بعبع الانقلابات يهيمن بظله المخيف على مؤسسات الجزائر

64834
عدد القراءات

2018-10-08

يتقاطع 3 سياسيين جزائريين عند التحذير من إفرازات راهن برلمان الجزائر حالياً، على قادم البلاد، في ظلّ مناورات نواب 5 كتل لخلع رئيس المجلس التشريعي سعيد بوحجة.

وفي تصريحات حصرية رصدتها "حفريات"، ذهب متحدثون إلى أنّ الجزائر مهدّدة بأفق أسود في حال احتدام التأزيم والنزعة الانقلابية عبر مؤسسات الدولة.

بدايةً، يؤكد، قاسة عيسي، الناشط في جبهة التحرير الوطني (الحزب الحاكم)، عدم وجود أي سند منطقي لوضع البرلمان الجزائري، لافتاً إلى أنّ المؤسسة التشريعية ظلّت مستقرة إلى وقت قريب، على نحو سمح بتمرير 19 قانوناً منذ افتتاح فترة البرلمان الحالي.

سعيد بوحجة رئيس البرلمان الجزائري (يسار) مع متزعم حزب الغالبية ولد عباس

تصرفات خارج القانون

يهاجم عيسي تصرفات قيادة حزبه منذ تعيين جمال ولد عباس أميناً عاماً، ويشدّد على أنّ الأخير ينشط خارج القانون، ولا يحترم لوائح تشكيلة الغالبية منذ صعوده "السينمائي" منذ سنتين.

وتابع محدثنا: "ولد عباس لم يترك أحداً في سلام، واختار سبّ وشتم الحلفاء عبر تصرفات عشوائية وطفيلية حوّل بها عمل الحزب إلى تهريج، خصوصاً مع محاولته الدائمة لإبراز التملق وطلب الولاء للرئيس، مع أنّ جبهة التحرير لم توالِ أبداً الأشخاص، بل الجزائر فحسب".

اقرأ أيضاً: انتكاسة غير مسبوقة لأحزاب الإسلام السياسي في الجزائر

المتحدث السابق باسم الحزب الحاكم، اعتبر أنّ خطاب، ولد عباس: "ليس له أي محتوى سياسي، ولا يقوم على الأفكار ومليء بالخزعبلات من قبيل أنّ الجزائر أفضل من سويسرا والسويد، رغم أنّ النقائص موجودة".

ويقرأ عيسي ما يجري تحت قبة البرلمان: "الصراع له جوانب شخصية، ويعكس محاولة ولد عباس، إبراز سلطة المكتب السياسي لجبهة التحرير، رغم أنّ هذا المكتب جرى تعيين أعضائه دون عقد دورة اللجنة المركزية (أكبر هيئة بين مؤتمرين) وهو ما لم يحدث أبداً في تاريخ أقدم حزب جزائري".

قاسة عيسي الناشط في حزب جبهة التحرير الوطني

مشكلة خارجية تربك الرئاسيات

يرفض، عيسي، تزكية ما يحدث في البرلمان، بقوله: "الأزمة ليس لها أي صفة قانونية، وهي ناجمة عن محاولة السيطرة على المؤسسات لأغراض خاصة، ورئيس البرلمان صامد في قضية لا تتعلق بتمسك شخص بالكرسي، بل هي محاولة زعزعة المؤسسات".

ويحذّر عيسي أنّ "استقرار البلد في استقرار مؤسساته، وفكرة الانقلاب لا تخدم الاستقرار، واستقرار البرلمان يفرض بقاء رئيسه مع تغيير المكتب، فضلاً عن إعادة النظر في القيادة غير الرشيدة لجبهة التحرير، وغير ذلك يعني تفشي الممارسات الخطيرة".

اقرأ أيضاً: ثورة التحرير الجزائرية: نحن ثرنا فحياة أو ممات

ويخلص: "بهذه الكيفية، لن تقام انتخابات الرئاسة في جو مطمئن مع تفاقم الانقلابات في المؤسسات، لذا نطالب باستغلال الرئيس لصلاحياته كرئيس شرفي للحزب الحاكم، وعليه وضع حدّ لعمل غير أخلاقي يمنح صورة غير مشرّفة للجزائر على المستوى العالمي".

بدوره، يوقن، سفيان جيلالي رئيس حزب جيل جديد، بأنّ المشكلة ليست داخل البرلمان بل خارجه، مشدّداً على وجود صراع واضح وحاد حول التحكم في مؤسسات ووسائل الدولة، حتى وإن لم يتّم التعرّف على هويات كل اللاعبين في لعبة الشطرنج هذه التي تستبق الانتخابات الرئاسية.

سلطة غير موحّدة

يركّز جيلالي على أنّ "مؤسسة الرئاسة صارت في ذوبان نوعاً ما، ورئيس الجمهورية الذي يجسّد قانوناً، شرعية السلطة، أصبح غائباً تماماً، وكل الصلاحيات الدستورية للرئيس تبعثرت وتتوزع عبر عدد كبير من المراكز المختلفة، مثل لوبيات خارج الرئاسة من رجال الأعمال، وهم في الأصل فاسدون، وجناح من الجيش، وآخر من الإدارة، فضلاً عن أجنحة داخل الحكومة وأحزاب الموالاة، بما يعني أنّ السلطة الرئاسية أصبحت غير موحّدة، بل تلاشت وصارت تشكّل المنافس الغائب في الساحة السياسية".

الصراع في الجزائر يعبر عن حالة استقطاب قوية على خلفية أجنحة السلطة، وخاصة حالة الغموض حول الرئاسيات

عن صلة ما يحدث في البرلمان بانتخابات الرئاسة المقبلة، يرى جيلالي بعدم وجود صلة مباشرة، ويستبعد إمكانية تجسيد نظرية حل البرلمان بغرض تأجيل الرئاسيات، ويشرح: "هذا ليس له مبرر دستوري، وإذا جرى حل البرلمان في إطار الدستور، عليهم أن ينظموا انتخابات تشريعية في أجل 90 يوماً، إذاً ما علاقة التشريعيات بالرئاسيات وإجرائها مع بعض. لذا أظنّ أنّ لبّ الصراع يكمن في الاستحواذ والتحكم بالمؤسسات، أكثر من الارتباط المباشر برزنامة الرئاسيات".

لُغم الانسداد

يسجّل جيلالي: "وصلنا إلى عمق الأزمة، بحيث صارت كل السيناريوهات واردة، من التمديد للرئيس الحالي إلى تغيير الدستور، وصولاً إلى الانسداد التام والمرحلة الانتقالية، وعليه صار كل شيء ممكناً إثر خروج الممارسة السياسية الرسمية من أطرها".

سفيان جيلالي رئيس حزب جيل جديد

ويذهب محدثنا إلى أنّ الدستور لم يعد يدير مؤسسات بلاده، في ظلّ غياب طبقة سياسية مستقرة بوسعها التحكم في المواقف، والدليل - بحسبه - أنّ "رئيس البرلمان يأخذ أوامر متناقضة من جهات مختلفة، وليست له القدرة للفصل بين هذه القرارات الصادرة عنه، هذا ما سيؤدي بالبلاد إلى وجهة غير معروفة".

جيلالي يتوقع أن ينتقل صراع البرلمان إلى مؤسسات أخرى في الدولة، ويضيف: "يمكن للصراع أن يصل إلى الحكومة، في شخص الوزير الأول أحمد أويحيى الذي يشغل منصب الأمين العام للتجمع الوطني الديمقراطي، المتورّط في محاولة إطاحة رئيس البرلمان، لذا أعتقد أنّ الحكومة وأويحيى هما الهدفان المستقبليان في مسار هذه الأزمة".

معارضة حقيقية بطرح جديد

على صعيد تعاطي المعارضة مع ما هو دائر، يؤكد جيلالي: "هناك معارضتان، معارضة للنظام، وهي معارضة مؤسساتية، والكلّ يرى شللها التام، فهي لا تتحرك ولا تتخذّ أي موقف، وتنتظر حل الأزمة من الأطراف الرسمية، وهي ترافق فقط السلطة، أما المعارضة الحقيقية، فتتواجد خارج المؤسسات، وهي تنظّم نفسها، وستعقد حركة المواطنة التي تجمع نشطاء المجتمع المدني والأحزاب، ندوة وطنية غربي الجزائر العاصمة يوم السبت 13 تشرين الأول (أكتوبر)، وهي ندوة تظلّ مرهونة بترخيص السلطات.

اقرأ أيضاً: خبراء لـ"حفريات": على الجزائر كسب 4 تحديات لتفادي الأسوأ

ويُبرز جيلالي، تكوّن معارضة جديدة بوجوه جديدة تحمل خطاباً يقاطع التفكير والذهنيات القديمة.

من جهته، يقارب ناصر حمدادوش رئيس الكتلة البرلمانية لحركة مجتمع السلم، ما يقع على أنّه صراعٌ داخلي داخل الموالاة عموماً، وداخل حزب جبهة التحرير الوطني خصوصاً، و"مع ذلك فهو يعنينا من جهةٍ أخرى، كنوابٍ في المجلس، لأنه يُفترض فيه أنه رئيسٌ للجميع".

ويُردف: "يُفترض في صحوة الضمير المتأخّر لدى الموالاة في استعمال هذا الأسلوب من الرقابة بسحب الثقة، والتهديد بدفع المعني للاستقالة هو استعمالها ضدّ الحكومة، وفرض الرقابة البرلمانية عليها، وخاصة في ظلّ الكوارث وقضايا الفساد ووقع الاحتجاجات والعجز المالي والفشل الاقتصادي".

ناصر حمدادوش رئيس الكتلة البرلمانية لحركة مجتمع السلم

مهزلة خماسية ضدّ الدستور وقوانين الجمهورية

يسجّل حمدادوش أنّ ما يقع "لا يمكن الاختباء فيه خلف سوء التسيير والتعسّف في التوظيف وقضايا الفساد الجزئية، وإذا كانت لهم الإرادة الحقيقية في مكافحة ذلك، فإنها ملفاتٌ تراكميةٌ كبيرةٌ وخطيرة، تتجاوز عمر "السعيد بوحجة" في رئاسته للمجلس، وتتطلب الشجاعة بفتح هذه الملفات، وأن يكون الجميع معنيّاً بها، ولن يكون أحدٌ فوق القانون".

متحدثون لـ"حفريات" يحذرون من أنّ الجزائر مهدّدة بأفق أسود في حال احتدام التأزيم والنزعة الانقلابية عبر مؤسسات الدولة

حمدادوش يصنّف ما يحدث ضمن خانة "المهزلة" بأتمّ معنى الكلمة، إذ اجتمع 5 رؤساء كتل برلمانية، وتمّ ذلك بمخالفة الدستور وقوانين الجمهورية، إذ لا يوجد شيءٌ يسمى "سحب الثقة" في الدستور ولا في النظام الداخلي للمجلس، وأنّ ما سُمّي توقيعات سحب الثقة هي مغالطة كبرى، وهناك تضخيمٌ وابتزازٌ بها، وهو ما دفعهم إلى عدم مصارحة الرأي العام والمعني بها، بل تمّ تمزيقها وتمزيق لائحة الاتهامات الموجهة له.

ويستطرد: "لا يُعقل أن يتم المساس باستقرار مؤسسات الدولة وتعطيل عمل المجلس الشعبي الوطني، والتهديد بإدخالنا في مراحل انتقالية من قبل هؤلاء، وهم الذين كانوا يوجّهون سهام هذه الاتهامات المغرضة للمعارضة، كما لا يمكن السكوت على محاولة اختطاف هذه المؤسسة، تحت غطاء الإيعاز من جهاتٍ عليا، بما يمسّ بالمبدأ الدستوري للفصل والتوازن بين السلطات".

معارك لا تهمّ الشعب ولا تخدم الوطن

يعلّق حمدادوش: "إنّ تكريس منطق الضغط بسحب الثقة، بهذه الأساليب غير المشرّفة، ومنها الحديث عن توقيعات غير صحيحة، واستحياء البعض عن كشف أنفسهم، والخجل من حقيقة الاتهامات واللائحة المسلّمة لقيادة تشكيلة الغالبية، والتي تمّ تمزيقها أمام رئيس المجلس، بعد أن طالبهم بها، يدفع إلى استعمال نفس الأسلوب مع أيّ رئيس في المستقبل، ولا نعتقد أنّ لهم شرف الإقالة، فهم كلهم لا يؤمنون إلا بالتعيين الفوقي، ولا نعتقد أنّ هذه الجهة الفوقية تتنازل عن هذه المهمة الحصرية".

اقرأ أيضاً: 5 سيناريوهات تشعل قادم الجزائر السياسي

ويبدي المتحدث قناعة بأنّ "ما يحدث هو انعكاسٌ للصراع داخل السلطة، في معارك لا تهمّ الشعب، ولا تخدم الوطن، ولا يُقبل أن تُصفّى حساباتُ ذلك الصراع على حساب مؤسسات الدولة، وهو ما يؤكد بأنّ هذه الموالاة هي ما تشكل الخطر الحقيقي على الاستقرار السياسي في البلاد".

والواضح، في نظر مراقبين، أنّ هذا الصراع يعبر عن حالة استقطاب قوية على خلفية أجنحة السلطة، وخاصة حالة الغموض حول الرئاسيات، ويندرج ضمن موجة التغييرات الكبيرة والرسكلة الشاملة للنظام، بعد التغييرات على مستوى المؤسسة العسكرية، جاء الدور على المدنيين، الولاة، والحكومة، والبرلمان. وقد يقود هذا التأزيم البلاد مستقبلاً إلى سيناريوهات خطيرة.

اقرأ المزيد...

الوسوم: