"بوعزيزي" جديد يعيد سيناريو 2011 إلى تونس

926
عدد القراءات

2019-01-08

أعادت موجة الاحتجاجات الغاضبة، التي تعيشها تونس في عدة محافظات، للأذهان وقائع الثورة التونسية في أيّامها الأولى، بعد عملية انتحار الصحفي عبد الرزاق الزُرقي حرقاً، احتجاجاً على البطالة، والأوضاع الاجتماعية المتردية، وهي نفس الطريقة التي أشعل بها محمد البوعزيزي (ملهم الثورة التونسية) نفسه والتي أدّت إلى إسقاط حكم الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي، وهروبه إلى المملكة العربية السعودية يوم 14 كانون الثاني (يناير) 2011.

اقرأ أيضاً: في ذكرى البوعزيزي: كيف تحوّل الربيع إلى حريق مدمّر؟

وخلّفت وفاة المصور الصحفي الذي أحرق نفسه بمحافظة القصرين (وسط غربي تونس)، القريبة من محافظة سيدي بوزيد، حيث انطلقت ثورة تونس، حالةً من الصدمة الممزوجة بالغضب في صفوف الصحفيين، وشباب مدينته، الذين أججوا الشارع، وأشعلوا الإطارات المطاطية، تعبيراً عن غضبهم، ووقعت اشتباكات عنيفة بين المحتجين والأمن التونسي.

وقرّرت نقابة الصحفيين التونسيين، تنفيذ إضراب عام اختارت له تاريخ إحياء تونس لذكرى الثورة يوم 14 من الشهر الجاري، وندّدت في بيان بحادثة انتحار المصوّر الصحفي نتيجة لظروف اجتماعية قاسية، وانسداد الأفق، وانعدام الأمل، وهي حالة تنسحب على أغلب الصحفيين التونسيين.

المصور الصحفي عبدالرزاق الزرقي

كما أعلنت مجموعة من الشباب يوم 25 الماضي حملة "باستا يزيكم" (يكفي)، ساندهم فيها الصحفيون، من أجل الاحتجاج ضد غلاء المعيشة، والتهاب الأسعار، وتدهور قيمة الدينار، وتفاقم ظاهرة البطالة، فضلاً عن ارتفاع نسبة مديونية تونس للجهات الخارجية.

وكُتبت عبارة "باستا يزيكم"، وهو مصطلح إيطالي يستعمله التونسيون في لهجتهم العامية، على أسوار كل الشوارع التونسية، وبعض مؤسسات الدولة كالبرلمان، ويعتبر القائمون عليها، أن "النمط الاقتصادي والاجتماعي السائد في تونس لا يخدم سوى مصالح أقلية تستفيد من الدولة وتتحكم في مفاصلها الأساسية.

النقابي عبد الحليم حمدي: الوضع الاجتماعي في تونس محتقن بطبعه وعلى أشدّه وقابل للانفجار في أيّ لحظة

وانتشرت التحركات الاحتجاجية على إثر ذلك، وعمّت أغلب مدن الوسط التونسي، للمطالبة بالتشغيل والتنمية، والعدالة الاجتماعية بين مختلف محافظات تونس، وفق ما ينصّ عليه دستورها الجديد، حيث أقدم أحد المحتجين في مدينة جبناينة التابعة لمحافظة صفاقس، جنوبي تونس، على إحراق نفسه، فيما تم إنقاذه من الموت، ونقله بسرعة إلى أقرب مشفى.

وشهد مرور ثماني سنوات منذ تاريخ إطاحة نظام تونس السابق، أحداثاً حارقةً، ومثيرةً، تجدّد خلالها سيناريو، رفع شعارات، متطابقة تدعو جميعها إلى التشغيل، وإعطاء المناطق الداخلية حقّها من التنمية، كباقي المناطق الساحليّة، والأخرى القريبة من العاصمة، ودعت في عدّة مناسبات إلى إسقاط الحكومات المتتالية (تسع حكومات منذ الثورة)، لعجزها عن الاستجابة للمطالب التي رفعها الشباب خلال أحداث الثورة.

انتفاضةً جديدةَ

وينذر شتاء تونس، الذي تحيي فيه البلد ذكرى الثورة، بأحداث ساخنة قد تحرّك رياح ثورة ثانية، تصحّح مسار الأولى، ويُتوقع أن يشهد المشهد السياسي تقلبات، قد تغير موازين المعادلة السياسية التي تقودها حالياً حركة النهضة الإسلامية (في الحكم)، والتي تُوجه لها أصابع الاتهام بإجهاض المسار الانتقالي في تونس، من خلال إغلاق الانتداب في الوظيفة العمومية، للعام الثالث على التوالي، والترفيع في أسعار المواد الأساسية، وتفقير الشعب.

اقرأ أيضاً: السبسي يتحدث عن تونس 2019.. ماذا قال؟ 

ويقول في هذا الشأن، المحلّل السياسي محمد بوعود في تصريحه لـ"حفريات"، إنّ الاحتجاجات مازالت متوزعة جغرافياً، وبداياتها غير معروفة، رغم توحّد شعاراتها، حول الحريّة، والكرامة، والتشغيل، وضدّ غلاء الأسعار، والضغط الاجتماعي، والاقتصادي.

ويضيف محمد بوعود أنّ هذه التحرّكات، وإن لم تأخذ بعد طابع تحركات 17 كانون الأول (ديسمبر) 2010- 14 كانون الثاني (يناير) 2011، فإنّ إشعال النار في جسد المصور الصحفي عبد الرزاق الزرقي قد يكون استنساخاً لإشعال الثورة من جسد محمد البوعزيزي.

الاحتجاجات في تونس

المحلل السياسي يعتقد أيضاً أنّ ما دعت إليه المجموعات الشبابية منذ سنوات بدأ ينحصر تأثيرها في الأيام القليلة الماضية، مثل حملة السترات الحمراء (حركة شبابية تحتج ضدّ ارتفاع الأسعار، وتطالب بإسقاط الحكومة)، التي بادرت الحكومة، وأنصارها بتشويهها، وشيطنة المحتجين، واختلاق سيناريو المؤامرة، فضلاً عن التلميح لارتباطها بقوى أجنبيةٍ وبرئيس الجمهورية نفسه.

تململ اجتماعي

وتبدو الأعباء الاجتماعية، والاقتصادية أكبر بكثير من الحكومة، حيث  تمثل البطالة، والفقر، والتفاوت الطبقي عوامل تفجير دائمة، خاصة في محافظات سيدي بوزيد، والقصرين، وقفصة، والقيروان، وهي المحافظات الأكثر فقراً في تونس.

ويرى الناطق باسم الحركات الاجتماعية في تونس عبد الحليم حمدي في تصريحه لـ"حفريات"، أنّ الاحتجاجات التي انطلقت من سيدي بوزيد، والقصرين، وانتشرت لباقي المدن التونسية، كانت متوقعةً منذ السنة الماضية، بسبب الإجحاف الذي تضمّنه قانون موازنة 2018، بإيقاف الانتداب في الوظيفة العمومية، والترفيع في أسعار بعض المواد، غير أن الحكومة نجحت في إفشال كلّ التحركات ضدّها.

أسامة الصغير: من حقّ شباب الولايات الدفاع عن مطالبهم المشروعة، ولكن يجب ألا تتجاوز الاحتجاجات النضال السلمي

ويعتبر حمدي أنّ الوضع الاجتماعي في تونس محتقن بطبعه، وعلى أشدّه، وقابل للانفجار في أيّ لحظة، بسبب تراجع مؤشّرات التنمية، وتراجع الاقتصاد التونسي إلى أدنى مستوياته، فضلاً عن غلاء الأسعار، وتراجع مستوى معيشة التونسيين، وهو ما أدّى إلى تآكل الطبقة الوسطى، وتراجعها إلى الطبقات الفقيرة.

ووصف الناطق باسم الحركات الاجتماعية، الصحفيَ الذي أحرق نفسه في محافظة القصرين، بـ"القادح للاحتقان الذي تعيشه تونس منذ فترةٍ، خاصّةً أنه كان يغطي تحركات العاطلين عن العمل"، مرجحاً أن تتواصل الاحتجاجات، ولن تتوقف إلاّ بإصلاح المسار الثوري.

من جهة أخرى، يواصل الاتحاد العام التونسي للشغل (أكبر منظمة نقابية في تونس)، الذي نفّذ مؤخراً إضراباً عاماً في قطاع الوظيفة العمومية، التهديد بتنفيذ إضراب عام شامل، إن لم تستجب الحكومة لحزمة من المطالب الاجتماعية، هذا إلى جانب إقرار الجامعة العامة للتعليم الثانوي يوم 17 الجاري كموعد لشن إضراب عام قطاعي تحت عنوان "السترات البيضاء".

اقرأ أيضاً: الحبيب بو رقيبة: عرّاب تغيير الفكر في تونس

واعتبر لسعد اليعقوبي، كاتب عام الجامعة العامة للتعليم الثانوي التابعة للاتحاد العام التونسي للشغل، في تصريح لـ"حفريات"، أنّ التحرّكات الاحتجاجية التي تشهدها مختلف مدن تونس، نتيجةً طبيعية للخيارات الحكومية الفاشلة، وانسداد الأفق أمام الشباب، فضلاً عن تردّي الوضع الاجتماعي البائس.

الاحتجاجات في محافظة القصرين

وشدّد على أنّ النقابيين التابعين لاتحاد الشغل سيدعمون كلّ التحرّكات المطالبة بالحقوق والحريات، وخاصّةً الحق في عيش كريم، معتبراً أنّها "ستشكّل ضغطاً لتغيير السياسات الحكومية، أو تغيير الحكومة."

مقاربة تنموية

وبالرغم من أنّ الثورة التونسية حققت عديد المكاسب على مستوى العملية السياسية، حيث نجحت في التداول على السلطة، وكسرت القيود التي كانت مفروضةً على حرية التعبير، غير أنّها لم تنتصر لصوت الجياع والفقراء، ولم تحقق مطالب التنمية، والتوزيع العادل للثروات، خاصةً بعد فشل  القائمين على الحكم منذ 14 كانون الثاني (يناير) 2011، في إرساء مقاربة تنموية تحقق تطلعات المناطق التي عانت طويلاً من سياسة الإقصاء، والتهميش.

المحلل محمد بوعود: إشعال النار في جسد الصحفي عبد الرزاق الزرقي قد يكون استنساخاً لإشعال الثورة من جسد البوعزيزي

ويذهب السياسيون في تونس إلى ضرورة تعديل المسار الثوري الذي فشل في توفير فرص العمل لآلاف المعطلين عن العمل، وهو ما أشار إليه منجي الحرباوي، الناطق باسم حزب نداء تونس، الذي انضمّ حديثاً إلى المعارضة، بعد تولّيه الحكم منذ 2014، إذ أكّد أنّ ما تشهده تونس، من تحرّكات احتجاجية منذ 2010 إلى اليوم، يدل على أنّ الثورة لم تكتمل أهدافها بعد، أهمّها تلك المتعلّقة بالكرامة، والعدالة الاجتماعية بين محافظات تونس ومواطنيها.

ونوه في تصريحه لـ"حفريات"، إلى أنّ سكان المناطق التي شهدت الانتفاضات الأولى مازالت بانتظار تحقيق قدر من التنمية، وتوفير فرص العمل، وتطوير البنية التحتية، واعتبر حادثة انتحار الصحفي عبد الرزاق الزرقي "رسالةٌ قويّةٌ، قد تكون بداية ثورةٍ جديدةٍ، تحقّق ما تغاضت عنه ثورة 2011"، لافتاً إلى أنّ حزبه سيدعم كل من يحتجّ من أجل الدفاع عن حقّه.

في مقابل ذلك، يؤكد أسامة الصغير، النائب عن حركة النهضة الإسلامية (في الحكم)، أن من حقّ شباب الولايات الدفاع عن مطالبهم المشروعة، ولكن يجب ألا تتجاوز الاحتجاجات النضال السلمي وفق ما ينص عليه الدستور، معتبراً أنّ "الوضع الأمني لا يحتمل موجة من الاحتجاجات العنيفة والتي يمكن أن تستغلها الجماعات الإرهابية".

الاحتجاجات في سيدي بوزيد

وأضاف في تصريح لـ "حفريات"، أنّ "النزول ليلاً للشارع، من أجل الاحتجاج، يشوبه الكثير من الغموض، وعدم الوضوح، كما أنّه يعرّض المحتجين إلى للاختراق، من أصحاب النيّة السيئة".

واستبعد الصغير أن تكون تونس على أبواب ثورةٍ جديدةٍ؛ لأن ثورة 2011 أتاحت للتونسيين حق التظاهر، والاحتجاج، والتعبير عن الرأي بكلّ حريّةٍ، داعياً كافّة الأحزاب والسياسيين إلى "ضرورة الإنصات للمحتجين، والتواصل معهم، ومصارحتهم بحقيقة الوضع الاقتصادي".اغىتعب

اقرأ المزيد...
الوسوم:



هكذا تنتهك إسرائيل الحقوق الرقمية للفلسطينيين

2019-07-22

تتواصل الانتهاكات الرقمية الإسرائيلية بحقّ الموطنين الفلسطينيين في الضفة الغربية والداخل المحتل، منذ إنشاء وحدة "السايبر" الإسرائيلية، عام 2015، وذلك باعتقال أجهزة الاستخبارات الصهيونية عدداً من الصحفيين والنشطاء الفلسطينيين بتهمة التحريض على مواقع التواصل الاجتماعي ضدّ السياسات الإسرائيلية، لتقوم هذه الوحدة بقرصنة حواسب وهواتف الفلسطينيين، ومراقبة منصات التواصل الاجتماعي، وإزالة المحتويات التي يتمّ نشرها على الشبكة العنكبوتية، لمجرد تعبيرهم عن آرائهم ومعتقداتهم وأفكارهم، في صورة واضحة تبيّن مدى عنصرية الاحتلال الإسرائيلي في تقييد حرية الرأي والتعبير التي كفلتها المواثيق الدولية.

عام 2018 سُجل قرابة 500 انتهاك تعرّض له المحتوى الرقمي الفلسطيني ما بين حظر حسابات وحذف محتوى وإغلاق صفحات

ووفق تقرير صادر عن مؤسسة "الضمير" لحقوق الإنسان، خلال عام 2018، اعتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي 350 فلسطينياً في الضفة الغربية والقدس الشرقية، بتهمة التحريض على منصات التواصل الاجتماعي ضدّ إسرائيل، وهي جريمة إسرائيلية قد تصل عقوبتها للسجن لمدة تصل إلى 10 أعوام، بحسب المادتين (251) و(199)، لعام 1961، من القانون العسكري الصهيوني.
وأصدر الكنيست الإسرائيلي، عام 2017، قانون "فيس بوك بيل"، الذي يسمح للمحاكم الإسرائيلية بإغلاق مواقع إلكترونية تنشر مضامين تحريضية، وتدعم الإرهاب والعنف دون سابق إنذار.

اقرأ أيضاً: طريق الحجاج: محاولة إسرائيلية بائسة لخلق تاريخ مزيف لليهود

واعتمد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قراره الأول، في تشرين الثاني (أكتوبر) 2009، الذي ينصّ على "أهمية ممارسة الحقّ في حرية الرأي والتعبير، وتعزيزه وحمايته، في وسائل الإعلام بجميع أشكالها". كما دعا القرار الدول إلى "إتاحة المجال للولوج إلى المعلومات وتكنولوجيا الاتصالات واستعمالها، كشبكة الإنترنت".

اعتقلت أجهزة الاستخبارات الصهيونية عدداً من الصحفيين والنشطاء الفلسطينيين بتهمة التحريض

تحقيق أهداف سياسية
مدير مركز "شعاع" للإعلام الاجتماعي، يوسف النادي، يقول: "هناك تزايد إسرائيلي واضح لقمع حرية الرأي والتعبير بشكل غير قانوني، من خلال توسعها في عمليات التجسس على الحيز الرقمي للفلسطينيين، مع وجود أكثر من 29 شركة متخصصة في المراقبة والتجسس في إسرائيل، أمثال شركة "بلاك كوب"، و"إن إس أو"، وغيرهما، التي تهدف لمحاربة النشطاء الفلسطينيين، وتحسين صورة الاحتلال الإسرائيلي عالمياً، وجمع التبرعات الخارجية، وتشويه حقوق الشعب الفلسطيني العادلة؛ حيث خصصت الحكومة الصهيونية أكثر من 123 مليون دولار أمريكي لدعم هذه الشركات للقيام بمهامها".

اقرأ أيضاً: هل تكون الخلايا الضوئية في فلسطين بديلاً عن كهرباء إسرائيل؟
ويشير النادي في حديثه لـ "حفريات" إلى أنّ "شركات التكنولوجيا العالمية (فيسبوك، وتويتر، ويوتيوب، وغوغل) تتواطأ مع الاحتلال الإسرائيلي للسماح لوحدة "السايبر" الإسرائيلية بمراقبة المحتوى الرقمي الفلسطيني، بعد أن قامت بالاستجابة لأكثر من 98% من طلبات الاحتلال بإزالة منشورات ترى إسرائيل أنّها تحريضية، وتؤثر في الأمن القومي الصهيوني، وذلك في التفاف واضح على اتفاقيات حقوق الإنسان العالمية، التي كفلت الحقوق الرقمية لجميع السكان حول العالم، وتجاهلتها هذه الشركات لتحقيق أهداف سياسية تتماشى مع المصالح الصهيونية في المنطقة".

اقرأ أيضاً: إسرائيل تستغل الأراضي الفلسطينية لزراعة مخدر القنب الهندي
وأدت سيطرة الاحتلال الإسرائيلي على قطاع تكنولوجيا المعلومات الفلسطيني إلى "عدم وجود شركات فلسطينية مستقلة ومتطورة، وبقيت هذه الشركات معتمدة على الشركات الإسرائيلية، التي تعمل جاهدة لعدم تزويدها بالخدمات التكنولوجية الحديثة، كخدمات الجيل الثالث والرابع، وفرض فجوة رقمية فيها، لتصبح هذه الشركات تابعة بشكل تام للشركات الصهيونية تتحكم فيها وتسيطر عليها وتعيق تنميتها وتطورها".
النادي: فيسبوك على وجه الخصوص لا يقوم بإزالة المحتويات الصهيونية المناهضة للشعب الفلسطيني

تواطؤ فيسبوك مع إسرائيل
واستدرك النادي بأنّ "شركة فيسبوك على وجه الخصوص لا تقوم بإزالة المحتويات الصهيونية المناهضة للشعب الفلسطيني، بينما تقوم بحذف المضامين الفلسطينية المنددة بالسياسات الإسرائيلية وممارسات المستوطنين العنصرية، الذين تصنفهم الشركة بأنّهم مجموعات محمية، مما أدى لقيام فيسبوك بمراقبة صفحات الصحفيين والنشطاء الفلسطينيين، وإغلاق عدد منها، كما تسعى الوحدة الاستخباراتية (8200) الصهيونية، وجهاز الشاباك الإسرائيلي إلى فتح وإنشاء صفحات وهمية على منصات التواصل الاجتماعي، لتشويه صورة الفلسطينيين وتزييف الحقائق، وإسقاط عدد من الفلسطينيين في وحل العمالة لصالح الاحتلال الإسرائيلي".

خبير في أمن المعلومات: منشور تحريضي إسرائيلي ضدّ الفلسطينيين على شبكات التواصل كلّ 70 ثانية من أجهزة الاستخبارات

ويبين النادي أنّ "فيسبوك تخشى قيام دولة الاحتلال برفع دعاوى قضائية ضدّها، مع وجود مكتب تمثيلي للشركة في تل أبيب، وهو ما يجعلها قريبة ومتأثرة بصنّاع القرار الإسرائيليين، إضافة إلى استفادة شركة فيسبوك من التقدم التقني الإسرائيلي في مجال تكنولوجيا المعلومات؛ حيث تجاوزت صادرات الاحتلال من التكنولوجيا الرقمية إلى عدد من دول العالم صادراتها من المعدات العسكرية والحربية، وهي قواعد تفضح دعم فيسبوك وتعاونها مع الأجهزة الأمنية والاستخباراتية في إسرائيل، من خلال دعمها للاحتلال والسماح له بمراقبة محتوى الفلسطينيين رقمياً".

اقرأ أيضاً: إسرائيل تُغرق فلسطينيي 48 في مستنقع العنف والجرائم

ودعا النادي إلى "ضرورة الضغط الرسمي والشعبي على الاحتلال الإسرائيلي، وشركات وسائل التواصل العالمية، لاحترام الحقوق الرقمية للشعب الفلسطيني، وتجنّب انحيازها لطرف على حساب الآخر، وأن تضغط السلطة الفلسطينية دولياً لإلزام إسرائيل بتنفيذ الاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي تحترم حقوق الإنسان وحرية الرأي التعبير، والبعد عن التحريض ضدّ الشعب الفلسطيني".
تجنيد عدة وحدات بداخل الجيش الإسرائيلي لمراقبة منصات التواصل الاجتماعي الفلسطينية

منشور تحريضي كلّ 70 ثانية
الباحث والخبير في مجال أمن المعلومات، أمين الجيوسي، أبلغ "حفريات" بأنّ "سلطات الاحتلال الإسرائيلي عمدت خلال الأعوام الماضية إلى تجنيد عدة وحدات بداخل الجيش لمراقبة منصات التواصل الاجتماعي الفلسطينية، كالوحدتين  (8200) و (504)، وهما اللتان تقومان بالتغلغل داخل المجتمعات العربية، لا الفلسطينية فقط، ويتحدث أفرادها اللغة العربية بطلاقة، كما لدى هاتين الوحدتين القدرة الكبيرة على التعامل مع جميع الوسائل التكنولوجية، ومراقبة جميع ما ينشر في وسائل التواصل الاجتماعي، وتتبّع أصحابها، وجمع البيانات والمعلومات عنهم، لاعتقالهم أو الإيقاع بهم في شباك العمالة مع الاحتلال الإسرائيلي".

اقرأ أيضاً: السياحة الاستيطانية: شركات عالمية تتواطأ مع إسرائيل للسطو على التاريخ الفلسطيني

ويشير إلى أنّ "السلطات الإسرائيلية تستخدم مصطلح التحريض للقبض على النشطاء والمواطنين الفلسطينيين، وزجّهم داخل المعتقلات في الضفة الغربية ومدينة القدس المحتلة، من خلال سيطرة الاحتلال على جميع وسائل التواصل الاجتماعي وأجهزة الاتصال المختلفة، إضافة إلى اختراق الهواتف الخلوية والأجهزة اللوحية وصفحات البريد الإلكتروني، والتجسّس على أصحابها، والاستيلاء على معلوماتهم وبياناتهم، حتى إن كانوا يحملون أسماء وهمية".

اقرأ أيضاً: ماذا يعني تهديد السلطة الفلسطينية بالخروج من بروتوكول باريس؟
يقول الجيوسي "هناك منشور تحريضي إسرائيلي ضدّ الفلسطينيين على شبكات التواصل الاجتماعي، كلّ 70 ثانية، من أجهزة الاستخبارات الصهيونية، ووحدة "السايبر" بالجيش الإسرائيلي، بالتعاون مع بعض المؤسسات الأكاديمية، من خلال تجنيد الأجهزة الاستخباراتية الصهيونية لعدد من طلبة الجامعات الإسرائيليين، ودفعهم للترويج للرواية الصهيونية على منصات التواصل الاجتماعي، والتحريض على الفلسطينيين؛ من خلال رصدهم لكلمات مفتاحية عليها، (مثل: شهيد، أو انتفاضة، وغيرهما)، لمراقبة الفلسطينيين وتعقب محادثاتهم، مستفيدين من تواطؤ شركات التواصل العالمية مع الاحتلال لتنفيذ سياساته العنصرية، وإزالة المنشورات المناهضة لدولة إسرائيل".

500 انتهاك للمحتوى الرقمي الفلسطيني

وبحسب إحصائية صادرة عن مركز "صدى سوشال"، المتخصّص في مجال مواقع التواصل الاجتماعي، عام 2018؛ فقد تمّ تسجيل قرابة 500 انتهاك تعرّض لها المحتوى الرقمي الفلسطيني، وتوزعت الانتهاكات بين حظر حسابات، وحذف محتوى، وإغلاق صفحات، وكان للصحفيين النصيب الأكبر من هذه الانتهاكات، والتي تركزت في موقع فيسبوك أكثر من باقي المواقع والمنصات.
وأشارت الإحصائية إلى أنّه لا توجد جهات رسمية فلسطينية للدفاع عن المحتوى الفلسطيني الرقمي، إضافة إلى عدم وجود اهتمام كافٍ من قبل المؤسسات الأهلية الفلسطينية بهذا الجانب، في الوقت الذي أفرزت فيه الحكومة الإسرائيلية لجنة وزارية لمتابعة التواصل مع منصات الإعلام الاجتماعي.

اقرأ أيضاً: مقابر الأرقام.. هل قدر الفلسطينيين السجن حتى بعد الموت؟

وعن تفاصيل الانتهاكات التي تعرض لها المحتوى الفلسطيني عبر منصات التواصل الاجتماعي، بينت الإحصائية أنّها توزعت على النحو الآتي: "موقع فيسبوك 370 انتهاكاً، يليه موقع يوتيوب 45، وتويتر 60، والأنستغرام 30"، ليكون المجموع قرابة 500 انتهاك ضدّ المحتوى الفلسطيني عبر الشبكة العنكبوتية، وخلال العامين الأخيرين تمّ رصد قرابة 800 حالة اعتقال من قبل قوات الاحتلال للفلسطينيين.

للمشاركة:

الصحفية الصومالية هودون ناليي تكتب بدمائها سيرة الأمل وتتحدى الإرهاب

2019-07-22

تهدأ الأوضاع الأمنية في الصومال برهة، يأمل خلالها الناس أن تطوي خلفها صفحة من الأحداث العنيفة التي عاشوها طيلة الأعوام الماضية، لكن سرعان ما تخبو الآمال، وتتبدّد مع تجدّد الأنباء عن هجمات جديدة تخطف أرواحاً بريئة.

اقرأ أيضاً: أين ذهبت تجربة الصومال بالمساواة بين الجنسين؟
آخر فصول حلقات تلك الهجمات المفجعة حدث يوم الجمعة الماضي، حين اقتحم مسلحون من "حركة الشباب" فندق "عَسْعَسِي" في مدينة كيسمايو الساحلية في جنوب الصومال، وقتلوا الصحفية الصومالية المشهورة هودون ناليي، البالغة من العمر 43 عاماً، هي وزوجها، فريد جمعالي، والصحفي محمد عمر سغال، وعشرات الأشخاص الآخرين، في هجوم تبنّته الحركة.

اقرأ أيضاً: نواب صوماليون يرفضون خرق فرماجو للدستور
وتعيد هذه الأخبار لأذهان الصوماليين، المنهكين أصلاً بين متاهات تأمين لقمة العيش، ومستلزمات الحياة الكريمة، مشاهد الهجمات التي تبنتها الحركة الإرهابية طوال العقد الماضي، وضربت أمن البلاد واقتصادها، وراح ضحيتها العشرات من الصحفيين وعددٌ لا يُحصى من المدنيين.

هي شخصية مشهورة من بين الجاليات الصومالية في أنحاء العالم

سرد الصومال المختلف
تمثّل هودون ناليي، التي خطفتها يد الإرهاب، نموذجاً خلاقاً للصحفيين الجدد، وهي شخصية مشهورة من بين الجاليات الصومالية في أنحاء العالم.
ولدت في الصومال، عام 1976، وقضت معظم حياتها في تورونتو وألبرتا، قبل أن تعود إلى الصومال في وقتٍ سابق من هذا العام؛ لنقل قصصٍ إيجابية عن شعبها.

عملت هودون على إبراز الجانب الايجابي من بلادها حيث يوجد الناس العاديون الذين يكافحون ببسالة من أجل حياتهم اليومية

جعلت ناليي مهمتها الإعلامية؛ إظهار الجانب غير المرئي من بلدها؛ ففي حين تركّز معظم التغطيات الإعلامية عن الصومال على مشاهد الحرب الأهلية والتشدد الديني والفقر المدقع ومتعلقات الحرب من كوارث شتّى، حتى صار الخراب والموت مفردات تلازم المتلقّي عند السماع عن الصومال، عملت هودون على إبراز الجانب الإيجابي من بلادها؛ حيث يوجد الناس العاديون الذين يكافحون ببسالة من أجل حياتهم اليومية.
فمن الجاليات الصومالية المنتشرة في أصقاع العالم، إلى البدو الرحل في جميع أقطار الصومال الكبير، جابت كاميرا الصحفية هودون ناليي بابتسامتها العريضة، وروحها المفعمة بالأمل، لتسرد قصص الصوماليين أينما كانوا، وقدمت رواية مختلفة عنهم، وشكلت في تجربتها الإعلامية تحدياً لا تخطئه العين لمسار الإعلام الغربي الأحادي الجانب عن القارة الأفريقية، والمثقل بمشاهد اليأس والموت، خاصة عن الصومال الذي تحدّده قوالب الصور النمطية في أذهان الكثيرين.

اقرأ أيضاً: إعدام جماعي وانفجارات.. هذا ما يشهده الصومال
أطلقت عام 2014، قناتها المشهورة على اليوتيوب، والتي تحمل اسم "Integration TV"، لتتحول في غضون وقتٍ قصير الى المنصة الإعلامية الأولى الناطقة بالإنجليزية، والمختصة بالشؤون الصومالية؛ وهي أول منصة إعلامية صومالية يتم إنتاجها بشكل احترافي في الفضاء الرقمي.

اقرأ أيضاً: الصومال يغلي: لماذا يربط الرئيس فرماجو مصالح بلاده بأجندات خارجية؟
سافرت ناليي عبر المدن والبلدات المختلفة في بلادها، كما جابت أنحاء كثيرة من أفريقيا وفي أمريكا الشمالية وكندا، لتوثيق ونشر قصص رواد الأعمال الصوماليين والكتّاب والفنانين والناشطين وغيرهم، وفي كلّ مكان قامت بزيارته؛ عملت ناليي على سرد الصومال المختلف، الذي لا يرويه الإعلام العالمي عادةً.

أطلقت ناليي عام 2014 قناتها المشهورة على اليوتيوب والتي تحمل اسم "Integration TV"

صوت الشتات الصومالي
تنتشر الجاليات الصومالية في جميع أصقاع العالم؛ ففي الوقت الذي اندلعت فيه الحرب الأهلية قبل ثلاثة عقود، فرّ الصوماليون إلى كلّ جهات العالم، وأنشأ العديد منهم حياة جديدة في منافيهم الجديدة؛ حيث وصلوا إلى أوروبا، وأمريكا الشمالية، وأستراليا وحتى نيوزيلاند شرقاً، لكنّ جميع هذه المجتمعات مترابطة، بفعل الروابط العشائرية القوية في المجتمع الصومالي.

اقرأ أيضاً: فشل مؤتمر "غروي" ما يزال يخيّم على الأجواء في الصومال.. لماذا؟
وفي ظلّ غياب منافذ إعلامية مهنية تنتج صحافة عالية الجودة باللغة الإنجليزية لصالح الصوماليين، حاولت ناليي بمفردها أن تكوّن بيتاً إعلامياً يلبّي حاجات الجاليات الصومالية الناطقة بالإنجليزية، وعملت من خلال لغتها الإنجليزية الكندية ولغتها الصومالية، غير المثالية في بعض الأحيان، على ربط مجتمعات الشتات الصومالية وتلك الموجودة في القرن الإفريقي وشرق إفريقيا.
كما أدركت ناليي الحاجة الماسة إلى نشر مواد إعلامية ملهمة لمجتمع شتّته الحرب، وأثقلته متاهات الصراع؛ وبداهة كان الصوماليون في أشدّ الحاجة إلى إعلامٍ مختلف، يظهر لهم جانباً آخر من بلدهم لا يجدونه عادة في مكانٍ آخر.
تقول في أحد مقاطعها المتلفزة: إنّها كانت تحلم منذ طفولتها بالعمل لدى شبكة "سي إن إن"، وهو أمرٌ تنازلت عنه بعد أن لم تتمكن من العثور على وظيفة في الشبكة، لكنّها بدلاً من ذلك؛ وجدت طريقها إلى مخيم للاجئين الصوماليين في كينيا لتغطية أخبارهم: "لم أكن في حاجة إلى" سي إن إن"، أو أيّة شبكة أخرى، لأصبح صوتاً لمجتمعي؛ أدركت كيف أكوّن صوتي الخاص، ولم أعد في حاجة إلى أيّة جهةٍ أخرى لتوظيفي".

اقرأ أيضاً: ما دوافع الأزمة الدبلوماسية بين الصومال وكينيا؟
وقد استلهمت قرار إطلاق قناتها الإعلامية الخاصة، عام 2014، بعد أن أصبحت أمّاً لطفلينْ.
وذكرت لبرنامج إذاعي صومالي؛ أنّها، كشخص نشأ في كندا، لم تُتح لها الفرصة لمعرفة الكثير عن الصومال، وقالت لنفسها إنّه قد يكون هناك المزيد من الأشخاص مثلها الذين لا يعرفون أيضاً عن بلدهم الأم، وأردفت: "آمل عندما يكبر أطفالي ويذهبون إلى الجامعة أن يتمكنوا من القول إنّ لديهم وسائل إعلام تتحدث إليهم، وهناك قصص إيجابية عنهم وعن بلادهم". وتضيف: "أعتقد أنّ الأمر كلّه يتعلق بترك إرث إيجابي لأطفالنا وللأجيال القادمة".

اقرأ أيضاً: إثيوبيا تعتذر بعد نشر خريطة أزيل الصومال منها
وقالت لمحطة التلفزيون الألمانية "دويتشه فيليه"، قبل عام: "كلّ ما عرفناه من بلادنا الحرب، كلّ ما عرفناه الانقسام، كلّ ما عرفناه الأشياء السلبية، لكنني أنظر إلى الأشياء الإيجابية: أذهب إلى منزل ما وأرى أمّاً صومالية يمكنها أن تبني منزلاً من نقطة الصفر، وأن تنجب 10 أطفال، ويمكنها أن تطهو من أجلهم كلّ يوم [أرى] أنّ الناس مفعمون بالأمل، ويمارسون حياتهم الاعتيادية، وليسوا مشغولين بسؤال (متى سأموت؟)".

هودون ناليي: أعتقد أنّ الأمر كلّه يتعلق بترك إرث إيجابي لأطفالنا وللأجيال القادمة

واقع قاتم للصحافة والصحفيين
وتشكّل عملية مقتل هودون ناليي والصحفي الصومالي الآخر، محمد عمر سحال، جزءاً من واقعٍ قاتم تشهده الصحافة والصحفيون في الصومال، فإضافة إلى الاستهداف المتواصل لهم من قبل الحركة المتشددة؛ يتعرض الصحفيون في الصومال إلى استغلال من قبل الحكومة الصومالية، التي تستفيد من قلة خبرتهم ورواتبهم المتدينة للضغط على التلاعب بالحقائق، حسبما أكدت منظمة "هيومن رايتس ووتش".

أطلقت الحكومة الصومالية جائزة باسم هودون تكريماً لحياتها الملهمة كما أطلقت الجمعية الثقافية الكندية الصومالية منحة دراسية باسمها

وقالت المنظمة، في تقرير أصدرته عام 2016، بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة، إنّ الحكومة الصومالية و"حركة الشباب" المسلحة تستخدمان تكتيكات متشابهة للتأثير على التغطية الإعلامية. ويوثق التقرير المعنون "نحن كسمكة في مياه سامّة: اعتداءات على حرية الصحافة في الصومال"، الممتد على 74 صفحة، حالات القتل والتهديدات والاعتقال التعسفي للصحفيين، منذ عام 2014، ويلاحظ أنّ الحكومة الاتحادية الصومالية والسلطات الإقليمية تستخدم تكتيكات تعسفية مختلفة للتأثير على التغطية الإعلامية، منها: الاعتقال، والإغلاق القسري لوسائل الإعلام، والتهديد، وفي بعض الأحيان توجيه تهم جنائية.
كما تستهدف حركة الشباب، الصحفيين، كجزء من حملتها ضدّ الحكومة الصومالية. وأكّد التقرير فشل السلطات الحكومية في محاكمة المسؤولين عن تلك الانتهاكات، ومسؤوليتها عن ترك الصحفيين يعيشون في خوفٍ دائم.

جائزة سنوية باسم هودون

ناشطون: "إرث هودون سيستمر"
في الأعوام الأخيرة؛ عاد عدد متزايد من الصوماليين من الشتات إلى الصومال، للعمل في مناصب حكومية، أو خاصة، أو الاستثمار في مبادرات التنمية المجتمعية؛ بسبب تغطية هودون، التي عملت بلا كلل أو ملل على حثّ الكفاءات الصومالية للعودة إلى وطنهم والمساهمة في إحداث التغيير المنشود.
ومع انتشار خبر وفاتها، يوم الجمعة، اجتاحت مشاعر الحزن مواقع التواصل الاجتماعي، المنزل الافتراضي لهودون، ونعى نشطاء من الجاليات الصومالية المختلفة مقتلها، داعين إلى مواصلة عملها ورسالتها السامية، وعدم الاستسلام للإرهاب ورسائل الخوف.

اقرأ أيضاً: بعد أن فشلت في هزيمتها.. هل تفاوض الحكومة الصومالية حركة الشباب؟
ومن جانبها، أطلقت الحكومة الصومالية جائزة باسم هودون، تكريماً لحياتها الملهمة. وقالت وزارة الخارجية الصومالية في حسابها على تويتر: "ستكرم وزارة الخارجية الصومالية الشخص المتميز الذي يقدم مساهمة إيجابية في الشتات الصومالي"، وستمنح جائزة هودون ناليي السنوية للأفراد "المتميزين" من الشتات الصومالي.
كما أطلقت الجمعية الثقافية الكندية الصومالية في مدينة إدمونتون الكندية، منحة دراسية باسم هودون، تُمنح لامرأة صحفية صومالية بشكل سنوي، تخليداً لمسيرة هودون للنساء في بلدها.
وعلى وقع هذه العمليات والأخبار التي باتت تتكرر بشكل شبه يومي وتملأ صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، وفي ظلّ وضع سياسي يلملم جراحه، وواقع أمني لا يبشر بخير قريب، يحاول الصومالي رغم كلّ شيء التمسك بذلك الخيط الرفيع من الأمل، في محيط بات فيه صدى "الموت" يتردّد من كلّ جوانبه، وحال لسانهم يردّد مقولة الكاتب الصومالي العالمي، نور الدين فارح "وصلنا لدرجة من اليأس لم يسعنا معها إلا أن نتفاءل".

للمشاركة:

الإدارة الذاتية للكرد السوريين: نظام فرضته الظروف وديكتاتورية المركز

صورة أحمد قطمة
إعلامي كردي متخصص في شؤون عفرين ومناطق شمال سوريا
2019-07-22

حتى بداية عام 2011، قبل بدء ما سمّي بـ "الربيع العربي"، بدءاً من تونس، ومروراً بمصر وليبيا، ووصولاً إلى سوريا وغيرها، كان الكُرد في سوريا، الذين لم يعترف الدستور السوري بوجودهم بشكل رسمي حتى الوقت الراهن، يعانون من تهميش السلطات الحاكمة في دمشق لهم، وانتهاجها سياسات وصفوها بـ "العنصرية" تجاههم، سعياً لصهرِهم أو إفراغ مناطقهم، من خلال تطبيق مشاريع لنقل مواطنين من أراضٍ غمرها سدّ الفرات، وجلبهم إلى الشريط الحدودي مع تركيا، محل مواطنين كُرد، وهي سياسات استنكرتها الأحزاب الكُردية وطالبت على الدوام بإيجاد حلّ عادل لها ضمن حدود البلاد.
سياسات خاصة
يؤكد الكُرد السوريون تعرضهم لـ "سياسات خاصة"، من مختلف الأنظمة التي تعاقبت على حكم البلاد، وبالتحديد منذ بدء حكم حزب البعث السوري، عام 1963؛ كمنعهم من ريادة مناصب حساسة في الجيش والأجهزة الأمنية بمختلف تشكيلاتها، فيما كان تطبيق ما سمّي بـ "الإحصاء الاستثنائي في محافظة الحسكة" واحداً من أقسى تلك الآليات، عام 1962، والتي حُرم بموجبها عشرات الآلاف الكُرد من الجنسية السورية، بعد أن جُرّد أجدادهم منها، فأضحوا أجانب على أرضهم بين ليلة وضحاها (وقد حصل غالبية هؤلاء على الجنسية بموجب مرسوم رئاسي، في نيسان (أبريل) عام 2011، عقب فترة من بدء الاحتجاجات الشعبية، في محاولة من النظام لتحييد الكُرد عن الانخراط في الحراك الشعبي)، بينما كان المجردون من الجنسية قد خسروا على مدار عقود، حقوقهم في التملك أو العمل ضمن مؤسسات الدولة، أو تثبيت عقود الزواج والولادات، أو حيازة جوازات السفر، واستكملت الإجراءات بـ "الحزام العربي"، عام 1965، التي تمّ بموجبها جلب مواطنين ممن غمرت مياه بحيرة الفرات أراضيهم مع بدء بناء سدّ الفرات، إلى مناطق قريبة من المدن الكردية شمال سوريا، على الشريط الحدودي مع تركيا، لتستحوذ سلطات دمشق على أراضٍ من فلاحين كُرد وتمنحها لـمن عرفوا بـ "المغمورين".

لم يكن يحق للكرد المجردين من الجنسية في الجزيرة السورية الحصول على جوازات السفر

ولم يكن الأمر مقتصراً على ذلك؛ فالانتساب إلى أيّ حزب كُردي كان جرماً يعاقب عليه القانون، بحكم سيادة الأحكام العرفية وقانون الطوارئ في البلاد، منذ حيازة حزب البعث على الحكم، وحتى بدء الاحتجاجات الشعبية عام 2011؛ حيث شهدت البلاد إنهاء للحياة السياسية واقتصاراً لها على أحزاب ما سمّي بـ "الجبهة الوطنية التقدمية"، التي ضمّت عدداً من الأحزاب الوطنية والقومية الاشتراكية والشيوعية بقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي، فيما بقيت الأحزاب الكردية خارج نطاق القانون، فعجّت السجون السورية بآلاف المعتقلين الكُرد.

منذ تأسيس الحركة السياسية الكردية في سوريا اعتمدت الحركة النضال السلمي وعدّت القضية الكردية قضية وطنية بامتياز

وفي هذا السياق، يقول هشمند شيخو، عضو اللجنة المركزية للحزب الديمقراطي التقدمي الكُردي في سوريا، لـ "حفريات": "منذ تأسيس الحركة السياسية الكردية في سوريا، اعتمدت الحركة على النضال السياسي السلمي، وعدّت القضية الكردية في سوريا قضية وطنية بامتياز، وطوال الأعوام يناضل الشعب الكردي من أجل تحقيق الحياة الديمقراطية في البلاد، وتأمين حقوقه القومية المشروعة في ظلّ نظام ديمقراطي، علماني، تعدّدي".
ويتابع: "بعد فترة وجيزة من تأسيس أول حزب كُردي، تمّت الوحدة بين البلدين سوريا ومصر، وإثر هذه الوحدة تمّ حلّ البرلمان وملاحقة النشطاء السياسيين في البلاد، ومن بينهم السياسيون الكُرد؛ حيث تعرّض المناضلون لأبشع أنواع التعذيب النفسي والجسدي، ونفذت العديد من المشاريع العنصرية تجاه شعبنا الكردي، وخاصة الإحصاء الاستثنائي الجائر، والحزام العربي سيئ الصيت، واستمر هذا الوضع إلى بداية عام ١٩٧٠؛ حيث خفتت حدّتها واعتمدت سياسة غضّ النظر تجاه ممارسة النشاطات الثقافية والفلكلورية، لكن بقيت كافة المشاريع العنصرية كما هي، واستمرت ممارسة سياسة الاضطهاد القومي تجاه شعبنا".

مصور الحزام العربي الذي عمد النظام إلى إقامته

أحداث القامشلي عام 2004
وكنتيجة طبيعية لحالة الإنكار التي ولّدت الكبت لدى المواطنين الكُرد، انفجرت انتفاضة شعبية في القامشلي، شمال سوريا، عام 2004، بعدما وصفها ناشطون كُرد بـ (الفعل المُخطط) لعمليات شغب قامت بها جماهير قادمة من محافظة دير الزور لتشجيع ناديها "الفتوّة"، في مواجهة نادي "الجهاد"، المنتمي للقامشلي، ضمن الدوري المحلي السوري لكرة القدم، لتتحول صيحات وصفت بـ "العنصرية" أطلقها جمهور نادي "الفتوّة" بحق الكُرد، وأخرى موالية لرئيس نظام البعث العراقي، صدام حسين، إلى مواجهات بالحجارة والتراشق، ساهمت فيها أجهزة الأمن التابعة للسلطة بدعم مشجعي "الفتوّة"، فيسفر الصدام عن عدة قتلى من أبناء القامشلي، وتنتقل المواجهة إلى أول صدام بارز بين النظام والكُرد، وتتسع معها قاعدة المواجهة من القامشلي إلى كوباني وعفرين وأحياء من حلب، وتودي بالمحصلة بحياة أكثر من 40 مواطناً كُردياً، ومئات الجرحى، وآلاف المعتقلين، على مدار أكثر من أسبوع من المواجهة، وتنتهي بعد طلب الأحزاب الكردية من الجماهير التوقف، عقب تهديد النظام بتسليح العشائر وتوجيه القطعات العسكرية التابعة للجيش السوري لكبح المناطق المنتفضة!

مظاهرة في القامشلي عام 2004 أثناء تشييع مواطنين كُرد قتلوا على أيدي أجهزة الأمن السورية

سخط كُردي
خلال تلك الأحداث؛ اتّهم النظام الكُرد بـ "الانفصالية"، والسعي لتقسيم البلاد، وضمّ أجزاء منها إلى دولة أجنبية، لتبرير قمع المتظاهرين، وهي اتهامات كانت تلقى رواجاً وقبولاً من شريحة واسعة من المجتمع السوري، الذي يشير نشطاء كُرد إلى أنّه لم يحاول في مجمله الاقتراب من القضية الكردية؛ نتيجة الفكر الذي ساهم حزب البعث السوري في زرعه، إضافة للمخاوف الأمنية التي كانت تفرضها الأجهزة الأمنية على المقتربين من خطوطه الحمراء.

اقرأ أيضاً: رسالة أوجلان... هل تصنع السلام بين أكراد سوريا وتركيا؟
نامت الانتفاضة وبقي السخط متيقظاً في صدور غالبية الكُرد، خاصة أنّ النظام لم يعمد إلى محاسبة المتسببين بالمواجهات، أو المخططين لها، أو مَن ارتكب جرائم القتل بحقّ المتظاهرين، إضافة لتصعيده من حملات الاعتقال والفصل من الوظائف الحكومية في الأعوام اللاحقة، والتي توّجت بقتل طفلة أثناء إحياء عيد "النيروز"، في مدينة الرقة، عام 2010، إضافة إلى مقتل العشرات من الجنود الكُرد أثناء تأديتهم الخدمة الإلزامية، ضمن صفوف الجيش النظامي، في ظروف غامضة يؤكد نشطاء كُرد أنّ غالبها مُدبر!
ما بعد عام 2011
ومع بدء الحراك الشعبي السوري، ضمن ما عُرف بـ "الربيع العربي"، ووصول أول موجاته إلى الشواطئ السورية، توسعت المظاهرات وعمّت مختلف أرجاء البلاد، فوجد النظام السوري نفسه مضطراً للانسحاب من المناطق الكُردية، عبر عقد "هدنة" مع حزب الاتحاد الديمقراطي، مما أتاح للأخير إدارة المناطق الكُردية في شمال البلاد، بينما عمد النظام إلى سحب معظم قطعاته العسكرية نحو المدن الرئيسة في الداخل، كدمشق وحمص وحلب وغيرها، وهو ما كان مطلوباً لأبناء المنطقة، لعلمهم أنّ القوة لن تنفع مع نظام يمتلك كلّ أنواع الأسلحة والجبروت لاستخدامها، فيما لو تحوّل السخط عليه إلى مُواجهة مُسلحة، ويبدأ عقبها الكُرد السوريون رحلة البحث عن الذات، بعد عقود من الكبت والحرمان والمُلاحقة الأمنية لكلّ ما يمتّ لخصوصيتهم بصلة، حتى لو كان كتاباً!

لافتة من المظاهرات التي كانت تندلع في إطار الحراك الشعبي السوري عام 2011

وحدات حماية الشعب
عاجلاً، أدرك الساسة الكُرد، خاصة في حزب الاتحاد الديمقراطي؛ أنّ تنفيذ أيّ مشروع سياسي يستلزم بالضرورة وجود قوة على الأرض تحميها، فلجأ الحزب إلى تشكيل وحدات دفاعية تحت مسمى "وحدات حماية الشعب"، عام 2011، ولم يتضمن الاسم منذ تشكيله، وحتى اللحظة، مفردة "الكُردي"، رغم إضافة أغلب وسائل الإعلام تلك اللاحقة إلى مسماها؛ حيث أعلنت الوحدات نفسها حامية لجميع الشعوب والطوائف التي تعيش في مناطق سيطرتها ضمن المناطق الكُردية شمال سوريا، والتي تعرفها بمسمى "روج آفا"، كما أكّدت أنّ الانتساب لها ليس حكراً على الكُرد، رغم أنّهم بقوا يشكّلون الغالبية من مقاتليها، مع وجود مقاتلين من مكونات سورية أخرى ضمن صفوفهم.

 أسّس كرد سوريا وحدات حماية الشعب عام 2011 لحماية مناطقهم

على الحياد
طرح حزب الاتحاد الديمقراطي إستراتيجيته القائمة على مبدأ الخط الثالث، للحيلولة دون الخوض في الصراع الدامي بين النظام والمعارضة، ومع توسع العمليات العسكرية ووصولها إلى درك الحرب الأهلية والمجازر الطائفية، تيقنت غالبية كُردية أنّ ذلك الخيار كان الأجدى، للبقاء على الحياد، ما دامت القضية لم تَعد تغييراً للأفضل، أو طموحاً لبلاد تسودها العدالة، فيما ساهم التزام المعارضة السورية خطاباً مستنسخاً من خطاب النظام التركي في تعاطيه مع الملف الكُردي، بتعزيز تلك الرؤية، وتُوّج الخيار بمشروع "الإدارة الذاتية".

تعرض المناضلون الأكراد لأبشع أنواع التعذيب النفسي والجسدي ونفذت العديد من المشاريع العنصرية خاصة الإحصاء الاستثنائي الجائر والحزام العربي

ومع مرور أعوام على الصراع؛ شدّد القطب الكردي على الاعتراف الدستوري بوجوده كثاني قومية في البلاد، وما يترتب على ذلك من حقوق سياسية وتعويض المتضررين من سياسات النظام السابق بحقهم كمكون سوري، إلى جانب المطالبة بالاعتراف بنظام الإدارة الذاتية الذي تخضع له مناطق قوات سوريا الديمقراطية، وهي مطالب باتت تجد لها مؤيدين، غربياً وعربياً، مع تقديمهم نموذجاً إدارياً ناجحاً، في ظلّ تخوّف شريحة ليست قليلة من السوريين من عودة النظام المركزي الحاكم في دمشق، وهو الذي لم يقدم على مدار خمسة عقود من حكمه إلّا نموذجاً للهيمنة الأمنية والاستخباراتية التي كانت تحصي على الناس أنفاسهم، إلى جانب اختراق المعارضة السورية من قبل استخبارات إقليمية، خاصة من جانب تركيا، حتى باتت الدعوة إلى إقامة قواعد تركية في مدن سورية أمراً مباركاً ومشروعاً من قبلهم!
واقع جديد
فرضت "الإدارة الذاتية" واقعاً جديداً في المناطق التي خضعت لسيطرة "وحدات حماية الشعب" بادئاً و"قوات سوريا الديمقراطية" لاحقاً، فأعلنت عن ثلاث مقاطعات هي: الجزيرة وكوباني وعفرين، عام 2014، وبعد غزو تنظيم داعش الإرهابي لكوباني، وتلقي الوحدات الدعم من التحالف الدولي، ومن ثم تشكيل قوات سوريا الديمقراطية، عام 2015، توسّع نظام الإدارة الذاتية وتمّ البدء بتطبيقه في المناطق المحررة من تنظيم داعش الإرهابي.

اقرأ أيضاً: العراق "فاترينة" عرض .. 6 أسلحة يستخدمها أردوغان ضد الأكراد
ورغم أنّها لم تحظَ بعد بأيّ اعتراف رسمي من أيّة جهة دولية، يتأمل القائمون عليها تحقيق ذلك، بالتزامن مع زخم الحراك الدبلوماسي في المنطقة من قبل دول كثيرة بغية البحث في كيفية التخلص من مخلفات داعش الفكرية، والأضرار التي لحقت بالمجتمعات المحلية في شمال سوريا، نتيجة هيمنة الفكر الإرهابي عليه لعدة أعوام؛ حيث تمّ اتخاذه معقلاً لنشر التطرف والقيام بعمليات مسلحة، في سوريا ومختلف أرجاء المعمورة.

اقرأ أيضاً: السجون التركية تحظر صور كاسترو وجيفارا في زنازين الأكراد
وبعد أن كان المشروع مطبقاً في ثلاث مناطق فقط، توسّع في أكثر من ثماني إدارات ذاتية ومدنية، قبل أن يخسر إحداها في عفرين، عقب هجوم تركيا عليها، في كانون الثاني (يناير) 2018، لتعاني المنطقة منذ ذلك الحين، من تهجير سكانها الكُرد، إضافة لفوضى الجماعات المسلحة التي تدعمها تركيا تحت مسمى عملية "غصن الزيتون"، وهو ما تؤيده غالبية التقارير المستقلة والصادرة عن المنظمات الدولية.

مدخل عفرين باللغتين العربية والكردية

روح الديمقراطية
وفيما لم يبدُ أنّ كُرد سوريا يسعون إلى مواجهة النظام أو الانتقام منه عسكرياً، لكنّهم نجحوا في تحقيق ذلك بأسلوب آخر، عندما شكّلوا حكماً محلياً بديلاً عنه، وأثبتوا قدرتهم على إدارة شؤونهم عبر تشكيل مؤسسات وهيئات وأجهزة أمن وإدارة، مُبطلين بالتالي مُستوجبات عودة النظام، إضافة إلى الانفتاح على مكونات المنطقة وتعزيز التعايش السلمي فيما بينها، فأثبتوا وجود بديل لثقافة الإنكار، وإمكانية تطبيقها عندما تمتلك السلطات "الرغبة".

اقرأ أيضاً: اقتراح عراقي جديد بخصوص الجهاديين الأجانب المعتقلين لدى الأكراد
يقول شفان الخابوري، مُمثل الإدارة الذاتية في الخليج العربي، حول مفهوم النظام الجديد المُطبق شمال سوريا، لـ "حفريات": "بشكل مختصر، نستطيع القول إنّ مفهوم الديمقراطية نفسه لا يمكن أن يكتمل إلا بوجود جسد حقيقي يطبقه على الأرض، وهو الإدارة الذاتية، التي تمثل الواقع العملي لروح الديمقراطية، خاصة أنّ هذه الإدارات باتت ضرورية في الجغرافيا التي تتواجد فيها أكثر من قومية، أو إثنية، أو طائفة".

على النظام السوري الاعتراف بالإدارة الذاتية الديمقراطية كخطوة لتقوية النظام في دمشق والعمل بشكل مشترك لطرد إرهاب الدولة التركية

ويردف: "نحن لا ننظر إلى نظام الحكم على أساس قوموي، أو على أساس انفصالي، فمناطق شمال وشرق سوريا مناطق متداخلة ديموغرافياً؛ حيث يوجد العرب والكُرد والسريان والشركس، أي إثنيات وطوائف وأديان متعددة، وهي تتفاوت بنسبتها بحسب المنطقة، حتى وإن كانت نسبة مكوّن ما أكبر فيها، لأنّ نظام الحكم الديمقراطي يعتمد على الكفاءات والإمكانيات والتصويت".
وينوه إلى أنّه "يجري تشكيل مجالس عسكرية ومجالس مدنية في كلّ منطقة يتمّ تحريرها من الإرهاب، في سبيل منحها الإمكانية الكافية لحماية نفسها من أيّ خطر جديد، وإدارة المنطقة وتأمين الخدمات للأهالي، بالتعاون بين جميع المجالس، في مناطق روج آفا، ومناطق شمال وشرق سوريا، التي تدار بشكل منظم فيما بينها".

اقرأ أيضاً: من سيحمي أكراد سوريا من أردوغان؟
ويؤكد الخابوري على أنّ "الإدارة الذاتية مشروع نابع من قلب المجتمع، ولم يجرِ تبنيه بناءً على طلب طرف إقليمي، وإنما تمّ بعد بذل آلاف الشهداء"، مشدداً: "لن نقبل بأن تكون مناطقنا مدارة من غيرنا، والاعتراف بحقوقنا السياسية مثلما تنصّ جميع القوانين الدولية المتعلقة بهذا الشأن، ضمن سوريا ديمقراطية متمتعة بوحدة ترابها".

سبق وتعاون النظام السوري مع وحدات حماية الشعب

تسلّط دمشق
وبالنسبة إلى موقف النظام السوري الداعي لإعادة الأمور إلى سابق عهدها، يقول الخابوري: "قلنا سابقاً، ونجدّد نداءنا؛ إنّ الاستمرار في العقلية الإقصائية للشعب الكُردي بصورة خاصة، ولمكونات شمال وشرق سوريا بصورة عامة، ولجميع السوريين كدستور، وانتهاج هذه العقلية المتشددة وعدم الرضوخ لإجراء تعديلات حقيقية وجدية في الدستور تحوّل سوريا إلى ديمقراطية موحّدة، لن يفيد مستقبل سوريا وسيزيد من تصعيد الأزمة، وستأخذ الأزمة أبعاداً زمنية أطول".

اقرأ أيضاً: الأكراد والثورة الإيرانية.. مسلسل بلا نهاية من المآسي
ويعرب الخابوري عن خشيته من استمرار ذهنية النظام وأن "تصبح سوريا عرضة لأطماع المزيد من الدول، وتدخّل المزيد من الأطراف والميليشيات والإرهاب، وهو ما سيعني استمرار الأزمة من جهة، واستمرار احتلال أجزاء من الأراضي السورية من قبل دول إقليمية كتركيا؛ حيث توجد العديد من المدن السورية المحتلة تركياً".
ويطالب مُمثل الإدارة الذاتية في الخليج العربي، النظام السوري "الاعتراف بالإدارة الذاتية الديمقراطية كخطوة لتقوية النظام في دمشق، والعمل بشكل مشترك لطرد إرهاب الدولة التركية، والمرتزقة المدعومين من قبلها، فهناك جرابلس والباب وإعزاز وعفرين وإدلب، ولا بدّ من أن نصل إلى صيغة سياسية نحلّ بها المشاكل الداخلية، ونعمل من أجل تشكيل دستور ديمقراطي يضمن للجميع حقوقهم، كما يكون للجميع واجبات تجاه الوطن الواحد".

للمشاركة:



وفاة المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية.. من سيخلفه؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-22

تُوفَّى، اليوم، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، يوكيا أمانو، عن عمر يناهز 73 عاماً.

وأشارت مصادر من داخل الوكالة، في تصريحات نقلتها وكالة "رويترز"، إلى أنّه كان يعتزم التنحّي مبكراً، في آذار (مارس) من العام المقبل، بسبب إصابته بمرض لم يحدّدوه، أضعفه بشكل واضح خلال العام الماضي.

تُوفَّى يوكيا أمانو عن عمر يناهز 73 عاماً بسبب إصابته بمرض أضعفه بشكل واضح

وتدهورت صحة أمانو بشكل واضح منذ أعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في أيلول (سبتمبر) الماضي، خضوعه لإجراء طبي لم تحدّده خارج النمسا، حيث مقرّ الوكالة.

وأعيد تعيين الدبلوماسي الياباني أمانو، عام 2017، على رأس الوكالة التابعة للأمم المتحدة لولاية ثالثة من أربعة أعوام، كان من المقرر أن تنتهي يوم 30 تشرين الثاني (نوفمبر) 2021.

وخلال توليه المنصب، أكّد أمانو مراراً أنّ عمل الوكالة تقني، وليس سياسياً، وذلك في ردّ فعل يتعلق بولاية سلفه محمد البرادعي، الذي حصل مع الوكالة على جائزة نوبل للسلام لعام 2005، ونشبت خلافات بينه وبين مسؤولين أمريكيين تتعلق بإيران.

مرشّحان مرجّحان لتولي المنصب بعد أمانو هما: المبعوث الأرجنتين "جروسي"، ومبعوث رومانيا "فيروتا"

ويختار مجلس محافظي الوكالة، الذي يضمّ 35 دولة، مدير الوكالة، بعد أن يحظى بموافقة (المؤتمر العام) للوكالة، وهو اجتماع لكلّ الدول الأعضاء، ومن المقرَّر أن ينعقد الاجتماع الدوري السنويّ للمؤتمر العام، في أيلول (سبتمبر).

وتتضمن مسؤوليات الوكالة الدولية للطاقة الذرية مراقبة الالتزام بالقيود المفروضة على أنشطة إيران النووية، بموجب الاتفاق المبرم بين طهران وقوى عالمية، عام 2015، والذي انسحبت منه الولايات المتحدة العام الماضي.

وهناك مرشحان مرجحان لتولي المنصب بعد أمانو، هما: مبعوث الأرجنتين لدى الوكالة، رفائيل جروسي، الذي نافس أمانو على المنصب في السابق، ومبعوث رومانيا، كورنيل فيروتا، وهو كبير منسّقي الوكالة، ويعدّ فعلياً مديراً لمكتب أمانو.

 

للمشاركة:

طهران تزعم أنّها فكّكت شبكة تجسّس.. تفاصيل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-22

ذكرت وسائل إعلام إيرانية، اليوم؛ أنّ طهران ألقت القبض على 17 جاسوساً، يعملون لحساب وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، وحكمت على بعضهم بالإعدام.

وعرض التلفزيون الرسمي صوراً قال إنها لضباط في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، كانوا على اتصال بالجواسيس المشتبه بهم، وفق ما نقلت وكالة "رويترز" للأنباء.

إيران تلقي القبض على 17 جاسوساً يعملون لحساب الاستخبارات الأمريكية وتحكم على بعضهم بالإعدام

ولم يرد أيّ تعليق من الاستخبارات المركزية أو المسؤولين الأمريكيين.

وكانت إيران قد أعلنت، في حزيران (يونيو)؛ أنّها فكّكت شبكة تجسّس تديرها وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، لكن لم يتضح ما إذا كان إعلان يوم الإثنين يرتبط بالقضية نفسها.

ويأتي الإعلان عن الشبكة المزعومة بعد ثلاثة شهور من مواجهة متصاعدة بين إيران والغرب، بدأت في الأول من أيار (مايو)، مع تطبيق عقوبات أمريكية جديدة أشدّ صرامة.

ونقل التلفزيون الرسمي عن بيان لوزارة الاستخبارات؛ أنّ "الجواسيس، وعددهم 17، اعتقلوا خلال شهر آذار (مارس) 2019."

وذكر البيان: "كان الجواسيس يعملون في مراكز حساسة وحيوية في القطاع الخاص في المجالات الاقتصادية والنووية والعسكرية والفضاء الإلكتروني وقطاع البنية التحتية؛ حيث جمعوا معلومات سرية".

وفي تقرير منفصل، نقلت وكالة أنباء "فارس"، شبه الرسمية، عن مسؤول في وزارة الاستخبارات قوله: إنّ "بعض المعتقلين حُكم عليهم بالإعدام".

الجواسيس يعملون في المجالات الاقتصادية والنووية والعسكرية والفضاء الإلكتروني وقطاع البنية التحتية

وتستغل طهران حوادث القبض على الجواسيس المزعومين لتبرير موقفها بأنّها تتعرض لاستهداف دائم من قبل الغرب، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية، كما تستعمل حوادث اعتقال أشخاص مزدوجي الجنسية، كورقة ضغط فيما يتعلق بالتوتر مع الغرب، بعد خرقها للاتفاق النووي لعام 2015.

ودائماً ما توجه إيران تهم التجسس والعمالة لمواطنيها في محاكمات تعرف انتقادات كبيرة من المنظمات الحقوقية الدولية والمحلية، في غياب أبسط مقومات شروط المحاكمة العادلة.

وحكمت إيران، في أيار (مايو)، بالسجن 10 أعوام على مواطنة إيرانية، تدعى زاغاري-راتكليف، بتهمة التجسس لصالح بريطانيا والتحريض على الفتنة؛ حيث أكدت عائلتها أنّه تمّ نقلها من زنزانتها إلى جناح الأمراض النفسية في إحدى مستشفيات طهران؛ حيث تخضع لمراقبة الحرس الثوري الإيراني.

 

للمشاركة:

انتهاكات صهيونية جديدة..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-22

تواصل دولة الاحتلال الإسرائيلي انتهاكها للإنسانية وللقوانين والاتفاقات الدولية، متحدية المجتمع الدولي؛ حيث قامت اليوم بهدم 16 بناية تضمّ نحو 100 شقة سكنية، على أطراف مدينة القدس، في منطقة تقع تحت السيادة الفلسطينية.

ودانت الرئاسة الفلسطينية شروع الاحتلال الإسرائيلي، اليوم الإثنين، بهدم تلك الشقق السكنية.

الاحتلال الإسرائيلي يهدم 100 شقة سكنية على أطراف مدينة القدس في منطقة تقع تحت السيادة الفلسطينية

وحمّلت الرئاسة الفلسطينية، في بيان نشرته وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية (وفا)، حكومة الاحتلال، المسؤولية كاملة عن هذا التصعيد الخطير ضدّ الشعب الفلسطيني الأعزل، وعدّته جزءاً من مخطط تنفيذ ما يسمى "صفقة القرن"، الهادفة إلى تصفية القضية الفلسطينية.

هدم منازل الفلسطينيين وتشريدهم ليس بالسياسة الجديدة على إسرائيل، ولكن هذه المرة وقاحتها واستخفافها بالمجتمع الدولي، دفعها لتنفيذ جريمتها في منطقة "واد الحمص"، التي تقع خارج الخطّ الوهمي لبلدية الاحتلال في القدس، وتصنف غالبية أراضيه ضمن مناطق "أ" التابعة للسيادة الفلسطينية، وفق اتفاق أوسلو.

من جهته، طالب أمين سرّ اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، صائب عريقات، المجتمع الدولي والمحكمة الجنائية الدولية والمدعية العامة بفتح تحقيق بهذه الجرائم. وقال: "لدينا استيداع لدى هذه المحكمة، والمعالجة الوحيدة هي فتح تحقيق مع المسؤولين الإسرائيليين".

وأوضح عريقات أنّه "آن الأوان للدول العربية أن تدرك أنّ ما يحدث من مخطط هو تطبيق لـ "صفقة القرن"، التي أعلنت القدس عاصمة لدولة الاحتلال، وفتحت الأنفاق أسفل المسجد الأقصى المبارك".

وأشار إلى أنّ الازدهار الاقتصادي، الذي أُعلن عنه في ورشة المنامة، ينفَّذ عبر هدم 100 شقة سكنية للفلسطينيين، متسائلاً: "أهذا هو الازدهار؟!"

بدوره، قال ممثل منظمة التعاون الإسلامي لدى فلسطين، أحمد الرويضي: إنّ "هدم منازل الفلسطينيين في مناطق تخضع للسلطة الوطنية بحسب اتفاق أوسلو، جريمة نكراء".

وأضاف؛ "قرار الهدم جاء نتيجة أمر عسكري، بتواطؤ مع القضاء الإسرائيلي في جريمة مشتركة ضدّ أصحاب الأرض الشرعيين، لصالح جدار "سلكي" غير مكتمل".

وأشار إلى أنّ قرارات الهدم في وادي الحمص والخان الأحمر، تأتي في سياق مخططات الاحتلال لاستكمال عزل القدس عن الضفة الغربية، والإجهاز على مبدأ حلّ الدولتين، الذي أجمع عليه العالم.

الأوساط الفلسطينية تدين جريمة الكيان الصهيوني وتطالب المجتمع الدولي بالتدخل لوقف انتهاكاتها

ولفت إلى أنّ المعركة في القدس معركة ديموغرافية، تهدف من خلالها إسرائيل إلى تقليص عدد الفلسطينيين، من 40% من إجمالي سكان المدينة، بشقّيها الشرقي والغربي، إلى 20.%

من جهته، قال الناطق باسم الحكومة، إبراهيم ملحم: إنّ "هدم إسرائيل 100 شقة سكنية في منطقة خاضعة لسيطرة السلطة الفلسطينية هو اعتداء على اتفاقيّتَي أوسلو وجنيف، ومؤشّر خطير يستدعي تدخلاً دولياً لوقف هذا القرار.

ورأى أنّ عمليات الهدم تطهير عرقيّ يستهدف تهجير مئات العائلات الفلسطينية، وفرض أمر واقع جديد على الأرض، واستكمالاً لفصل القدس عن محيطها.

وأكّد أنّ الحكومة ستعمل في اتجاهين؛ الأول على المستوى الدبلوماسي والاتصال بالجهات الدولية لوقف هذا التصعيد الخطير، والتدخل لحماية المدنيين، وإلزام إسرائيل بالاتفاقيات الدولية، والاتجاه الثاني تعزيز صمود المواطنين في مواجهة المشاريع التصفوية للقضية الفلسطينية.

كما سبق أن أصدرت بعثات الاتحاد الأوروبي، في القدس ورام الله، بياناً تطالب فيه إسرائيل بوقف هدم المنازل الفلسطينية وتقويض حلّ الدولتين.

 

للمشاركة:



حسن البدري: الحركات المتطرفة تأكل بعضها

2019-07-22

أجرى الحوار: ماهر فرغلي


قال القيادي السابق بالجماعة الإسلامية، حسن البدري، إنّه يعجب من نفسه الآن كيف جعل مصيره حين كان شاباً صغيراً بين أيدي جهلة متطرفين متناقضين، على حد وصفه، مضيفاً في حواره مع "حفريات" أنّ هذا ما تأكد منه بعد اعتقاله وفق ما قال له أحد ضباط الأمن: "لن أقول لك إنّ هذه الجماعات المتطرفة براء من الإسلام، وهو منها براء، فهذا أمر ستتأكد منه بنفسك عملياً، وأنت معهم في السجن".

ظللت أعتقد أنّ جماعتي صفوة الصفوة وأنّ ما لدي من نقص علمي ومعرفي وتربوي سيكتمل على أيديهم

وأكد المنشد الأول للجماعة الإسلامية، أنّ كلّ اتجاه تكفيري يزعم أنّه على الحقّ، وأنّ مخالفيه على الباطل، وأنّه لم يكن منتظراً مبادرة المراجعات للجماعة الإسلامية، "فقد كنت قد قررت الانسحاب قبلها، بعد كلّ ما حدث معي واختبرته بنفسي".
ورأى البدري أنّ انتشار التطرف والإرهاب يعكس أزمة ثقة في المجتمع بين الشعب وحكامه، أو بين الشعب والمؤسسة الدينية؛ وأن أهم وسائل العلاج، في رأيه: التكافل الاجتماعي ومحاربة الفقر، والاهتمام بالصحة النفسية الاجتماعية وأبحاثها الميدانية؛ للكشف عن الحالات الدفينة الخطيرة.
وهنا نصّ الحوار:
بداية الضياع

"المأثورات.. الوصايا العشر لحسن البنا"
كيف بدأت الطريق مع جماعات الإسلام السياسي؟

في البداية كان شأني شأن كلّ شاب في أوائل العقد الثالث من عمره خاصة، وشأن كلّ مصري عامة، كنتُ مشدوداً بالفطرة والسجيّة إلى البحث عن استقرار في حياتي، وعلاقة مع ربّي، وتدارك، أو تعويض، أو تصويب، ما ضاع وما فات في زمن الصبا، بشكل يجعل الحاضر والمستقبل أفضل.

اقرأ أيضاً: المنشق عن الجماعة الإسلامية عوض الحطاب: العنف لن يتوقف بوجود أمراء الدم
في الأشهر الأخيرة من خدمتي بالجيش، قال لي أحد زملائي، ونحن واقفان معاً محلّ خدمتنا على البوابة الرئيسية لقيادة "اللواء 117": "أرى أنّك لا ينقصك سوى أن تصلي، فرنّت العبارة في أذني، وقد قالها لي مرة واحدة، ولم يكلمني بعدها مطلقاً في أي شيء يتعلق بالدين، ولم أكن قد سمعت هذه العبارة مطلقاً من شيخ كتّاب قريتنا، الذي ختمت على يديه حفظ القرآن كاملاً، سمعتها بهذا الشكل المشحون بالطاقة الروحية وبالودّ والتعاطف، فعملت مقتنعاً بنصيحته، وواظبت على الصلاة في المسجد.

كنت عضواً عليلاً ألتمس الدواء من أطباء تبين لي أنّهم ليسوا سوى مرضى

بعدها، وأنا في محطة قطار عين شمس، وكنت في طريقي لقضاء الإجازة، عثرت على كتيّب صغير مع شاب يبيع الكتيبات والمصاحف على رصيف المحطة، وهو "المأثورات.. الوصايا العشر لحسن البنا"، فاشتريته وكان سعره لا يتجاوز خمسين قرشاً، ولم أفتحه إلا بعد أن عدت من إجازتي، وكان مفهوماً ويسيراً، عدا الوصية التي تتعلق بالتحاكم وبالرابطة الروحية الإخوانية.
ومرّة قابلت أحد زملائي وسألته عن معنى كلمة الطاغوت، ثم أخذ يقرأ كتاب السيرة النبوية ويسقط كلّ ما فيها على الواقع المعاصر، ويرجّح دائماً كفّة الجماعة، ثم دعاني للذهاب للاستماع إلى الشيخ فوزي السعيد في مسجد التوحيد بغمرة، وعندما سألته عن "المأثورات"، وعن حسن البنا، قال لي: إنّ "مجدّد الدين في هذا القرن هو سيد قطب"!
وأمام هذا المسجد بدأت أبيع الكتب الدينية الصغيرة والسواك والبخور وأكسب بعض الأموال، ثم افترقنا وشقّ هو طريقه ليعمل محاسباً، وانقطع عن مواصلتي ومتابعتي، علماً أنّه يعمل بالدعوة السرية الفردية فقط، ويحلق لحيته، ولا يبدو عليه ما يشير إلى انتمائه الأيديولوجي.

اقرأ أيضاً: عمر عبدالرحمن.. الأب الروحي لتكفيرية "الجماعة الإسلامية"
وأتعجّب الآن من نفسي كيف قامرت وجعلت مصيري ونفسي حقلاً للتجارب التي بين خيط الصواب وخيط الخطأ، بين أيدي جهلة متطرفين متناقضين، وانجذبت طائعاً، وكيف تقوقعت، وكيف كنت أرضى بأن أتجمّد في مكاني بلا مستقبل، فقط أعيش اليوم واللحظة، دون خطة، أو رؤية أو حماس للحياة، أو حبّ لها، وكأنما أصبحت أمشي نائماً، أو أمسيت مثل الموتى الذين أسكن فوقهم في غرفتي بمنطقة (ترب الغفير)، وكيف شقّ هو طريقه، والتزم بما يصلح دنياه وتركني حول فكرة البلاء والموت!
ولم أزل أتساءل: هل كان صادقاً فعلاً لكنّه، كغيره من معظم أبناء هذه التيارات، جاهل بالشرع والناس والواقع، أم أنّه نائم كان يسحب خلفه نائماً، أو هو ميت كان يسحب خلفه ميتاً، أو هو تائه كان يزعم أنّه سيهدي تائهاً مثله؟!
اختبار السجن

 الشيخ فوزي السعيد
لماذا اعتقلت؟ وكيف كانت الأيام الأولى من هذه المرحلة؟

كنت أسمع من الشيخ فوزي السعيد، وأتأثر به كثيراً، وأتقمّصه حرفياً، وأخطب في المساجد، وبدا ما أقوله غريباً على العامة، ومثار جدل وإرباك وصدام معهم، ومع تيارات أخرى، وحاول الجميع احتوائي بشتى الطرق، لكنّني تصلّبت فكرياً، وحكمت على كلّ محاولاتهم سلفاً بالفشل، فاضطروا للإبلاغ عني، وإخلاء مسؤوليتهم أمام رجال الأمن.

لم أكن منتظراً مراجعات الجماعة فقد قررت الانسحاب بعد كلّ ما حدث معي واختبرته بنفسي

وفي أوائل العام 1997 تمّ اعتقالي، ثم خرجت وعدت كما كنت، ثم بعدها بشهور قليلة تم اعتقالي مرة أخرى، وقال لي ضابط الأمن يومها: لن أقول لك إنّ هذه الجماعات المتطرفة براء من الإسلام، وهو منها براء، فهذا أمر ستتأكد منه بنفسك عملياً، وأنت معهم في السجن وستعرفهم على حقيقتهم.
ظللت أعتقد أنّهم صفوة الصفوة، وأنّ ما لدي من نقص علمي ومعرفي وتربوي سيكتمل على أيديهم وبصحبتهم، وأنّ الذي يدخل معهم سيخرج من ذنوبه، حتى بدأت الصدمات والمفارقات التي جعلتني أتوقف وأسأل وأراجع، بل وأعترض وأناقش، بل وأصطدم وأتعارك أحياناً، وأتعرض لشتّى صنوف الأذى الجسدي والنفسي، فأنت تدخل إليهم عليلاً تلتمس الدواء فلا تجد الأطباء إلا مرضى، فيصيبك ما أصابهم فتتضاعف بلواك.

من أمام  سجن "أبو زعبل"

كيف أخذت تتغير أفكارك في السجن؟
كانت الزنزانة الأولى لي في سجن أبو زعبل الجديد خليطاً من الأفكار، مثل: الجماعة الإسلامية، وجماعة الجهاد والتكفير، وسلفية الجهاد، وبعض المنشقين الذين تركوا الجميع ووقعوا على إقرارات توبة، كان كلّ صاحب اتجاه يدعو ويروّج سراً لاتجاهه، وكلّهم يزعم أنّه على الحقّ، وأنّ مخالفيه على الباطل، والجميع في الظاهر يتعاملون بتجمّل ومجاملة وتقية، وفي العمق أسمع هذا يكفّر هذا، وهذا يفسّق هذا، وهذا يبدّع هذا، وهذا يتهم هذا بالجهل، وهذا يرمي هذا بالتشدد.

جميع التيارات الدينية المتطرفة تتعامل في الظاهر بتجمّل وتقية وفي العمق يكفّرون بعضهم

ومن طريف ما رأيت؛ أنّ تلاميذ مصطفى سلامة كانوا معنا، وكان قائدنا يعاملهم بمجاملة في الظاهر، بينما يقول سرّاً لأتباعه: "هؤلاء ليسوا ملتزمين دينياً؛ ألا ترون كيف يرتدون فانلة بحمالات!"، ورأيت عنصر التكفير لا يصلّي خلف أحد، وحين يصلّي الجهرية لا يقرأ إلا "قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ"، ووجدت من كفّر والديه، ومن كفّر نفسه، ثم اغتسل ونطق الشهادتين وأسلم من جديد، وكرّر ذلك مراراً، ومنهم من كان يقول: "أيّما فرد لم يكفّر الكافر فهو كافر، وكذلك الأمر بالنسبة إلى أيّة جماعة، فإن لم تكفّر الكافر فهي كافرة"، وكان يكفّر العلماء أيضاً في الوقت الذي يعتمد فيه على تأويلات فاسدة للقرآن الكريم، بجهل وجرأة غير مسبوقَيْن! حتى أصابني الغمّ والغثيان والاكتئاب، وخرجت من أبو زعبل بعد عام ونصف العام، مصاباً بحمى روماتيزمية، أثرت فيما بعد على صمامات القلب.
منشد الجماعة الإسلامية

الشيخ كرم زهدي
كنت منشد الجماعة الإسلامية ومطربها وقت مبادرة وقف العنف؛ صف لنا تلك الأيام ودورك فيها.

كنت أجيد الشعر والتلحين والأناشيد، وأحبّ ذلك كهواية محببة لي في الوقت نفسه، وفي كلّ زنزانة دخلتها كنت أقوم بهذه الوظيفة، فألّفت نشيداً للمواساة، وآخر للصبر، ثم للتأمل والذكر، وآخر للترفيه والتسلية، وكان ذلك مقبولاً ومطلوباً من الأغلبية، حتى كانت مبادرة وقف العنف، وكانت المحاضرات والندوات والحفلة التي سجّلت صوتاً وصورة في حضور لفيف من رجال أجهزة الأمن، وعلى رأسهم المرحوم اللواء أحمد رأفت، والقادة التاريخيون للجماعة الإسلامية، وعلى رأسهم: ناجح إبراهيم، والشيخ كرم زهدي، وكانت الكلمات مناسبة للسياق والمقام والحدث والمرحلة.

اقرأ أيضاً: 10 محطات شكلت موقف الجماعة الإسلامية في مصر من العنف
وكان معي فريق رائع من المنشدين، سواء الصولو أو الكورس، وعلى رأسهم المنشد ياسر عيد، وبدأت مراسم حفل افتتاح الندوات بالقرآن الكريم، ثم نشيد الافتتاح، ثم أناشيد وفقرات أخرى متنوعة لم نترك فيها جانباً ممكناً إلا أقمناه، حتى "الاسكتش" الفكاهي قدمناه، وسعد الجميع، وأظهر اللواء أحمد رأفت إعجابه وتشجيعه لنا، وكان من أهم أناشيد الحفل التي أديتها أنا وياسر عيد:
من أجل ماضيك المليح
أهدي بواكير القصائد
أنا طائر الفجر الجريح
مهما اغتربت هواك صائد

ما بعد المراجعات

كانت أهم المقولات المحورية للمشايخ: أخطأنا في قتل السادات ونتوب من ذلك
كيف حدث التحوّل السريع بين عناصر الجماعة بعد المراجعات؟

بدأت المحاضرات والندوات تباعاً بالسجون حول المراجعات الفكرية ووقف العنف شرعاً وعقلاً وسياسة، وكانت أهم المقولات المحورية للمشايخ وبتصرف: "أخطأنا في قتل السادات ونتوب من ذلك، وهو الآن نحسبه عند الله من الشهداء"، و"ما حدث في السجون أو خارجها من الإخوة، من ظلم أو بغي، ضدّ المخالف فهو خطأ، ومن يظلم يتعرض للظلم، ومن يرق دماء الناس بغير حقّ يتعرض أيضاً لمثل ما فعل".
وأما أنا فلم أكن منتظراً المبادرة والشرعنة والتأصيل والدراما، فقد كنت قد قررت قبلها، بعد كلّ ما حدث معي واختبرته بنفسي، وذكرت هنا بعضاً منه فقط، أن أبتعد عن الجميع تماماً بعد خروجي من السجن، وبالفعل نفّذت ذلك، والكلّ يعلم ذلك تماماً.

ما الفرق بين إقرارات التوبة والمراجعات التي تمّت؟
في رأيي، لا فرق بين إقرارات التوبة التي وقّع عليها أفراد من الجماعة والمراجعات التي قدمتها الجماعة، وذلك للأسباب الآتية:

التعامل مع خوارج العصر يكون بالفكر وإجراءات الاستتابة التي يقدرها المتخصصون

أولاً: الفرد وقّع على إقرار بأنّه كان ينتمي للجماعة، وأنّ هذا خطأ ارتكبه، وهو تائب منه ولن يعود إليه، وهدفه من ذلك أن يخرج، وعزمه بعد الخروج يتجه في اتجاه آخر مفارق للجماعة، وليس مفارقاً للإسلام، وأما الجماعة فقد قدمت إقراراً جماعياً وقّع عليه مشايخها يسمّونه مبادرة، والحقيقة أنّه اسم مهذّب يحفظ ماء الوجه لجماعة كلّها أقرّت بأنّها أخطأت.
ثانياً: الذين يفرّقون بين إقرار التوبة والمراجعات، هم الجماعة فقط، على أساس أنّ التائبين بالإقرارات الفردية تركوها، وأنّ التائبين جملة وبشكل جماعي، ما يزالون أبناءها، حتى بعد الخروج، وهذا المعيار مضلّل ومراوغ، وازدواجيته من الوضوح الصارخ، بحيث لا يخفى عوره وتناقضه، ولا تخفى ازدواجيته على أحد.

كيف ترى جماعات التكفير التي قابلتها بعد هذه التجربة؟
هم كما ذكرت سابقاً، وأوجزه في مصطلح "خوارج العصر الحديث"، فهم حرورية يعبدون الله بالخوف فقط، وهم أشدّ الناس صدقاً وإخلاصاً في نيّتهم لله، وأشدّ الناس تعبّداً وتنسكاً وورعاً ومجاهدة روحية، لكنّهم -وبكلّ أسف- ضلّوا الطريق، وفسد تصورهم، فكفّروا المسلمين وأئمتهم، وخرجوا على حكامهم بالسيف، واستحلوا دماء وأموال أناس معصومي الدم والمال، وغدروا بمن دخلوا البلاد، ومعهم عقد أمان؛ من جواز سفر وتأشيرة ونحو ذلك.
والتكفير تيارات كثيرة في مصر والعالم كلّه، لكنّ أشدهم خطورة عناصر تنظيم "القاعدة"، وهم في كلّ بلد، ودعوتهم منتشرة عبر الإنترنت، ولهم تأثير على نوعية معينة من الناس في كلّ بلد الآن، وأما التعامل مع خوارج هذا العصر: فالفكر يقابل بالفكر والاستتابة، وإجراءات الاستتابة يقدرها المتخصصون بقدرها حسبما يرون.
أسباب التطرف والعلاج

الفقر مناخ ملائم يركز عليه التطرف كنقطة ضعف يتصيد منها فريسته
من خلال ما مررت به، ما هي أهم أسباب التطرف الديني من وجهة نظرك؟

أهم أسباب التطرف يمكن إيجازها في الفقر؛ وهو مناخ ملائم يركز عليه التطرف كنقطة ضعف يتصيد منها فريسته، وكثيراً ما ينجح، والأمراض النفسية الاجتماعية؛ وهي مناخ ملائم تتولد فيه عند البعض آراء متطرفة بسبب جبنهم، أو تعرضهم للظلم وضياع الحقوق، أو تعرضهم للبلطجة، ومع قلة حيلتهم وهوانهم على الناس ورغبتهم في التنفيس عن أنفسهم والانتقام لها، أو رغبتهم في الظهور كشيء مذكور تتولد منه الأحقاد والضغائن العميقة.
كما يتكوّن مجرمون في الظلام، لا أحد يعرفهم وسرعان ما يجدون ضالتهم في التطرف والإرهاب والجماعات التكفيرية حتى تكون لهم عزوة وسنداً ليحققوا مطامحهم الظلامية المريضة، وهؤلاء يحتضنهم المتطرفون بشكل مكثف جداً، ويزرعون فيهم، بكل سهولة، مركب الإمارة والبطولة ثم الجريمة والاستشهاد.

يتكوّن مجرمون في الظلام لا أحد يعرفهم وسرعان ما يجدون ضالتهم في التطرف والإرهاب والجماعات التكفيرية

ثم هناك أزمة الثقة حين ينجح التطرف والإرهاب في الظهور والفاعلية، وتصدر المشهد، فاعلم أنّ ذلك بسبب ما زرعه من أزمة الثقة بين الشعب وحكامه، أو بين الشعب والمؤسسة الدينية؛ فهو لا يتصيّد إلا في ماء عكر، وهو يستغل كلّ المنحنيات، وكلّ الظروف العصيبة التي تمر بها البلاد والشعوب، ويترصدها ليستغلها في إحداث أزمة الثقة، فهذا مناخ جيد بالنسبة إليه.
وأيضاً تقلص دور المؤسسة الدينية؛ فالدعاة الرسميون ينتظرون الناس في المساجد يوم الجمعة، وكلٌّ يعمل براتبه، ومن موقعه، وانتهى الأمر، وغياب دور المشاركة الأهلية التطوعية في العمل الدعوي، وعدم الرقابة على الفتوى، وعدم اتخاذ إجراءات قانونية ضدّ المتعالمين والجهلة والمجربين وميكانيكية الفتاوى، وأخيراً سلبية المواطنين.

وما علاج مشكلة التطرف والإرهاب برأيك؟
أهم وسائل العلاج، في رأيي، يمكن إيجازها في: التكافل الاجتماعي ومحاربة الفقر قدر المستطاع، والاهتمام بالصحة النفسية الاجتماعية وأبحاثها الميدانية؛ للكشف عن الحالات الدفينة الخطرة وتداركها قبل فوات الأوان، ثم مدّ جسور الثقة بين الناس وحكامهم ومؤسساتهم الدينية، ليعيش الناس تلك الثقة واقعاً ملموساً، ومحاربة البطالة؛ فهي معمل تفريخ للجريمة عامّة، والتطرف الديني خاصّة، والوقوف أمام الجهل.

للمشاركة:

لبنان نصرالله: أشلاء وطن مخدوع

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-22

منى فياض

بادرني السمكري فور دخوله لإصلاح عطل: "ما هذا يا سيدتي؟ كل هذا العنف والفلتان والفساد والسرقات العلنية من دون خجل؟"

إنه لسان حال المواطن العادي المذهول مما نحن فيه. بلد غارق في الفوضى والتهديد والتشويق! فقبل أن يستوعب إملاءات (الأمين العام لحزب الله) حسن نصرالله، قفزت إلى الواجهة قضية اعتداء طليق ابنة النائب في البرلمان اللبناني نواف الموسوي، عليها وعلى أطفالهما. يستند الطليق إلى نفوذ والده الديني، المرجع الذي يمثل خامنئي شخصيا! فحصل إشكال أمني جعل النائب يهاجم مركز شرطة مع مجموعة من أنصاره وحصل اعتداء وإطلاق نار.

اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي والصحافة والتلفزة بالتعليقات. وانقسم الجمهور بين مدافع عما ارتكبه النائب، بشكل غرائزي أحيانا، مبديا استعداده للقتل في حال تعرضت ابنته لأمر مماثل! جاء ذلك بالطبع كرد على إجحاف قوانين الأحوال الشخصية في المحاكم الجعفرية بحق المرأة المطلقة وحرمانها من حقها بالحضانة واضطهادها والإصرار على تزويج القاصرات. فابنة الموسوي زوجت وهي قاصر أيضا.

لكن ذلك لم يمنع قسما من الرأي العام من رفض خلط الأمور، للتغاضي عن سلوك النائب ولو بسبب الاضطهاد اللاحق بابنته. فهو عضو في حزب يرفض تعديل قوانين الأحوال الشخصية، وبدل أن يقوم بأعمال عنف تخرق القانون، ليس عليه سوى العمل على تعديل القوانين من داخل المجلس النيابي ومواجهة مرجعياته أو القبول بنتائج خياراته السياسية والدينية.

ردود الفعل هذه تبرهن على أن المواطن اللبناني أُفقد معيار الحس السليم الذي يقضي بالفصل التام بين القضيتين. إن الدفاع عن حقوق السيدة المعنفة وإدانة عنف الطليق، لا يعفي المواطن من إدانة سلوك والدها. فالنائب الموسوي ينتمي إلى منظومة حزب الله ذات السوابق في ممارسة العنف وتجاوز القوانين. وهو مارس مرارا الاستقواء باسم حزبه. مع أن زميله النائب محمود قماطي المحاضر بالعفة، كان قد بشرنا بأن "عصر الميليشيات قد ولى". وتبين أن انتهاء صلاحية الميليشياوية وقف على أعتاب حادثة الجبل.

وعلى رأي الصحافي طوني أبي نجم: "نحن في بلد الناس تتضامن فيه مع نائب سبق أن رفض إعطاء المرأة حقوقها بالقانون وقرر أن يأخذ حق ابنته بيده!".

النيابة العامة العسكرية طلبت الموسوي إلى التحقيق، فرفض الحضور، قائلا: "أبلغوني عبر مجلس النواب أو عبر رئيسه"، وفق ما أفادت قناة MTV. على الأرجح استند الموسوي إلى انقضاء أكثر من 24 ساعة على الحادثة، ما يستوجب موافقة البرلمان. فلننتظر الآن موقف البرلمان من القضية.

شكلت هذه الحادثة وغيرها، كشافا فاضحا لما آلت إليه الجمهورية اللبنانية في عهدة السلاح المقدس، الذي يزعم البعض أنه "ضمانة حدودنا وأمننا". من هنا صعوبة خداع النفس بعد خصوصا بعد خطاب نصرالله الأخير.. فالدويلة مسحت الدولة وقضت عليها.

حزب الله، ومن في دائرته لم يعد "يرى" الدولة، وبحسب تعابيرهم: "مش قاريينكم". فبالإضافة إلى السوابق العنفية للنائب الموسوي في شتم رؤساء جمهورية والتعرض لزملائه في الندوة البرلمانية؛ سوابق الحزب أكثر من أن تعد. سيطر على الدولة بقوة السلاح باجتياحه بيروت عام 2008 ما أنتج اتفاق الدوحة بما عناه ويعنيه من أثر على الداخل اللبناني. ناهيك عن قتله المواطن هاشم السلمان بدم بارد أمام السفارة الإيرانية وأمام أعين المواطنين والأجهزة الأمنية والكاميرات. وكان له فضل إسقاط حكومة الأغلبية النيابية بمجرد إنزال أصحاب القمصان السود إلى الشارع عام 2011. ناهيك عن ملفه المثقل في المحكمة الدولية المكلفة بالتحقيق باغتيال الرئيس رفيق الحريري ومن قضوا معه. كما رفض علنا تسليم المتهم بمحاولة اغتيال النائب السابق بطرس حرب والمتهم بقتل الطيار في الجيش اللبناني سامر حنا، وغيرها من من الارتكابات والمخالفات.

لكن ذلك لا يمنع المرشد من التبشير بمحاربة الفساد وأهمية الاستقرار؛ في وقت ينقض فيه على الدولة راغبا، ليس فقط بالسيطرة على مناوئيه، بل بإخراسهم وتركيعهم، لاغيا آخر مظاهر الدولة، حتى الشكلية، بعد أن أنجز مهمته وتمكن من فرط عقد المعارضة النيابية المعروفة بـ 14 آذار، ونجح في تقسيم المسيحيين، وقسم الطائفة السنية بالقوة. لم يبق أمامه سوى تركيع النائب السابق وليد جنبلاط وتقسيم الدروز؛ بطريقة أو بأخرى. فخطابه كشف أنه خلف المطالبة بالمجلس العدلي لتكرار سيناريو سيدة النجاة التي سجن جعجع بسببها.

لكن تصاعد وتيرة العقوبات جعلته "يكتشف" وجود شعب في لبنان، وهو شعب عليه أن يشعر بالإهانة من العقوبات التي طالت نائبين من كتلة حزب الله. أما القضاء على دولته ومواطنيته فلا يعد إهانة موصوفة! والدعاوى التي رفعها بشار الأسد بحق عدد من النواب والشخصيات، ناهيك عن طلب الإعدام بحق رئيس الحكومة نفسه، لا تستحق التعليق.

كنا نزعم أن الثورات والمقاومات غايتها الدفاع عن الشعب وتأمين حياة كريمة ووطن سيد مستقل. لكننا وجدنا العكس عند "المقاومة الإسلامية"؛ فمنذ "الانتصار الإلهي الموصوف" في عام 2006، والوضع في لبنان في تدهور مستمر. تراجع النمو الاقتصادي من 8 في المئة قبل 2011 إلى صفر في المئة عام 2019، ويقال إنه أقل من ذلك.

بماذا أتحفنا خطاب نصرالله الأخير؟ من ما يقرب ثلاث ساعات ونصف الساعة، أمضى أكثر من 3 ساعات في الدفاع عن النظام الإيراني، كأنه الناطق الرسمي باسم إيران. ويجد بعض المعلقين أكثر من ذلك، إذ إنه تكلم باسم خامنئي شخصيا وكأنه مكلف بإرسال الرسائل باسمه؛ فقد جاء خطابه في عناوين صحيفة كيهان: (نصرالله، في أي حرب لن تكون "إسرائيل" محيّدة وإيران أول مَن تدمّرها). وكتبت صحيفة الوفاق الايرانية الدولية تعليقا: "السيّد نصرالله خاض حربين وانتصر فيهما: الأولى عندما حرّرت المقاومة بزعامة حزب الله الجنوب عام 2000، وأنهت الاحتلال الإسرائيلي، بعد إذلاله وإدماء أنفه. والثانية عندما تجرّأ هذا العدو على شن العدوان على لبنان عام 2006، ودفع ثمنا باهظا أبرز عناصره انهيار الثقة بجيشه الذي قيل إنه لا يُهزم. ولا نعتقد أن الانتصار الثالث بات بعيدا، خصوصا إذا اندلعت شرارة الحرب في المنطقة بتحريض إسرائيلي... والله أعلم".

إنهم يبشرونا بحرب ثالثة إذن!

يعيب نصرالله على الإسرائيليين خوفهم من الخسائر البشرية! كما سبق لحزبه أن أعاب على رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة بكاءه أثناء الحرب. بالطبع؛ فنصرالله لا يهمه لا البشر ولا الحجر، فهو خرج "منتصرا" في حرب 2006 بعد الدمار الموصوف التي سببته لكليهما. أرواح البشر عنده أرخص كثيرا من الصواريخ التي يتباهى بها.

وحين يعدد لنا المرافق الإسرائيلية التي يهددها، وأمام نوعيتها المتطورة علميا وتقنيا، لا يرف له جفن أو يبدي ذرة أسف أمام التخلف المعيب الذي تسببت لنا بها سياساته.

تهديداته إسرائيل أثارت السخرية. وعلى ما يصف بعض المعلقين الفيسبوكيين: "يهدد إسرائيل بالعودة إلى العصر الحجري؟ أجل لأنه أدرى بذلك؛ جعل لبنان في وضع أسوأ من العصر الحجري: أنهار ملوثة، مجاري في مياه الشرب، نفايات وتلوث الماء والهواء والتربة، موت بالسرطان بالجملة، سرقات علنية وصفقات ولحوم وحبوب وأدوية فاسدة، ناهيك عن المخدرات والكبتاغون. قتل ودماء وذبح وحروب وعداوات وكيد ومكر وكذب وارتهان وعمالة وخيانة وتأخر".

وفي هذا الوقت، قدم النائب الموسوي استقالته، ما جعل البعض يعلق أنها "وسام يعلق على صدر الحزب". في نفس الوقت جاء في الأنباء: "نفى مدير مكتب الوكيل الشرعي للسيد علي الخامنئي في لبنان الشيخ محمد المقداد المعلومات المتداولة عن استقالته من منصبه". يعنى أن لا وسام يعلق ولا من يحزنون، إنه صراع بين مرجع ديني ومرجع سياسي في الحزب، وبالطبع الغلبة للديني.

هل سيثق المواطن بقيادة قدت من صوّان؟

عن "الحرة"

للمشاركة:

القوميات الإثنية والهويات المتنقلة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-22

السيد ولد أباه

في أوج الحراك الشعبي المستمر في الجزائر، ظهرت «الأعلام الأمازيغية» مجدداً في تحد لقرار الحظر الذي اتخذته قيادة الجيش التي ترى عن حقق أن في الأمر تهديداً للوحدة الوطنية الجزائرية.
أحد رموز الحركة الأمازيغية الجزائرية ظهر في إحدى القنوات التلفزيونية الفرنسية ليعلن بصراحة أن أمازيغ الجزائر عازمون على مواجهة «هيمنة الأقلية العربية» على الدولة، داعياً إلى إعادة البلاد إلى «هويتها الأصلية» وإلى الخروج من الانتماء القومي العربي ومن المؤسسات الإقليمية العربية، بل من التزامات الموضوع الفلسطيني والاعتراف بإسرائيل، والتعاون الوثيق معها.
وقد تكون هذه النغمة نشازاً، لكنها أصبحت ملموسة مسموعة في منطقة شمال أفريقيا بما فيها تونس التي تقلص فيها وجود المجموعات الناطقة باللغات الأمازيغية إلى عدد قليل لا يذكر. وفي موريتانيا التي لا توجد فيها حركة أمازيغية، برزت خلال الانتخابات الرئاسية نغمة قريبة من هذا التوجه لدى أحد المرشحين طالب فيها بإعادة بناء الدولة وتوزيع علاقات السلطة فيها بين ما أسماه «المجموعة العربية البربرية» المهيمنة والمجموعة «الزنجية الأفريقية»، وحتى لو كان هذا المترشح لم يحصل إلا على نسبة هامشية من الأصوات في الانتخابات الأخيرة، فإن هذه النغمة كانت حاضرة في الاستحقاقات الماضية.
وفي المشرق العربي تصاعدت هذه النزعات «الاثنو قومية» حسب عبارة الفيلسوف السنغالي سليمان بشير ديان، وتجاوزت الطابع العرقي المباشر (الأكراد والتركمان..) إلى حد تحويل الهويات الدينية والطائفية إلى نزعات قومية مقابل الانتماء العربي المشترك، مع العلم بأن المشروع القومي العربي صاغه في الأصل وحمله المارونيون والدروز والعلويون.. وغيرهم من العرب الذين لا ينتمون للأغلبية المسلمة السنية العربية.
ما يتعين التنبيه إليه هنا هو أن مفهوم الهوية في مكونه الثلاثي (اللغة -الثقافة -الإقليم) لا يحيل إلى رابطة عضوية موضوعية ولا إلى انتماء أصلي، بل هو حصيلة سياسات واستراتيجيات مرسومة في خطاب سياسي اثنوغرافي يعود في أصوله البعيدة إلى المدرسة الاستعمارية كما بينت الدراسات ما بعد الكولونيالية الراهنة.
المفارقة المثيرة هنا هي أن الدولة الوطنية التي قامت في أوروبا الحديثة بدور حاضن المواطنة وإطار الاندماج الاجتماعي الناجح هي التي أججت في بلدان الجنوب الصراعات الاثنو قومية.
لا يعني الأمر هنا أن الانتماءات الدينية والاثنية بمعنى ما لم تكن قائمة، لكن الطابع الإمبراطوري للدولة كان يسمح لمختلف «الأقوام والملل»، حسب التسمية التراثية القديمة، أن تتعايش وتتداخل كهويات مجموعاتية متمايزة، فضلاً عن كون هذه الهويات ظلت خاضعة للتعديل المستمر والانتقال الدائم.
في العالم العثماني كرست سياسات التدخل الأوروبي، التي بدأت منذ القرن الثامن عشر، فكرة التمايز الاثنو قومي من خلال إجراءات حماية الأقليات والمقاربات الاثنوغرافية التي أدخلت فكرة «العرق» والأمة (بمفهومها القومي) إلى الحقل السياسي، قبل أن تنفجر النزعات القومية من الجناح البلقاني والشرق أوروبي للإمبراطورية العثمانية.
وفي المنطقة الصحراوية السودانية من أفريقيا (غرب الصحراء والساحل الأفريقي) تبلورت المقاربة السياسية الاثنوغرافية نفسها بعد تفكيك إمبراطوريات غرب ووسط أفريقيا، بصنع الهويات الاثنية المتمايزة التي لم يكن لها معنى في منظومة تقوم على الامتزاج والتداخل المستمر والتنقل الدائم ما بين الهويات والانتماءات بحيث لم يكن الدين ولا اللغة ولا الإقليم عناصر محددة في الوعي المجموعاتي.
وفي شمال أفريقيا، بلورت الأدبيات الاستعمارية الفرنسية «الأطروحة البربرية» التي لم تكن قائمة، وحاولت تكريسها من خلال نظم قانونية وتربوية وإدارية خاصة.
والغريب في الأمر، أن نموذج الدولة القومية في أوروبا قام في عمومه على بناء منظومة مواطنة على أساس الشرعية القانونية العقلانية والهوية المفتوحة المندمجة، كما اضطلعت الدولة البيروقراطية بمشروع البناء الاندماجي الاجتماعي الذي قضى على الانتماءات العرقية والقبلية، في الوقت الذي اعتمدت هذه الدول الأوروبية المقومات العرقية الاثنوغرافية المصطنعة في الهندسة السياسية للدولة الكولونيالية.
ومع أن النزعات القومية التحررية الأولى تبنت قيم الحداثة السياسية والتنوير وفكرة المواطنة المتساوية، فإن فشل «دولة الاستقلال» في إدارة التنوع الاجتماعي أفضى في كثير من الحالات إلى النكوص بالنزعة القومية الكونية إلى الدلالة الاثنو قومية الضيقة.
لقد لاحظ الفيلسوف الكاميروني «اشيل امبمبة» أن العالم يعرف حالياً موجةً جديدة من إعادة الانتقال السكاني الواسع، لا يمكن اختزالها في موضوع اللجوء القسري والهجرة، بما يضع المنظور السياسي للدولة الإقليمية السيادية في ورطة لعجزها الفكري عن إدارة مفهوم المواطنة المتنقلة والهوية غير الإقليمية. كما أن هذا التحول يضع الديمقراطيات الأوروبية في ورطة لكونها قامت أصلا على حصر الحريات والحقوق في دائرة المماثل الشبيه والساكن المحلي، بما يؤدي بها إلى مأزق حقوقي وإنساني حاد في مواجهة المسؤوليات المترتبة على انهيار المجتمعات والدول التي هي حصيلة آثارها في الحقبة الاستعمارية.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية