بوبي فيشر: عبقري الشطرنج الأمريكي الذي فرح بهجمات 11 سبتمبر

5204
عدد القراءات

2019-01-13

خلال الحرب الباردة، وتحديداً في عام 1972، حصلت أمريكا على لقب بطولة العالم في الشطرنج، وكانت مرتها الأولى في التاريخ، من خلال العبقري "بوبي فيشر" الذي هزم بطل الاتحاد السوفييتي "بوريس سباسكي" بعد 21 جولةً كانت أشبه بحربٍ حقيقية. غير أنّ فيشر، اليهودي الأصل، والذي أصبح حينها بطل أمريكا الأول، تحوّل فيما بعد إلى واحدٍ من أكبر المعادين لسياسات بلاده، وأحد رموز ما يسمى بـ "معاداة السامية".

فيشر أول أمريكي يصبح بطلاً للعالم ويهزم أهم لاعبي الاتحاد السوفييتي عام 1972 إبان الحرب الباردة

وذهب فيشر إلى أبعد من ذلك، إذ برّر في عام 2001، الهجوم على برجي مركز التجارة العالمي في مسقط رأسه "نيويورك"، قائلاً في مقابلةٍ على إذاعةٍ فلبينيةٍ محلية: "من الجيد أنه يوجد احتمالٌ للتخلص من أمريكا مرةً واحدةً وإلى الأبد"! فكيف تحول أحد أبطالِ أمريكا وأهم عباقرة الشطرنج عبر التاريخ، إلى (راديكالي)، يفكر ضد بلاده بهذه الطريقة؟

رجل واحد هزم الأيديولوجيا

شكّلت ولادة "روبرت جيمس فيشر" في التاسع من آذار (مارس) عام 1943، والمعروف باسم بوبي، دوراً حاسماً في تحديد مصيره في الحياة، فقد كانت والدته آنذاك "ريجينا فيشر" امرأة موهوبةً، وهي من أصولٍ يهوديةٍ بولندية، برعت في مجال الرياضيات والفيزياء، وعملت في التمريض والتدريس، غير أنها ولحظة ولادة بوبي، كانت مجرد امرأة مشردة، تقوم بأي عملٍ ممكن، من أجل إعالة نفسها، إلى أن استقرت أخيراً في مقاطعة بروكلين بنيويورك.

اقرأ أيضاً: راسبوتين.. الراهب الغامض الذي سرّع بنجاح الثورة الشيوعية

حياة والدة بوبي، وأفكارها، ومجال عملها، إضافة إلى وضعها المادي الصعب، دفعت بها إلى تشجيع ابنها على لعب الشطرنج، بعد اكتشافه اللعبة من خلال رقعةٍ في البيت، ظل يلعب فيها ضد نفسه وهو بالكاد يبلغ عامه الثامن من العمر. ثم قامت الأم بإرسال إعلانٍ إلى إحدى الصحف المحلية طلبت فيه أن "يقوم أي لاعب شطرنجٍ بعمر ابنها باللعب معه والتدرب على لعبة الشطرنج"، غير أنّ الصحيفة رفضت نشر الإعلان بسبب عدم وجود أشخاصٍ مؤهلين للعب الشطرنج كأطفال، وفقاً لكتاب "إدموندز وإيدينو" المنشور عام 2004. بعد ذلك، قامت ريجينا، بتسجيل ابنها في دورة شطرنج يديرها الأستاذ الدولي "ماكس بافي" الذي فوجئ هو والجمهور الذي حضر المباريات التي أقيمت على هامش الدورة، بصمود الطفل بوبي مدة 15 دقيقة في لعبةٍ أمام بافي.

فيشر اليافع يهزم 47 لاعباً من أصل 50 دفعةً واحدة

ومنذ تلك اللحظة، أخذ واحد من أصغر لاعبي الشطرنج في التاريخ يحرز الانتصارات تلو الأخرى في بلده، حيث حصل عام 1956 على لقب بطولة الناشئين الأمريكيين، وبدأ ينافس لاعبين كبار من معاصريه، مثل "لاري إيفانس"، ونافس ببراعة في بطولة كندا المفتوحة للشطرنج كذلك، كما أنه لعب مباراةَ عُرفت بمباراة القرن العشرين، ضد الأستاذ الدولي "دونالد بايرن" والتي ضحى فيها فيشر بأشهر قطعةٍ في لعبة الشطرنج "الوزير" من أجل إطلاق هجومٍ لا يمكن إيقافه ضد "ملك" بايرن الذي خسر في النهاية.

رغم تصوير أمريكا الفوز على أنه أيديولوجي إلا أن فيشر تجاوز صراعات الحرب الباردة وحول فوزه إلى إنجازٍ بشري فردي

وتوالت انتصاراته، ومشاركاته في بطولاتٍ عديدة، منها أولمبياد الشطرنج العالمية، محرزاً نتائج متقدمة على حساب دراسته، فقد غادر حتى عام 1960 أكثر من 7 مدراس كان قد التحق بها، مركّزاً "اهتمامه فقط على الشطرنج، كما أنه قال لكل من سأله عن دراسته: إنّ المدارس لا تستطيع تعليم أحدٍ أي شيء".
وبمرور عشر سنوات، تعرض فيشر عام 1962 لنكسةٍ في بطولة العالم للشطرنج، والتي كان يعني أمريكا كثيراً أن يكسبها بطلها، ضد أبطال الاتحاد السوفييتي، حيث ووفق تحقيقٍ صحفي بعنوان "مطاردة ملك الشطرنج" نشر في صحيفة "لوس أنجلوس" عام 2009، فإن لاعبي "منتخب الاتحاد السوفييتي، وعددهم ثلاثة، اتفقوا على أنْ يتعادلوا في مبارياتهم ضد بعضهم البعض، من أجل توفير طاقتهم الذهنية للّعب ضد فيشر، وهو ما عدّه الأمريكيون مؤامرةً آنذاك".

اقرأ أيضاً: "محبة بابلو" : كيف تصنع المخدرات ملهماً لا يرحم؟
وبهذا الخصوص، قال أحد أكبر اللاعبين المعاصرين في تاريخ الشطرنج "غاري كاسباروف" وهو روسي ومعارض سياسي سابق للاتحاد السوفييتي، إنّ "لعبة الشطرنج في روسيا كانت تعني الأيديولوجيا قبل أي شيءٍ آخر" وأضاف كاسباروف خلال تعليقه الذي نشر عام 2016، إنّ " لعبة الشطرنج كانت عنصراً سياسياً تستخدمه السلطات الروسية من أجل إثبات تفوق الفكر الشيوعي في وجه الغرب".

اقرأ أيضاً: جوليان أسانج.. قرصنة اللعب مع الكبار

ويرى كاسباروف أنّ هذه النظرة الروسية إلى الشطرنج، تسببت بخسارة منتخب الاتحاد السوفييتي في عام 1972، بعد أن انتهت 21 مباراة بين فيشر وسباسكي، بفوز فيشر أخيراً. وفي ذلك الوقت، أصبح فيشر، الرجل الذي هزم وحده، بذكائه الحادّ وتفرده، الأيديولوجيا الشيوعية، وقامت وسائل الإعلام الأمريكية بنقل مبارياته مباشرةً من آيسلندا، حيث عقدت مباريات بطولة العالم، وصوّر الأمريكيون أنّ حرباً أيديولوجيةً جرت في آيسلندا، وانتهت بتحقيق فوزٍ يمثل (الفردية الأمريكية) في مواجهة الشيوعية. لكن بوبي فيشر، البطل الحادي عشر ضمن سلسلة أعظم لاعبي الشطرنج في التاريخ، خيّب ظنهم فيما بعد، وأثبت عداءه لأي شيء يتعلق بالأيديولوجيا الأمريكية والروسية على حدٍ سواء.

فيشر ضد سباسكي في عام 1972

العبقرية تلتهمها السياسة

ربما لم ينتبه الكثيرون، عام 1972، إلى أنّ فيشر طلب علناً رفع مقدار الجائزة المالية عن بطولة العالم للشطرنج من أجل أنْ يقبل اللعب فيها، ولم يكن يعنيه مباشرةً، بحسب التحقيق المذكور سابقاً، "أنْ يلعب من أجل الحرب الباردة وانتصاراتها الوهمية وغير الوهمية، التي كانت تذاع بين حينٍ وآخر بين أكبر قوتين عظميين في حينه".

ثار فيشر ضد سياسات بلاده وضد الصهيونية وصار يلقب بالمعتوه والخائن بعد أن كان بطل أمريكا الأوحد ذات يوم

وبالفعل، لعب فيشر بعد رفع قيمة الجائزة من 125 ألف دولار، إلى 250 ألف دولار. لكنه لم يتوقف عند هذا الحد، ففرديته وإيمانه باستقلالية عبقريته عن السياسة، لم تفلح طويلاً، حيث خاض غمار السياسة بالفعل، وبطريقة غامضة.
والغموض، بدأ حين اختفى سباسكي عن رقعة الشطرنج مدة عشرين عاماً بعد كسبه لبطولة العالم. وقد تغيرت حياته فيها، فعاش متنقلاً في أمريكا بين بيوت أصدقائه من محترفي الشطرنج، وتعرض ذات مرة لاعتقالٍ بالخطأ على يد الشرطة المحلية كمشتبهٍ به بسبب تجوله في منطقةٍ حصلت فيها عملية سرقة، ما أثار غضبه، وقام بنشر مقالٍ مطول "رأى فيه أنّ عملية اعتقاله كانت مدبّرة". بحسب تقريرٍ موسعٍ عن فيشر، قامت مجلة "SCROLL IN" بنشره عام 2015.

اقرأ أيضاً: بروس لي: فلسفة أسطورة مقاتل
وتضيف المجلة كذلك، أنّ الجانب السياسي من شخصية فيشر، بدأ بعد خروجه "من غموضه وعزلته في عام 1992، حين قرر هو واللاعب الروسي سباسكي عقد مباراةٍ عالمية ضد بعضهما البعض في يوغوسلافيا، وهو ما يمثل تحدياً للسلطات الأمريكية التي كانت قد فرضت حظراً اقتصادياً وسياسياً على يوغوسلافيا". وبالطبع‘، كسب فيشر ضد سباسكي من جديد، وعزز صورته كأسطورةٍ عالمية في الشطرنج، لكنّ ذلك لم يعفه من الاعتقال الذي كان ينتظره في أمريكا بسبب خرقه للحظر.

بوبي فيشر في إحدى البطولات عام 1960

لكنّ فيشر اختفى من يوغوسلافيا، ووفقاً للمجلة، فإنه ظهر بعد أشهرٍ عديدة في آيسلندا كلاجئ، بعد أنْ قبضت عليه السلطات اليابانية وهو يحاول الهروب إلى الفيلبين!، وكان قد خاض رحلاته هذه خلال الأشهر التي اختفى فيها، ولكن، بقيت "تصريحاته المعادية للسامية والصهيونية وبلده أمريكا" تدقّ أسماع المسؤولين الأمريكيين، الذين سئموا من سخريته اللاذعة منهم.

عُرف عن فيشر أنه لم ينضم إلى أي تجمعٍ  سياسيٍ أو جماعةٍ أو حزب وبقي معارضاً  لسياسات بلاده حتى وفاته في 2008

وبعد الفلبين، انتقل فيشر للعيش نهائياً في هنغاريا، وكان تقرير نشر في نهاية عام 2011 على صحيفة "ديلي تيليغراف" أكد "فرحة" فيشر بالهجمات التي تعرضت إليها بلاده في 11 أيلول (سبتمبر) عام 2001، كما أنه تحدّث خلال لقائه مع الإذاعة الفلبينية التي استضافته في مقابلةٍ آنذاك عن وجود "مؤامرة صهيونية عالمية يجب الوقوف ضدها".
وعموماً، عُرف عن فيشر أنه لم ينضم إلى أي تجمعٍ  سياسيٍ أو جماعةٍ أو حزب، وبقي معارضاً  لسياسات بلاده لأسباب تعد شخصية، حتى وفاته، عام 2008. وفي رصيده ألقاب عديدة تثير تناقضاتها السخرية، فقد أسماه الأمريكيون البطل، والمقاتل، والعبقري، والمعتوه، والخائن، وهو الذي يملك في رصيده مجموعةً من أكبر الانتصارات ضد أعظم لاعبي الشطرنج في القرن العشرين.

اقرأ أيضاً: عشماوي .. ضابط الصاعقة في وحل التكفير

فيشر، أحد الأمثلة على الصراع المؤدلج في حقبة الحرب الباردة، وقدرة هذا الصراع الكبيرة على إفراغ الأشخاص من إنسانيتهم ومحاولة جعلهم أدواتٍ في خدمته، وهو كذلك، آخر لاعبٍ غامضٍ سياسياً في هذه اللعبة، وآخر من لقن كلاً من القوتين العظميين المتصارعتين، درساً لن تنسياه في العبقرية والتفرد البشريين.

اقرأ المزيد...

الوسوم: