بارود الصراعات يصيب الاقتصاد العالمي... هل يتجه العالم لنظام اقتصادي جديد؟

بارود الصراعات يصيب الاقتصاد العالمي... هل يتجه العالم لنظام اقتصادي جديد؟

مشاهدة

26/05/2022

في حرب غابت عنها أوراق السلام، وتسارع فيها أباطرة العنف إلى نفخ الكير من بوق أوكرانيا تارة، ومن أبواق فنلندا والسويد تارة أخرى، وامتدت شظاياها إلى خارطة التحالفات الدولية والاقتصادات الضعيفة والنامية والمتقدمة دون تمييز، ثمّة متربحون من تلك الحرب الدائرة بين روسيا وأوكرانيا يضعون يداً على حلف شمال الأطلسي "الناتو"، وأخرى على النظام الاقتصادي العالمي والجيوسياسي، سعياً لقلب النظام العالمي رأساً على عقب مجدداً.

لم تخبُ نيران الحرب الروسية الأوكرانية بعد، فقد دخلت شهرها الرابع، بينما تحاول أطرافها الخارجية الرئيسية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية خلق بدائل فورية للإمدادات الروسية من النفط والغاز للحفاظ على استقرار الأسواق العالمية في مواجهة العملية القيصرية المراد بها ميلاد نظام اقتصادي عالمي لا يشمل روسيا، وربما الصين في مرحلة لاحقة، فقد سلطت وكالة "بلومبرغ" الأمريكية الضوء على تسارع وتيرة تفكك العلاقات التي تربط الاقتصاد العالمي، وتبادل البضائع بكافة أنحاء العالم بشكل مخيف.

سلاسل التوريد

أدى الغزو الروسي لأوكرانيا وعمليات الإغلاق للتخلص التام من كوفيد في الصين إلى تعطل سلاسل التوريد، والحد من معدلات النمو، ودفع التضخم لتسجيل أعلى مستوياته منذ (40) عاماً، ممّا تسبب في خفض "بلومبرغ إيكونوميكس" توقعاتها للناتج المحلي الإجمالي العالمي إلى (1.6) تريليون دولار في عام 2022، وفقاً لموقع "الشرق" الشريك الإماراتي لـ"بلومبرغ".

ونبهت الوكالة إلى أنّ ذلك قد يكون "مجرد بداية"، فالحرب والوباء لن يستمرا إلى الأبد، لكن يبدو أنّ المشكلة الأساسية المتمثلة في تزايد انقسام العالم جيوسياسياً ستزداد سوءاً.

 توقعات بالأسوأ

أطلق دميترو كوليبا وزير خارجية أوكرانيا، أمس الأربعاء، تحذيراً من أنّ الأزمة الغذائية العالمية قد تمتد لعدة أعوام نتيجة للحصار الروسي، وفقاً لقناة "سي إن بي سي" الأمريكية، بعد محاكاة أجرتها "بلومبرغ إيكونوميكس" لما قد يبدو عكساً سريعاً لمسار العولمة على المدى الطويل، والتي تُظهر اتجاه العالم ليصبح أكثر فقراً وأقلّ إنتاجية، وعودة مستويات التبادل التجاري لما قبل انضمام الصين إلى "منظمة التجارة العالمية".

وفي نذير سوء، توقعت "بلومبرغ إيكونوميكس" أن يكون هناك ضربة إضافية، مع احتمال مزيد من ارتفاع التضخم، وأن يصبح أكثر تقلباً.

 

لم تخبُ نيران الحرب الروسية الأوكرانية بعد، بينما تحاول أطرافها الخارجية الرئيسية خلق بدائل فورية لإمدادات النفط والغاز الروسية

وعلى مدار (3) عقود، تميز الاقتصاد العالمي بقدرته على إنتاج مزيد من السلع بأسعار منخفضة باستمرار، وقد مثل عصر الوفرة للكثيرين، بسبب دخول أكثر من مليار عامل من الصين ودول الاتحاد السوفييتي السابق إلى سوق العمل العالمي، وتراجع الحواجز التجارية، وزيادة كفاءة الخدمات اللوجستية، غير أنّ الأعوام الـ4 الماضية شهدت سلسلة متصاعدة من الاضطرابات، فقد تضاعفت الرسوم الجمركية أثناء الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، وتسبب الوباء في عمليات إغلاق، والآن تسببت العقوبات والرقابة على الصادرات في نقص إمدادات السلع والبضائع الاستهلاكية.

 تزيد تلك الأمور من مخاطر تعرض الاقتصادات المتقدمة لمشكلة اعتقدت أنّها قد تغلبت عليها منذ فترة طويلة، وهي مشكلة الندرة، ويمكن للدول الناشئة أن تشهد هي الأخرى تهديدات أكثر حدة فيما يتعلق بأمن الطاقة والغذاء، مثل التي تسببت بالفعل بحدوث اضطرابات في بلدان عديدة تمتد من سريلانكا إلى بيرو، "لذلك يتعين على الجميع التعامل مع الأسعار المرتفعة"، وفقاً لـ"بلومبرغ".

 تمزق عالمي

بالنظر إلى الأمر من زاوية واحدة، نجد كلّ ما سبق يشير إلى تمزق عالمي يضع الديمقراطية الغربية والأسواق الحرة في مواجهة الاستبداد الصيني والروسي، على حدّ قول "بلومبرغ"، التي استطردت قائلة: "ليس من الضروري الاعتقاد أنّ هناك صراعاً بين الخير والشر، أو توقع انفصال المعسكرين المتنافسين كل واحد منهم خلف ستار حديدي جديد حتى يمكننا التعرف على التكاليف المحتملة لذلك الانقسام."

وتبلغ قيمة السلع المتداولة في التبادل التجاري بين الدول الديمقراطية والاستبدادية نحو (6) تريليونات دولار، بما يعادل 7% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

ولتوضيح مخاطر الانهيار الكبير في نموذج الاقتصاد العالمي الجديد، افترضت "بلومبرغ إيكونوميكس" تعريفة جمركية نسبتها 25% على كل السلع ضمن تلك التدفقات، وهي أعلى تعريفة جمركية تم فرضها بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين ضد بعضهما البعض، مع الأخذ في الاعتبار إمكانية اتخاذ إجراءات أخرى تزيد تلك التكلفة، مثل العقوبات وحظر التصدير، ممّا قد يؤدي إلى تراجع بنسبة 20% في حجم التجارة العالمية مقارنة بسيناريو عدم الانقسام، وتتراجع نسبتها من الناتج المحلي الإجمالي إلى مستوياتها بنهاية التسعينيات، قبل انضمام الصين إلى "منظمة التجارة العالمية"، على حدّ قول "بلومبرغ".

 

سلطت "بلومبرغ" الضوء على تسارع وتيرة تفكك العلاقات التي تربط الاقتصاد العالمي، وتبادل البضائع بكافة أنحاء العالم بشكل مخيف

وقالت الوكالة الأمريكية إنّه "تغيير هائل ومؤلم، وسيتعين على كافة الدول تحويل الموارد نحو الأنشطة التي لا يجيدونها، ممّا سيدفع إلى فقد جزء كبير من الإنتاجية المرتبطة بالتجارة"، مضيفة "على المدى الطويل، تراجعت العولمة الاقتصادية إلى مستويات أواخر التسعينيات ممّا يجعل العالم أفقر بنسبة 3.5% مقارنة باستقرار التجارة الدولية عند حصتها الحالية من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ويجعل العالم أفقر بنسبة 15% مقارنة بسيناريو تقوية العلاقات الدولية."

خطوط الانقسام

بحسب "بلومبرغ"، فإنّ الحرب في أوكرانيا كشفت اصطفاف الأنظمة السياسية على طرفي نقيض، حيث يواصل الرئيس الصيني شي جين بينغ دعم حليفه الروسي فلاديمير بوتين، بينما تتحالف أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية بشأن فرض عقوبات على موسكو، وتقديم الدعم العسكري اللازم لـ"كييف"، غير أنّ ذلك الاصطفاف له حدود، فالهند، أكثر دول العالم ديمقراطية من حيث عدد السكان، ما زالت تشتري النفط والأسلحة الروسية، ولا يرغب عدد من الدول الديمقراطية في آسيا وأمريكا اللاتينية وأماكن أخرى في الانضمام إلى حملة الضغط الاقتصادي والمالي التي تقودها الولايات المتحدة ضد روسيا.

ورأت "بلومبرغ" أنّه "سواء كان الانقسام على أساس إيديولوجي، أو يستند ببساطة إلى المصالح المتباينة وسط عالم متعدد الأقطاب، فمن الواضح أنّ خطوط الانقسام عميقة وحقيقية، وتُعدّ عمليات إغلاق كوفيد الأخيرة في الصين مثالاً واضحاً على بعض ما يمكن التعرّض له من عواقب يصعب التنبؤ بها."

 

 خفضت "بلومبرغ إيكونوميكس" توقعاتها للناتج المحلي الإجمالي العالمي إلى (1.6) تريليون دولار في عام 2022، وفقاً لموقع "الشرق"

وأضافت: "لو كان العالم يتسم بعلاقات جيدة بين القوى العظمى، لكان من المحتمل حصول القادة الصينيين على ما يكفي من اللقاحات الأمريكية التي تصنعها فايزر، التي تعتمد على تقنية الحمض النووي (mRNA) الفعالة، لإعطاء سكانها قدراً من المناعة ضد متحوّر أوميكرون، ممّا يسمح بإعادة فتح الاقتصاد، لكن في عالم تصر الصين فيه على إظهار أنّ لديها اكتفاءً ذاتياً، وتتجنب الاعتماد على الابتكارات الأجنبية، لم يفعلوا ذلك؛ نتيجة لذلك، لا يتمتع سكان الصين البالغ عددهم (1.4) مليار نسمة بحماية كافية ضد الفيروس."

أظهرت دراسة حديثة نُشرت في دورية "نيتشر ميديسن" العلمية أنّ "تحوّر فيروس أوميكرون قد يتسبب في وفاة (1.6) مليون شخص، لذلك لا يوجد خيار أمام بكين سوى الاستمرار في عمليات الإغلاق الصارمة، ممّا يتسبب في ضربة كبيرة لنمو الاقتصاد الصيني، وترك باقي أجزاء العالم تواجه مزيداً من الاضطراب في سلاسل التوريد، نتيجة تعطل المصانع الصينية، وتوقف سفن الشحن التي تطفو خارج ميناء شنغهاي."

 سلاح التجارة

لا يقتصر التهديد الذي تتعرض له اقتصادات الولايات المتحدة وأوروبا على تداعيات عمليات الإغلاق الصينية، أو ردود الفعل السلبية حيال العقوبات المتخذة ضدّ روسيا فقط، فقد تتعرض لـ"الانتقام المباشر"، على حدّ تعبير "بلومبرغ" التي أشارت إلى أنّ ذلك الانتقام قد يشمل حظر تصدير المعادن المهمة ومدخلات الإنتاج، مثل حظر تصدير الصين لليابان عام 2010 لمعادن نادرة تُستخدم كمدخلات مهمة في صناعة كل شيء، بداية من الهواتف الذكية إلى بطاريات السيارات الكهربائية، التي تمثل "نموذجاً على كيفية استخدام ضوابط التصدير من أحد الجانبين."

 

أدى الغزو الروسي لأوكرانيا وعمليات إغلاق كوفيد في الصين إلى تعطل سلاسل التوريد، ودفع التضخم لتسجيل أعلى مستوياته منذ (40) عاماً

ويمثل منع روسيا تصدير الغاز إلى بولندا وبلغاريا نموذجاً آخر، وإذا ذهب بوتين أبعد من ذلك، وقلص شحنات الغاز إلى ألمانيا وفرنسا وإيطاليا أيضاً، فسوف تتعرض 40% من إمدادات الاتحاد الأوروبي للخطر، ممّا قد يحوّل تعافي اقتصاد الاتحاد من تداعيات كوفيد إلى "ركود مؤلم"، بحسب الوكالة الأمريكية التي أفادت أنّه "حتى في خضم الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين بدت فكرة القطيعة الشديدة بين المعسكرات الجيوسياسية المتنافسة فكرة مستبعدة، حيث بدت درجة الاعتماد المتبادل التي تظهر في سلاسل توريد شركات مثل آبل أكبر من إمكانية تفكيكها، ورأى البعض وقتها أنّ نهاية إدارة دونالد ترامب ستعيد العلاقات إلى طبيعتها، لكن بحلول عام 2022، ومع استمرار تطبيق تعريفات الحرب التجارية، وزيادة أزمة كوفيد لضغوط توطين سلاسل التوريد، وإغلاق الأسواق الأمريكية والأوروبية أمام السلع الروسية، جعل الأمر لا يبدو بعيد المنال".

وتوقعت "بلومبرغ" أن "تتلاشى شدة الصدمات الحالية بسبب الحرب والوباء، لكنّ العوامل المؤدية إلى إنهاء العولمة سوف تستمر، لذلك يتعين عليك الاستعداد لعالم يتسم بانخفاض النمو وارتفاع الأسعار وتقلبات متزايدة."

الانقسام مستمر

توقعت "بلومبرغ" أن يستمر الانقسام العالمي، قائلة: "لا يبعث عالم مليء بالمفاجآت السيئة بشأن النمو والتضخم على تفاؤل المستثمرين في أسواق الأسهم أو السندات، فمنذ بداية العام 2022 تصدرت السلع -حيث تؤدي الندرة إلى ارتفاع الأسعار- قائمة كبار الرابحين، إلى جانب الشركات التي تنتجها أو تتداولها، كذلك تفوق أداء أسهم الشركات الدفاعية، وسط تصاعد التوترات العالمية."

ونقلت "الشرق" عن روبرت كوبمان، كبير الاقتصاديين في منظمة التجارة العالمية قوله: "الانقسام سيستمر"، وتوقع "إعادة تنظيم العولمة"، وأنّه سيكون هناك تكلفة، حيث قال: "لن نكون قادرين على استخدام إنتاج منخفض التكلفة وبتكلفة هامشية على نطاق واسع كما تعوّدنا".

مواضيع ذات صلة:

شبح ركود تضخمي يخيم على الاقتصاد العالمي بسبب النفط... ما علاقة ليبيا؟

هل سيتعافى الاقتصاد العالمي قريباً؟ هذا ما قاله بيل غيتس

كيف لوّث فيروس كورونا الاقتصاد العالمي؟

الصفحة الرئيسية