بعد أربعة عقود من الدم: هل انتهت الحرب العراقية الإيرانية؟

بعد أربعة عقود من الدم: هل انتهت الحرب العراقية الإيرانية؟

مشاهدة

28/09/2020

ما بعد الحرب الإيرانية العراقية ليس كما قبلها، وبعد مرور أربعة عقود على اندلاع أكثر حروب الشرق الأوسط دموية، يمكن تصديق هذه المقولة التي أدّت لإعادة هيكلة الدولتين على أسس طائفية، لم تكن تعرفها بهذا العنف، قبل الحرب.

أدّى الصراع المستمر لمدة ثمانية أعوام، الذي شهد استخدام الأسلحة الكيماوية، إلى مقتل الآلاف من الأشخاص وتقسيم المنطقة بأكملها على أسس طائفية.

وبعد كلّ هذا الوقت... هل انتهت الحرب بين البلدين حقاً؟

من نزاع إقليمي إلى مذبحة طائفية

في 22 أيلول (سبتمبر) 1980، أرسل الرئيس  العراقي الراحل، صدام حسين،  قوات الجيش  إلى الجارة  إيران، ليبدأ حرباً دامية، أسفرت عن مقتل آلاف الأشخاص، حيث اشتعل فتيل الصراع كنزاع إقليمي بين الجارتَين، ذوات الأغلبية الشيعية، ولما للبلدين من تاريخ قديم للنزاع الحدودي، وقِّعت قبل الحرب بخمسة أعوام، بين نائب الرئيس العراقي والشاه الأخير لإيران، محمد رضا بهلوي، اتفاقية الجزائر الشهيرة، التي تمّت بوساطة الرئيس الجزائري الراحل، هوّاري بومدين، ونصّت الاتفاقية على ترسيم الحدود النهرية بين البلدين، ولم تستمر سوى أربعة أعوام، إذ اندلعت الثورة الإيرانية، عام 1979، وبالتوازي معها اشتعل تمرّد كردي في شمال العراق، دعمه الملالي، وهو ما خشيه صدّام حسين، واتهم إيران بأنّها تخطط لشنّ هجمات على حدود بلاده، كما دعا إلى إخلاء ثلاث جزر في مضيق هرمز، تخصّ إيران والإمارات، وقبل بداية الحرب بخمسة أيام، أعلن الرئيس العراقي إلغاء بلاده لاتفاقيّة الجزائر ووقف العمل بها، ودعا قوات جيشه للسيطرة على كافة سواحل بحر العرب.

خلال الأعوام الثمانية بين إعلان العراق الرسمي للحرب، وقبول إيران لوقف إطلاق النار ساري المفعول، في 20 تموز (يوليو) 1988، قُتل ما لا يقل عن نصف مليون شخص، وربما ضعف هذا العدد، من القوات على الجانبين، إضافة إلى تسبّب الحرب بإعاقة ما لا يقل عن نصف مليون آخر، كما تمّ إنفاق حوالي 228 مليار دولار على تمويل الحرب، وبلغت تكلفة الأضرار 400 مليار دولار،  (معظمها لمنشآت النفط والمنازل والمزارع)، كان استخدام بغداد للأسلحة الكيماوية ضد إيران من أبرز معالم الحرب؛ إذ وجهت طهران الاتهام للمرة الأولى عام 1984، وأكدته الأمم المتحدة، ثمّ عاودت الكرّة في عام 1988، وفي حزيران (يونيو) 1987، ألقت القوات العراقية عبوات غازات سامة على مدينة سردشت الإيرانية، ثمّ في آذار (مارس) 1988، زعمت إيران أنّ بغداد استخدمت أسلحة كيماوية ضدّ مواطنين عراقيين في مدينة حلبجة.

 خلال الأعوام الثمانية بين إعلان العراق الحرب، وقبول إيران لوقف إطلاق النار في 20 تموز (يوليو) 1988، قُتل ما لا يقل عن نصف مليون شخص من قوات الجانبين

وفي 18 تموز (يوليو) 1988، وافق الخميني على قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بإنهاء الحرب، وتمّ إعلان وقف إطلاق النار رسمياً، لكن استمّرت القطيعة، ولم تتحسّن العلاقات بين البلدين إلّا بإسقاط نظام الرئيس صدام حسين، عام 2003، عقب دخول الغزو الأمريكي وسقوط بغداد.

هل انتهت الحرب حقاً؟

أدّت محاولة العراق لغزو إيران إلى أكثر من مجرد التسبّب في الموت والدمار للجانب الإيراني، فقد عززت تلك الحرب الرواية الإيرانية المستمرة إلى اليوم،  حول عدم الاعتماد على أيّ شيء آخر غير نفسها، طوال 8 أعوام من الحرب المدمرة، دعمت الولايات المتحدة وحلفاؤها، وكذلك بعض الدول العربية، عدوان صدام ضدّ إيران، وبعيداً عن التأييد السياسي، تجلى هذا الدعم على شكل بيع أسلحة للعراق من جهة، وعرقلة محاولات إيران الوصول إلى سوق السلاح الدولي من جهة أخرى، بينما كان المجتمع الدولي متجاهلاً، كان للعراق الإيراني العديد من التأثيرات المباشرة في موقف إيران الدفاعي وخطابها؛ إذ دفعت الحرب وعززت الجيش الإيراني، الحرس الثوري الإيراني وقوات الباسيج، والذي كان في بداية تكوينه، وتمكّن من الصمود أمام الجموح العراقي،  كما  أظهرت تلك الحرب لقادة إيران؛ أنّه نادراً ما يكون لديهم أيّ حلفاء،  وهي فكرة ستندمج بعد ذلك مع تطلعات إيران الحالية المتمثلة في الاعتماد على الذات، وهي الحجج التي تبرزها إيران كلما حاولت تلطيف دورها العسكري أو تبرير تدخلها في حروب الوكالة بالمنطقة.

 ويرى الباحث في الشؤون الإيرانية وسياسات الشرق الأوسط، أحمد محمد فاروق؛ أنّ المتأمّل في السياسات الأمنية الإيرانية يلاحظ أنّها لم تتغير منذ عهد الأسرة البهلوية، ولم تضف عليها الثورة الإسلامية إلّا القليل.

ويقول فاروق، في تصريح لـ "حفريات": "لا بدّ من الإشارة أولاً إلى وجود 5 مؤشرات رئيسة توضح استمراراً ملحوظاً للسياسة الأمنية الإيرانية منذ عهد الأسرة البهلوية، وحتى قيام الجمهورية في إيران، وهذه المؤشرات، وفق الدراسات، تتمثل في دعم الجماعات شبه العسكرية الأجنبية، معارضة لوجود القوى الخارجية عسكرياً في منطقة الخليج، وحروب التدخل السريع، والبرامج النووية والصاروخية، لذلك من المفترض النظر إلى هذه الثوابت على أنّها من السمات السلوكية للدولة الإيرانية الحديثة، بدلاً من اعتبارها من مهام الأيديولوجية الثورية للجمهورية في إيران".

الباحث أحمد فاروق لـ"حفريات": يحرص خامنئي على تذكير المجتمع بقرار المرشد السابق، روح الله الخميني، بقبول وقف إطلاق النار مع العراق، عام 1988، بما يوصف بتجرّع كأس السمَّ

يتابع فاروق حديثه: "أمَّا فيما يتعلق بالحرب الإيرانية العراقية؛ ففي الوقت الذي تسميها إيران "الدفاع المقدس"، وتحتفل حالياً بأسبوعها، يطلق عليها العراق "حرب الدفاع عن البوابة الشرقية للعرب في مواجهة إيران"، والمؤكّد أنّ هذه الحرب   بالإمكان الإشارة إلى مركزيتها في الفكر الإستراتيجي، ومفتاحها الأبرز في تحركاتها الإقليمية والخارجية وملفاتها السيادية، مثل البرنامجَين النووي والصاروخي.

اقرأ أيضاً: هل غيرت إيران استراتيجيتها في العراق فيما يتعلق بقصف القوات الأمريكية؟

 إيران، وبسبب هذه الحرب، إلى جانب عدَّة عوامل أخرى، ترى أنّ الملف الصاروخي حقّ أصيل ومشروع لها للدفاع عن نفسها أمام أيّ اعتداء خارجي، فحينما كانت تتعرض المدن الإيرانية للقصف الصاروخي العراقي، بعد خروجها من خضم ثورة، وتسريح عدد من كبار قادة الجيش الإيراني المحسوبين على النظام البهلوي، عجزت عن الردّ بالمثل على استخدام العراق الممنهج للصواريخ الباليستية، كما لم تُورّد لها أيّة مساعدات من أيّة دولة خارجية، حتى أمريكا، فكان هذا دافعاً لها للبدء في إنشاء برنامج صاروخي محلي لمواجهة التهديدات المستقبلية". 

المظلومية الإيرانية

بالإضافة إلى رواية إيران حول قدراتها العسكرية الخاصة؛ فإنّ الحرب الإيرانية العراقية تضع أيضاً دوافع غزو العراق، عام 2003، في الصورة؛ إذ دعمت الولايات المتحدة وحلفاؤها العراق، سياسياً وعسكرياً، أثناء الحرب، ما يجعل هذا الدعم جزءاً لا يتجزأ من حرب 2003، وهو استخدام العراق للأسلحة الكيماوية ضدّ إيران، بين عامَي 1980 و1988، على الرغم من حظر استخدامها بموجب بروتوكول جنيف.

ويستكمل فاروق حول رؤيته لخطاب خامنئي: "الخطاب يبرز استخدامه لدروس الحرب الإيرانية وتطبيقها على الأوضاع الراهنة، فعلى سبيل المثال؛ أوضح خامنئي أنّ القوى العظمى العالمية دبرت الحرب، ودعمت صدام في محاولة لإطاحة النظام الثوري الجديد في إيران، وإنشاء حكومة ضعيفة و "تابعة"، وكان ذلك جهداً مشتركاً لزعزعة استقرار إيران، بما يعني أنّه يذكّر الإيرانيين بأنّ المجتمع الدولي يريد قلب نظام الحكم في إيران، كذلك فإنّ تذكير خامنئي المجتمع بقرار المرشد السابق، روح الله الخميني، بقبول وقف إطلاق النار مع العراق، عام 1988، بما يوصف بتجرّع كأس السمَّ، لكنّه مع ذلك أخذها في مصالح النظام، هذا يشير إلى محافظة خامنئي على نهج النظام القديم المتمثل في ترك بعض المجال على الأقل للتسوية بشأن القضايا الرئيسة، إذا كانت قبضته على السلطة على المحك".

الصفحة الرئيسية