انتخابات العراق 2018: ماذا بعد؟

صورة عمر الرداد
كاتب أردني وخبير بالتحليل الأمني الاستراتيجي
9258
عدد القراءات

2018-05-15

ربما يختزل هتاف "إيران بره بره.. بغداد حرة حرة" الذي ردده المؤيدون للزعيم الشيعي مقتدى الصدر، في بغداد بعد إعلان النتائج الأولية للانتخابات العراقية، والتي تشير إلى فوز قائمة "سائرون" التي تمثل التيار الصدري ومعه قوى مدنية على رأسها الحزب الشيوعي العراقي، العنوان الأبرز للسياقات التي جرت خلالها الانتخابات العراقية، في ظل ثابت هو: التدخل الدولي في هذه الانتخابات بصورة أوضح من أية انتخابات سابقة، في إطار معركة كسر عظم بين أمريكا وإيران، خاصة بعد انسحاب أمريكا من الاتفاق النووي مع إيران، وفي ظل متغير جديد وهو: انقسامات غير مسبوقة في المكونات السياسية الثلاثة للعراق (الشيعة، السنة، الأكراد) وكان أبرزها انقسام الكتلة الشيعية، خاصة في حزب الدعوة، بين تياري حيدر العبادي، المتهم بالتعاطي مع المشاريع الأمريكية، وتيار نوري المالكي الموصوف بأنه من أشد الموالين لإيران.

نتائج هذه الانتخابات تحمل جنيناً يمكن أن يؤسس لطريق ثالث في العراق، يضع الأسس والبدايات لإنتاج مشروع وطني عراقي

الانتخابات العراقية الرابعة هذا العام، رغم أنّها لم تستطع تجاوز معيار الطائفية والمذهبية والقومية، إلا أنّ نتائجها الأولية ترسل رسالة واضحة بنجاح أمريكي، وفشل، أو خسارة إيرانية، خاصة وأن الانتخابات عملياً جرت في إطار منافسة بين المشروعين الأمريكي والإيراني، من داخل البيت الشيعي فيما جاءت تفاصيل العملية الانتخابية في المحافظات السنية والكردية لتؤكد حدود أزمة هذين المكونين ودورهما التكميلي في ظل المحاصصة الطائفية؛ حيث تعيش الأولى "السنية" أزمات مركبة على وقع الدمار الذي لحق بالمحافظات السنية خلال الحرب على "داعش" ومواجهة انتقام داعش وفصائل الحشد الشعبي، فيما خاض الأكراد هذه الانتخابات على وقع إفشال استفتاء الاستقلال الذي تم في أيلول (سبتمبر) الماضي، وما أعقبه من تداعيات بانقسامات في المكون الكردي، عبرت عنها القوائم المشاركة في الانتخابات.

ورغم الكثير من المظاهر السلبية التي رافقت العملية الانتخابية في العراق، والتي كان من أبرز نتائجها هذه النسب المتدنية للمشاركة (44%) في ظل مخرجات رأي عام رافضة لاستمرار التدوير في الطبقة السياسية، وتفشي الفساد والمحسوبية والطائفية، وعدم تلمس المواطن العراقي لبوادر تغيير، تنعكس على تفاصيل حياته اليومية، خاصة في الجوانب الاقتصادية والمعيشية، رغم كل ذلك، إلا أنّ نتائج هذه الانتخابات تحمل جنيناً يمكن أن يؤسس لطريق ثالث في العراق، يضع الأسس والبدايات لإنتاج مشروع وطني عراقي، يعمل من أجل العراق وإنسانه، متجاوزاً المحددات والمعايير التي وضعها بريمر، والتي استكملتها إيران، بتثبيت محاصصه طائفية لا تشكل أملاً وخلاصاً للعراقيين.

ما بعد الانتخابات مرحلة مفصلية في العراق، تبدو أكثر أهمية من مرحلة ما قبلها

ما بعد الانتخابات مرحلة مفصلية في العراق، تبدو أكثر أهمية من مرحلة ما قبلها؛ حيث يزداد حجم التحديات أمام الحكومة القادمة التي ستتشكل على الأغلب من تحالف بين حيدر العبادي من جهة والتيار الصدري من جهة أخرى، بالتعاون مع بعض الكتل من الوسطين الكردي والسني، فيما ستكون هناك معارضة نيابية لأول مرة في العراق، منذ العام 2003 من الوسط الشيعي بقيادة نوري المالكي وهادي العامري، وربما يصل حجم التغيير بأن يشكل أحد مرشحي التيار الصدري الحكومة، وهو ما يعني كسر احتكار حزب الدعوة لهذا المنصب في الوسط الشيعي.

إنّ المقاربات التي طرحها الصدر على مدى سنوات، والتي ميزته عن بقية الأحزاب الدينية الشيعية بالتزامه بنصرة المظلومين العراقيين، كل العراقيين، تجعل برنامجه الانتخابي على المحك، وأمام امتحان عسير، سواء على صعيد مكافحة الفساد أو تحسين الظروف المعيشية للعراقيين واستعادة وحدة العراق والعراقيين، بما في ذلك تفكيك الحشد الشعبي العراقي، بما يمثله من ارتباط مع القيادة الإيرانية والحرس الثوري الإيراني، وباتجاهات تضمن معالجة أوضاع منتسبي الحشد بما يضمن كرامة العيش لهم وضمان حقوقهم، بعد دورهم في هزيمة داعش، خاصة وأنّ مبررات إنشاء هذا الحشد انتهت بانتهاء "داعش" رغم استمرار التهديد الإرهابي في العراق، والذي يمكن أن تتكفل به أجهزة ومؤسسات الدولة العراقية من جيش وحرس حدود وأجهزة مكافحة الإرهاب، وهو ما يتطلب فتوى من المرجعية الدينية، كتلك التي صدرت عند إنشائه، وإلا بقي العراق يدور في دائرة مغلقة بالطائفية، وعلى الصعيد الخارجي فإنّ الحكومة الجديدة مطالبة بإنتاج حالة من التوازن في علاقات العراق مع محيطه الإقليمي، بما في ذلك العلاقة مع إيران ودول الخليج وتركيا والأردن.

الحكومة الجديدة مطالبة بإنتاج حالة من التوازن في علاقات العراق مع محيطه الإقليمي سيما العلاقة مع إيران والخليج وتركيا والأردن

طبيعة الرد الإيراني على خسارة مريديها في العراق، سيشكل محدداً في معايير نجاح أو إفشال الحكومة العراقية الجديدة، ومن غير الواضح إذا ما كانت إيران ستذهب باتجاه إرسال رسالة بقبولها بنتائج الانتخابات، والاعتراف بهزيمتها في العراق، أو ستواصل العمل على ضمان بقاء العراق ممزقاً تحت سيطرتها، علماً بأنّ اتجاهات "النزاع" مع أمريكا، بعد انسحابها من الاتفاق النووي ستكون العامل الأكثر حسماً في مرجعيات القرار والسياسات الإيرانية تجاه العراق، ووفقاً لمعطيات كثيرة فإنّ من المرجح أن تذهب إيران للتصعيد في العراق، خاصة وأنّ إمكانياتها وأدواتها بالعراق ما تزال مؤثرة؛ حيث تمتلك القدرة والفاعلية لوضع العراقيل أمام أية توجهات لإنتاج مشروع وطني عراقي، خاصة وأن هذا المشروع سيحظى بدعم أمريكي، ولا يستبعد أن تذهب إيران باتجاه الخيار الأكثر خطورة بإعادة إحياء "داعش" وإنتاج الإرهاب مجدداً في العراق، بما يضمن وأد أية مخططات تهدف إلى "تفكيك" الحشد الشعبي العراقي، وإعادة العراق للمربع الأول، بالإضافة لاختراقات إيرانية واسعة في أوساط المكونات العراقية الثلاثة (الشيعة، السنة، الأكراد)، رغم أنّ الحكومة الجديدة تستند إلى قوة شعبية كبيرة ستكون سنداً لها في أية قرارات وطنية عراقية .

* كاتب وباحث بالأمن الإستراتيجي.

اقرأ المزيد...

الوسوم: