"الهَيّة": حين رفضت الكرك الخضوع للضيم التركي

الأردن

"الهَيّة": حين رفضت الكرك الخضوع للضيم التركي

مشاهدة

26/04/2018

قبل قيام "الثورة العربية الكبرى" بستة أعوام، ومع اشتداد سياسات التتريك والتجنيد الإجباري، في عموم ما كان يُعرف بولاية سوريا، انطلقت ثورة الكرك (أو هيّة الكرك) العام 1910، لتعلن رفض الخضوع لحكم الباب العالي وسياساته، قبل أن يتم القضاء عليها وملاحقة قادتها وإعدام عدد منهم.
تصاعد مستوى التذمر
بعد وصول حزب الاتحاد والترقّي إلى الحكم في الأستانة العام 1908، ومع تصاعد وتيرة الصراع في البلقان، بين الدولة العثمانية، والحركات القومية المطالبة بالانفصال هناك، بدأت الحاجة التركية لإثبات النفوذ على كافة أنحاء الدولة، بالترافق مع فرض الضرائب المرهقة على العرب، وتجنيد المزيد من شبابهم، من أجل تغطية احتياجاتها للحرب والقِتال، فضلاً عن إصدار فرمانات وقرارات تقضي بتخفيض الأعطيات الممنوحة للمشايخ والزعامات في عموم ولاية سوريا وسناجقها، بهدف تقويض سلطتهم، إضافة إلى تقرير إجراءات حصر النفوس وإحصائها، وحصر الأراضي وتسجيل ملكيتها، ونزع السلاح.
أدت الإجراءات والسياسات الجديدة إلى تصاعد مستوى التذمر في الولاية العربية، مع ظهور عدد من حركات التمرد والرفض في مناطق مختلفة من الولاية، كان أهمّها ثورة الدروز في جبل العرب (العام 1910)، التي تصدى والي دمشق "سامي باشا الفاروقي" لقمعها وإخمادها.

أعلن الدروز ثورتهم على الحكم التركي العام 1910 احتجاجاً على السياسات الجديدة

بداية التوتر
في تشرين الأول (أكتوبر) من العام 1910، وصل الموظفون الأتراك إلى الكرك، ومعهم قوات عسكرية رافقتهم لتمكينهم من إجراء مهمتهم.
في ذلك الوقت كان الشيخ "قَدِر المجالي" هو "شيخ مشايخ" الكرك، وكان متصرف الكرك "طاهر بك" قد أهانه قبيل ذلك حين رفض الموافقة على تعيينه عضواً في مجلس إدارة لواء الكرك رغم انتخابه، وذلك بحجة عدم معرفته بالقراءة والكتابة.

انطلقت ثورة الكرك العام 1910 لتعلن رفض الخضوع لحكم الباب العالي وسياسات التتريك

وأثناء قيام الموظفين بإحصاء النفوس، وقع خلاف وصدام بين الشيخ قَدِر وأحد الضباط، الذي كان يحاول زيادة أعداد النفوس المسجلة في السجلات، ما أدى إلى تأجيج الوضع.
وكانت الأجواء بين أهالي الكرك مهيأة للتصعيد؛ حيث كان مضمون الفرمان يقضي بتنفيذ إجراءات عديدة رفضها الأهالي، وفي مقدمتها تجنيد الشباب، وكان الكركيون يرون أنّ ذهاب الشباب يعني مشاركتهم في حروب لا تخصّهم قد لا يعودون منها، كما يعني تعرض أهالي المدينة لغزوات البدو دون وجود من يحميهم، إضافة إلى رفض الكركيين لزيادة وفرض الضرائب؛ إذ لم تكن محاصيلهم الزراعية البسيطة تتحملها.

قاد الشيخ قَدِر المجالي الثورة والتمرد ضد الأتراك

التخطيط واندلاع الثورة
بدأ الشيخ قَدِر تحركاته بشكل سريّ، فأخذ يجمع من حوله عدداً من مشايخ وزعماء المدينة، في المقابل اصطفت عدد من القيادات العشائرية في معسكر الاعتزال وعدم الاشتراك.
وقد أيّد معظم مشايخ عشيرة "المجالي" خيار التحرّك والانخراط في الثورة؛ حيث كانت العشيرة تحظى بزعامة المدينة، وذلك منذ تولّي الشيخ "يوسف المجالي" منصب "شيخ مشايخ" الكرك حوالي العام 1800، وقد شعرت العشيرة بأنّ السياسات العثمانية تهدف إلى تقويض سلطة الزعامات المحلية، في مقابل زيادة نفوذ وسلطة الباب العالي.

أدت الإجراءات والسياسات العثمانية إلى تصاعد مستوى التذمر في الولاية العربية

بينما كان الشيخ قَدِر يضبط آخر الاستعدادات والتحضيرات لإطلاق الثورة، هاجمت مجموعة من شباب المدينة خيالة أتراك في بلدة "العْراق"، بالقرب من الطفيلة، وهو ما أدى إلى تقديم موعد الثورة عما خُطط له، فانطلق الشيخ قَدِر وقواته لمحاصرة المدينة، قبل أن يهاجموها، وكان ذلك في يوم 22 تشرين الثاني (نوفمبر)؛ حيث سيطروا عليها وقتلوا عدداً من العساكر الأتراك، في حين فرّ آخرون وتحصّنوا في قلعة الكرك، وفي تلك الأثناء، هاجم الثوار مقرّات الدولة، وقاموا بتمزيق وإحراق الوثائق والأوراق الرسمية.

استمرت سيطرة الثوار على المدينة مدة 10 أيام

وصول الإمدادات وقمع الثورة
بعد سيطرة الثوار على مدينة الكرك، بدأت الأعداد المنضمة للثورة بالازدياد، وبدأت ألسنتها تصل إلى المناطق المحيطة، كذيبان، والطفيلة، ومعان، وفي تلك الأثناء، وصلت أخبار الثورة إلى دمشق والباب العالي، فبادر "سامي باشا"، الوالي العثماني في دمشق، إلى التحرّك، وأرسل قوة عسكرية كبيرة لإعادة إخضاع المدينة؛ حيث دخلت القوات المدينة، بعد عشر أيام من الثورة، في الأول من كانون الثاني (ديسمبر) من العام 1910.
وعند اقتراب القوات التركية من المدينة، انسحب الثوار منها إلى الجبال والأودية المحيطة، فدخل الجيش المدينة، وعاث فيها فساداً وقتلاً.

سامي باشا الفاروقي، والي دمشق، الذي قضى على ثورتي الدروز والكرك خلال العام 1910

تمكّن العساكر الأتراك من إلقاء القبض على عدد كبير من زعماء العشائر والثوار، ليبدأ بعد ذلك عقد المحاكمات؛ حيث نُقل عدد منهم إلى دمشق ليعدموا هناك على المشانق في ساحة الاتحاد، لتكون رسالة إلى عموم الحركات الاحتجاجية في ولاية سوريا، في حين أُعدم الباقي في ساحة المسجد الحميدي في الكرك أمام الأهالي، وأُلقي عدد منهم من فوق القلعة، كما صدرت أحكام غيابية بحق المئات، وفي مقدمتهم الشيخ قَدِر المجالي، الذي ظلّ مختفياً إلى أن أعلنت الدولة العفو عنه العام 1911.

نفذت أحكام الإعدام بحق عدد من قيادات الثورة في ساحة الاتحاد بدمشق

بقيت الثورة مسجلة ومتناقلة في التراث والحكايا الشفوية والأشعار الشعبية، وعُرفت على اللسان الشعبي باسم "الهيّة"، في حين عرفت عند عدد من المثقفين والكتاب والمؤرخين المعاصرين لها بـ"حادثة الكرك"، أما الصحف العثمانية الصادرة آنذاك، كـ"المقتبس"، و"البشير"، و"تقديم وقايع"، فقد وصفتها بـ"فتنة الكرك".
بعد أعوام قليلة من القضاء على الثورة كان الفرسان العرب القادمون من الحجاز، بقيادة الشريف الحسين بن علي حامل لواء الثورة العربية الكبرى، يتقدمون ليحرروا الأراضي العربية مدينة بعد مدينة بما فيها الكرك، منهين بذلك الحكم التركي عن المنطقة بلا رجعة.

الصفحة الرئيسية