اليسار العربي يخسر ثلاثة من أعظم شخصياته

اليسار العربي يخسر ثلاثة من أعظم شخصياته

مشاهدة

كاتب ومترجم جزائري
15/06/2021

ترجمة: مدني قصري           

غادرتنا ثلاث شخصيات معارِضة كبرى منذ  2020: التونسي جيلبار النقاش، والسوري ميشيل كيلو، والمغربي عبد الله زعزاع، لقد رغبوا في المشاركة في الحياة السياسية لبلدانهم في بيئة متجددة، وممارسة حريّتهم في التفكير والتصرّف وفق قناعاتهم الخاصة.

رحيلهم يُنعِش التساؤلَ حول الطريقة التي عارض بها الرجالُ والنساء، من اليسار، استبدادَ دولهم بعد الاستقلال، في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، فإذا لم تكن مساراتهم متطابقةً بأيّ حال من الأحوال، فإنّ هذه الشخصيات الثلاث البارزة تشترك في أشياء كثيرة، إنّهم ينتمون إلى الجيل نفسه، وقد أظهروا التصميم نفسه لقيادة معركةٍ صعبة، من أجل الحريّات والديمقراطية، كانوا أيضاً ثلاثة أشخاص عاديّين، وجدوا في الأفكار والهياكل الشيوعية طريقة لتجاوز الانتماءات العرقية والاجتماعية والثقافية والدينية، هذه الحاجة إلى الرغبة في إنكار هذه الفئات يمكن فهمُها بسهولة أكبر بالنسبة لليهودي جيلبار النقاش (1939-2020)، والمسيحي ميشيل كيلو (1940-2021)، لكنْ شاركهما أيضاً عبد الله زعزاع (1945-2021)، عندما انضمّ هذا الأخير إلى حركة اليسار المتطرف "إلى الأمام"، تذكَّر أنّه لا أحد قال للنشطاء اليهود، أمثال صهيون أسيدون، أو أبراهام سرفاتي، بأنّهم يهود: كانوا جميعاً نشطاء، فكان هذا يملؤه بالرضا.

أبناءُ الاستقلال ينقلبون على "الآباء"

هؤلاء المعارضون اللامِعون شاركوا أيضاً الشعورَ بأنّ استقلال بلادهم لم يفِ بالوعود الديمقراطية والاجتماعية التي كان النضال القومي يَحملها، لقد رأوا وتأكّدوا أنّه تمّ الاستهزاءُ والاستهتار بهذه الوعود مِن قِبل أولئك الذين استولوا على السلطة، ومارسوها دون مشاركة، أراد هؤلاء القادة الاحتفاظَ بالسلطة بأيّ ثمن، دون إبداء أيّ اعتبار لإحباط السكان، فليس من قبيل المصادفة أنّه، منذ عام 1956، انتفض وانفجر في الأوساط الطلابية، ثم في الدوائر المهنية والنقابية، احتجاجٌ اشتراكيّ ضدّ الدول المستقلة حديثاً التي كان قادتُها يُظهِرون الاستبداد بشكل متزايد، لسحق الميول نحو الديمقراطية، وهكذا انقلب أبناءُ الاستقلال على "الآباء". .

جيلبار النقاش

لم تكن المعارضة ضدّ "المجاهد الأكبر" التونسي الحبيب بورقيبة، الذي صنع ثورةً اجتماعية، والذي نادى بالاشتراكية وبصداقاته الغربية على حد سواء، شبيهةً بمعارضة عشيرة الأسد وابنه، أو ضدّ الحسن الثاني، المستعدّ للقيام بكلّ شيء للتصدي لأولئك الذين كان يمكن أن يُكسروا الإجماعَ والاتحاد حول عرشه.

النقاش ورفض السلطوية البرقيبوية

في تونس، سيبقى جيلبار النقاش الشخصيةَ البارزة في فريق "وجهات نظر" (Perspectives)، وهي جماعة معارضة أجرت تجربة منفصلة في الستينيات والسبعينيات، كان نشاطُ النقاش أقدمَ من نشاط رفاقه في المجموعة؛ فهو تروتسكي قديم، انضمّ إلى الحزب الشيوعي التونسي (PCT) قبل مغادرته إلى باريس، عام 1956، حيث التحق بالمدرسة الوطنية للهندسة الزراعية، كان يتردّد على الحرم الجامعي والمقاهي الباريسية، حيث تجري مناقشة الماركسية واللينينية، وحرب فيتنام والإمبريالية الأمريكية.

اقرأ أيضاً: الوزير المغربي إسماعيل العلوي لـ "حفريات: لهذه الأسباب فشل اليسار العربي

في الدوائر الأصغر، كان يتحدّث مع رفاقه عن تصلّب النظام السياسي للحبيب بورقيبة، والذي لم يترك مجالاً كبيراً لمَن كانوا يريدون مثله المشاركة في بناء تونس الحديثة، وشكّلت هذه المجموعة الصغيرة من الأشخاص المحبَطين مجموعة الدراسات والعمل الاجتماعي في تونس (GEAST)، والتي نشرت عام 1963 مجلةً بعنوان "وجهات نظر" (Perspectives)، من خلال تحليلاتهم، كانوا يعتزمون خلق مساحة للمعارضة التي اعتبروها ضروريةً للديمقراطية، اتّسم عملُهم، الذي جمع بين النضال من أجل الحريات والديمقراطية والتفكيرِ السياسي، بالرفض... رفض سيطرة حزب الدستور الاشتراكي بزعامة بورقيبة، وبرفضِ استبداد رئيس الدولة، ورفضِ استناد السياسة الخارجية للبلاد على الولايات المتحدة، المنخرطة آنذاك في حرب فيتنام.

نشاط جيلبار النقاش أقدم من نشاط رفاقه في المجموعة؛ فهو تروتسكي قديم، انضمّ إلى الحزب الشيوعي التونسي (PCT) قبل مغادرته إلى باريس، عام 1956

ابتداءً من عام 1968 تمّ اعتقال جيلبار النقاش ثلاث مرّات، مع أعضاء آخرين في المجموعة، وحُكِم عليه من طرف محكمة أمن الدولة بالسجن 16 عاماً بتهمة التآمر على أمن الدولة، وبقي في الزنزانة أحد عشر عاماً، ثم أطلِق سراحه بشروط، عام 1979، ولم يستعد جميعَ حقوقه إلا بعد ثورة 2011.

لم تكن معركته داخل مجموعة "وجهات نظر" خالية من التناقض، من ناحية التزامه بالإصلاحات الحداثية للحبيب بورقيبة، لكنّه رفض "نظامه الاستبدادي الذي لم يكن يتسامح مع أدنى معارضة، ولم يكن يمنح أيّة حرية غير حرية التصفيق، وعبادة شخصه، التي ما انفكّ يطوّرها، حتى حوّلت أيّ نقد ضدّه إلى هجومٍ شخصي.

اقرأ أيضاً: هل يمنع هوس الزعامة اليسار التونسي من توحيد صفوفه؟

الحال أنّه، بالنسبة إلى بورقيبة، لم تكن استقلاليةُ روحِ النقاش وجماعته سوى نُكران للجميل، لقد كان الأمر عملاً انفصالياً (قطيعة) من جانب جيل شعر بورقيبة أنّه قد أفسده، اقتناعاً منه بأنّه "أنقذ" شعبه من الاستعمار أوّلاً، ثم من الجهل، لم يستطع بورقيبة قبول هذه المواقف الناقدة له، كان سوء التفاهم بين النقاش وبورقيبة من الأهمية ما جعل بورقيبة لا يتصوّر المعارضة والانشقاق إلا من حيث غرض استيلائها على السلطة فقط، ربما تُفسِّر هذه الفجوة بين بورقيبة وأصجاب "وجهات نظر" عدم تناسب القمع الذي وقع على هؤلاء الشباب الذين يحلُمون بالديمقراطية والحرية.

اقرأ أيضاً: من كتاب الدماء المنسية: كيف أكلت الثورة الإيرانية أبناءها اليساريين؟

لم يتم الاعتراف بالنقاش ورفاقه كسجناء سياسيّين على الإطلاق، لقد أُرسلوا إلى برج الرومي؛ إذ كانت الحماية الفرنسية تعزل القادة الوطنيّين ذات يوم، مختلطين مع سجناء القانون العام، والمحكوم عليهم بالإعدام، ومع ذلك، لم يكن بورقيبة معادياً تماماً لإطلاق سراحهم، وربما أيضاً لإعادة تأهيلهم، لكنّه طالب بتوجيه طلبِ عفوٍ خطيّ من طرفهم إليه في قصره بقرطاج. وكما هو الحال في تجارب المعارضة الأخرى في العالم العربي، أدّى هذا العفو الرئاسي إلى انقسام عميق في المجموعة، وكان النقاش من بين أكثر الجماعات تصلّباً بهذا الشأن.

نداء كيلو من أجل الديمقراطية في سوريا

في سوريا، حارب ميشيل كيلو أيضاً لعقودٍ من الزمن، من أجل الحرية والتعدديّة. كان كفاحُ هذا الشيوعي السابق ضدّ عائلة الأسد أصعب بكثير، كان عليه بالفعل أن يظل مصمّماً على الحفاظ على قيَمِه ومُثلِه ضدّ نظامٍ مهيكَل حول حزب واحد، حزب البعث، الذي كان يمارس سيطرة كاملة على الحياة السياسية السورية بأكملها، من خلال جهاز شرطة واستخبارات واسع، جهاز المخابرات الشهيرة. هناك، كان ثَمَنُ العصيان يُدفَع أغلى بكثير ممّا كان عليه الحال في تونس بورقيبة. كان الجهاز القمعي وأساليب التعذيب هناك أكثر تطوراً.

ميشيل كيلو

ورغم ذلك، فقد  شارك كيلو الذي بدأ التزامه خلال الموجة الاحتجاجية الأولى ضدّ النظام في السبعينيات، في جميع المعارك: من أجل إطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وإلغاء القانون الذي يحكم بالإعدام على جميع الإخوان المسلمين. في  2005؛ قاد "إعلان دمشق"، وهو دعوة إلى دمقرطة النظام السياسي، في الوقت الذي كانت تجري فيه الاستعدادات للمؤتمر العاشر لحزب البعث، كان الأمر يتعلّق بتحقيق التزامٍ بالوحدة بين مختلف الفصائل السياسية في البلاد، العلمانية والدينية، العربية وكذلك الكردية، لإدخال إصلاحات "سلمية وتدريجية"، تقوم على الحوار والاعتراف بالآخر، لكنّ بشار الأسد، الذي لم يتراجع عن أيِّ من الإصلاحات المقترحة، قمع أولئك الذين وقّعوا على الإعلان، وقد سُجِن ميشال كيلو لمدة ثلاث سنوات.

اقرأ أيضاً: لماذا انحسرت التيارات اليساريّة والقوميّة في العالم العربي؟

أمّا رحلة عبد الله زعزاع داخل حركة "إلى الأمام" (Ilal Amam)؛ فقد كانت فريدة من نوعها. تأسّست هذه المجموعة الماركسية اللينينية في صيف 1970، على أيدي نشطاء من، أو بالقرب من، الحزب الشيوعي المغربي، ومن مجلة "سُوفلْ" (Souffles) (أنفاس) للإطاحة بسلطة الحسن الثاني، هنا أيضاً، كان القمع الذي تعرّضت له الجماعة عام 1972 غير متناسب تماماً مع الخطر الذي يشكّله بضعُ عشرات من المثقفين (غالباً موظفون حكوميون)، وبضعُ مئات من الطلاب الذين لا يملكون من الموارد المادية والمالية إلا القليل جداً، لكنّ سياق الانقلابَين العسكريَّين اللذَين نفّذهما الجيش ضد الحسن الثاني، عامَي 1971 و1972، ما لبث أن زاد من قسوة السلطة ضدّ كلّ أشكال المعارضة، وسرعان ما قُبض على أبراهام السرفاتي، وعبدالله زعزاع، وفي الحال كسبت "إلى الأمام" سمعةً لعينة، عندما أظهر أبراهام السرفاتي دعمَه العلني لجبهة البوليساريو، التي ادّعت الاستقلال عن الصحراء الغربية. إعلانٌ بدأ ينسِفَ خطط الملك الذي أخذ يتحرك  في هذه اللحظة بالذات، لجعل الصحراء قضية وطنية، بِرمزيّتِها المشهورة "المسيرة الخضراء"، التي ضمّت 350 ألف شخص في 6 تشرين الثاني (نوفمبر) 1975.

من خلال هذا العمل السياسي، أعاد الحسن الثاني تأسيسَ نظامه، وأعاد تشكيل الإجماع السياسي، واستعاد السيطرة على المجتمع السياسي، والهيمنة على جيشه، مع تحديد أعدائه.

كان على ميشيل كيلو أن يحافظ على قيَمِه ومُثلِه ضدّ نظامٍ مهيكَل حول حزب البعث، الذي كان يمارس سيطرة كاملة على الحياة السياسية السورية بأكملها

يقوم الاتحاد السياسي حول العرش على الاعتراف والتفوق الروحي للملك، كأمير للمؤمنين، وعلى ميثاق الولاء بين الملك والمجتمع المغربي، للدفاع عن "نزاهة الملك"، لكن رفض الجماعة أن تكون جزءاً من هذا الاتفاق سرعان ما كسر الإجماع، بالنسبة إلى الحسن الثاني كانت الإهانة كاملة، وكان المصير المخصص لأولئك الذين تركوا المجتمع يستحقّ الإبادة.

اقرأ أيضاً: لماذا يميل مسلمو أمريكا إلى اليسار؟

كان عبد الله زعزاع، الأكثر مقاومة من رفاقه، بعيداً فكريّاً أيضاً عن مثقّفي المجموعة، أثناء عمله في الديوان الوطني للكهرباء، تدرّب على الحياة السياسية، من خلال النقابات العمالية، وتحت ذريعة المطالبة بزيادة الأجور، فقد ندّد في إضرابٍ بخطف المهدي بن بركة، لكنّ الإضراب أخمِد بسبب جمود النقابيّين، خاصة أنّه صُنِّف، خطأً، على أنّه رجل شيوعي.

اقرأ أيضاً: الإسلاميون واليسار.. حب من طرف واحد

عرفت حياتُه وعلاقته بالسياسة نقطة تحوّلٍ حقيقية، عام 1968، عندما أُرسل للتدريب في باريس؛ حيث حضر أحداثَ أيار (مايو) 1968، عند عودته، رغب بشدّة في أن يكون ناشطاً، فانضمّ إلى حركة "إلى الأمام": "كنتُ سألتحق بأيّة حركة سياسية تدّعي تسوية الأمور وتغييرها، أو أيّ هيكل يتمّ التداول فيه عن الأسباب الكبرى في ذلك الوقت، مثل حرب فيتنام"، ولأنه رجلُ عملٍ جاد، ومضبط وحازم، فقد تبنّاه رفاقُه بسهولة، وجعلوه يتسلّق المراتب بسرعة، لكنْ كان يُطلَب منه دائماً بذلُ جهدٍ فكري، وهو ما كان يحبّذه، لكن سرعان ما رصدته أجهزة المخابرات، فاعتقِل عام 1975 ، وتعرّض للتعذيب دون جدوى للحصول على أسماء رفاقه السريّين، وهكذا حُكِم عليه بالسجن مدى الحياة.

اقرأ أيضاً: لماذا أخفق اليسار في المغرب رغم فشل الإسلاميين؟

خلال السنوات الأربع عشرة التي قضاها في السجن، ظلّ يتساءل عن سبب معركته أخيراً، طالما يُفلِت منه الجانبُ الأيديولوجي والتنظيمي لـ "إلى الأمام"، كان رفاقه في الحركة يناضلون من أجل مبادئ لم تكن مبادئه هو، عندما كانوا يدافعون عن حقّ تقرير المصير للصحراويين، لكن بالنسبة للسلطة، كان جميع النشطاء في المجموعة متطابقين في رفضهم الانضمام إلى الإجماع، لم يشاطر عبد الله زعزاع وجهات نظرهم حول الصحراء الغربية، لكنّه كان جمهورياً ومقتنعاً بأنّه لا يمكن إجراء تغيير سياسي جادّ في إطار النظام الملكي.

اقرأ أيضاً: هل تشتت الانتخابات الرئاسية اليسار التونسي؟

ظلّ يرفض رفضاً قاطعاً طلبَ العفو من الحسن الثاني، وكان أملُه الوحيد يكمن في الضغط الدولي، ودعمِ الحركات في فرنسا وبلجيكا ضدّ التعذيب في المغرب، لكنّ الحسن الثاني عرف كيف يردّ عليه، بإطلاق سراح بعض الشيوخ من حين لآخر، مُبرِزاً رحمته، كوسيلة لتخفيف حدّة التوتر.

 قال مسؤول لوالدة زعزاع ذات مرة؛ إنّ النظام "الذي لا يريد أيّ نغمات نشاز" سيكون مستعداً لقبول اعتذاراته، لكن ذلك كان يعني سوء فهْم الرجل الذي كان يحلم بالحرية، دون أن يكون مستعداً لمبايعة الملك. عام 1986، بدأ مع بعض رفاقه بحفر نفق للفرار من السجن، ومغادرة البلاد. عامان من العمل، لكن كان عليه أيضاً أن يحصل على أوراق مزورة لمغادرة المغرب، فلم يكن الأمر سهلاً، ومع ذلك؛ ففي تشرين الثاني (نوفمبر) 1988، عقد الحسن الثاني مؤتمراً صحفياً ذكر فيه أنّه ليس لديه كراهية تجاه سجناء (الرأي)، وأنّ أولئك الذين لم يعترفوا بالطابع المغربي للصحراء هم فقط الباقون في السجن (باستثناء إبراهيم السرفاتي، الذي اُتّهِم بالصهيونية).

عبد الله زعزاع

أطلِق سراح زعزاع بعفوٍ ملكي، لكن لم يكن يرغب في مغادرة السجن بهذه الكيفية. في كتاب سيرته الذاتية الذي نُشر في عام 2019، أوضح أن غضباً قد غمرَه عندما اكتشف الأمر، كان من بين الذين لم يرغبوا في طلب العفو من الحسن الثاني، وفي خلال المحاكمة لم يثِر القضاةُ قضيةَ الصحراء وتقريرَ مصيرها.

اقرأ أيضاً: حسن حنفي: لا تعارض بين اليسار والإسلام الحقيقي

عندئذ شعر بالحاجة إلى إرسال رسالة مفتوحة إلى الملك، نُشرت أيضاً في (Politis3)؛ ذكّر الملك فيها بأنّه ما يزال هناك مئات المعتقلين السياسيين في السجون المغربية، بعضهم أعضاء في الأحزاب، وسياسيون ممثلون في البرلمان، كما عاد إلى قضية الصحراء من خلال التعبير ضمنياً عن موقفه من هذه القضية: "في مجموعتنا من المعتقلين في سجن القنيطرة، أعلن بعضُ رفاقي دائمًا وبصوتٍ عالٍ عن الطابع المغربي للصحراء، سواء داخل الحركة السياسية التي شكلناها، أو أثناء المحاكمة، وحتى اليوم ما يزالون يعلنون ذلك في كلّ مناسبة". لكنّ عبد الله زعزاع أضاف ملاحظة ثقيلة ذات مغزى لعناية للملك: "في الواقع، يا جلالة الملك، إذا كان المغرب دولة قانون، وإذا كان هذا الحقّ يمكن أن يضفي الشرعية على قمع أولئك الذين يؤيّدون حقّ تقرير المصير، فإنّ أوّل مَن يجب أن يَمثل أمام المحكمة هو الدولة المغربية التي التزمت أمام الهيئات الدولية، منظمة الوحدة الأفريقية والأمم المتحدة، بالسماح بإجراء استفتاءٍ لتقرير المصير في الصحراء، لكن مع احترام جميع العواقب، بما في ذلك استقلال الصحراويين، إن كانت تلك أمنيتَهم".

إعادة تأهيل مستحيلة

في هذه الدول الثلاث، بعد سنوات قضوها في السجن، وسّع هؤلاء المنشقون التزامَهم بالجمعيات والدفاع عن حقوق الإنسان، لكنّ الكتابة كانت أيضاً ملاذًا لهم، لقد أسّس عبد الله زعزاع، عام 1991، صحيفة "المواطن"، التي سرعان ما صُودِرت أعدادُها، لقد عاش على وظائف غريبة، خاصة مع أحد النجّارين، قبل أن يُنشئ شبكة جمعيات الحي (رزاق) (Resaq) مع شباب أحياء الطبقة العاملة في الدار البيضاء، بصفته منسّق هذه الشبكة، شارك زعزاع في العمل التربوي الشعبي، تمّ انتخابه مستشاراً لبلدية حيّه، حيث مارس الديمقراطية التشاركية على المستوى المحلي.

 

عام 1986، بدأ عبدالله زعزاع مع بعض رفاقه بحفر نفق للفرار من السجن. عامان من العمل، لكن كان عليه أيضاً أن يحصل على أوراق مزورة لمغادرة المغرب

 

على الرغم من سمعته، واجه جيلبار النقاش الصعوبات نفسها في الاندماج في الحياة المهنية منذ ثمانينيات القرن الماضي فصاعداً، لقد أنشأ في دار النشر الخاصة به، "سالامبو" (Salambô)، التي أفلست بسرعة كبيرة، لكنّه واصل دعم الحياة السياسية في البلاد، والمشاركة في الدفاع عن حقوق الإنسان مع زوجته، الناشطة النسائية عزة غانمي؛ فقد استثمر طاقته بشكل أساسي في الكتابة، حيث ترك مدوّنة مهمّة في "أدب السجون"، على الرغم من أنّه كان هو نفسه يفضّل استخدامَ مصطلح "أدب الحرية"، كان ضمن مجموعته، مؤلفَ أوّل رواية عن تجربته في السجن، وهو كتاب ألّفه في السجن على عبوات علب السجائر التي كان يُدخّنها، والتي أعطت بعد ذلك الاسم لعمله كريستال (Crystal)، هذه الرواية التي نُشرت عام 1982، والتي صدرت بعد سنوات طويلة باللغة العربية، عام 2018، تدور حول الحياة في السجن، والتفكير في النظام الوجودي للالتزام السياسي وحرية الضمير والكرامة، واحترام الحياة البشرية، وقد قال لاحقاً؛ إنّ "كريستال" كانت تأمُّلاً حول الصمود، وحول الكيفية التي عاش بها الأشخاص الأحرار، أولئك الذين لم يشعروا بالغضب، على حدّ قوله، سنواتهم في السجن. وصدرت كتابات أخرى، مثل "ماذا فعلتَ بِشبابك؟ (2009)، و"نحو الديمقراطية"، وكان الفهم يبدو لي دائماً ضرورياً".

الانخراط في الحياة السياسية بعد 2011

نقاش وكيلو وزعزازع كانوا سعداء برؤية الشعوب العربية تنهض، عام 2011؛ بالنسبة إلى كيلو: "هذه هي الثورة الأولى التي عرفناها في تاريخ سوريا، والتي يبلغ عمرها 2000 عام [...]. اليوم لدينا ثورة ترتكز رموزُها ومبادؤها على فكرة الحرية"، من الواضح أنّ انخراطه في معارضة النظام قد أغراه، لكنّه لا يشعر بالراحة في أيّ من هيكلَيْ المعارضة الرئيسَين اللذين تمّ تشكيلهما، معتبراً أنّ الائتلاف الوطني السوري (CNS) قريبٌ جداً من الممالك الخليجية ودول الخليج العربي، وأن التنسيق من أجل التغيير الديمقراطي تصالحيٌّ نوعاً ما مع النظام، رغم توجّهه نحو اليسار. مع سمير عيطة، أسس منتدى سوريا الديمقراطي، الذي كان يمكن أن يشكل جسراً بين منصات المعارضة، لكنّ حرب الأنوات (أي الغرور) المتضخمة أفشلت المشروع. ثم كرّس ميشال كيلو نفسَه لنشر مخطوطة كتبها قبل ثلاثين عاماً  "دير جسور"، وهي هجاء ضدّ الدولة البوليسية السورية، صدرت عام 2019.

اقرأ أيضاً: إشكالية الديمقراطية في العالم العربي بين الحكّام واليسار وقوى الإسلام السياسي

يمكن القول إنّ جيلبار النقاش هو الذي نجح في أن يصبح "ممثلًا للثورة"، عام 2011، على حدّ تعبير المؤرخ هشام عبد الصمد؛ لقد أعيدت كتابة الحياة السياسية والمؤسسية، وشارك بنشاط في التفكير في دستور جديدٍ يحترم الحريات العامة، داخل شبكة دستورنا (Doustourna)، كما شارك في المناقشات حول الحاجة إلى عدالة انتقالية، كما كان النقاش حاضراً مع زوجته في جميع المظاهرات الاحتجاجية للجرحى وأهالي شهداء الثورة. من خلال مشاركته، نجح في كسب إعجاب الشباب، وتمت محاورته من قبل هيئة الحقيقة والكرامة (l’Instance vérité et dignité) (IVD) التي أنشئِت  عام 2013 لإلقاء الضوء على انتهاكات حقوق الإنسان قبل الثورة.

اقرأ أيضاً: لماذا لم ينجح اليسار في تونس رغم إخفاق الإسلاميين؟

لقد اعتقد أنّ شهادته حول إقاماته الثلاث في السجن ضرورية: "ليس لدينا الحق في الاحتفاظ بهذه التجارب لأنفسنا، لأنّ عدم المشاركة تعني الهجر"، وفوق شهادته حول التعذيب الذي عانى منه، فإنّ نظرته حول هيئة الحقيقة والكرامة "IVD" من المهم ملاحظها: "لدى التونسيين انطباع بأنهم قادرون أخيراً على التحدث، لقد كانوا لسنوات يخجلون من أن يكونوا ضحايا، ويفضّلون الصمت على عدم الفهم، كان يمكن الظن أنّ الضحايا وعائلات الشهداء سينخرطون في نوع من الثأر، لكنّ الحقيقة تغلبت على الانتقام".

اقرأ أيضاً: اللحظة الشعبوية: انتهاء ثنائية اليمين واليسار في أوروبا

من الواضح أنّه، حتى لو لم تنجح العدالة الانتقالية التي عرقلها الرئيس قائد السبسي في تونس، فإنّ عام 2011 لم يجلب الرضا نفسه لكلِّ من المعارضين الثلاثة، حاول ميشال كيلو عبثاً إسماعَ صوت المعارضين السوريين، لكن كان عليه أن يواجه الحقائق: كان من المستحيل عليه أن يستمرّ في ادعاء نضاله من أجل الحريات الأساسية، فيما كانت الجماعات الإسلامية تتفوّق على المعارضة الديمقراطية، وكان نظام بشار الأسد لديه العديد من الحلفاء، مثل روسيا وإيران، الذين ساعدوه في الحفاظ على نفسه، أما بالنسبة لعبد الله زعزاع، فقد فهِم أنّه لن يرى في حياته التغييرَ المنشود في المغرب.

مصدر الترجمة عن الفرنسية:

https://orientxxi.info/magazine

الصفحة الرئيسية