بعد أن فشلت في هزيمتها.. هل تفاوض الحكومة الصومالية حركة الشباب؟

غالباً ما تنتهي الحروب الأهلية، إمّا عن طريق تحقيق النصر العسكري لأحد الأطراف بشكل حاسم، أو عقد تسوية عن طريق التفاوض، وما حصل في الحالة الصومالية؛ أنّ الاحتراب الأهلي تطور إلى حروب جهادية، تغيّر فيه الفواعل واللاعبون فقط، في حين ظلّ استمرار وضع الحرب الثابت الوحيد في المشهد الصومالي في العقود الثلاثة الماضية.

أمام الحكومة الصومالية فرصة لأخذ زمام المبادرة في تسوية تفاوضية وتلعب الولايات المتحدة والمجتمع الدولي دوراً مسانداً لتشجيع ذلك

وقد انخفض عدد التسويات التي تم التوصل إليها عن طريق المفاوضات على المستوى الدولي، منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر الأمريكية؛ بسبب عدم الرغبة في التفاوض مع المنظمات التي يتم تصنيفها "إرهابية"، إلا أنّ الولايات المتحدة الأمريكية قرّرت خوض محادثات مباشرة مع طالبان، بهدف إنهاء أطول حرب تخوضها الولايات المتحدة في تاريخها، وفي أواخر كانون الثاني (ديسمبر) الماضي، استضافت دولة الإمارات، بمشاركة المملكة العربية السعودية، وحضور باكستان، مؤتمراً للمصالحة الأفغانية بين حركة طالبان والولايات المتحدة، وذلك في إطار الجهود المبذولة لتحقيق المصالحة الأفغانية وإعادة الأمن والاستقرار لأفغانستان.
وفي الصومال؛ جدّد هذا الحدث مطالبات بفتح المفاوضات مع حركة الشباب، لإنهاء الحرب الصومالية، خاصة في ظلّ غياب أيّة تسويات عسكرية مقبلة، وقرب موعد مغادرة بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (AMISOM)، مع استمرار ضعف الجيش الوطني الصومالي، وهو ما يخلق آفاقاً قاتمة لتحقيق نصر حاسم للحكومة على حركة الشباب. وفي ضوء ذلك؛ يدعو الكثير من الخبراء الحكومة الصومالية إلى إعادة التفكير في نهجها في التعامل مع حركة الشباب، ودراسة خيار التفاوض مع الحركة المتطرفة.

تمكنت الحركة من تنفيذ عمليات نوعية في كلّ من كينيا ومقديشو في الأشهر الأخيرة

فشل الحرب على الإرهاب
عام 2018؛ وبعد مواجهة تحالف دولي لأكثر من عقد من الزمان، نفذت حركة الشباب هجمات أكثر، مقارنة بعام 2017، ورغم الزيادة الكبيرة في ضربات الطائرات الأمريكية بدون طيار، واستعادة الحكومة الفيدرالية الصومالية عافيتها جزئياً، فقد تمكنت الحركة من تنفيذ عمليات نوعية في كل من كينيا ومقديشو في الأشهر الأخيرة.

اقرأ أيضاً: تجنيد الأطفال في الصومال ظاهرة مقلقة.. أي مصير ينتظرهم؟
ويرى جيسون هارتفيغ، وهو خبير أمني يعمل في البعثة الأمريكية في الصومال كمنسق للمساعدات العسكرية، في مقالة نشرها بتاريخ 13 أيار (مايو)   2019، على موقع "ور أون دو روكس"، بعنوان "كيف يمكن إنهاء الحرب الأهلية في الصومال: التفاوض مع الشباب"؛ أنّ "تكتيكات حركة الشباب الإرهابية أحد أعراض الحرب الأهلية الصومالية الأوسع، والمسألة الأمنية الأكثر أهمية بالنسبة إلى الصومال، ليست في كيفية إلحاق الهزيمة بحركة الشباب؛ بل في كيفية إنهاء الحرب الأهلية، ومن خلال هذه الرؤية؛ فإنّ أنسب سياسة للحكومة الصومالية هي متابعة تسوية متفاوض عليها لإنهاء الحرب الأهلية التي تقود أنشطة الشباب الإرهابية".
ولدعم مسار المفاوضات، يقترح هارتفيغ على الولايات المتحدة أن تقلل من وجودها العسكري في الصومال، والمستويات الإجمالية للمساعدات العسكرية، كإشارة إلى أنّ حملة مكافحة الإرهاب لا يمكن أن تنهي الحرب، ويقول: إنّه "على النهج الأمريكي أن يعترف بأهمية التسوية السياسية بين الحكومة الفيدرالية وحركة الشباب، وعلى الحكومة الأمريكية أن تشترط المساعدة الأمنية على التسويات السياسية التي تحققها الحكومة الصومالية، كما تجب زيادة الوجود الدبلوماسي الأمريكي لتسهيل التفاوض، وضمان وجود دائم للقوات الدولية لتوفير أمن موثوق به لضمان التسوية عن طريق التفاوض".

اقرأ أيضاً: الحرب الأمريكية في الصومال بعهد ترامب.. هذا ما كشفه تقرير أممي
ومنذ عام 2011؛ تمّ طرد مجموعة الشباب من معظم المراكز السكانية الرئيسة، منذ عام 2011؛ حيث أدّت الزيادة في عدد قوات "أميصوم" إلى 22 ألف، وقصف الطائرات الأمريكية بدون طيار المتواصل، ومئات الملايين من الدولارات المستثمرة في بناء الجيش الوطني الصومالي إلى إضعاف الحركة، وانحسارها إلى القرى والبلدات النائية. ومع ذلك، لم تتمكن القوات الحكومية وحلفاؤها من استعادة معاقل الحركة المتبقية في المناطق الجنوبية والوسطى من الصومال، على النحو المبيَّن في الخطة الانتقالية الصومالية.

على النهج الأمريكي أن يعترف بأهمية التسوية السياسية بين الحكومة الفيدرالية وحركة الشباب

ولم يغيّر تصاعد ضربات الطائرات بدون طيار في ظلّ إدارة ترامب خريطة القتال القائمة مع الحركة منذ الانتصارات الرئيسة الأخيرة لبعثة الاتحاد الإفريقي في الصومال، في "عملية المحيط الهندي"، واستعادة مدينتي دينسور وبادهيري، عام 2015، ومنذ ذلك الحين؛ استعادت حركة الشباب عدداً من تلك المدن أثناء انسحاب القوات الإثيوبية، وقطعت الطريق الذي يربط مقديشو بمدينة بيدوا، كما تحتفظ الحركة بالسيطرة على بلدة ليغو، التي حددتها بعثة الاتحاد الإفريقي في الصومال والحكومة الصومالية، لاستعادتها كجزء من المرحلة الأولية من الخطة الانتقالية قبل عام تقريباً.

"فراغ" انسحاب أميصوم
ومن جهة أخرى؛ تهدّد الدول البارزة المساهمة ببعثة الاتحاد الإفريقي في الصومال بسحب قواتها؛ بسبب تخفيضات الاتحاد الأوروبي التمويل. ورغم التصريحات الأخيرة للبعثة؛ بأنّها وضعت خططاً لبدء عمليات هجومية هادفة لدعم العملية الانتقالية، إلا أنّ الأعمال الهجومية من قوات "أميصوم" قد توقفت بشكل كامل، ويمكن أن يعزى جزء من الانخفاض في العمليات الهجومية إلى الهزائم التي لحقت بقوات "أميصوم" من معارك كولبيو، وإلدي، وجولوين، وبرحكابا.

اقرأ أيضاً: مشهد الجهادية الصومالية.. قراءة في الأيديولوجيا والأنماط الفاعلة الرئيسة
كما يثير التواجد العسكري في الصومال تكاليف سياسية محلية في الدول المشاركة بقوات في الصومال؛ حيث تطالب المعارضة الكينية مثلاً بإعادة قواتها إلى الوطن.

يثير التواجد العسكري في الصومال تكاليف سياسية محلية في الدول المشاركة بقوات في الصومال

ومن جانبه، يظلّ الجيش الوطني الصومالي بعيداً عن تقديم حل أمني طويل المدى في البلاد، وتقدم الجهود المبذولة لبناء الجيش الوطني "نموذجاً للفشل"، حول الجهود الدولية لتشكيل مؤسسات أمنية فعالة ومسؤولة، ويعدّ الفساد المستشري في الصومال أكثر بروزاً في قطاع الأمن، مما دفع وزارة الخارجية الأمريكية إلى تعليق المساعدات العسكرية للقوات الصومالية غير المُشَرَّفة، في كانون الأول (ديسمبر) 2017، وقد أثبت الجيش أنه غير قادر على الاحتفاظ بمواقع أخلتها بعثة الاتحاد الإفريقي في الصومال، مما سمح لحركة الشباب باستعادة المدن التي غادرتها قواعد بعثة الاتحاد الإفريقي، مثلما حصل مؤخراً؛ عندما انسحبت القوات الكينية من بعض المناطق.
خيار التفاوض مع الحركة
يرى الكثير من الخبراء؛ أنّ حركة الشباب في وضع جيد لمواصلة القتال في الصومال إلى أجل غير مسمى، بفضل أنّ الحركة تتمتع بتمويل محلي قوي ومستدام من خلال فرض ضرائب فعالة، علاوة على ذلك؛ فإنّ المنظمات المتمردة القادرة على استخدام أشكال الحرب التقليدية وغير النظامية تربح بشكل حاسم الحروب الأهلية أكثر مما تخسر.

خبير صومالي: عدم القدرة على هزيمة حركة الشباب بشكل حاسم لا يترك سوى عقد تسويات سياسية مع الحركة

ويرى المحلل الساسي الصومالي، أحمد علي، أنّ "حركة الشباب تتميز بمرونة فائقة، وقد تكبدت خسائر أسوأ من تلك التي تتكبدها الآن نتيجة تصاعد ضربات الطائرات الأمريكية بدون طيار، وبوجود أدلة على الواقع بهزيمة وشيكة للحركة، وبالتالي، عدم القدرة على هزيمة حركة الشباب بشكل حاسم لا يترك سوى عقد تسويات سياسية مع الحركة، أو استمرار القتال إلى ما لا نهاية".
ويضيف أحمد علي، في تصريح لـ "حفريات" بأنه "سبق أن نوقشت فكرة التفاوض مع الشباب داخل الأوساط السياسية في مقديشو في أكثر من مناسبة، وما كان مفقوداً من هذه المناقشات؛ هو طريق لجلب الشباب والحكومة إلى طاولة المفاوضات، وتحتفظ الحركة في الوقت الحالي من بعض القوة، كما تراهن على أنّ خصومها سيتعبون في نهاية المطاف من الصراع، مما يتيح لها فرصة لتحقيق نصر حاسم، ورغم أنّ الحركة قد شهدت بعض الانشقاقات البارزة، إلا أنها لم تسعَ علناً لعقد تسويات مع الحكومة، وقد ترفض تماماً اتباع نهج تفاوضي في الوقت الراهن، لكن ومع ذلك، فإنّ تمديد وجود قوات "أميصوم"، وتفعيل دورها بشكل جديّ، إلى جانب عمليات عسكرية أمريكية محددة ونوعية، يمكن أن يغير من حسابات الحركة، خاصة إذا واجهت حالة من الجمود المستمر وخسارة مستمرة لكبار القادة، فقد تكون الحركة مجبرة على التفاوض في نهاية المطاف".

لم يغيّر تصاعد ضربات الطائرات بدون طيار خريطة القتال القائمة مع الحركة منذ 2015

وفي نظر خبراء، فإنّ أمام الحكومة الصومالية فرصة لأخذ زمام المبادرة في تسوية تفاوضية، وتلعب الولايات المتحدة والمجتمع الدولي دوراً مسانداً لتشجيع المفاوضات، التي تتطلب جهوداً متعددة لعقد جولات من المحادثات الأولية بين الحكومة وحركة الشباب، بإشراك شيوخ العشائر، وستحتاج الولايات المتحدة إلى تولي زمام المبادرة في ممارسة الدبلوماسية الإقليمية، وفي مجلس الأمن، لبناء دعم دولي لتسوية شاملة توفر الأمن، ليس فقط للصومال، بل لكينيا وأوغندا وإثيوبيا، والمنطقة ككلّ.

الأقسام: