انتقام المناخ.. التحذير الأخير للأرض

انتقام المناخ.. التحذير الأخير للأرض


26/11/2018

محمد إسماعيل زاهر

تعدّدت في السنوات الأخيرة النداءات والتحذيرات التي يطلقها العلماء فيما يتعلّق بالتغيرات المناخية التي تشهدها الأرض، وتتضمن العديد من تلك التحذيرات، فضلاً عن التحليلات والأبحاث والكتب المختلفة التي تتناول الموضوع، سيناريوهات مرعبة لمستقبل الحياة على الكوكب، وفي بداية شهر أكتوبر الماضي عنونت مجموعة من العلماء تحذيرها ب «النداء الأخير لإنقاذ الأرض». وبرغم قمم المناخ التي تعقد بصورة دورية لبحث الأبعاد المختلفة للموضوع، والقرارات التي تنتج عن هذه القمم، إلا أن وتيرة خوف العلماء والمهتمين في صعود متواصل، فارتفاع درجة حرارة الأرض لأكثر من درجتين مئويتين خلال العقود المقبلة سيؤدي إلى نتائج سلبية، لن تكون بسيطة، أو يمكن احتواؤها بسهولة أو تتعلق بمنطقة دون أخرى، بل سينتج عنها تغيرات بنيوية تهدد سلامة الإنسان وأمنه.
للتغيرات المناخية تاريخ وأبعاد اجتماعية واقتصادية وحضارية وأسئلة أخلاقية، حاولنا الإضاءة عليها في هذا الملف من «الخليج الثقافي».
هل كان أخيل يعلم أن مدينة طروادة ذات الحضارة والبأس التي حاصرها لمدة عشر سنوات ستختفي من على وجه الأرض بعد أقل من قرن على اقتحامه الأسطوري لأسوارها؟، خلد هوميروس قصة أخيل وباريس وهيلين وأجاممنون..في ملحمة دارت وقائعها في عام 1200 ق.م، و لم تمر مئة عام حتى تعرضت طروادة وعدة مدن أخرى في آسيا الصغرى إلى تغيرات مناخية كانت السبب المباشر في انهيار حضارة المنطقة.
في بداية شهر أكتوبر/‏‏ تشرين الأول الماضي تحدثت مجموعة من العلماء عن ضرورة إبقاء ارتفاع درجات الحرارة دون مستوى 1.5 درجة مئوية، حيث ستشهد الأرض ارتفاعاً في درجات الحرارة يصل إلى 3 درجات مئوية، خلال السنوات القليلة المقبلة، الأمر الذي ستكون له نتائج كارثية على مختلف أوجه الحياة.

اللافت في الأمر أن التحذير جاء تحت عنوان يدعو للتأمل، و يشعرنا بالفزع في الوقت نفسه: «النداء الأخير لإنقاذ الأرض»، وهو ما يذكرنا بآخر تحذير أطلقه ستيفن هوكينغ قبل رحيله، بضرورة مغادرة البشر الكوكب في أقل من 200 سنة، وإلا فسنتعرض للانقراض، وكانت مسألة تغير المناخ والاحتباس الحراري من أبرز الأسباب التي دعت هوكينغ لإطلاق تحذيره.
هل يلعب المناخ دوراً فارقاً في التاريخ؟، وهل يوجد ما يمكن أن يسمى بالتفسير المناخي للتاريخ؟ منذ اليونان القديمة و الجغرافيين العرب وهناك كتابات مطولة عن علاقة المناخ بازدهار أو أفول الحضارة، ودور المناخ في تشكيل رؤية الإنسان للعالم، بل وفي إبداعه، نعلم مثلاً أن العام 536 ميلادياً شهد إعتاماً شبه تام للشمس استمر أكثر من ثمانية عشر شهراً، تسبب في موجة من البرد القارس استمرت لعقود في أوروبا والصين، أدت إلى انهيار مدن، وصحبتها مجاعات وأوبئة نتج عنها وفاة ربع سكان الإمبراطورية البيزنطية. ويقال إن التغيرات المناخية كانت السبب الرئيسي في تدهور الحضارة الأكادية وانهيار حضارة المايا، ومن يقرأ عن سنوات الجفاف المتقاربة التي شهدتها مصر في نهاية الدولة الفاطمية وما صحبها من أوبئة ومجاعات وارتفاع في أسعار المحاصيل وشح في الطعام، ربما يذهب من المنظور نفسه إلى أن نهاية هذه الدولة التي كانت بداياتها مزدهرة نتجت عن التقلبات المناخية.
عندما كنا صغاراً في المدرسة كانوا يعلموننا أن عدة كتب لروسو وفولتير ومونتسكيو كانت السبب المباشر في اندلاع أحداث الثورة الفرنسية، بعد ذلك قرأنا عن الظروف الاجتماعية والسياسية التي كانت وفق معظم المؤرخين الأسباب الحقيقية وراء الثورة، كذلك سنجد كتب الفلسفة والفكر تتحدث عن قائمة مطولة من عوامل النهضة الأوروبية، قائمة تخلو غالباً من عوامل البيئة، ولكن في كتابه الممتع «الصيف الطويل..دور المناخ في تغيير الحضارة» يحدثنا عالم الإنسانيات والآثار براين فاغان عن دور «عصر الجليد الصغير» الذي بدأ تقريباً في حدود عام 1315 في النهضة الأوروبية، حيث تعرضت أوروبا في ذلك العام إلى مطر دمر الأرض، وتوالى هطول المطر مصحوباً بانخفاض في درجات الحرارة في السنوات اللاحقة، الأمر الذي ترتب عليه تخريب المحاصيل ورفع الأسعار، وفي عام 1321 مات مليون ونصف إنسان من الجوع والأوبئة، وعلى مدار القرون اللاحقة دفع التغير المناخي الأوربيين إلى تطوير وسائل جديدة للزراعة، بدأت في الأراضي المنخفضة، ثم زحفت إلى بريطانيا، حتى تم الاكتفاء الذاتي من الطعام، واختفى الجوع تقريباً بحلول القرن الثامن عشر في معظم أوروبا، عدا فرنسا التي فشلت في القيام بثورتها الزراعية، مما أدى إلى سخط اجتماعي كان هو المحرك الأول للثورة الفرنسية.
لنبقى في أوروبا، ولنتصور هذا المشهد المخيف الذي يصوره فاغان: ماذا يحدث لو أن لوح الجليد في جرينلاند قد ذاب في شمال الأطلنطي؟، هل تسود أوروبا أحوال تقرب من الأحوال القطبية خلال جيل أو جيلين؟، أين سيذهب سكان إسكندنافيا، وألمانيا، وفرنسا، وبلاد البلطيق، وروسيا، وماذا سيأكلون؟، وهو السيناريو الذي تؤكده نظرية غايا، كما يذهب جيمس لفلوك في كتاب «وجه غايا المتلاشي..تحذير أخير»، وسنلاحظ هنا تلك الرسالة التي يحاول العلماء في بياناتهم وكتبهم ووصاياهم إيصالها إلى البشرية، والمضمنة في ذلك التعبير «تحذير أخير».
ولكن لماذا ذلك الإصرار على عنونة تلك الأدبيات العلمية ب«التحذير الأخير»، وكأننا على موعد مع القيامة بعد عدة سنوات؟، نقرأ لدى فاغان، أن حرارة الأرض ارتفعت منذ عام 1600م، وحتى الآن بمقدار 0.45 درجة مئوية، والارتفاع الذي نشكو جميعاً منه بدأ فعلياً في عام 1860 وهو ارتفاع يتراوح بين 0.4 و0.8 درجة مئوية، ولا يمكن مع كل التقدم العلمي الذي أحرزه البشر أن نستطيع الحياة خلال العقود القليلة المقبلة في درجة حرارة ترتفع أكثر من درجة واحدة مئوية، أما إذا ارتفعت الحرارة إلى 3 درجات مئوية كما يتوقع العلماء، فيبدو أنه ليس هناك إلا قلة من البشر هي التي ستبقى في الكوكب، حيث ستستطيع التكيف مع المناخ، وتؤسس دورة جديدة من الحضارة؛ حيث لن ينجو أحد من انتقام المناخ.
لقد كانت «التحذير الأول» للعلماء والسياسيين يؤكد أن ذلك الانتقام سيحل بالدول المتخلفة أو الفاشلة، كانت الإحصائيات تقول إن 500 ألف مواطن بنغالي أصبحوا بلا مأوى عندما غمرت المياه بلادهم في عام 2005، وأن عام 2022 سيشهد فيضانات مماثلة ستؤدي إلى ترحيل 22 مليون بنغالي، الأمر الذي يدفع الهند إلى بناء سياج مسلح مع بنجلاديش يمتد بطول 2500 ميل، أدخل هذا الوضع تعبير «لاجئ مناخي» إلى قاموس السياسة الدولية.
وفي كتابه «مدار الفوضي..تغير المناخ والجغرافيا الجديدة للعنف» يستند كريستيان بارينتي إلى دراسة حكومية سويدية، تؤكد أن هناك 46 دولة يقطنها 2.7 مليار إنسان مهددة بنزاعات عنيفة بسبب المناخ، منها الهند وباكستان وأفغانستان و قيرغستان والبرازيل، ستؤدي إلى اضطرابات وقلاقل ينتج عنها هجرات بشرية ضخمة إلى العالم الأول، وهناك من يذهب إلى أن السور الذي تعتزم أمريكا تشييده على حدودها مع المكسيك يهدف إلى صد الهجرات المستقبلية الناتجة عن التغيرات المناخية، وكانت السيناريوهات، التي تعدها الدول المتقدمة لمواجهة فوضى المناخ التي ستجتاح الدول الفقيرة تتضمن سلسلة من إجراءات لا إنسانية، تبدأ بإقامة الأسوار والحواجز، مروراً بحروب عنيفة، وانتهاء بأفكار حول كيفية التخلص من ملايين البشر في ما يطلق عليه بارينتي «فاشية المناخ».
وجاء «التحذير الأخير» ليتجاوز تلك الطبقية، فهناك توقعات بأن ارتفاع الحرارة سيؤدي إلى غرق السواحل الصينية و الساحل الشرقي للولايات المتحدة وأوروبا كاملة، وسيخوض الناجون من هذا الدمار يرافقهم لاجئو المناخ من البلدان الفاشلة صراعاً مريراً ضد الأقلية التي ستتمترس في مدن قليلة جداً في العالم، هي رؤية أشبه بفيلم 2012 المزعج، حيث أدى التسونامي إلى غرق قارات العالم كافة عدا إفريقيا.
في عالم يبلغ 7 مليارات، وتلك الكثافة السكانية المنفلتة من عقالها أحد أسباب أزمة المناخ، ستكون أرقام الملايين الذين ماتوا في مجاعات الصين وأوكرانيا باهتة، الضحايا بعد سنوات من النزوح و الحروب والفوضى الاجتماعية والسياسية سيكونون بالمليارات، ربما لن يبقى أحدنا ليقرأ متأملاً تلك التحذيرات الكابوسية المتتالية. سيعيش الكوكب في فصل واحد، حيث سيكون الصيف طويلاً ومزعجاً ومملاً.

عن "الخليح" الإماراتية

الصفحة الرئيسية