيعي، ويشعرون بذواتهم وعدم اختلافهم عن بقية أفراد المجتمع، مع أنّ تلك الخطوة أتت متأخرة بالنسبة لبلدٍ مثل اليابان.

من أخطر الأمراض الاجتماعية؛ التمييز والتفاضل بين الأفراد والتفاوت في الإنسانية والمواطنة غير المتساوية

إذن، الدولة هي المسؤول الأول عن ذوي الاحتياجات الخاصة، فالدولة هي الحياة الأخلاقية للشعب، بحسب تعبير "ماركس"، من ثمّ المجتمع، الذي هو جسم الدولة وروحها الديناميكية، فإذا اعتنت الدولة بجسمها وروحها ستكون بعيدة عن الأمراض الاجتماعية، ومن أخطر هذه الأمراض؛ التمييز والتفاضل بين الأفراد، والتفاوت في الإنسانية، والمواطنة غير المتساوية، كما هي الحال في سوريا، التي تعاني من حرب أنتجت ضعفاً وترهلاً في الحياة الاجتماعية (الإنسانية) وأزمات اقتصادية تسببت في عدم القدرة على احتواء ذوي الاحتياجات الخاصة، وكبار السن وغيرهم من القوى غير الفاعلة في المجتمع، والعاجزة عن إدارة الحياة الطبيعية التي تعطيها الحق بالفعل والتفاعل.
فعندما تنعدم خيارات الأفراد، يزداد منسوب القهر والاغتراب والاستلاب، لينتج هدراً لكرامة الإنسان وحريته وحقه في العيش الكريم، وهذا ما يسميه مصطفى حجازي بالهدر الإنساني أو المعنوي؛ "هو التنكر لإنسانية الإنسان، أو تجاهلها، أو التلاعب بها، أو الحرب عليها"، فإذا كان الفرد هو المحور الأساسي في تنمية المجتمعات ونموها وازدهارها، وتقدمها نحو الحداثة، فكيف لمجتمع أن يخطو خطوة واحدة إلى الأمام ونسبة كبيرة من خلايا جسده مريضة؟ هل سترتقي إنسانيتنا يوماً فننظر إلى المصابين بمتلازمة داون وغيرهم من ذوي الاحتياجات الخاصة، نظرة إنسانية بعيدة عن التمييز العقلي؟

للمشاركة:



وفاة الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-25

غيّب الموت الرئيس المصري الأسبق، محمد حسني مبارك، اليوم الثلاثاء، عن عمر يناهز 91 عاماً، وفق ما أعلن التلفزيون المصري.

وتدهورت صحة الرئيس الأسبق على مدار الأيام القليلة الماضية، حيث نقل إلى العناية الحثيثة، حسبما ذكر نجله علاء.

وأكدت أسرة مبارك،  نبأ وفاته، وذكرت مصادر مقربة منها، لـ "العربية نت"؛ أنّه سيتم تشييع الجثمان من مسجد المشير طنطاوي بالتجمع الخامس شرق القاهرة.

وبدأ مقربون من علاء مبارك، نجل الرئيس الأسبق، في نشر برقيات العزاء على مواقع التواصل الاجتماعي.

وكان علاء مبارك، النجل الأكبر للرئيس المصري الأسبق، قد أعلن منذ عدة أيام أنّ والده يتواجد حالياً داخل غرفة العناية المركزة في إحدى المستشفيات، نتيجة إصابته بوعكة صحية.

صحة مبارك تدهورت على مدار الأيام القليلة الماضية حيث نقل إلى العناية الحثيثة

وتنحى مبارك عن حكم مصر، في شباط (فبراير) 2011، على خلفية احتجاجات شعبية ضدّ حكمه.

وكانت محكمة النقض المصرية قد أصدرت، في 2 آذار (مارس) الماضي، حكماً نهائياً ببراءة الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، من قضية قتل المتظاهرين عام 2011، وصدر الحكم بعد مثول مبارك أمام المحكمة في أكاديمية الشرطة بالقاهرة الجديدة مرات عديدة.

وأمضى الرئيس المصري الأسبق قرابة ثلاثين عاماً في حكم مصر، وحفلت حياته بكثير من الأحداث.

ولد مبارك في الرابع من أيار (مايو) 1928 في قرية كفر المصيلحة في محافظة المنوفية، بمنطقة الدلتا شمال القاهرة.

وعقب انتهائه من تعليمه الثانوي التحق بالكلية الحربية في مصر حصل على البكالوريوس في العلوم العسكرية، عام 1948، وعلى درجة البكالوريوس في العلوم الجوية، عام 1950، من الكلية الجوية.

وتدرج في سلم القيادة العسكرية؛ فعيّن، عام 1964، قائداً لإحدى القواعد الجوية غرب القاهرة.

وتلقى دراسات عليا في أكاديمية "فرونز" العسكرية في الاتحاد السوفييتي السابق.

وفي تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1967؛ عُيّن مديراً للكلية الجوية في إطار حملة تجديد لقيادات القوات المسلحة المصرية، عقب هزيمة حزيران (يونيو) 1967.

ثم أصبح رئيساً لأركان حرب القوات الجوية المصرية، وهو المنصب الذي ظلّ يشغله حتى تعيينه قائداً للقوات الجوية ونائباً لوزير الدفاع، عام 1972.

وعام 1973؛ اشترك في التخطيط لحرب 6 تشرين الأول (أكتوبر)؛ حيث بدأ الهجوم المصري على القوات الإسرائيلية التي كانت تحتل شبه جزيرة سيناء بغارات جوية مكثفة ساعدت في دعم عبور القوات المصرية لقناة السويس واقتحام خط بارليف ما كان له أثر كبير في تحويل مبارك إلى بطل قومي، وتمّت ترقيته في العام التالي للحرب إلى رتبة فريق، ثم اختاره الرئيس المصري الأسبق، أنور السادات، نائباً له، عام 1975.

وقد اغتيل الرئيس السادات خلال عرض عسكري، في السادس من تشرين الأول (أكتوبر) 1981، وكان مبارك جالساً إلى جواره، خلال العرض العسكري، حين تعرضت المنصة الرئيسة للهجوم الذي قتل فيه السادات بينما نجا مبارك.

وفي 14 تشرين الأول (أكتوبر) 1981؛ أدّى محمد حسني مبارك اليمين الدستورية كرئيس للبلاد.

وأعيد انتخابه رئيساً للبلاد في استفتاءات شعبية، كان المرشح الأوحد فيها في أعوام 1987 و1993و1999؛ حيث إنّ الدستور المصري يحدد فترة الرئاسة بستة أعوام دون حدّ أقصى.

وعام 2005؛ أقدم مبارك على تعديل دستوري جعل انتخاب الرئيس بالاقتراع السرّي المباشر، وفتح باب الترشيح لقيادات الأحزاب، وأعيد انتخابه بتفوق كاسح على منافسيه، إلى أن تمّت الإطاحة به عام 2011.

 

 

 

للمشاركة:

اعتراف جديد لأردوغان..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-25

اعترف الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، بمقتل جنديين تركيين في ليبيا؛ حيث أرسلت أنقرة جنوداً لدعم ميليشيات السراج في حربها ضدّ الجيش الليبي.

وقال أردوغان، في مؤتمر صحفي في أنقرة، وفق ما أوردت وكالة "رويترز": "سقط قتيلان هناك في ليبيا"، ولم يحدّد الرئيس التركي متى قتل الجنديان ومن الجهة التي قتلتهما.

وكانت المعارضة التركية قد اتهمت أردوغان بإخفاء معلومات حول قتلى الجيش التركي في ليبيا.

أردوغان يعترف بمقتل جنديين تركيين في ليبيا دون الإفصاح عن معلومات إضافية حولهما

وتشير تقديرات الجيش الليبي، وتقارير إعلامية، إلى سقوط عدد أكبر من الجنود الأتراك يقدر بـ 16 عنصراً من الجيش التركي، وسط أنباء عن مقتل قائدهم الميداني.

وتنخرط تركيا في دعم حكومة السراج والمليشيات المسلحة التابعة له بالمال والسلاح، رغم قرار مجلس الأمن الدولي بحظر توريد السلاح إلى ليبيا، منذ 2011.

ومنذ بدء عملية "طوفان الكرامة"، التي أطلقها الجيش الليبي، في نيسان (أبريل) الماضي، لتحرير طرابلس من التنظيمات الإرهابية والمليشيات المسلحة، أسقطت القوات المسلحة أكثر من 30 طائرة تركية مسيرة تابعة للمليشيات.

وكان أردوغان قد اعترف قبل أيام بسقوط قتلى من جيشه في ليبيا؛ حيث يحارب إلى جانب ميليشيات السراج التي تبسط سيطرتها على طرابلس، وسط استنكار دولي ورفض إقليمي.

هذا ونقلت وسائل إعلام تركية، أمس؛ أنّ العقيد السابق بالجيش التركي، أوكان ألتناي، الذي تقاعد بعد انقلاب 15 تموز (يوليو) 2016، قتل في ميناء طرابلس، وتمّ دفنه في مسقط رأسه، في ظلّ تعتيم كبير.

 

 

للمشاركة:

هل تشهد أستراليا عمليات إرهابية قريباً؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-25

توقّع مايك بورجيس، المدير العام لمنظمة الاستخبارات الأمنية الأسترالية، اليوم، استمرار التهديدات الإرهابية في البلاد، قائلاً: "تهديد الإرهاب في الداخل أمر محتمل وسيظلّ مرتفعاً بشكل غير مقبول في المستقبل القريب".

وأوضح مايك بورجيس، في بيان نقلته وكالة الأنباء الألمانية؛ أنّ "الإرهاب المتطرف ما يزال يشكل مصدر القلق الرئيس للأجهزة الأمنية في البلاد".

وأشار إلى أنّ هناك "تهديداً حقيقياً" من الجماعات اليمينية المتطرفة، مثل النازيين الجدد في البلاد، مؤكداً أنّ "التهديد اليميني المتطرف في أستراليا حقيقي ويتزايد".

وكشف أنّ اليمين المتطرف محط أنظار الأجهزة الأمنية منذ فترة، لكنّه وقع تحت تركيز مكثف بعد هجوم كرايستشيرش، الإرهابي الذي استهدف مصلين في مسجدين بنيوزيلندا العام الماضي.

الاستخبارات الأمنية الأسترالية: التهديد الإرهابي في الداخل أمر محتمل وسيظلّ مرتفعاً في المستقبل القريب

ومن جانبه، قال رئيس الوزراء، سكوت موريسون، للصحفيين، الثلاثاء: "الإرهاب والتطرف يأتيان بالعديد من الأشكال والألوان المختلفة ومن المهم أن تحافظ جميع جهودنا على سلامة الأستراليين".

بدوره، أكد وزير الشؤون الداخلية، بيتر دوتون، أنّ الحكومة ستتعامل مع من يريدون "إلحاق الأذى بالأستراليين؛ سواء كانوا في أقصى اليمين أو أقصى اليسار أو بينهما".

وأصدرت الشرطة الفيدرالية الأسترالية مؤخراً مذكرات اعتقال بحق 42 رجلاً وامرأة، سبق أن سافروا إلى سوريا، لدعم تنظيم داعش الإرهابي أو خوض القتال إلى جانبه.

وبحسب صحيفة "الغارديان" البريطانية؛ فقد أكّد متحدث باسم الشرطة الأسترالية أنّ التحقيقات الجنائية جارية مع جميع الأستراليين المشتبه بسفرهم إلى منطقة النزاع في سوريا.

 

 

للمشاركة:



أردوغان والبحث الدائم عن "الأمان"

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-25

محمد حسن الحربي

في التاريخ البشري المعاصر، توجد فئة محدودة من السياسيين، أينما ذهبوا أخفقوا في مساعيهم، وخلّفوا لشعوبهم خيبات صادمة تدوم لأجيال، ويعدُّ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أحدهم بامتياز. فبعيداً عن الهوى، واعتماداً لوقائع على الأرض، وفي ضوء تحليلات متخصصين في الشأن، يصل المراقب بموضوعية إلى نتيجة بأن الرجل مصرٌّ على المضي في سياسته الخارجية المتخبّطة. فما أن يعلن عن إبرام اتفاق، سواء كان لتصدير الأجبان والأقمشة، أو تصدير المقاتلين المرتزقة لرسم خرائط البحار، أو لإنجاح هروبه من حلفاء الأمس، إلى آخرين جدد أقل ذكاءً منهم، بحثاً عن تنوّع في مصادر الطاقة.. ما أن يُعلن عن أيٍ من تلك الاتفاقات، طبعاً عبر خطاب جماهيري، تحريضي وحربي اللهجة، إلا وطلّت الأزمات برأسها تباعاً لتتدحرج ككرة الثلج وتسد منافس شعب مخنوق في الأساس بتهمة (فتح الله غولن) الأزليّة التي لا تنقضي.
آخر الأزمات، التوتر التركي مع المغرب، إذ هددت الرباط بالانسحاب من اتفاقية التبادل الحر بين البلدين، بسبب الخسائر الفادحة التي تكبدها الاقتصاد المغربي، قدّرها مولاي حفيظ العلمي، وزير الصناعة والتجارة والاقتصاد، بملياري دولار. من بين الأسباب المباشرة لها، التفاف تركيا على الاتفاقية وإغراق الأسواق المحلية بمنتجاتها، وتعثير إجراءات دخول المنتجات المغربية إلى الأسواق التركية. وكان دائماً هدف تركيا من الاتفاقية هو (التجارة الآمنة). والجزائر، البلد الجار، لم تنج هي الأخرى من أردوغان الذي غادرها بعد زيارة، ليخلّف فيها استياءً عاماً، إذ أطلق وابلاً من التصريحات النارية تجاه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وظّف فيها معلومات مغلوطة (= إحصائيات) استنبطها خطأً في الجزائر، مما دفع الأخيرة إلى استنكار محتوى التصريحات والمعلومات المغلوطة الواردة فيها، والزج باسمها بطريقة خارجة على الأعراف الدبلوماسية.
وفي السياسة كما الاقتصاد، هدف أردوغان إلى تحقيق (الحدود الآمنة) فما كان يدفعه في الملف السوري هو عاملان معلنان، الأول (الحدود الآمنة) التي يرى أنها شريط حدودي خالٍ من الكرد السوريين. والثاني اللاجئون السوريون المقدّرين بـ(3.6) مليون لاجئ يبتز بهم أوروبا. إن شعار (الحدود الآمنة) الذي رفعه أردوغان، هدفه المضمّر كان احتلالاً لموقع جيوسياسي في أرض سورية، إضافة إلى توافره على سلة خيرات زراعية، وأيدٍ عاملة فنية، وورقة ضغط سياسي في أية مفاوضات مقبلة. المقياس ذاته حينما يريد المرء تطبيقه على إدلب، يكتشف كان شعار (الحدود الآمنة) كاذباً، فإدلب لا كُرد فيها بل هي خزان يعج بالمتطرفين من كل الدنيا. وأدلب كانت فخاً رتّبه بحنكة الرئيس فلاديمير بوتين لأردوغان في أستانة ثم سوتشي، وما الصرخات التي تُسمع اليوم لأردوغان ووزرائه كنتيجة لأدلب، سوى انعكاس لحقيقة المأزق في الحفرة التي دفعَ إليها جيشه. أما في ليبيا التي ذهب إليها بشعار مختلف (رسم خرائط البحار) بين ضفتي المتوسط، وكان يحمل مضمّراً هو (الطاقة الآمنة). فاللجوء إلى تعويم «حكومة الوفاق»، غايته كانت استثماراً استباقياً في اقتصاد ما بعد الحرب، فعين الرئيس أردوغان على النفط الليبي الذي سيخلصه من الأسر الأبدي للحليفين الروسي والإيراني في مجال الطاقة.
من يريد معرفة سبب تخبط أردوغان في السياسة الخارجية، ودخوله في مناظرات مقلقة فيما يخص العالم، عليه معرفة معاناته الداخلية ومشكلاته، فالمعارضة النشطة يمثلها اليوم حزبان، الأول أنشأه رئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو، والثاني يقوده وزير المالية والاقتصاد السابق باباجان بدعم مباشر من عبد الله غُول، رئيس الوزراء الأسبق. والاقتصاد التركي يعاني من ضعف الأداء، فنسبة النمو تراجعت إلى 2% في السنوات الأخيرة، في مقابل 9% في السنوات السابقة، وبالتالي فالمطلوب العاجل تحقيق نسبة 4% لضمان مستوى معيشة المواطنين، في مواجهة ضغوط الزيادة السكانية.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:

ما الذي يجمع الإخوان وكتائب حزب الله في العراق

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-25

عبدالجليل معالي

استقبل الأمين العام للحزب الإسلامي العراقي، رشيد العزاوي، الأحد، وفدا من المكتب السياسي لكتائب حزب الله في العراق. وبحث الجانبان العلاقات الثنائية، وتطورات الوضع السياسي على الساحة العراقية، وملف تشكيل الحكومة المؤقتة، والاستجابة المطلوبة لمطالب المتظاهرين، والتعاون من أجل عودة المهجرين إلى المناطق المحررة. وأكد الطرفان على ضرورة تحديد موعد للانتخابات المبكرة، وأهمية تحشيد كافة الجهود لتوفير الظروف المناسبة لإنجاحها.

يذكرُ أن رشيد العزاوي هو صديق مقرب للإيرانيين وعاش في إيران جزءا كبيرا من حياته. قدمت له كتائب حزب الله تهنئة متأخرة على تسلمه مسؤولية قيادة الحزب الذي سبق له أن توفي سياسيا. وقد يبدو لقاء الحزبين، متصلا في الظاهر ببحث صعوبات ومعوقات تشكيل حكومة محمد توفيق علاوي، (وهذا أمر موجود في اللقاء) إلا أنه في العمق يخفي إشارات سياسية وأيديولوجية أكثر خطورة من معلن الاجتماع.

اجتماع قيادات الحزب الإسلامي السني، سليل  الإخوان المسلمين، مع وفد من كتائب حزب الله،  أحد أكبر الفصائل الشيعية المسلحة في العراق والذي يتبع أيديولوجيا نظام ولاية الفقيه في إيران، يمكن أن يقرأ  بوصفه حالة “تجاوز” للطائفية السياسية في العراق، وهي مظهر سياسي استشرى منذ مفصل أبريل 2003، إلا أن ربط اللقاء بالتوقيت السياسي الذي جرى فيه، يسمح باستخراج جملة مضامين سياسية وأيديولوجية لا تمتّ بصلة لما يمكن أن يُعدّ تجاوزا للطائفية.

وقد وصفت مصادر سياسية عراقية اللقاء بأنه استعراضي ولا أهمية له. فلا الحزب الإسلامي ولا الكتائب قوة سياسية مؤثرة في تشكيل الحكومة، والطرفان لا أهمية سياسية لهما. لكن ذلك لا يحول دون القول إن الأحزاب الإسلامية، الشيعية والسنية، في العراق استشعرت خطرا مدنيا قادما يمكن أن يهدد مصالحها وهيمنتها على السلطة، ويمكن أن يهدد تبعا لذلك إيران. على ذلك سارعت هذه القوى إلى إعلان وحدتها في وجه التعبيرات المدنية التي تعالت أصواتها في ساحات الاحتجاج.

ففي مواجهة الخطاب المدني، تلجأ الأحزاب الدينية إلى الاتحاد، ولا ترى ضيرا في تجاوز اختلافاتها المذهبية والأيديولوجية، والهدف المشترك هو تأبيد البقاء في السلطة ومنع النقيض السياسي من فرض مقولاته السياسية.

دأبت أحزاب الإسلام السياسي، في أكثر من قطر عربي إسلامي، وخاصة في العراق على تجاوز ما يفرقها فكريا ومذهبيا، من أجل التصدي لـ“خطر مشترك”، والخطر الماثل اليوم كامن في إصرار الاحتجاجات ومرابطتها على شعاراتها المدنية، الرافضة لحكم الأحزاب الدينية، والمعبرة عن وكالة سياسية لإيران، وهنا بالتحديد كان توجس الأحزاب الدينية مزدوجا، إذ قرأت الاحتجاجات على أنها تهديد مزدوج على بقائها في السلطة بما تعنيه من منافع سياسية ومادية، وأيضا على ارتباطها بإيران التي تمثل القاعدة السياسية والأيديولوجية لوجودها السياسي.

وفي لقاء الحزب الإسلامي مع كتائب حزب الله، بعد آخر متصل بالراهن العراقي، وله أيضا دلالات تضفي على الاجتماع المزيد من الأهمية. إذ لا يمكن إغفال ما صدر إعلاميا عن اللقاء من كونه بحث “تطورات الوضع السياسي على الساحة العراقية وملف تشكيل الحكومة المؤقتة”، ولو أنه ادعى “الاستجابة المطلوبة لمطالب المتظاهرين” و“التعاون من أجل عودة المهجرين إلى المناطق المحررة” والمحور الأخير يرادُ له أن يشير إلى أنه من بنات أفكار الحزب الإسلامي الذي يزعمُ الذود عن مطالب المكون السني، والذي كان في صدارة المتضررين من الحملة على تنظيم داعش الإرهابي وما صاحبها من تنكيل بالعرب السنة في العراق.

وفي التاريخ العراقي القريب صفحات كثيرة دالة على “براغماتية” الحزب الإسلامي، الذي كان من أول الأحزاب العراقية التي رحبت بالاحتلال الأميركي وشارك في العملية السياسية المترتبة عن ما بعد مفصل أبريل 2003، حيث تم اختيار محسن عبدالحميد، الأمين العام للحزب وقتذاك، عضوا لمجلس الحكم العراقي الذي أسسه بول بريمر، ثم تقلد منصب رئيس المجلس ابتداء من شهر مارس 2004.

ففي حاضر الحزب الإسلامي وماضيه ما يعبر عن ذلك النزوع نحو إدارة الظهر للانتماء الوطني، والاستعاضة عنه بالانتصار للانتماء المذهبي والديني، سواء كان انتماء لجماعة الإخوان المسلمين أو الانتماء لمنظومة الإسلام السياسي بشكل عام. وهذا ما يبرر التقاءه مع كتائب حزب الله، وهو تجمع يضم كتائب لواء أبي الفضل العباس وكتائب كربلاء وكتائب السجاد وكتائب زيد بن علي، أعلنت توحدها تحت اسم “حزب الله العراقي” في العام 2006.

على أن الالتقاء التكتيكي الذي حصل الأحد، حول مفردات سياسية راهنة عنوانها الأساسي أزمة الحكومة، لا يخفي التقاء أيديولويجا عنوانه الأبرز المزيد من تكريس مقولات “الإسلام هو الحل” والإيغال في الذهاب بالعراق نحو الدولة الدينية أو على الأقل تجنب كل تهديد لهذا الملـمح الديني الذي تبتغيه هذه الأحزاب الإسلامية للعراق.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

الفنان محمد نصر الله: المخيم علّم ألواني الحب والحرية

2020-02-25

أجرت الحوار: رشا سلامة


قلّما تكون فلسطين حاضرة في نتاج مبدع ما، بشكل كامل غير منقوص البتة، كما يحدث لدى الفنان التشكيلي، محمد نصر الله؛ إذ لا تكاد الذاكرة تحصر له عملاً واحداً لا يستحضر فيه فلسطين، بدءاً من الألوان التي تحاكي الجغرافيا الفلسطينية، مروراً بمحطات القضية الفلسطينية تاريخياً، وليس انتهاءً بأسماء معارضه وحديثه هو نفسه عن نتاجه.

اقرأ أيضاً: التشكيلي السوري لؤي كيالي: الرائي الذي اختطفته النيران

حياة نصر الله، المولود عام 1963، في مخيم الوحدات في الأردن، لأبوين هُجّرا من قريتهما المقدسية "البريج"، مرتبطة كذلك، بتفاصيلها كلّها بالقضية الفلسطينية؛ إذ لا تكاد عبارة واحدة لنصر الله، أو لفتة، أو موقف تواصل اجتماعي يخلو من ذِكر فلسطين.

كنت في المخيم أمشي وأنا أسمع جوقة موسيقية صامتة حولي لم تتوقف في يوم عن الغناء للحبيبة الغائبة فلسطين

يقول محمد نصر الله إنّه تمرّد على قيود الوظيفة ولم يحتمل محدّداتها، كما أطلق لنفسه العنان، طوال الأعوام الماضية، للخروج عن دوائر المألوف والمتوقَع، فأقام معرضه الثاني "أناشيد التراب 2" بينما كانت حرب الخليج تقرع طبولها، رغم تحذيرات كثيرين له من أنّ الوقت غير مواتٍ لهذا، كذلك هو محمد نصر الله، الذي لم يدرس الفنّ التشكيلي ضمن قوالب معلّبة، ولا تتلمذ على يد أستاذ بعينه، ولم يُحسب على مدرسة محدّدة، تماماً كما أراد طوال حياته.

كان لـ "حفريات" هذا الحوار مع الفنان التشكيلي، محمد نصر الله، الذي درسَ الفنون في معهد الفنون الجميلة، كما حصل على دبلوم فيها من المركز الثقافي الإسباني في عمّان، والذي يعكف على مشروع جديد، عنوانه الأبرز فلسطين، كما هو دأبه دوماً.

- بعد مرور هذه الأعوام، التي أمضاها محمد نصر الله بين المخيم والفنّ الذي ما برح المخيم؛ هل ثمة شعور باليأس من طول المسافة؟ تبدو الدرب طويلة جداً نحو التحرير، وتحديداً على ضوء المعطيات الأخيرة، هل تعِب نصر الله؟

أدين بكلّ شيء للألوان والمخيم؛ ذلك أنّه علّمني الحب والحرية، رغم عتمة هذا الكون المليء بالهموم والأحزان، ولم أتعب يوماً؛ بل بقيت طفل المخيم الصغير الذي لم يبلغ سنّ الرشد بعد؛ أحبو على عتبات بيوت المخيم وأتعلّم كلّ يوم.
مخيم الوحدات كان أكبر من قصة، وأكبر من رواية، لقد حمّلني المخيم بتجارب كثيرة منذ طفولتي، وهي التجارب التي ما أزال أتتلمذ على يدها حتى هذه اللحظة.

اقرأ أيضاً: تشكيلي أردني يرسم "فاكهة الجنة" ويحتفي بموائد الطبيعة الصامتة
لطالما كنت في المخيم أمشي وأنا أسمع جوقة موسيقية صامتة حولي، وهي الجوقة التي لم تتوقف في يوم عن الغناء للحبيبة الغائبة فلسطين.
لم أتعب، ولم يتراجع أملي يوماً ما في أنّ الحرية قريبة جداً، هكذا تبشّر اللوحة.

-  تبدو الحرية منظومة متكاملة لدى محمد نصر الله؛ إذ لم تقف عند حدود فلسطين، بل لطالما كان أحد المبدعين الذين لم يرضوا بتكبيل ذاتهم بقيود وظيفية؛ إلى أيّ مدى وجدت هذا قراراً مريحاً صائباً أو صعباً؟

لا أحتمل الحياة الوظيفية، بكلّ قيودها الزمنية؛ لأنّها مقتل للمبدع؛ لهذا تركتها مع بداية الانتفاضة الفلسطينية الأولى، وأخذت قراراً بأن أتفرّغ للفنّ، وما يزال هذا القرار معمولاً به لديّ حتى اللحظة.
الفنّ متنفسي الوحيد في هذا العالم، ولست حزيناً؛ لأنني وجدته سبيلاً لنفسي، ووجدته ملاذاً من هموم الدنيا كلها، وميداناً واسعاً أترافع فيه عن فلسطين وأتحدث فيه عن حياة المخيم، لم أخسر شيئاً، على العكس، ربحت لوناً لأتنفس منه وأطلّ على العالم كيفما أريد.

اللوحة التي لا تفيض حرية فاشلة إنسانياً على مستوى الفنّ وعلى مستوى الرؤية في أيّة بقعة من بقاع العالم

لطالما وضعت نصب عينيّ أني أريد حياة تشبهني، لا حياة على مقاسات الآخرين ورغباتهم وتوقعاتهم، وكان لي هذا.
وقد تمرّدت على القوانين والمتوقع منذ زمن طويل، لم أتلقّ الفنّ على يد أستاذ بعينه؛ لذا لست متأثراً بأحد، ولم أُدرِج ذاتي تحت تصنيف أيّة مدرسة في الفنّ التشكيلي، بل أطلقت العنان لذاتي، وحتى حين قرعت حرب الخليج طبولها، وكنت بصدد إقامة معرضي الثاني "أناشيد التراب 2" نصحني من حولي بالتريّث؛ لأنّ الوقت غير مواتٍ، لكني لم أستمع لهم، بل اعتقدت أنّ الحرب لن تحول دون تذوّقنا للجمال والاحتفاء به.
ذات مرة، كنت قد حضّرت لمعرض جديد ثلاثين لوحة، لكني بمجرد أن اهتديت لما يعبّر عني أكثر في لون اللوحة وملمسها، نسيت الثلاثين لوحة وانطلقت لتجربة جديدة مع اللون والتشكيل، لطالما أردت أن أكون هكذا: حراً من أيّ قيد قد يكبّلني، إن كان لا بدّ من قيود، فليرسمها الفنّ، لا الإنسان؛ ذلك أنّ الفنّ لا يمنح العالم إلا جمالاً، أنت هكذا كمن يضع العهدة في اليد الأمينة.

-  يرى كثيرون أنّ الإفراط في الغموض والرمزية في اللوحة، كما في باقي ضروب الفنون، قد يفضي لقلة إقبال الجمهور على الفنّ التشكيلي والإبداع عموماً؛ ما رأيك؟

اللوحة التي لا تفيض حرية فاشلة إنسانياً، على مستوى الفنّ وعلى مستوى الرؤية في أيّة بقعة من بقاع العالم.
ولهذا السبب، ليست لديّ مشكلة مع الجمهور بكافة فئاته؛ فحضوره لم يقلّ منذ انطلاقة تجربتي؛ لأنني أرسم ما يحدث داخلي، وأنقل قضايا شعبي والناس، رغم الرمزية.

اقرأ أيضاً: آدم حنين.. فنان تشكيلي يحول منزله إلى متحف
لهذا، لا بدّ من الحرية، ولا بدّ من ترك هامش حرية كبير للفنان، فليترك الكلّ متسعاً للفنان حتى يعبر عما يجول بداخله بالطريقة التي يراها صائبة فنياً وإنسانياً وإبداعياً، لكلّ تجربة تفاصيلها السرية، بدءاً من اللون؛ لهذا حين أرسم يحملني اللون بعيداً، ومنه أبدأ كلّ مرة مشروعي الفني، وأدخل في تفاصيل العمل وأجوائه ولا أفكر البتة فيما يتوقعه الآخرون وما يريدونه.

- الفنان التشكيلي محمد نصر الله هو شقيق الشاعر والروائي الفلسطيني إبراهيم نصر الله؛ هل ثمّة تعاون قد نشهده بينكما، يتجاوز حدود أغلفة روايات إبراهيم الممهورة عادة باسمك؟ ويحيلنا هذا لسؤال حول جديدك الذي تعكف عليه.

ربما يحدث هذا يوماً، فالذي يجمعنا كثير؛ فلسطين ومخيم الوحدات والانحياز للحرية والجمال، لقد عبّر كلّ منا عن مفاصل كثيرة في القضية الفلسطينية، كلّ بأدواته؛ إبراهيم بالكلمة وأنا باللون، وأحسب أنّ كلّ واحد منا عبّر بما يراه مناسباً وقوياً وممثلاً له ولما يشعر به.

لم أتلقّ الفنّ على يد أستاذ بعينه؛ لذا لست متأثراً بأحد، ولم أُدرِج ذاتي تحت تصنيف أيّة مدرسة فنية

أؤمن بأنّ للوحة خصوصيتها، وأنّها حتى حين تترجم ما قالته قصيدة، فإنّ عليها منح القصيدة مزيداً من الألوان والأطياف والتفسيرات والمعاني.
ما أعكف عليه هو مشروع فني جديد، يعدّ استمراراً لما بدأت به منذ تفتحت عيني على الفنون، ومنذ لامس المخيم وعيي؛ ما أزال أتعلم وأجرّب وأختبر كلّ شيء بمتعة ودهشة، كما لو أنّها المرة الأولى، وستكون القضية الفلسطينية وما رافقها وحفلت به من تجارب إنسانية غنية هي زادي في هذه الرحلة الطويلة والممتعة، بقدر ما تبعث على الحزن والأسى في مرات؛ ذلك أنّني أتمنى لو كانت فلسطين حرة وخلّدنا هذه الحرية في اللوحات، عوضاً عن كلّ هذا الإرث الذي ما وسمه شيء بقدر الألم؛ لذلك أسعى في مشروعي الجديد إلى إكمال ما بدأته منذ أعوام، تاركاً للون والإحساس العنان ليقوداني حيثما يريدان، وحتى الإطار الزمني الذي تفرغ فيه هذه اللوحات متروك للشعور.
حين أشعر بأنني عبّرت عن كلّ ما يعتمل في داخلي، في هذه الفترة، أكون قد فرغت.

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية