بماذا يشعر فلسطينيو غزة بعد كلّ حرب؟

بماذا يشعر فلسطينيو غزة بعد كلّ حرب؟

مشاهدة

16/06/2021

خوف وقلق كبيران ما تزال المواطنة خلود حجازي، من عزبة بيت حانون شمال قطاع غزة، تشعر بهما، حتى بعد انتهاء الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة، في أيار (مايو) الماضي، من هول الصدمة التي لا تفارق مخيلتها نتيجة سقوط عشرات الصواريخ التي أطلقتها المقاتلات الحربية الإسرائيلية على مقربة من منزلها الملاصق للحدود مع الأراضي المحتلة عام 1948.

اقرأ أيضاً: إشكاليات أجندة حوارات القاهرة ما بعد الحرب على غزة

وتضيف حجازي (39 عاماً)، التي تعمل مدرسة في إحدى المدارس الثانوية شمال غزة، خلال حديثها لـ "حفريات": "ما شهدناه لم يكن تصعيداً عادياً، بل كان حرباً حقيقية بكلّ ما تحمله الكلمة من معنى، وهي أصعب من مثيلاتها من الحروب الثلاث الأخرى التي عايشتها في القطاع، إذ بدا الموت يخطف أرواحنا في كلّ لحظة من شدة الصواريخ التي كانت تسقط على رؤوسنا، والتي لم تفرّق بين بشر أو حجر، فكلّ بيت في غزة كان مستهدفاً، وبات مشهد الدمار أشبه بالأفلام والألعاب الإلكترونية التي يلهو بها الأطفال عبر أجهزتهم اللوحية".

كلّ بيت في غزة كان مستهدفاً

ووفق إحصائية صادرة عن مركز الإعلام الحكومي بغزة، فقد بلغ عدد الوحدات السكنية المتضررة 16800 وحدة سكنية، كما بلغ عدد الوحدات السكنية التي تعرضت للهدم الكلي والأضرار، وباتت غير صالحة للسكن 1800 وحدة سكنية، منها 1000 وحدة تدمّرت  بشكل كامل، فيما تعرضت 5 أبراج سكنية تتوسط مدينة غزة للهدم الكلي.

تكرار الحروب والأزمات والصدمات يزيد من السلوكيات العدوانية للأفراد، في ظلّ فقدانهم لصحتهم النفسية والعقلية السليمة، مع غياب البرامج العلاجية طويلة الأمد للتعافي من هذه الصدمات

وبدأت الحرب الإسرائيلية على القطاع في 10 أيار(مايو) الماضي، بعد اقتحام أفراد الشرطة المسجد الأقصى، واعتدائهم على الصحفيين والمسعفين، ما أدّى إلى إصابة أكثر من 300 فلسطيني، وبعد ظهر اليوم نفسه نشرت "كتائب القسام" الجناح العسكري لحركة "حماس" بياناً أمهل إسرائيل حتى السادسة مساء لسحب جنودها من الأقصى وإطلاق سراح المعتقلين، وبعد أن تجاهلت القيادة الإسرائيلية هذا الإنذار، أُطلقت أول رشقات صاروخية من غزة باتجاه إسرائيل.

وذكرت وزارة الصحة الفلسطينية في غزة؛ أنّ الحرب الإسرائيلية على غزة أسفرت عن استشهاد 248 فلسطينياً، بينهم 66 طفلاً، و39 سيدة، و17 مسناً، إضافة إلى إصابة 1948 شخص بجروح مختلفة.

أوضاع نفسية سيئة

تتابع حجازي: "أحتاج إلى عام كامل كي تتحسن أوضاعي النفسية السيئة، بعد ما شاهدته في هذه الحرب من دمار وقتل للعديد من جيراني، الذين تلتصق منازلهم بمنزلي، وفي حرب اختلفت عن سابقاتها من حيث شدة التدمير والقتل والصواريخ الجديدة التي كانت تسقط على المنازل دون سابق إنذار، وهو أسلوب جديد يختلف تماماً عما كان سابقاً، حيث لجأ الاحتلال غالباً خلال الحروب الثلاثة الماضية على غزة إلى تحذير أصحاب المنازل المهددة بالقصف، كي يستطيع ساكنوها الهروب منها، أما في الحرب الأخيرة فالمنازل هدمت على ساكنيها، ولم يترَك لهم مجال أو متّسع من الوقت لإخلائها".

 بلغ عدد الوحدات السكنية المتضررة 16800 وحدة سكنية

وأكدت حجازي: "لا يوجد في منطقتي بيت إلا وتعرض أحد ساكنيه للقتل أو الإصابة، وبدت العديد من المنازل كومة من الركام، وكأنّ زلزالاً ضخماً أصاب المنطقة"، مشيرةً إلى أنّ "منطقتها تتعرض في كلّ جولة من الحروب التي يشهدها القطاع للقصف والدمار الكبيرين، وهناك عدّة عائلات لم تستطع بعد، منذ حرب عام 2014، أن تدرك هول الصدمة التي تركتها تلك الحرب بعد أن دمّرت منازلهم، والتي لم تتمّ إعادة بنائها وتشييدها حتى اللحظة، إضافة إلى العائلات التي فقدت أبناءها أكثر من مرة في تلك الحروب، والتي تعيش أوضاعاً نفسية سيئة، بعد استشهاد فلذات أكبادها".

اقرأ أيضاً: لماذا تربط إسرائيل التهدئة وإعمار غزة بإعادة أسراها؟

وما تزال حجازي تفكر جلياً بالخروج وعائلتها من منطقتها التي تسكن فيها، للبحث عن منزل آخر في قطاع غزة، قد يكون ملاذاً آمناً لها للعيش فيه، بعد أن عجزت عن احتمال المآسي التي شهدتها خلال الحرب الأخيرة، والتي تركت في نفسها جرحاً غائراً".

كابوس حقيقي

أما المواطن عيد أبو خاطر (43 عاماً)، من سكان حي التفاح شرق مدينة غزة، والذي يقف على ركام منزله المدمر فيتساءل: "أيّة تهدئة التي تحدثت عنها الفصائل الفلسطينية، بعد أن عدت إلى بيتي ووجدته مدمراً بشكل كامل، وأصبحت الآن وعائلتي، المكونة من ثمانية أفراد، مشردين بين مدارس الأونروا والعيش داخل خيمة قماشية نصبتها فوق ركام منزلي؟".

المواطن عيد أبو خاطر لـ"حفريات": "أعيش كابوساً حقيقياً من هول النكبة التي حدثت لمنزلي الذي تعرض إلى القصف المباشر بقذيفتين أطلقتهما الدبابات الإسرائيلية المتمركزة شرق القطاع

وتابع أبو خاطر، في حديثه لـ "حفريات": "أعيش كابوساً حقيقياً من هول النكبة التي حدثت لمنزلي، الذي تعرض إلى القصف المباشر بقذيفتين أطلقتهما الدبابات الإسرائيلية المتمركزة شرق القطاع، إذ نجوت وعائلتي من الموت المحقق، بعد أن أصبتُ وزوجتي وأحد أبنائي بجراح، جراء شظايا تلك القذائف التي تناثرت في مختلف أرجاء بيتي"، مشيراً إلى أنّ "عدداً كبيراً من منازل المدنيين في منطقته تعرضت للتدمير، سواء بشكل كلي أو جزئي، على مدار 11 يوماً من الحرب، وبدا الحي أشبه ما يكون بمدينة أشباح، بعد أن غادرته العوائل التي فقدت منازلها".

اقرأ أيضاً: مصر تتقدّم على تركيا وقطر لوقف إطلاق النار في غزة

وأكّد: "المشهد الآخر الذي لا يغادر مخيلتي، هو مشاهدتي لجثث اثنين من أبناء عمي، اللذين كانا يسكنان على مقربة من بيتي المدمر، بعد أن مزقت القذائف الإسرائيلية جسديهما إلى قطع متناثرة؛ فقد اختفت معالمهما تماماً، وكأن الاحتلال أراد أن يترك في نفوس السكان الفلسطينيين وذاكرتهم، مشاهد يصعب عليهم نسيانها لسنوات عديدة".

ولفت أبو خاطر إلى أنّ "هناك مناطق وأحياء كبيرة في قطاع غزة دمرت بشكل كامل، والخوف الذي بات يراود الجميع حالياً بعد انتهاء الحرب هو الخوف من تكرار اندلاعها مجدداً، وكذلك مصير المواطنين الذين قصفت منازلهم وباتوا بلا مأوى، في ظل عدم اتضاح الرؤية حول وقت وآلية البدء في إعادة إعمار المنازل المهدمة جراء الحرب الإسرائيلية الأخيرة".

زيادة السلوكيات العدوانية

ويرى استشاري الصحة النفسية محمود جحجوح؛ أنّ "الحرب على غزة تسبّبت بحالة من القلق والخوف وعدم الشعور بالأمان والطمأنينة لدى سكان قطاع غزة، بعد فقدانهم بيوتهم وعائلاتهم ومصادر أرزاقهم، وهو من شأنه أن يترك آثاراً نفسية بعيدة المدى عليهم، كالشعور بالاكتئاب والفزع والهلع بشكل مستمر، وصولاً إلى تعرضهم لمخاطر الاستغلال والإهمال، تحديداً لدى فئة الأطفال الذين فقدوا عائلاتهم بفعل القصف الإسرائيلي".

استشاري الصحة النفسية محمود جحجوح

ويضيف جحجوح لـ "حفريات": "الآثار النفسية للحرب على قطاع غزة، رغم انتهائها، إلا أنّها ما تزال موجودة، وتزداد وتيرتها حالياً بشكل أكبر، وتنعكس بشكل مباشر على سلوك الفرد وقدرته على التعامل مع المحيطين به"، مبيناً أنّ "تكرار الحروب والأزمات والصدمات يزيد من السلوكيات العدوانية للأفراد، في ظلّ فقدانهم لصحتهم النفسية والعقلية السليمة، مع غياب البرامج العلاجية طويلة الأمد للتعافي من هذه الصدمات".

وتابع استشاري الصحة النفسية: "العلاج النفسي الوحيد يكون عبر التكيّف الجماعي، وكذلك التركيز من قبل المراكز العلاجية على تقديم الإرشادات التوعوية بكيفية التعامل مع الضغوط النفسية للسكان، للتخفيف من ردودهم السلوكية العنيفة، بالإضافة إلى ضرورة إعادة البناء الإدراكي لديهم، الذي قد يمكّنهم من تخيّل الصدمة فكرياً، لاكتساب القدرة على التحكم بالخوف والحزن".


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية